وسام سعادة

هل ثمّة ما يستأهل المقارنة بين خطاب «الحركات الإسلاميّة» مأخوذة بمجملها، لكنْ من الزاوية التي وصلت إليها في لحظة «الربيع العربيّ»، وبين خطاب الحركات النسويّة مأخوذة في مسارها الإجماليّ، غير مسقطين من حسابنا الطابع المقلق لتقدّم الحركات الإسلاميّة في «العام الربيعيّ العربيّ الثانيّ» بالنسبة إلى حقوق وتطلّعات النساء بالدرجة الأولى؟

قد يكون الدافع المباشر إلى طرح هذا الإشكال واقعة تعايش الحلم والكابوس في وقت واحد. فما يستند اليه «الحلم» هو أنّ تفكيك المنظومة العربيّة للاستبداد يطرح بشكل لا مناص منه قضيّة تحرّر المرأة العربية من كافة أشكال الاضطهاد والاستغلال والقمع والتعذيب والإقصاء والكراهية الخاصة بها كمرأة، فضلاً عن أشكال الظلم المشتركة بينها وبين الرجل، كما أنّ التحرّر السياسيّ يطرح بشكل عضويّ قضية الحرّيات العامّة، والخاصّة ومن خلالها قضية التحرّر الجنسيّ والإصلاح القانونيّ الملازم له. أمّا «الكابوس» فهو أن يكون تحرّر الرّجال العرب من المنظومة الأمنيّة للاستبداد مدخلاً إلى فرضهم منظومة أهليّة أكثر رسوخاً له، من خلال توسيع نطاق اضطهاد واستغلال وقمع واقصاء وكراهية النساء، بحيث تنقلب الآية التونسّية: فالدولة الأمنيّة في تونس قبل «ثورة الياسمين» كانت تعلي من شأن «حقوق المرأة» وتصادر «حقوق الإنسان». الكابوس هو بالتالي، مفهوم «ربيعيّ» مسخ لـ «حقوق الإنسان» العربيّ يتطوّر في الاتجاه النقيض تماماً للمسار الذي اتخذه مفهوم «حقوق الإنسان» على الصعيدين الغربيّ والعالميّ: فهذا المفهوم بدأ «ذكوريّاً» و«مجرّداً» ثم بُذل جهد محموم، فكرياً كما تشريعياً، لإخراجه من ذكوريّته من ناحية، ولتجسيده ليكون من لحم ودم بدلاً من تجريده، من ناحية ثانية. والخوف إذاً من أن تكون «حقوق الإنسان» في ظلّ «الربيع العربيّ» المحكوم بوطأة الحركات الإسلامية، تسلك المسار النقيض، أي باتجاه «تلفيقي» بما يعني بالضرورة المزيد من «التذكير» و«التجريد»!

ويتفرّع عن هذا التعايش بين الحلم والكابوس مساران «احتماليان»: فإمّا أن يكون الربيع العربيّ هو المدخل لنشأة حركات نسوية وازنة في طول وعرض العالم العربيّ، وبالشكل الذي تحتلّ فيه موقعاً طليعيّاً بل «قيادياً» في مناهضة التيّارات الإسلاميّة، وبما يؤشّر إلى أنّ المشكلة الرئيسية لهذه التيّارات اليوم لم تعد مع «الديموقراطيّة» بالمطلق، ولا مع الفكرة الوطنيّة الحديثة بالمطلق، وإنّما مع المرأة بالدرجة الأولى، إنّما بشكل جذريّ وملموس. وإمّا أن يكون هذا الربيع هو المدخل لإنكماش الحركات النسوية وبقائها في أسر عملية ابتهال رموز النضال النسويّ العربيّ، أو ملحقة بالتيّارات الليبرالية والعلمانية ذات الطابع الذكوريّ، أو مأخوذة كرهينة بعض الأنظمة التسلّطية في لحظة انهيارها، وهي تضمّ المرأة العربية إلى «تحالف الأقليّات» المساندة لها عند الشدّة، بحجة مقاومة الهجمة السلفية، أو مغامرة بالانتظام «الاستسلاميّ» أو «الدخوليّ» في إطار «اسلامويّ» ما، أي التصاقاً بمماحكات لا آخر لها عنوانها الأبرز «التجديد في فقه المرأة»!

1- «استعمار» المسلمين و«استعمار» المرأة

لكن وراء هذا «الدافع المباشر» لطرح إشكال الحركات الإسلامية من جهة، والحركات النسوية من جهة، من زاوية مقارِنة، وقبل كلّ شيء، التعرّف إلى ماهية الحركات الإسلامية نفسها، وبشكل أساسيّ النظر في ما يجعل البنية الذهنية لهذه الحركات الإسلامية، ولا نقول البنية الأيديولوجية فقط، محكومة أكثر من سواها بتركيبة الإختلاط الحاد بين الحلم والكابوس، أي بين التحرّر من الاستبداد والوقوع فيه أو تجديده، بدعوى اعتبار التحرّر نفسه استبداداً، وكيف أنّ هذه البنية «التخليطية» بشكل عضويّ بين الحلم والكابوس، تشبه في مكان ما، إشكالية طرحها الخطاب النسويّ على نفسه، بشكل أكثر صراحة، ويستطيع أن يتجاوزها بشكل أكثر نجاعة بكثير. فإلى حد معيّن، يمكن اعتبار الخطابين الإسلامي والنسويّ بمثابة حواشٍ لا تنتهي على السؤال الافتتاحي عند اسبينوزا لعملية تفكّر علاقة اللاهوت بالسياسة: «لماذا يسعى الناس من أجل استعبادهم كما لو كان تحرّرهم؟».

عند الإسلاميين أنّ التحرّر الفاقد لشروطه، أي غير المستند إلى حجيّة النصّ، وغير المتقيّد بمرجعية السلف الصالح، يمكنه أن يتطوّر كشكل من أشكال الاستعباد أو معاودة الاستعباد ما لم يجر تقويمه. وعند النسويّات أنّ التحرّر الفاقد لشروطه، أي غير المستكمل بحرّية النصف الأنثويّ من المجتمع، هو أيضاً شكل من أشكال الاستعباد أو معاودة الاستعباد ما لم يجر تقويمه. طبعاً، هذا يعني أنّه يمكن أن ينظر الإسلاميون إلى «الحريّة» النسويّة كشكل من أشكال الاستعباد أو معاودته، ويمكن أن تنظر النسويات إلى «الحريّة» الإسلاميّة كشكل من أشكال الاستعباد أو معاودته. لكن هذا لا يمنع، بل يوجب، تشابهاً في عملية التركيب المنطقيّ لحجيّة التحرّر عند الإسلاميين من ناحية، والنسويّات من ناحية أخرى. والسؤال هو، إلى أي حد لا يكون هذا التشابه «شكلياً» فقط، أي إلى أي حد يمكن لهذا التشابه أن يفتح كوّة في الجدار، أو يمدّ جسراً بين النقيضين؟

ففي الحالتين ثمّة مكان لرؤية الموضوع من زاوية «نزع الاستعمار»: التحرّر هو عملية «نزع الاستعمار» الوضعيّ عن الذات المسلمة، من جهة الإسلاميين، وهو ما لا يتأتى إلا بمرجعية إسلامية. كما أنّ التحرّر هو عملية «نزع الاستعمار» الذكوريّ عن المرأة، من جهة النسويّات، وهو ما لا يتأتى إلا بمرجعية نسويّة. في الحالتين الإسلامية والنسوية نحن إذاً أمام حركات وأمام ممارسات خطابية استبقت بعقود نشأة ما بات يعرف بـ «الدراسات ما بعد الكولونيالية»، للتوسّع في استخدام ثنائية «استعمار - نزع استعمار» ثم ثنائية «نزع استعمار مباشر - نزع استعمار غير مباشر»، خارج الحقل الدلالي التاريخيّ للظاهرة الاستعمارية، وأيضاً بما يزيد عن مجرّد التوظيف المحدود للمجاز. في الوقت نفسه، نحن أمام مسارين مختلفين: خطاب نسويّ يعيد انتاج نفسه بشكل مغاير ومتفلّت أكثر فأكثر من هذه الثنائيات، بل يطوّر نفسه كخطاب مجاوز للثنائيات والجوهرانية في تعريفه، ويتمكّن في إطار تطوّر «الدراسات النسوية» من الاستعانة بـ «الدراسات ما بعد الكولونيالية» حين يلزم الأمر (الدور الاستعماريّ للمرأة الأوروبيّة وليس فقط الرجل الأوروبيّ، السمة الخاصة لعذابات النساء في المستعمرات والمميزة عن عذابات الرجال، نزع الطابع الكولونياليّ عن الحركة النسوية نفسها)، لكن التباين أيضاً وبشكل عميق، إن لزم الأمر، وعلى هذا النحو مثلاً تبرز آليس لوغوف الافتراق بين غياتري سبيفاك التي توافق على «الجوهرانية الاستراتيجية» أي تسوّغ أن تكون هناك منفعة من الإحالة بشكل مؤقت إلى مقولات مجوهِرة للهويّة عندما يتعلّق الأمر بتعبئة جماعية، وبين جوديث باتلر التي تذهب بعيداً في رفضها هذا التصوّر عن السياسة النسوية، رافضة أن تكون الهوية (وبالتالي تحرير الهوية أو استردادها) في أساس السياسة النسوية[1]. وفي المقابل، تطوّر الخطاب النسويّ، كما تطوّرت «الدراسات النسويّة» بالشكل الذي طرح على نفسه أهمية الإفلات من اثنتين: فإن كان التخلّص من الثنائيات والجوهرانية مطلوباً من ناحية، فإنّ عدم الوقوع في رؤية كل شيء على أنّه تصنيفات خطابية يجري انشاؤها واعادة انشائها، هو مطلوب أيضاً. من هذه الناحية، يمكن طرح السؤال عما إذا كان الخطاب الإسلاميّ تطوّر في الاتجاه المعاكس، وعمّا إذا كان محكوماً بالتطوّر في الاتجاه المعاكس، أي المزيد والمزيد من الإغراق في الثنائيات والجوهرانية من جهة، والمزيد والمزيد من رؤيته لنفسه ورؤية كل شيء حوله على أنّه تصنيفات بيانية وخطابية؟ ويمكن تبسيط السؤال على نحو آخر: هل يمكن تقديم النصح لصناع الخطاب الإسلاميّ أو المهمومين بتطويره بأن يطلعوا على الخطاب النسويّ في عملية تطويره؟ وهل يمكن قبل كل شيء تقديم النصح لدارسي الخطاب الإسلاميّ والحركات الإسلامية المعاصرة، وخصوصاً في هذه اللحظة المتشابكة والمحتدمة، أن ينتفعوا بمقارنة ما بين الخطاب الإسلاميّ وبين الخطاب النسويّ؟

2- زحمة المقارنات... والطابع «الموراسيّ» للحركات الإسلامية

إلى الحين، ما كانت هذه أبداً زاوية النظر، فعلى الرّغم من أنّ «مسألة المرأة» أخذت حيّزاً أساسيّاً من النظر في واقع وتوجّهات الحركات الإسلاميّة، غير أنّ المقارنة بالحركات النسويّة ظلّت في قيد «غير المفكّر به»، إن لم يكن في إطار «غير المطروح أساساً» في المقابل، لم تكن قليلة المقارنات، ومعها فوضى الاستعارات والتشبيهات والإحالات والإسقاطات، التي استجلبت، منذ نشأة الحركة الإسلامية المعاصرة، بتأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مدينة الإسماعيلية أواخر العشرينات وإلى يومنا ذا، لفضّ «غموض» هذه الحركة (في احد نصوصه يسأل حسن البنا نفسه: هل الإخوان غامضون؟).

جرت المقارنة مثلاً، باستعادة نتف من تاريخ الحركة الإشتراكية وانقسامها بين إصلاحيين وثوريين، أو من تاريخ الحركة المحافظة في البلدان الأوروبيّة وتطوّرها بإتجاه «الديموقراطيّة المسيحيّة». ومن لم يجد ضالّته في تاريخ الكثلكة الحركيّة، عاد أدراجه للبحث عن نظائر ومظاهر تذكّر بالحركات الإسلاميّة في سجلات الإصلاح البروتستانتي والحركات الطهورية، مشفوعاً من هذه الناحية بإحالات ذاتيّة وجزئية إلى هذه السجلات في كتابات روّاد الإصلاح الإسلاميّ أنفسهم، نهايات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين (خصوصاً محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي).

وطبعاً ثمّة من أطلق العنان للهوى الاستشراقيّ، بالمعنى غير النقديّ للكلمة، فراح يقفز على الحقبات التاريخيّة ويخلط بينها، متكلّفاً إظهار مصادر الحركات الإسلاميّة الحديثة في غياهب التراث وصراع الفرق وعلم الملل والنِحَل، متواطئاً بذلك مع الكيفيّة الأيديولوجيّة التي تتمثّل بها الحركات الإسلاميّة الحديثة والمعاصرة نسبها وأصولها ومصادرها وافتراقاتها، وبالشكل الذي جعل من الصراع أو التزاحم على تحقيق شرط «الفرقة الناجية» بمثابة القانون الحركيّ بإمتياز الذي يفسّر به تاريخ الإسلام الحركيّ الحديث.

وفي هذا مطبّ معرفيّ وذهنيّ يعيق إنتاج الحدّ المقبول من الإلمام بخصائص الظاهرة التي تشكّلها الحركات الإسلاميّة الحديثة منذ تأسيس الجماعة الإخوانيّة، فضلاً عن الممكنات التي يختزنها مسار هذا الحركات، في هذا المنعطف بالذات، لأنّه منعطف يشي بتجاوز ثنائية «النجاة الأخروية للفرد الدنيويّ» و«النجاة الدنيويّة للجماعة الأخروية» إلى النجاة كأفق أوسع نطاقاً، وأكثر تشتتاً وضياعاً في آن.

وكما وجد من يغرف من تواريخ الحركات الإشتراكية والمحافظة والكاثوليكية السياسية، ومن تاريخ الفرق، للخروج باستعارات وإحالات وإسقاطات تساق في إطار التعرّف على سمات الحركات الإسلاميّة، وجد أيضاً من حاول وضع هذه الحركات في إطار فضفاض من الحركات الشعبية التي عرفتها المستعمرات الأوروبية في مرحلة تأزّم السيطرة الاستعماريّة ثم انحسارها أو جلائها، إمّا لإدراج الحركات الإسلاميّة، أو بعضها، كشكل من أشكال حركات التحرّر الوطنيّ، وصولاً إلى مقارنتها أو مقابلتها مع ظواهر «لاهوت التحرير»، وإمّا لتصنيف هذه الحركات، أو بعضها أيضاً، في الموقع النقيض لحركات التحرّر الوطنيّ.

وقد يكون مشرّعاً في هذا المجال، وفي البال مفهوم «الثورة المضادة» كما انتشر أوروبياً وروسياً في القرنين الماضيين، أن يطرح السؤال عن امكانية تمثّل الحركات الإسلامية لا بمعنى «تحرّر وطنيّ من نوع آخر» (مقولة الحركات الوطنية الدينية)، ولا بمعنى المزاحم أو المواجه لحركات التحرّر الوطنيّ (مقولة «الرجعية»)، إنّما بمعنى يجمع بين كلّ هذا في وحدة «التحرّر الوطنيّ المضاد».

فـ «الثورة المضادة» أوروبياً وروسياً ظلّت مفهوماً حائراً بين منطلقين:

المنطلق الأوّل، كان حذراً، مع جوزيف دو ميستر في أن لا تقع «الثورة المضادة» في شرك الثورة، فتصير ثورة على الثورة، وتكون الثورة نجحت بالتالي في نقل العدوى إلى نقيضها. أراد دوميستر أن تكون «الثورة المضادة» مضادة لفكرة الثورة نفسها، كي تكون قادرة على تقويض النظام الثوريّ نفسه، واستئناف النظام القديم، وإلا ما عاد من الممكن اعتبار هذا النظام القديم هو الحالة الطبيعية والنظام الثوري هو الحالة غير الطبيعية إذا ما تساوت الثورة والثورة المضادة في ارتكاب فعل الثورة.

المنطلق الثاني، لم يعد حذراً، في مرحلة تاريخية تالية، ابتداء من شارل مورّاس وحركة «العمل الفرنسيّ»، من أن يتبنّى فكرة وأسلوب الثورة، ضدّ المنظومة التنويرية الجمهورية العلمانية المستندة إلى الثورة الفرنسية، وبالتالي صارت النظرة إلى «الثورة المضادة» كثورة بكل ما للكلمة من معنى، إنّما لنقض الثورة التنويريّة بأخرى محافظة.

بإزاء هذه الترسيمة، يمكن كذلك القول بأنّ الحركات الإسلامية «موراسيّة» على نحو ما: لا ترتجي العودة إلى «ما قبل الاستعمار» أو إلى «ما قبل التحرّر الوطنيّ» بقدر ما تبحث عن «التحرّر الوطنيّ» من حيث هو، في آن، تحرّر من «تركة التحرّر الوطنيّ كما نعرفه» (= ما نسميه بـ «الأنظمة») وحركة وراثة هذه التركة في الوقت نفسه.

ولئن كانت الإشكالية «الجهادية» للحركات الإسلامية قد وجدت نوعاً من تصريف لها في الجدل حول موقع الحركات الإسلامية من التحرّر الوطنيّ (فلسطين، لبنان، كشمير، الشيشان)، فإنّ استئثار «الطالبان» بأفغانستان، وحمايتها لـ «تنظيم القاعدة»، ثم تفجيرات نيروبي ودار السلام وصولاً الى اعتداءات 11 أيلول وتفجيرات لندن ومدريد، والمدى الواسع النطاق للعمليات الانتحارية في العراق بعد احتلاله، أعادت تحريك إغراء المقارنة بين الفصائل الأكثر تشدّداً وعنفية من الحركات الإسلاميّة وبين التنظيمات الفاشية الأوروبية في مرحلة ما بين الحربين، فكان سجال وأخذ وردّ حول مقولة «الإسلافاشية» أو «الإسلاموفاشية»، وهل تنطبق، وعلى من تنطبق، وكيف لا تكون هي نفسها مقولة عنصريّة، عندما تطبق على أبناء المستعمرات والمستعمرات السابقة، في حين أنّ الصلة بين «الفاشية» و«الإمبريالية» كانت من محدّدات التفكير الغربيّ حول الفاشية قبل ذلك.

وسط كلّ هذا الدغل من الاستعارات والإحالات والإسقاطات والتشبيهات، وفيها ما يحرّض على التفكير، وفيها ما يحول دونه، لربّما كان من الصعب، بل من المستهجن، إيجاد منفذ مغرٍ، لمقارنة من نوع آخر، تجري هذه المرة، بين الحركات الإسلامية في مجموعها، وبين الحركات النسوية، في مجموعها، مع أنّ تاريخ نشأة وازدهار الحركات الإسلاميّة يكاد يكون مقارباً لتاريخ نشأة وازدهار الحركات النسويّة.

كيف تجوز هذه المقارنة، سوف يُقال، والحركات الإسلامية بطريركية وذكوريّة بامتياز، بل إنّ الإسلام متهم بأنّه أكثر التراثات الدينية بطريركية وذكوريّة في عالم اليوم، وهذه الحركات لا تألو جهداً لتجعله أكثر بطريركية وذكوريّة مما هو عليه إسلام المسلمين في الراهن؟

3- «جنس الإسلام» و«دين المرأة»

الدعوة إلى المقارنة بين الحركات الإسلامية والحركات النسوية يمكن أن تواجه بثلاثة ضروب من «سوء الفهم»:

• فقد يستوعب منها فقط ذلك المبحث الجزئيّ، المتّصل بشرط امكان حركة نسويّة - إسلاميّة في وقت واحد، أو أقلّه الاستفهام حول احتمالات أو بوادر «تأنيث» الحركة الإسلامية بمعنى «تخفيف حدّة ذكوريتها».

• أو قد يفهم أنّها الدعوة إلى إقامة المواجهة النموذجية بين الحركات الإسلامية من حيث هي حركات ذكوريّة بامتياز، وبالتالي «مضادة للنسويّة»، وبين الحركات النسويّة، بما يطرح موقف الأخير من الإسلاميين، وكيفية عدم الوقوع في مطبّات «رُهاب الإسلام» أو «الكراهية ضدّ المسلمين» في الوقت نفسه، خصوصاً وأنّ مسألة «المرأة» استخدمت منذ وقت طويل في هذا الإطار.

• أو قد يستذكر البعض رأياً كان له وقع ذات يوم في تاريخ الإستشراق، ويميل إلى «تأنيث الإسلام» من ضمن «تأنيث الشرق» و«تأنيث القلب» في مقابل «تذكير العقل» و«تذكير الغرب»، وصولاً حتى إلى «تذكير المشتهى الغربيّ عن الجمال الأنثويّ».

هذه الضروب الثلاثة من «سوء الفهم» يمكن أن يسارع المرء إليها، بما يحول بينه وبين تسويغ المقارنة بين الحركات الإسلامية والحركات النسوية، واستعجال الخلاصة بأنّ هذه المقارنة ليس فيها جديد معرفيّ أو عمليّ يمكنه أن يحصّل، وهي مضيعة للوقت، وأفضل منها السؤال عن موقف الحركات الإسلامية من المرأة والنساء والنسويات، والحركات النسوية من الإسلام والمسلمين والإسلاميين.

مع ذلك، لو التفتنا الى ضروب «سوء الفهم» الثلاثة هذه لوجدنا حيّزاً مشتركاً، ولو كان على جانب كثير من الإبهام، بين الحركات الإسلامية والحركات النسوية، بحكم كونها، على علاقة أساسية وعضويّة مع مسألتي «الجسد» من جهة، و«الهوية» من جهة ثانية، بشكل يزيد منسوبه عن المقارنة مع حركات وظواهر أخرى. فهذه الضروب الثلاثة من «سوء الفهم» توضح، وإن بطرق بالغة التعرّج، أنّ «غير المفكّر به» في خطاب الحركات الإسلامية، هو السؤال عن «جنس الإسلام» (الإستشراق الكلاسيكيّ مال إما إلى التذكير الجوهرانيّ للدين الحنيف وإما إلى تأنيثه)، في حين أنّ «غير المفكّر به» في خطاب الحركات النسوية، هو السؤال عن «دين المرأة» (تجاوز الثلاثية الذكورية للدين الطبيعيّ والدين المنزل والدين الوضعيّ، والثنائية الذكورية للإيمان والإلحاد، انطلاقاً من الكشف عن الطبيعة الذكوريّة المركزية لتقسيم المعاش الاجتماعيّ الإنسانيّ بين «طبيعيّ» و«ثقافيّ» و«تشريعيّ»).

الجسد حاضر طبعاً في الحركات الاشتراكية والفاشية والكاثوليكية المحافظة، وقبل ذلك في حركات الإصلاح البروتستانتي، وقبله في تاريخ الفرق، أي في كل المقارنات التي اصطنعت لفهم الحركات الإسلامية المعاصرة. لكن الطابع «المجنسن» للجسد في الحركات الإسلامية لا يقارن إلا بالطابع «المجنسن» للجسد في الحركات النسوية. في الحالتين نحن أمام خطاب مهموم بالصراع على «جسد مجنسن»، وبالسيادة على «جسد مجنسن»، والبحث في «سيادة الجسد المجنسن على نفسه». وبهذا المعنى، يمكن المجازفة بالقول إنّه مع «نظرية الكوير» انتقلت النسوية إلى مرحلة ثالثة بعد التثنية الجنسية (ذكر - مؤنّث، ومحورية فكرة «المساواة») والتعددية الجندرية (الهويات الجنسانية المختلفة، ومحورية فكرة «الحريّة» كحريّة مغايرة متواصلة بالدرجة الأولى) إلى بناء تصوّر للجنسانية كـ «سنن ذات طابع مستقبليّ». طبعاً يحتاج ذلك لإطلاق سراح مفهوم «السنن» بحيث يمكن استخدامه على هذا النحو. فالفكر النسويّ تطوّر باتجاه القول بأنّ «السنن» لا يمكن أن تكون «سنناً» إلا إذا كانت مفتوحة عضوياً على البعد المستقبليّ. في المقابل، الفكر الإسلاميّ ينطلق من أنّ «السنن» لا يمكن أن تكون «سنناً» إلا إذا كانت بالأساس مستندة إلى البعد الماضويّ، وإذا كان الإستناد إلى الماضي فيها مدعوما بضمانة غيبية مستمرّة في الحاضر والمستقبل. أيّاً يكن من شيء، في الحركات الإسلامية أو في الحركات النسوية، ثمّة «انهمام بالسُنن» التي تطرح من خلالها، أو ترجع اليها، اشكالات «الجسد المجنسن»، وليس فقط «انهمام بالذات» على نحو إطلاقيّ ومجرّد، والتجريد يعني في المقام الأوّل «غير المُجنسن».

يعني ذلك أنّ سؤال «الهويّة» حين تطرحه أو تغادره الحركات الإسلامية أو الحركات النسوية ليس سؤالاً «دينياً» فقط عند الحركات الإسلاميّة، وليس سؤالاً «جندريّاً» فقط عند الحركات النسويّة: بل إنّه في الحالتين سؤال حول «الجسد المجنسن»، وبالتالي سؤال لاهوتيّ - بيولوجيّ في آن، مع غلبة وجهه هذا هنا، ووجهه ذاك هناك، وبالشكل الذي يجعل من تفعيل المقارنة بين الحركات الإسلامية وفكرها وبين الحركات النسوية وفكرها، مدخلاً إلى تعرّف كلّ مجال على نفسه بشكل أفضل. فالمضمر في خطاب «السياسة الشرعية» عند الإسلاميين هو هذا السؤال عن «البيولوجيا السياسية الشرعية»، كما أن المضمر في خطاب «السياسة النسوية» عند النسويات هو السؤال عن «اللاهوت السياسيّ النسويّ».

أيّاً يكن من شيء، فالهوية ليست بمعطى سابق على التجربة، لا في فكر الحركات الإسلامية ولا في فكر الحركات النسويّة. بل إنّ تدشين هذين النوعين من الحركات بدأ بمثل هذه القناعة.

فالنسوية تبدأ من القول بأنّ الهوية الجنسية ليست معطى طبيعيّا «منزلا» علينا بالولادة فقط. التمييز الجنسي الحاصل بالولادة، والحاسم في أرشفة الشخص ذكراً أم انثى، لا يكفل وحده تحصيل الهويّة الجنسية. كانت هذه أساساً هي اللحظة «الوجوديّة» التأسيسية في الخطاب النسويّ. وهو ما أدّى لاحقاً الى إعمال التمييز بين فئة «الجنس» وبين هويّة «الجندر» في مقال الحركات النسويّة، ثم بعد ذلك الى التعامل مع المشكلات النظرية والعملية التي يطرحها هذا التمييز، تحاشياً لاختزال «الطبيعيّ» في «الثقافيّ» ثم «الثقافيّ» في «الخطابيّ».

توازياً، الهوية الدينية ليست معطى طبيعيّا سابقا على التجربة، في مقال الحركات الإسلامية. فالإسلاموية المعاصرة تبدأ من القول بأنّ الانتماء الجماعيّ إلى الملّة بالولادة غير كاف وحده ليحصّل المرء هويّته الإيمانيّة والدينية. وهذا مبنى نقد «التقليد»، أو محاصرته بسلطة «الفطرة» من ناحية، وسلطة «الإعداد» وفقاً لمرجعية السنن، والسلف، من ناحية أخرى.

بعد ذلك، ندخل في الافتراق الكبير. الحركات النسوية تطوّرت سريعاً، ممارسة وفكراً، بما يتجاوز البحث عن «استرداد الهويّة» أو «البحث عن هوية ضائعة» أو حتى «تحقيق الهويّة» إلى ما تجاوز مشكلة «الهويّة» نفسها، أو لنقل تجاوز مركزيّتها، والانتباه إلى أنّ مركزيّتها جزء من المركزيّة الذكوريّة.

أمّا الحركات الإسلاميّة، فإنّها عرفت جميع التوتّرات الداخلية التي سمحت في مجال الحركات النسوية لهذه الحركات الأخيرة بتجاوز مركزيّة «الهويّة»، إلا أنّ هذه التوتّرات بقيت تحت السيطرة، وتحت السيطرة تماماً في مجال الحركات الإسلامية. صحيح أنّ هذه الأخيرة انطلقت من القول إنّ الهوية المنتقلة إلى الفرد المسلم بالوراثة لا تكفي لكي يكون مسلماً بشكل كامل، أو بشكل صحيح، إلا أنّه وبدلاً من أن يكون هذا القول مدخلاً إلى تجاوز مركزية «الهويّة»، كان مدخلاً إلى مسلك نظريّ وعمليّ محكوم بمركزية «الهوية» من ناحية، ويسعى لاستمرار السيطرة على التوترّات الداخلية مع هذه المركزية من ناحية ثانية.

4- التحرّر الجنسيّ كشكل استعباد للمرأة: الحركات الإسلامية و«النسويّة الجذريّة»

مع ذلك، فإنّ هذا الافتراق البنيويّ بين مسار الحركات النسوية وبين مسار الحركات الإسلامية يسوّغ المقارنة. وهي بشكل ما، مقارنة بين ثلاثية «المرأة - النساء - الحركات النسوية» في الخطاب النسويّ، وبين ثلاثية «الإسلام - المسلمون - الحركات الإسلامية» في الخطاب الإسلامويّ.

كل من الحركات النسوية من جهة، والحركات الإسلامية من جهة ثانية، واجهت في ما يخصّها أفقاً لحراكها وتفكيرها لا يتضح الا باستمزاج المقولة الكلامية الأشعرية حول الذات الإلهية والصفات. في المقولة الأشعرية الصفات ليست الذات لكنها ليست شيئاً آخر غير الذات. في الأفق الذي تنظر باتجاهه الحركات النسوية، «المرأة» ليست النساء، لكنها ليست شيئاً آخر غير النساء. وفي الأفق الذي تنظر باتجاهه الحركات الإسلامية، «الإسلام» ليس المسلمين، لكنه ليس شيئاً آخر غير المسلمين، أقلّه غير المسلمين، كما يريد لهم الإسلاميون أن يكونوا في كمالهم الأمثل.

بمعنى من المعاني، أمام هكذا إشكالية ضمنية، لكن صميمة، استطاعت الحركات النسوية أن تتطوّر على قاعدة تؤمّن عدم تنصيب «المرأة» أقنوماً مثالياً مركزياً أو ماورائياً متعالياً، وعدم إلغاء الحاجة إلى «المرأة» كمفهوم إجماليّ في الوقت نفسه.

في المقابل، لم يكن للحركات الإسلاميّة أن تتطوّر في مثل هذا المسلك. بخلاف تاريخ الحركات النسوية، الذي عرف كيف يتجاوز مغبة الفصل «الأقنوميّ» كما «الدراميّ» بين المرأة، وبين النساء، ثم بين النساء والحركات النسوية، معيدة الاعتبار لـ «المحايثة»، دخلت الحركات الإسلامية في عمومها في المسار المقابل، مسار «الأقنمة الدرامية»، أو بمعنى آخر «تثليث» العلاقة بين «الإسلام» و«المسلمين» و«الحركات الإسلامية»، أو في المقابل، مسار «تحاشي الأقنمة» بشكل درامي، أي دون الجرأة على تفاديها، ودون القدرة على تجاوزها.

إذاً، في اللحظة نفسها التي أعلن فيها الإسلام بمثابة «دين عام» لا دين خاص، مع الإمام حسن البنا، ثم كـ «تصوّر شامل للعالم» كما شدّد سيد قطب أكثر من سواه، فإنّ هذه اللحظة حكمت بالانفصال الثلاثي، الأقنوميّ، أي كثلاثة أقانيم مفارقة، لها ثلاثة أشكال تجسيد مختلفة، وهي أقانيم «الإسلام» و«المسلمين» و«الحركات الإسلامية»، وهكذا فإنّ البنا وقطب طوّرا أكثر من سواهما ذلك الفصل الوضعيّ، العلمانيّ، الاستشراقيّ - الحداثيّ، بين «الإسلام» من ناحية، وبين «المسلمين» من ناحية أخرى، وكان قد سبقهم إلى ذلك جيل الإصلاح الدينيّ نهاية القرن التاسع عشر في التمهيد، خصوصاً أعمال الشيخ محمد عبده التي تتمحور حول أنّ المشكلة في «المسلمين» لا في «الإسلام» نفسه... كانت تلك أوّل الأقنمة!

بخلاف المقارنات الأخرى للحركات الإسلامية مع تلك الإشتراكية أو المسيحية المحافظة أو التحررية الوطنية أو الفاشية إلخ..، فإنّه يمكن للمقارنة بين الحركات الإسلامية والحركات النسوية أن تبرز مشكلتي الحركات الإسلامية، بإزاء إشكالية الهوية. فمن ناحية، التورّط الدراميّ في أقنمة «الإسلام» وفي إقامة «ثالوث» (الإسلام، المسلمون، الحركات الإسلامية) لا مكان للمحايثة فيه إنّما للعلاقة المتعالية بين أضلعه، أو المحاولة التي لا تقلّ درامية في كبح هذا الإتجاه. ومن ناحية ثانية، تضييع «الجسد»، جسد المسلم، وجسد المسلمة، بسبب من اختلاط الحابل بالنابل هنا، بين ما هو استعباد لهذا الجسد وبين ما هو تحرير له. أيضاً، هذه مسألة لا تضاء إلا باستذكار نموذج الحركات النسوية والتفكير النسويّ، أو بالأحرى التوقّف عند لحظة معيّنة، لحظة «النسويّة الجذرية» في هذا الإطار.

فقد ارتبطت هذه اللحظة أساساً بإسم كاثرين ماك كينون ومطارحاتها ومساجلاتها مع ما سمي في المقابل بـ «النسوية المحبّة للجنس»، أي تلك التي تثمّن التحرّر الجنسيّ إيجابياً بشكل عام بالنسبة إلى قضية تحرّر المرأة. في المقابل، جعلت ماك كينون من الجنسانية الإطار العام لاضطهاد أو استغلال أو قمع أو اقصاء النساء، وجعلت من التحرّر الجنسيّ نفسه شكلاً من أشكال إعادة انتاج السلطة الذكوريّة والأبويّة، وإشاعة لها من «الفضاء الخاص» إلى «الفضاء العام»، وهذا ما استدلّت به أساساً ببحثها القانونيّ عن أشكال التحرّش الجنسي التي أصبحت متاحة مع القوانين الحديثة في مرحلة ما بعد المساواة بين الرجل والمرأة وما كانت متاحة قبل ذاك، وصولاً إلى نشاطها التحريميّ للصناعة البورنوغرافية، باعتبارها شكلا من أشكال «استرقاق» المرأة، وتطبيقا فظّا لخطاب الكراهية ضدّها.

ثمّة شيء من كاثرين ماك كينون في ما خرج الإمام حسن البنا يطالب به في مدينة الإسماعيلية أواخر العشرينات. تحريض البنا ضدّ ما يسمّيه «الإباحة المغرية والمتعة الفاتنة واللهو العابث في الشوارع والمجامع والمصايف والمرابع» أو «الإباحية والتهافت على اللذة والتفنن في الاستمتاع واطلاق الغرائز الدنيا من عقالها واشباع شهوتي البطن والفرج وتجهيز المرأة بكل صنوف المفاتن والمغريات والإغراق في الموبقات»[2]. فيه شبه ما من حيث علامة المحاججة.

باستعارة كلمات، ليست كلماته، وأقرب إلى ما قد تفهمه ماك كينون، يمكن أن نقول انه، بالنسبة الى منطق البنا، فإنّ التحرر الجنسي يمثّل شكلاً من أشكال الإستبداد بالمرأة المسلمة، ويمكن صرف هذه المقولة على احدى وجهتين: إمّا «ذكوريّة»، بحيث يقال إنّ سقوط المرأة في الإباحية طريق للإيقاع بالرجل المسلم، أي كسر سيف الأمّة، وإما «نسوية»، بحيث يقال إنّ اعتقال المرأة بـ «صنوف المفاتن والمغريات» هو لضرب التوازن التراتبيّ بين المرأة والرجل، بما يطيح كلّاً من التوازن والتراتبية في آن، أي بما يلاقي ماك كينون في أنّ التحديث الجنسيّ قد يكون مدخلاً لانتشار الذكورة العنيفة من «الحيّز الخاص» إلى «الحيّز العام».

لكن الفارق يبدأ من هنا. مقولات ماك كينون أمكن محاصرتها بشكل سريع داخل الحركة النسوية، وصارت تعدّ بالية قياساً على التطوّرات الفكرية والممارسية في هذه الحركة في العقود الثلاثة الأخيرة، ولو أنّ الإنقسام مثلاً استمرّ بين «رُهاب البورنوغرافيا» من ناحية وبين من يجعل على الأقل نظريّاً، من «البورنوغرافيا الأكثر عدلاً ومساواة» أمراً ممكناً. وفي الأساس، فإن تجاوز لحظة ماك كينون جاء في الحركة النسوية انطلاقاً من انتصار فكرة أنّ التحرّر الجنسيّ هو المجال الكبير الذي ينبغي أن يستكمل ككل، والذي ينبغي أن يوسّع في اتجاهات مختلفة، ناهيك عن وعي أنّ ما يجعل الجسد البشري «مجنسناً» ليس فقط كونه جسداً «مؤنثا ومذكّرا» بالولادة، بل لكونه جسدا «غير طبيعيّ مئة بالمئة»، أي جسدا تشارك الصناعات البشرية (الغذائية والطبية والتجميلية... فضلاً عن الملبس) في تشكيله وصناعته وإعادة صناعته على الدوام. في المقابل، يمكن القول إنّ اللحظة «الماك كينونية» أي لحظة «النسوية الجذرية» سيطرت تماماً في مجال الحركات الإسلامية، وظهرت على شكل الكابوس النقيض: ففي حين كانت ماكينون ترصد أشكال اباحة القانون الوضعي المساواتي بين المرأة والرجل للتحرّش الجنسي الذكوريّ بحقّ المرأة، كانت المفارقة التي اصطدمت بها الحركات الإسلامية في هذا المجال، هو تداخل التحرّش الجنسيّ مع أواليات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما لا يُستدلّ عليه فقط من بعض سجالات استفزازية داخل مجلس الشعب المصريّ ذي الصبغة الإسلامية قبل حلّه، بل أساساً بمجرّد أن لا يكون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أي معنى واضح في عالمنا هذا، غير المعنى الواضح ضدّ حريّات المرأة، وأساساً حرّيتها في الحركة في الفضاء العام.

ليست مفارقة والحال هذه، أنّ تصل معدّلات التحرّش الجنسيّ بالنساء مستوى مقلقا في البلد نفسه الذي تلاقي فيه دعاوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعبية لافتة، خصوصاً وأنّ الغرض من شعبية الأمر والنهي هنا ليس مكافحة التحرّش وما اليه مثلاً، بل مكافحة ما يعتبره أهل الأمر والنهي سبباً في الحثّ على التحرّش: أي التحرّك الاستفزازيّ للمرأة بحرّية في المجال العام.

5- عود على بدء: الإمام حسن البنا

ان كان من طيف، أو شبح، يخيّم على مساحة «الربيع العربيّ» من تونس إلى ليبيا إلى مصر فسوريا فاليمن، فهو طيف، أو شبح، الإمام حسن البنّا، مؤسّس جماعة «الإخوان المسلمين». من ضمن تعريفه للجماعة في «رسالة المؤتمر الخامس» لا يكتفي بوصفها كـ «دعوة سلفية، وطريق سنية، وحقيقية صوفية، وهيئة سياسية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية»، بل يشدّد أيضاً على طابعها كـ «جماعة رياضيّة» بل إنّه في هذا المعرض فقط يستخدم كلمة جماعة وليس دعوة أو طريق أو حقيقة أو هيئة أو رابطة أو شركة أو فكرة. هو يقول انها جماعة رياضية، لأنّ الإخوان «يعنون بجسومهم، ويعلمون ان المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف». وهو يستدل بالحديث النبوي «ان لبدنك عليك حقاً»، ويتابع ان «تكاليف الاسلام كلها لا يمكن أن تؤدى كاملة الا بالجسم القوي»[3].

يمكن للمرء أن يكترث لهذا أو لا يكترث، عند قراءة آثار البنا، أو النظر في أسلوب تفكيره أو تنظيمه للجماعة، ويمكن أن يذهب في التفسير إلى مسالك شتّى. يبقى أنّ تقديم البنا في رسالته هذه للإخوان كـ «جماعة رياضيّة» ما عاد من النوع الرائج في خطاب الجماعات الإسلامية اليوم.

طبعاً، تميّز البرنامج الإنتخابي لعبد المنعم أبو الفتوح في مصر، باهتمام مميز بالرياضة والصحّة البدنية، أكثر من المرشّحين الآخرين. لكن تعريف البنا للجماعة ككل على هذا النحو لم يعد صيغة كلامية متداولة. وأهمّ ما في هذا التعريف بنية المحاججة الأولية الملازمة له: الأجساد القويّة هو ما يأمر به الشرع والدين - الأجساد تكون قويّة بالائتمار بالشرع وبالدين. العلاقة عضوية بين العناية بالفروض والعناية بـ «الجسوم». ثمّة انتقال إذاً من الطرح التقليديّ لقواعد الطهارة والنجاسة («النظافة من الإيمان») إلى طرح ما بعد تقليديّ لذلك («الرياضة من الإيمان»). بهذا المعنى يمكن استحداث هذا الفهم «التفكيكي» لتعريف البنا للجماعة كجماعة رياضيّة.

الأمر يُستكمل مع التفريق بين ضربين من «الإيمان» من ضمن تحديد «الفرق بيننا وبين قومنا» في رسالة «دعوتنا» للإمام البنا. فالبنا يستند الى المقولة الأشعرية «الإيمان يزيد وينقص» للتمييز بين ايمانين: كسول، وناشط. أو باستعادة مصطلحاته هو: «الإيمان المخدّر النائم» يقابله «الإيمان الملتهب القويّ اليقظ»[4]. الاستعارة «حيويّة» بامتياز!

لكن اللافت هنا الاستطراد التالي في نص البنا، حيث يقول، في معرض التمييز بين الإيمان الكسول (المخدّر النائم) والإيمان النشيط (الملتهب القويّ اليقظ) أنّ هناك «ظاهرة نفسية عجيبة نلمسها ويلمسها غيرنا في نفوسنا، نحن الشرقيين، أن نؤمن بالفكرة ايماناً يخيّل للناس حين نتحدّث اليهم عنها انها ستحملنا على نسف الجبال وبذل النفس والمال واحتمال المصاعب ومقارعة الخطوب حتى ننتصر او تنتصر بنا، حتى اذا هدأت ثائرة الكلام وانفض نظام الجمع نسي كل ايمانه وغفل عن فكرته، فهو لا يفكر بالعمل لها ولا يحدث نفسه بأن يجاهد أضعف الجهاد في سبيلها، بل انه يبالغ في هذه الغفلة وهذا النسيان حتى يعمل على ضدّها»[5].

يستعين البنا إذاً بالمتواتر (الشعبيّ) عن الخطاب الإستشراقيّ حول ّ«ذهنية الشرقيين». لا داعي لمضبطة ادوارد سعيد، لأنها هنا تحديداً لا يمكنها ان تفقه شيئاً. انه يستعين بهذا المتواتر الاستشراقيّ للفصل بين ايمانين، أحدهما كسول أو بليد، وثانيهما ناشط وحيويّ. لكن اللافت أيضاً هو موافقته على إجمال «المسلمين» ضمن «الشرقيين» في عمومهم.

وفي الأساس، يتنقل البنا في حديثه، على ما كان متاحاً في اللغة الدينية والسياسية يومها، فيتحدّث عن الأمة الإسلامية بالمفرد، أو عنها بالجمع كأمم إسلامية، وعن الأمة المصريّة، دون «عقد». في الوقت نفسه، البنا يتحدّث عن «الشرق»، عن الشرق كما هو «طازجاً» من مطبخ الاستشراق. يقول: «يظن كثير من الناس أن الشرق تعوزه القوة المادية من المال والعتاد وآلات الحرب والكفاح لينهض ويسابق الأمم التي سلبت حقه وهضمت أهله. ذلك صحيح ومهم، ولكن أهم منه وألزمه: القوة الروحيّة من الخلق الفاضل والنفس النبيلة والايمان بالحقوق ومعرفتها والإرادة الماضية، والتضحية في سبيل الواجب والوفاء الذي تنبني عليه الثقة والوحدة، وعنهما تكون القوة»[6]. ويتابع «لو آمن الشرق بحقه واعتنى بقوة الروح وعني بتقويم الأخلاق لأتته وسائل القوّة المادية من كل جانب».

ثنائية شرق وغرب لها مكان إذاً في الاقتصاد الداخليّ لخطاب حسن البنا. والإحالة إلى الغرب، ونظرته إلى الشرق، ضرورية عنده للانتقال من التقليد إلى ما بعد التقليد، أي الانتقال من براديغم التقليد «النظافة من الإيمان» الذي اكتشف رفاعة الطهطاوي تخلّعه في المركب الذي أقله من بحر الاسكندرية إلى مرسيليا، عندما اكتشف عدم حاجة الغربيين إلى الإيمان كي يجاوزوا المسلمين في النظافة، إلى براديغم «الرياضة من الإيمان» المتأتي من تعريف الإمام حسن البنا للجماعة الإخوانية كجماعة رياضية، ثم تمييزه بين إيمان كسول، لا يتبع قوله عمل، وايمان نشيط يتبع قوله عمل، استناداً الى المتواتر الاستشراقيّ حول ذهنية الشرقيين التي لا ترفق قولها بعمل.

الإحالة هي في المقابل إلى الغرب، ونظرته إلى الشرق، كإشراق للروح. وهنا أيضاً يتجاوز البنا حصر كلامه بروح الحضارة الإسلامية فقط، إلى روح الحضارات الشرقية ككل.

نحن إذاً أمام علاقة ملتبسة بالمفهوم الغربيّ للرجولة (virility). البنا يعرّج عليه حين يتعلّق الأمر بالإيمان، وبما يسميه هو «اعداد الرجال» (علماً ان تأسيس جمعية الاخوان المسلمين استُكمل بعد سنوات معدودات بتأسيس جمعيات الأخوات المسلمات)، دون أن يكون بإمكانه الذهاب بعيداً في هذا الإطار. فمثلاً، في تاريخ الفن الغربي منذ نهايات القرن الثامن عشر، اعطيت أهمية عامة للمنحوتات الإغريقية والرومانية على أنّها ارتكازية بالنسبة الى الأجساد المشتهى إعادة بنائها في ظلّ الحداثة الإحيائية للحضارة القديمة. وأعطيت في هذا الإطار أهمية خاصة للسمات الرجولية للجمال الأنثويّ في المنحوتات اليونانية، بحيث إن الآلهة الأنثوية الإغريقية الأجمل هي تلك التي تبرز فيها السمات الرجوليّة بشكل كليّ التناسق. هنا، بالذات يبرز المأزق المنطقيّ لفكرة «إعداد الرجال» عند حسن البنا، وعموماً في الحركات الإسلامية: «ترجيل الإيمان» لا يمكنه هنا أن يصل إلى خواتيمه: الإيمان «الملتهب» ينبغي ألا يلتهب بشكل إغريقيّ أبداً.

[1] Alice Le Goff «Déconstruction des genres et transformation sociale: enjeux et défis de la theorie feministe contemporaine» in «La theorie sociale contemporaine» (sous la direction de Razmig Keucheyan, et Gerald Bronner), Paris, PUF, 2012, p.136.

[2] حسن البنا، مجموعة رسائل الإمام، دار الحضارة الإسلامية، ص 49 و103

[3] البنا، ص.121.

[4] البنا، ص 16

[5] البنا، ص 16

[6] البنا، ص 46

 




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬