حسن السوسي

ليس سهلا أمر البت في مسألة بحجم وتعقيدات العلاقات بين الحداثة وحركات الإسلام السياسي، في معالجة تبلورت في خضم أحداث كبرى في منطقتنا العربية، عصفت، أول ما عصفت، بما كان أشبه بيقينيات جديدة في مجال الفكر والنظر وفي مقدمتها نظرة خاصة إلى الحداثة وموقعها في الحياة السياسية على الساحة العربية. هذا علاوة على أنه لا يمكن أن يكون هناك قول فصل في قضية شغلت الفكر الإنساني لقرون مديدة، وأفنى العمر العلمي في سبيل الإحاطة بمختلف أبعاد إشكالياتها كبار المفكرين والباحثين في مختلف مجالات العلم والفلسفة وعلم الاجتماع والسياسة. أضف إلى هذا وذاك، أن الهدوء الضروري للتفكير في قضايا بهذه الأهمية والحيوية في حياة شعوب وحضارات ما يسمى بالأزمنة الحديثة، ليس من مميزات الواقع العربي والدولي الراهن، واقع التقلبات الاجتماعية والأزمات الاقتصادية والسياسية العاصفة. لذلك، فإن ما نقدم عليه هو نوع من المجازفة بإعمال النظر في لجة الحركة وغليانها الذي هو أشبه بحركة البراكين والزلازل منها إلى حركة الفكر في ميادين الاجتماع البشري على هذه البقعة الجغرافية السياسية.

هذا الواقع المتموج يفرض على الباحث البدء بمساءلة العدة المنهجية والنظرية التي يتوسلها في مقاربة الواقع، لا لهجر الأدوات المنهجية التي كرست نفسها في مجال البحث والدراسة خلال عقود طويلة من الفحص والنقد والشحذ، وإنما لفتح أقواس كثيرة حول تلك الأدوات للتأكد من حدودها واستشراف مستقبلها في ضوء التحولات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها المنطقة العربية والتي طرحت علامات استفهام عريضة حول إجرائية عدد منها، أو بالأحرى حول مستجدات الظروف التي يراد توظيفها فيها لتضمن لنفسها النجاعة في فهم مستجدات الواقع والإحاطة بمختلف أبعادها. ولعل في مقدمة هذه الأدوات والمفاهيم تلك التي اصطلح على تسمتيها بالعقلانية والواقعية التي تبين أنها محدودة في التعامل مع الأوضاع المتقلبة والثورية في عدد من مستوياتها وأبعادها. غير أن هذا لا يشكل دعوة لنبذ مفاهيم العقلانية والواقعية في مجالات الفكر والسياسة، وإنما هي دعوة إلى إعادة الاعتبار لهذه المفاهيم، اليوم وأكثر من أي وقت مضى، لأن جدلية الواقع فرضت، وتفرض على الفكر جدلية خصوصية ينبغي أن تكون حاضرة عند كل الخطوات التي يتم القيام بها في مقاربة الواقع ليس بمعنى الانعكاس الميكانيكي، وإنما بمعنى أن صورة أي واقع لا تكتمل في ملامحها، ولا تكون سوية في أبعادها، إلا إذا تم استحضار مختلف مستوياتها في ضوء متغيرات الواقع، وفي مقدمتها نقائضهما المباشرة، وما يدل على ما يناوئهما، في هذا الجانب أو ذاك، حرصا على الملاءمة والمطابقة بين المقولات والمفاهيم وأهم دلالاتها في الحقل الاجتماعي والسياسي العام التي يتم تجنيدها في مختلف معاركه وفي تسوياته الإرادية أو الاضطرارية على حد سواء.

انطلاقا من هذه المقدمات الاحترازية، يمكن لنا تناول موضوع الإسلام السياسي ومسألة الحداثة في ضوء متغيرات الساحات العربية المختلفة وفي مقدمتها احتلال حركات الإسلام السياسي مواقع الصدارة والقيادة في عدد من البلدان التي شهدت تحولات في نظامها السياسي على اختلاف درجات ونوعية هذه التحولات من بلد إلى آخر.

وبالفعل فإن الحديث عن الإسلام السياسي والحداثة خارج اعتقاد الاستحالة النظرية ودون تصور النقائض الجذرية الخالصة، يعني امتلاك فكر جدلي تركيبي ينظر ويحاول أن يستوعب، في آن واحد، الأطروحة ونقيضها والصيغة التركيبية الجامعة والمتجاوزة لهما، في عملية واحدة. وهذه ستكون القاعدة الذهبية في تناولنا لهذه العلاقة التي نعتبرها علاقة جدلية وليست إقصائية في بعض مستوياتها على أقل تقدير، خاصة أننا نقارب المسألة من زاوية النظر والفكر السياسي بمعناه الواسع.

إن الفكر السياسي هو فكر المفاجآت غير المتناهية، وذلك لأنه فكر المصالح المختلفة في خضم الممارسة السياسية. ومما لا شك فيه أن تعيين المصالح لا يخضع لمنطق ثابت ومتكلس، بل هو من صميم ومشمولات تفاعل الإستراتيجيات المتنافسة والمتصارعة في مجالات الاقتصاد والاجتماع والسياسة وغيرها من مجالات بذل الجهد لتعظيم المصالح الخاصة، على حساب مصالح الغير، أو البحث عن تسويات ترجح كفة طرف على كفة الأطراف الأخرى عند إقامة ميزان المصالح في عملية سياسية محددة في الزمان والمكان.

وبطبيعة الحال، فإن الحكم هو بمثابة القلب في كل صراع إرادات القوة في التاريخ الإنساني، ولا يمكن لحركة الإسلام السياسي أن تشذ عن هذه القاعدة خاصة عندما كفت عن حصر نشاطها في المجال الدعوي على الصعيد الإيديولوجي وفي العمل الخيري على المستوى الاجتماعي لتدخل في خضم الممارسة السياسية. لذلك فإنها تتوسل في معركتها وسائل الحداثة من عقلانية وواقعية سياسية وحكامة رشيدة وشفافية، وربما، أيضا، نوعا من عملية إعادة البناء خارج سياق شعارها الدعائي «الإسلام هو الحل»، الذي يبدو أنه قد وضع على الرف بالنسبة للحزب الذي أنشأه الإخوان في مصر لولوج حلبة الصراع السياسي من أبوابها الواسعة، وهو حزب الحرية والعدالة. وهو ما يدل على أن الجماعة لا ترغب في أن تنتقل كليا من مواقعها الإيديولوجية الأساسية إلى معترك الحياة السياسية اليومية بصورة حصرية، لذلك أقدمت على تدشين نوع جديد من قسمة العمل داخل كادرها الحزبي، اعتقادا منها أنها بهذا تمارس بذراعها السياسية العمل المدني، إلى جانب غيرها من القوى السياسية المصرية من مختلف التوجهات الفكرية والإيديولوجية محتفظة لكادرها الدعوي بممارسة مهام التوجيه الإيديولوجي الإستراتيجي، وإمكانية العمل على تصحيح مسار ممارساتها إذا رأت أن ولوج العمل السياسي المدني بهذه الطريقة يمكن أن يجر عليها بعضا من النقد الذي قد يطاول عقيدتها الفكرية وشعارها الأساسي الذي يعتبر القرآن دستورها الحقيقي وينظر إلى مختلف القوانين الوضعية في ضوء محددات الشريعة الإسلامية التي ينبغي أن تكون لها الأولوية في مختلف الميادين .

وهنا لا بد من الانطلاق من طرح بعض الأسئلة التي تكون أجوبتها الضمنية أو الصريحة بمثابة الخيط الناظم لمقاربة العلاقة بين حركات الإسلام السياسي ومسألة الحداثة ولعل أهمها:

أولا، هل يمكن للمرء أن يكون ديمقراطيا على المستوى السياسي من دون أن يكون حداثيا على المستوى النظري الإيديولوجي؟ هناك موجبات كثيرة لطرح هذا السؤال أولها: إننا أمام حركات إسلام سياسي كانت إلى الأمس القريب تنظر إلى الديمقراطية بعين التوجس والريبة، على أساس كونها تحمل شبهة العلمانية، أو ربما الكفر أيضا. ثانيها: أن هؤلاء الذين حملتهم صناديق الاقتراع إلى مواقع السلطة التشريعية والتنفيذية هم الذين أصبحوا القيمين الشرعيين على الديمقراطية ليس في مجالات تطبيق مقتضياتها والسهر على حماية مبادئها الأساسية فحسب، وإنما أيضا، على مستوى ممارسة الدور التأسيسي في مجال بناء هذه الديمقراطية، عبر وضع دساتير من المفترض فيها أن تستوفي شروطها على اعتبار أنه من الضروري القطع مع حكم الاستبداد الذي كرسته أنظمة داست على القوانين واستباحت الحريات الفردية والعامة حتى في الوقت الذي كانت تتوفر فيه على دساتير يمكن القبول بها على مستوى شكلها العام لأنها صيغت أصلا لتكون متقاربة مع دساتير دول عريقة في ديمقراطيتها مثل بريطانيا وفرنسا. غير أن روح الاستبداد فتكت بكل المبادئ والدساتير التي من المفترض فيها أن تكون حامية للحريات الفردية والعامة تطبيقا لمواد الدساتير ومقتضياتها. فهل تملك حركات الإسلام السياسي المختلفة الوعي الكامل بهذا التحدي؟

ثانيا، وقبل هذا، وذاك، هل أحدثت هذه الحركات الثورة الضرورية في إيديولوجيتها العامة، وخاصة في علاقتها بالديمقراطية بالذات؟ أي بأحد المعاني، هل دققت في علاقتها بالحداثة على اعتبار أن الديمقراطية هي التجسيد الفعلي للحداثة في المجال السياسي على حد تعبير الدكتور محمد سبيلا، أم أن علاقتها بالديمقراطية هي علاقة انتقائية يتم فيها القبول بما يخدم استراتيجيات حركات الإسلام السياسي ورفض ما دون ذلك؟.

ثالثا، تحدث عزيز العظمة عن المشروع النهضوي ذي البعد المستقبلي التقدمي تمييزا له عن المشروع النهضوي ذي البعد الرجعي الماضوي الذي تبنته حركة الإسلام السياسي، فهل يصح الحديث عن المشروع الحداثي ذي الأفق والمضمون التحرري الديمقراطي تمييزا له عن التأويل الشوري (نسبة إلى مبدأ الشورى الإسلامي) الذي تتبناه حركات الإسلام السياسي التي هي اليوم على سدة الحكم في بعض البلدان العربية؟ وإذا كان الأمر كذلك فما هي النتائج المترتبة عن هذا التمييز وهل يمكن أن تخدم المشروع الديمقراطي في بعده الحداثي الواضح؟.

رابعا، هل يمكن للتسوية بين الاتجاهات السلفية ذات الخلفيات الجهادية والتكفيرية والتنظيم الدولي لحركة الإخوان المسلمين أن تكون على أرضية ديمقراطية متينة العلاقات بالحداثة السياسية ومتطلباتها في مختلف المجالات؟ لا أميل إلى الجواب بالإيجاب عن هذا السؤال ليس من منطلق سيكولوجي تشاؤمي، وليس من منطلق إيديولوجي دوغمائي ووثوقي متحجر ومعاد للنظرة النسبية إلى الأحكام التي يبلورها أو التصورات التي يصدر عنها، وإنما من منطلق استقرائي على صعيد الممارسة عندما تطرح إكراهات الواقع على الفاعل السياسي ضرورة اعتماد خارطة طريق هي من صلب إيديولوجية مخالفة لإيديولوجيته الأساسية التي بمبادئها يستدل على الطريق، وفي ظلال قيمها يقيم ميزان الصواب والخطأ في محاكمة الآراء والتصورات والمواقف التي تتخذ لها مواقع خاصة في خضم التنافس والصراع بين الإرادات المختلفة. فإذا كانت الضرورات تجيز المحظورات، على هذا المستوى أو ذاك من الممارسة، فهل يمكن للضرورات أن تتربع على عرش التوجيه الإيديولوجي والسياسي فتتحول إلى مبدأ وقيمة في حد ذاتها؟. لا أعتقد ذلك ولو للحظة واحدة. وبناء على ذلك، ما علينا إلا أن ننتظر جولة صراع مرير أخرى بين حركة الإسلام السياسي وبين الديمقراطية باعتبارها لب الحداثة والمصالحة مع الذات في عصرها الفعلي لا المتخيل أو الموهوم في أكثر الأحيان.

ولعل سؤال التطور الذي أدى إلى خلق هذا الواقع يطرح نفسه بإلحاح. وفي هذا السياق يمكن القول بأن الأنظمة العربية الوطنية دأبت على سياسة منهجية مناهضة لحركة الإسلام السياسي التي تتهمها بالتطرف ومعاداة كل قيم التحرر والتقدم ومحاولة فرض أفكار رجعية على مجتمعات قطعت معها في الممارسة، منذ زمن بعيد، الأمر الذي اعتبرته تلك الأنظمة خروجا عن دائرة العقل والتفكير العقلاني الحديث الذي ينبغي أن يقود المجتمعات الحديثة في مختلف المجالات. وكانت الأنظمة تعمل، على الدوام، على إقناع بعض الدول الغربية الوازنة على الساحة الدولية، بأن التعامل مع جماعات الإسلام السياسي بمختلف تلاوينها والأسماء التي تحملها لا يكون ناجعا إلا إذا كان قمعا منهجيا لها، لأن مجرد التهاون في التعامل معها، سيمكنها من تنفيذ استراتيجيتها التي تروم الهيمنة على المجتمع وفرض إيديولوجيتها الشمولية على الدولة والمجتمع معا.

وفي قراءة بعدية للأحداث يمكن التأكيد أن الأنظمة السياسية الحاكمة، في العالم العربي، كانت صادقة في قولها بأنها تلعب دور السد المنيع في مواجهة زحف الإسلام السياسي على مختلف مواقع السلطة ومرافق التحكم في توجيه مجتمعاتها، غير أن هذا الصدق في القول، الموجه أساسا إلى القوى الغربية المتحكمة في تحديد مسارات الأنظمة، لا يوازيه في قوته وتماسكه إلا السذاجة التي يقوم عليها متمثلة في اعتقاد من بلوروه في صيغته هذه أن الغرب الأميركي والأوروبي في وارد اعتبار هذا الصدق في الخطاب بوليصة تأمين مدى الحياة لأنظمة ما فتئت تفقد على مر السنين، وتراكم خدماتها لسياسات واستراتيجيات الأجنبي، مصداقيتها أمام شعوبها مما أضعف من مواقعها وسلطاتها الحقيقية، فلجأت إلى تزوير الإرادة الشعبية بواسطة انتخابات لا تتوفر لها وفيها شروط النزاهة والشفافية في أي مستوى من مستوياتها والتي أصبحت موضوعا للسخرية والتندر في مختلف بقاع العالم العربي، ولم ينج من ذلك إلا الأنظمة التي وضعت نفسها، منذ المنطلق، خارج حلبة الواجهات الديمقراطية والانتخابية انطلاقا من دواعي إيديولوجية أو عشائرية أو قبلية ليس هنا مجال التعرض لها وتحليلها.

لقد انهار صرح هذا الاعتقاد الساذج على وقع الفضائح الانتخابية، وتصاعد القمع المسلط على الرأي المخالف من جهة، وشعور القوى الغربية التي كانت تدعم هذه الأنظمة بكل ما أوتيت من موارد وقوة من جهة أخرى، بأن هذه الأنظمة قد فقدت سندها ومبرر استمرارها، وأن الحكمة الإستراتيجية تقتضي البحث عن بدائل تكون قادرة على الاضطلاع بالأدوار إياها تحت يافطات أخرى، قد تكون أقرب إلى مزاج الجماهير التي تتطلع إلى الوقت الذي تتخلص فيه من أنظمة فاسدة أذاقتها الأمرين في معاشها وحرياتها وكرامتها الإنسانية وفكرت، أول ما فكرت في هذه القوى التي كانت الأنظمة الديكتاتورية سدا منيعا في وجهها لعشرات السنين وهي قوى الإسلام السياسي التي فتحت معها قنوات التواصل السرية ثم العلنية دون إيلاء أي أهمية تذكر لتوجس قادة الأنظمة وامتعاضهم من سلوك الدول التي خدموها لعقود طويلة إلى أن انتهت الأمور إلى الوصول إلى حد أدنى من التطبيع السياسي بين القوى الغربية وحركات الإسلام السياسي التي رغم احتفاظ بعضها بهندسة خطابها الإيديولوجي العام في نقد الغرب والصهيونية العالمية، فإنها قد أعطت الضمانات غير القابلة للدحض، على ما يبدو، بأنها ستوفر لتلك القوى الخدمات إياها التي كانت تستفيد منها خلال حكم الديكتاتوريات الفردية، ومن مواقع القوة والعنفوان، هذه المرة، لأن طريقها إلى السلطة هو صناديق الاقتراع، في أغلب الأحيان، الأمر الذي يعطي الانطباع بأن الغرب لم يغير موقفه من حركات الإسلام السياسي بل إن التحولات التي جرت في صفوف هذه الحركات، لجهة اقترابها من حقوق الإنسان وإعلان الالتزام بالقواعد الديمقراطية، هو ما فرض على العواصم الغربية العمل على تشجيع تلك القوى على استكمال تحولها «الديمقراطي».

وفي الواقع فإنه يمكن رصد بعض التحولات في السلوك السياسي العام لحركات الإسلام السياسي في مواجهة حملات النقد التي تتعرض لها من قبل القوى الحداثية والاتجاهات الليبرالية، المحلية والغربية على السواء، والتي تمحورت حول شعارها «الإسلام هو الحل»، الذي تم رفعه، في الماضي، بهدف التهرب من تقديم أي فكرة عن البرنامج السياسي والاقتصادي الذي تدافع عنه، وتحاول تنفيذه على الأرض. فهل يعني تراجع هذا الشعار عن موقع الصدارة، أن هذه الحركات أصبحت تعطي الأولوية للبرنامج السياسي القابل للجدل والنقد أسوة بغيرها من التنظيمات السياسية؟

يبدو أنه رغم تراجع شعار «الإسلام هو الحل» عن واجهة التحرك لدى حركات الإسلام السياسي فقد ظل أساسا ورافعة للخطاب السياسي لتلك الحركات. ولعل حرصها على استبعاد الإسلام عنوانا معلنا لها هو المؤشر الأساسي إلى إدراكها أن تغيير الواجهة أمر هام لتقديم نفسها للجماهير التي تتوجس خيفة من كل الإيديولوجيات الشمولية. هكذا رأينا إخوان مصر يؤسسون حزب الحرية والعدالة فيما اختار السلفيون الانضواء تحت لواء حزب النور. وفي السياق ذاته اختار إخوان ليبيا اسم حزب العدالة والبناء عنوانا للحزب الذي أسسوه للتعبير عن مواقفهم من بناء ليبيا ما بعد الجماهيرية.

إلا أنه ليس سهلا على أي محلل سياسي الوقوف عند ما يمكن اعتباره برنامجا سياسيا شاملا لدى الأحزاب التي تأسست للتعبير عن أفكار الإخوان المسلمين. ذلك أن العناوين التي يحاولون تقديمها لا تخرج عن عموميات لا ترقى إلى مستوى البرنامج السياسي في تمفصلاته الدستورية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ناهيك عن غياب أي رؤية متماسكة يمكن اعتبارها أساسا للتصورات الإستراتيجية المتميزة أو الدالة على هذه الحركات بعد أن اعتلت كرسي الحكم في كل من مصر وتونس.

وفي ظل غياب هذا البرنامج المتميز، ومع التعدد الذي نعاينه تحت عنوان الإسلام السياسي، يبدو أن التعرف على ما يميز حركات الإسلام السياسي بعضها عن البعض الآخر مشروط بالانطلاق من التعريف السلبي لهذه الحركات أي انطلاقا من إبراز ما ليس هي، وليس ما هي بالتحديد. وهذا يدفعنا إلى مساءلة مواقف هذه الحركات وتياراتها الرئيسية تجاه تيارات الفكر السياسي التي تصدرت الممارسة السياسية العربية خلال العقود الماضية سواء من موقع السلطة أو من مواقع المعارضة المختلفة. ونعني بها التيارات الليبرالية والديمقراطية والقومية على امتداد الساحة العربية. ذلك أن حركات الإسلام السياسي قد وضعت لنفسها أهدافا عامة ضمن تصورها لضرورة مناهضة تلك التيارات وإسقاطها بكل الطرق الممكنة.

يمكن هنا التمييز بين حركات تحصر تفكيرها في المجال العقائدي حيث تصوغ مواقفها من مختلف التيارات الفكرية والسياسية داخل مجتمع من المجتمعات في ضوء قراءتها لمواقف وتصورات تلك التيارات مقارنة بقيم وقواعد ما تعتبره عقيدتها الأساسية، بحيث يكون الموقف إيجابيا أو سلبيا بمقدار ما تكون قريبة أو بعيدة عن المحددات الرئيسية لعقيدتها. وغالبا ما تتجه هذه الحركات إلى تكفير المجتمع والدولة معا، وتضع على رأس أولويات ممارستها محاربتهما لتجسيدهما للطاغوت الذي من المحرم على أي مسلم خالص العقيدة التعايش معه تحت أي ظرف من الظروف؛ وغالبا ما تلجأ إلى الأساليب العنيفة في صراعها مع رموز هذا المجتمع والدولة السائدة فيه، تارة تحت العنوان العريض للدفاع الشرعي للنفس ومقاومة قمع الطاغوت، وتارة باسم الجهاد ضد قوى الكفر حتى يكون الدين لله. ومن الواضح أن حركة الإسلام السياسي من هذا الطراز لا يمكن لها حتى التفكير بالتعامل مع القوى التي تخالفها الرأي بمنطق الحوار أو الصراع السياسي ذي البعد الديمقراطي السلمي، لأنها تعتبر أن عدم العمل على استئصال قوى الطاغوت من جذورها مخالفة صريحة للشرع في مختلف نصوصه المؤسسة.

وهناك، تيارات إسلامية أخرى تصنف نفسها في إطار الإسلام المعتدل الذي يرى أنه لا يمكن فرض المعتقدات الخاصة بهذا التيار الإسلامي أو ذاك على المجتمع كله، وأنه ينبغي التفريق في الإسلام بين أبعاده العقائدية حيث ينبغي أن يسود الجانب البيداغوجي القائم على الإرشاد والنصح وكل أشكال الهداية، وبين الجانب المجتمعي حيث ينبغي الانطلاق من أرضية للتعايش داخل المجتمع على قاعدة مبادئ وقيم وضعية غير متناقضة مع صريح النص القرآني وقواعد السنة والجماعة. وهذا التوجه لا يرفض بشكل مطلق أن تكون بعض المبادئ الديمقراطية مثل الانتخابات واعتماد دستور وضعي أساسا للتعايش وتنظيم الصراع السياسي بين مكونات المجتمع. غير أنها ترى أن التعايش على أساس هذه القواعد لا ينبغي أن يكون نهاية مطاف الممارسة السياسية الذي ينبغي أن يظل أفقها الإستراتيجي مفتوحا على هدف إقامة شرع الله على مستوى الدولة والمجتمع. أي بكلمة، إنها تجعل من خدمة هذا الهدف غاية العمل السياسي والتسويات التي يفرضها على القوى الفاعلة في أي مجتمع من المجتمعات الإسلامية. وهذا يعني أن تقدير حركات الإسلام السياسي المدافعة عن هذا التصور بأن مسار الممارسة السياسية على قاعدة المبادئ الديمقراطية الدنيا لا يراعي تحقيق تلك الغاية يحتم عليها إعادة النظر في تصورها والتمسك بما يمليه عليها فهمها لعقيدتها الدينية وما تجيزه لها من تسويات مع القوى ذات الإيديولوجيات الوضعية الحداثية. وبطبيعة الحال، فإن هذا قد يؤدي إلى التنكر للمبادئ الديمقراطية والعودة إلى الصراع المفتوح الذي يعيد الاعتبار إلى ممارسات الإقصاء والإبعاد والتكفير وعدم الخروج من مربع التطرف الديني العقائدي المنافي لمقتضيات الاجتماع البشري على أسس ديمقراطية بأبعادها الحديثة.

وفي سياق الصراع بين حركات الإسلام السياسي وبعض التيارات السياسية اليسارية والليبرالية والقومية تم الحديث عن اختطاف الثورة من قبل جماعات الإسلام السياسي لأنها الأكثر تنظيما واستعدادا بالتالي، للانقضاض على إنجازات الشباب الثائر في مختلف الميادين والساحات وخاصة في مصر؛ غير أن هذا الحديث ينطوي على كثير من الإجحاف في حق هذه الجماعات لأنها وصلت إلى السلطة عن طريق الانتخابات التي قال الجميع تقريبا إنها كانت شفافة ونزيهة، إذا اعتبرنا منع أقطاب الحزب الوطني المنحل من الترشح قرارا ديمقراطيا صافيا، وهو مسألة فيها نظر، من الوجهة الديمقراطية بالذات، خاصة إذا علمنا أن المستفيد الأول من هذا الإجراء هو جماعة الإخوان ما دام شباب الثورة شيعاً متفرقة من التيارات والمنظمات غير ذات الوزن السياسي والانتخابي الكبير. علاوة على أن القول بانقضاض الإخوان على الثورة لم يكن له ليستقيم إلا في حالة الانقلاب العسكري المحض الذي يقوم به ائتلاف منظم، ثم ينقض بعضه على بعض للانفراد بالسلطة ولو كان ثمن ذلك تصفية رفاق الأمس القريب وإبعادهم عن مواقع صنع واتخاذ القرار في النظام الوليد وعلى هامش الحياة السياسية عموما سواء كان ذلك عبر الإقصاء أو السجن أو التصفيات الجسدية بدعوى التآمر على السلطة الجديدة التي غالبا ما تحتكر لنفسها أبوة الثورة.

صحيح أن هناك احتمالا ثانيا، وهو نوع من الاتفاق المسبق أو اللقاء الموضوعي إبان تظاهرات مختلف الساحات المصرية بين المجلس العسكري الأعلى وبين جماعات الإسلام السياسي على مخرج يقوم على الشراكة المعلنة، في حال وجود اتفاق ما، أو احتمال إقامة هذه الشراكة انطلاقا من التوافق الموضوعي حول ضرورة تنحية الرئيس حسني مبارك وإعادة ترتيب أوضاع الحكم في البلاد بما يعيد الاستقرار للحياة السياسية العامة التي تضررت كثيرا جراء استمرار التظاهر في مصر لمدة طويلة حتى بعد الإطاحة بالرئيس حسني مبارك. وبطبيعة الحال، فإن هذا السيناريو يفترض، من بين ما يفترض، وجود مؤامرة حقيقية ضد شباب الثورة طرفاها الرئيسيان المجلس العسكري الحاكم من جهة، وجماعة الإخوان من جهة أخرى، على أقل تقدير إن لم يكن في ذلك ضلع للحركة السلفية المصرية التي تتقاسم أغلبية مقاعد مجلسي الشعب والشورى مع الإخوان المسلمين.

وهذا ما ليس مبرهنا عليه، وإن تم التلويح بتهمة التآمر، يمينا وشمالا، في مصر بين مختلف التيارات والجماعات السياسية حيث يشار في مختلف الحالات إلى أدوار للعسكريين من وراء ستار الحياة السياسية التي تجري في العلن وينشد إليها الرأي العام المصري باعتبارها الحياة السياسية الوحيدة كما تجري على الأرض دون أن يكون واعيا ومتنبها إلى ما يجري وراء الكواليس حيث تصنع السياسات وتتم بلورة استراتيجيات الممارسة من قبل مختلف الأطراف المتنافسة أو المتصارعة للاستحواذ على أكبر نصيب من تركة الرئيس مبارك.

وفي كل الأحوال، فإن بعض الضبابية التي ما تزال تلف الحياة السياسية المصرية يعود إلى نوع من الضبابية في علاقات القوى الرئيسية بمسألة الحداثة السياسية والالتزام بقيمها التي تمكن من قراءة الوضع بكثير من الموضوعية والشفافية الديمقراطية الضرورية للقطع مع كل أشكال الهيمنة والاستبداد. وهنا لا يزال أمام قوى الإسلام السياسي في مصر، على سبيل المثال لا الحصر، خطوات لا بد من قطعها في سبيل تحقيق هذه الغاية.

 




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬