محمد الحداد

تونس بلد صغير المساحة، يمسح 164 ألف كلم مربع ويقطنه حوالي 11 مليون مواطن، وقد جعلته جغرافيته وتاريخه في وضع تجاذب بين الجوار الأوروبي من جهة، والارتباط الثقافي والروحي بالمشرق من جهة ثانية. وإذا جاز الحديث عن «خصوصية تونسية»، فإنها تتنزّل في إطار هذا التجاذب. فلقد تأسست تونس الحديثة منذ القرن التاسع عشر في سعي دؤوب لإيجاد توازن إيجابي بين هذين الارتباطين. وقد بدأت هذه المحاولات منذ عهد حمودة باشا (1782–1814) الذي عاصر الثورة الفرنسية وفهم أنّ العالم قد تغيّر وبدأ باعتماد سياسة تنأى بتونس عن المطامع الأوروبية مع الانفتاح على الحضارة الأوروبية الجديدة، وتحافظ على الولاء للدولة العثمانية لكن مع الحرص على تمتيع البلد بقدر كبير من الاستقلالية عن السلطان العثماني. وكما يقول المؤرخ د. رشاد الإمام: «إنّ عهد حمودة باشا كان ذا أهمية أساسية في تاريخ تونس الحديث، بل كان يمثّل في أوجه عدّة العهد الذي بنيت فيه ركائز الدولة التونسية الحديثة»[1] . ولا بدّ من الإقرار اليوم بأن هذه المحاولات المستمرّة منذ القرن التاسع عشر قد ظلّت هشّة، وأن «الثورة» التي نجحت يوم 14 كانون الثاني (يناير) 2011 في إسقاط النظام السابق قد أثبتت بجلاء هذه الحقيقة التي طالما حصل إخفاؤها بعد الاستقلال بالخطابات المطمئنة حول «الأمة المتجانسة التي اختارت دون رجعة طريقها للحداثة».

تونسان

سأقتدي بالمؤرخ الفرنسي أميل بولا (E. Poulat) الذي وضع عنوانا لأحد كتبه: حرب الفرنستان[2] ، وسأقول بدوري إنّ هناك حربا خفية ومستمرة بين «تونسين» تتعايشان بعسر منذ القرن التاسع عشر، وقد كشفت الأحداث الحالية عن تعقّد العلاقة بينهما. ومنذ القرن التاسع عشر إلى نهاية سنة 2010 نجح جهاز إداري يتمتّع بشيء من القوّة في امتصاص التوترات الحاصلة بين «التونسين». وقد تجسد هذا الجهاز الإداري في حكم البايات ثم في الحماية الفرنسية (1881–1956) وأخيرا في الدولة الوطنية الناشئة بعد الاستقلال. والحقيقة أن هذا الجهاز الإداري كان منذ القرن التاسع عشر ينحو نحواً تسلطياً، وقد استعمل العنف المفرط في عدة مرّات كي يفرض نظامه، وكان دائما أقرب إلى تونس «الحداثة» منه إلى تونس «الأصالة»، مع أن هذه أكبر عددا من تلك.

لقد غيّرت «الثورة» لأوّل مرَة موازين القوى، فانهار الحكم القويّ وأصبح القطبان في مواجهة مباشرة. ثم إن الحكومة الأولى المنبثقة من انتخابات 23 تشرين الاول (أكتوبر) 2011 جاءت أقرب إلى تونس «الأصالة» منها إلى تونس «الحداثة». صحيح أنه لا يمكن الحسم منذ الآن في الاتجاهات المستقبلية للبلد بما أن هذه الانتخابات كان موضوعها تكوين مجلس تأسيسي مهمته الأساسية صياغة دستور جديد، فالانتخابات التي ستنظم بمقتضى هذا الدستور هي التي ستكون الحاسمة. بيد أن بالإمكان أن نضع منذ الآن ثلاثة سيناريوات ممكنة لمستقبل الثورة التونسية.

فالسيناريو المتفائل هو الذي يتوقّع نجاح الشعب التونسي في إدارة خلافاته وإقامة نموذج للتعايش بين تيّاريه الرئيسيين، فيقبل بالعيش المشترك رغم تناقض الرؤى، ويقيم دولة قوية لكنها ديمقراطية قادرة على التحكم في النزاعات بين التيارين، وتضمن في الآن ذاته الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية والتجانس الاجتماعي والحريات الفردية. والسيناريو الوسطي هو الذي يتوقّع من شعب معروف بسلميّته أن يقبل تعايش التيارين المختلفين كي يتفادى تأجيج العنف، لكنه يعجز عن صياغة نموذج اجتماعي مشترك وإقامة دولة قوية. سيقوم حينئذ نظام حكم على النمط اللبناني، أي أنَ البلد لن يشهد مواجهات أهلية عنيفة لكنه سيعيش أيضا استقرارا هشا وقابلا للانفجار في كل لحظة. إن الوضع التاريخي للبنان، إذا ضربنا صفحاً عن حربه الأهلية التي حصلت بسبب تدخلات خارجية، هو وضع يؤكد أن بلدا ما يمكن أن تتعايش فيه على مدى عقود مكوّنات مختلفة دون أن يبلغ درجة الانصهار الوطني الكامل.

أخيراً، يتمثّل السيناريو المتشائم في عجز الشعب التونسي عن إيجاد وفاق بين تيّاريه الرئيسيين، وقد يشهد حينئذ قيام حكومات تسلطية لكنها ضعيفة، وقد تكون إسلاموية التوجه لكنها قابعة تحت تأثير الأحداث المتموّجة للشرق الأوسط والتأثيرات القوية لأوضاع الجارين المضطربين ليبيا والجزائر. أو قد يتراوح الوضع بين محاولات التسلّط وفترات من الفوضى الهدّامة.

من الواضح أن عبارة «ثورة» لن تكون جديرة بالاستعمال إلّا إذا اتجه مسار الأحداث التونسية بمقتضى السيناريو الأول. بيد أن هذا المسار يفترض إيجاد حلَ مرضيّ ووفاقيّ للقضية الخلافية الكبرى بين التيارين وهى علاقة الدين بالفضاء العام، فهذه القضية هي عقدة العقد في حاضر البلد ومستقبله. فتونس «الحداثة» تمنح الأولوية للحرية دون أن يكون مقصدها الإساءة للدين، لكنها تعتقد أنَ الدين ينبغي أن يعاش حسب ظروف العصر المتغيرة وأنه روح عامة وقيم خالدة وليس تفاصيل حياتية مستعادة من الماضي. أما تونس «الأصالة» فإنها تضع الالتزام الديني في المقام الأول ولا ترى الحرية حقاً طبيعياً أو سياسياً وإنما هي التزام حرَ من المؤمن بالعبودية لله وتطبيق شرعه[3].

ومن الواضح أيضا أن عبارة «انتقال ديمقراطي» لا تصحّ إلا في ظلّ السيناريو الأول، ذلك أن الطريقة الوحيدة لتفادي سلطة إكراهية تفرض أحد النمطين المختلفين إنما تتمثل في تحويل النمطين معا من تناقض جوهري مطلق إلى اختلاف سياسي بين قطبين يمكن أن يطلق على أحدهما القطب المحافظ والآخر القطب التقدمي، أو غير ذلك من التسميات، ويحصل التداول بينهما كما هو الشأن في الديمقراطيات الراسخة (جمهوريون وديمقراطيون في الولايات المتحدة الأميركية، يمين ويسار في فرنسا، محافظون وعمال في بريطانيا، الخ).

فالتداول على السلطة في شكل سلمي ومنظّم هو أساس النظام الديمقراطي وجوهره، وهو الذي يوفر لمجتمع معين فرصة الاختيار بين تيار أو آخر في مواعيد انتخابية دوريّة بدل أن يغرق المجتمع في صراعات وجودية مدارها جواهر ثابتة يعتبر كل فريق أنه ملزم بها إلزاما مطلقا وأنها الحقيقة وما سواها باطل. إنّ مبدأ التداول لا يتحقّق إلا بين برامج ورؤى ذات طبيعة سياسية نسبيّة.

بدت تونس مع فجر ثورتها وكأنها تتقدّم في الاتجاه الصحيح، لكنّنا اليوم أقلَ وثوقا بهذا الشأن، فقد يكون ذاك الفجر مجرّد سراب، والأكيد أن هناك تراجعاً عن الآمال الكبرى التي عقدت على الثورة التونسية في البداية لكن أبواب التدارك ما زالت مفتوحة.

عوامل الأمل

لماذا تعاظمت نزاعات الأمل في البداية إلى حد َالشطط أحيانا؟

أ. لأنّ «الثورة التونسية» لم تكن صنيعة حزب سياسي معيّن أو توجّه أيديولوجي مخصوص، فقد اتخذت شكل الانتفاضة الشعبية العارمة التي ضمّت شرائح اجتماعية واسعة ومختلفة في رؤاها وأوضاعها الاجتماعية، فكل مشارك في الثورة كان مدفوعا بتطلعاته وأحلامه الخاصة.

ب. لأنّ الحكم الدكتاتوري في تونس قد سحق العمل السياسي والأحزاب السياسية ومنها حزب «النهضة» طبعا، فلم يكن واردا لأي حزب أن يقود الثورة وحده أو يزعم أنه ممثلها الوحيد. وعلى عكس ما قد يقال أحيانا فإن نتائج انتخابات 23 تشرين الاول 2011 قد أكدت هذه الحقيقة، فالحزب الإسلامي «النهضة» لئن تحصّل على 40% من مقاعد المجلس الوطني التأسيسي فإنه لم يحظ إلا بثقة ناخب تونسي واحد على كل خمسة تونسيين يحق لهم التصويت.

ج. لأن تعلّق التونسيين بالدين تعلّق صادق لكنه معتدل أيضا، ناهيك أن حزب «النهضة» الذي يرجع بأصوله إلى حركة «الإخوان المسلمين» المصرية ذات العقيدة السلفية الصارمة قد تطور باتجاه التقارب مع نمط إسلامي تونسي يتسم بالتسامح والاعتدال، ولا شك أن حزب «النهضة» يمثل في مجموع الحركات الإسلامية المنبثقة عن الحركة الأمّ «الإخوان المسلمين» الحزب الأكثر انفتاحاً على الأفكار والمفاهيم الحديثة.

د. لأن المجتمع التونسي قد شهد (أو قد فرضت عليه؟) تحوّلات عميقة في مجال تحرّر المرأة وتحديد النسل وتعميم التعليم الخ. فلئن أدار هذا المجتمع ظهره للبورقيبية ولدستور سنة 1959 فإنه لن يتخلص من آثار تلك التحولات، بل هي آثار متواصلة على مدى أجيال عديدة، فمن هذا المنطلق بدا أن بعض مظاهر الحداثة في تونس هي مظاهر راسخة ولا يمكن المساس بها.

مخاوف في المستقبل

لماذا نرى الوضع اليوم بأعين أقلَّ تفاؤلاً بالمستقبل؟

أ. لأن تونس قد شهدت انفجار أولى ثورات العالم العربي، ثم سرعان ما اقتدت بها أقطار أخرى: مصر ثم ليبيا ثم اليمن، والمرجح أن تلحق سوريا قريبا بركب الدول المتخلصة من أنظمتها الدكتاتورية. وقد أصبح مصير الثورة التونسية مرتبطا بمجموع تلك الثورات، وأصبح مرتبطا أيضا بمسارات بلدان أخرى لم تشهد ثورات لكنها شهدت انتخابات حرة أوصلت الإسلاميين إلى السلطة، مثل المغرب الأقصى. والنتيجة أن «الخصوصية التونسية» قد ذابت في مخاض تحوَّل من مستوى قطري إلى مستوى إقليمي وجيوستراتيجي أكثر اتساعاً وتعقداً.

ب. لأن تونس بلد ذو اقتصاد هشّ قائم على الخدمات أساسا. وتبلغ نسبة تبادل هذا الاقتصاد مع الأسواق الأوروبية أكثر من 80%، وسوف يتضرَر ضرراً بالغاً لسببين، أولاً إن اقتصاديات الخدمات لا تتحمل طول أوضاع عدم الاستقرار، فقد تراجع القطاع السياحي بحدّة نظرا للظروف الأمنية وتنامي الحركات السلفية المتشدَدة، وتراجع أيضاً الاستثمار الأجنبي للأسباب ذاتها. ثانيا، إن الشريك الأوروبي التقليدي لتونس يشهد بدوره أزمة اقتصادية غير مسبوقة منذ الأزمة الكبرى لسنة 1929، وتجمع كلّ التوقعات الاقتصادية على أن الأسواق الأوروبية ستعيش حالة ركود على مدى سنة 2012 كلها.

ج. لأننا نفهم اليوم بطريقة أفضل أهمية الضغوط التي تمارسها بعض البلدان الأجنبية، خاصة الولايات المتحدة التي تنظر إلى تونس على أنها مختبر ونموذج يصنع لبلدان المنطقة وليس بلدا متميزا بتاريخه. أما قضية ديمقراطية المجتمع فهي لا تهمّ كثيرا القوى الخارجية، باستثناء ما يتصل بالجانب الشكلي والإجرائي لتنظيم الانتخابات. وهذا الأمر ليس بالمستغرب من هذه القوى، يكفي أن نرى شكل «الديمقراطية» التي أقامتها الولايات المتحدة في العراق، فهي قد حرّرت الشعب من الاستبداد لكنها لم تتقدّم به في اتجاه الممارسة السياسية السليمة.

د. لأنّ تدهور الوضع الاقتصادي سيؤدي إلى تفاقم الأيديولوجيات الراديكالية. وتمثّل قضيّة البطالة في تونس تحديّا ضخما يعبّر بجلاء عن المخاطر المحدقة. فقد بلغ عدد العاطلين عن العمل خلال عقدين من حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي حوالي 500 ألف شخص، ورغم تحقيق النظام السابق لمتوسط نسبة نموَ بـ 5% فإنه قد فشل في معالجة ظاهرة البطالة وكان فشله أحد أسباب انهياره. لكنّ عدد العاطلين عن العمل ارتفع بعد سنة واحدة من الثورة إلى ما يقارب 800 ألف شخص، ويتوقّع العديد من الخبراء أن يبلغ الضعف، أي مليون شخص، في أقل من سنتين بعد الثورة. ولقد كان الأمل معقوداً بعد الثورة على نسبة نموّ بــ 8% وهي النسبة الكفيلة بمعالجة البطالة، يبد أنَّ هذه النسبة أصبحت اليوم أقرب إلى الخيال منها إلى توقع موضوعي يمكن لخبير اقتصادي أن يجازف به. لأن حزب «النهضة» ذا التوجه الديني نشر خطاباً مطمئناً و«حداثياً» أثناء حملته الانتخابية وأعطى الانطباع بأنّه يملك برنامجاً سياسياً واقتصادياً، لكنّه بعد تسلّم مقاليد السلطة أصبح يفصح عن مواقف متردّدة ومزعجة، إضافة إلى قلّة الخبرة في إدارة الشأن العام. وقد تعاظمت لديه ازدواجية الخطاب التي كان يظن أنها ستنتهي بنهاية الحملة الانتخابية. ومن الصعب أن نتبيّن هل أن سبب ازدواجية الخطاب اختلافات عميقة بين أعضاء الحزب أم أنها خطة لحشد أكبر عدد من الأتباع؟ وسواء أصحّ الجواب الأوّل أم الثاني فإن من العسير أن تقام مشاريع وفاق تاريخية إذا غابت المواقف الواضحة من أحد الأطراف المهمة ولم يكن راغبا أو قادرا على تقديم تصوراته الكاملة للقضايا الاجتماعية الكبرى.

فهل يمكن أن نقدّم، في ظلّ هذه العناصر المتباينة، إجابة عن السؤال المطروح: ما مستقبل الثورة التونسية، الديمقراطية أم الفوضى أم الحكم الديني؟

الواقع أن هذا السؤال لا يمكن حسمه الآن، والأمر الأكيد أننا تراجعنا عن التفاؤل المفرط الذي ساد الأيام الأولى للثورة. ويبدو أن الفاعلين السياسيين لا يرغبون حالياً في مناقشة قاعدة للعيش المشترك ويفضّلون بدلاً عنها منطق المغالبة. ولم تفلح الآلية الانتخابية في تقريبهم من بعضهم البعض، بل الانقسامات بينهم قد احتدّت أكثر بعد الانتخابات السابقة، ويتوقّع أن تزيد احتداماً عندما يقترب موعد الانتخابات المقبلة. ثم إنّ الساحة تشهد أيضا تعاظم نفوذ تيارات راديكالية تميل أحياناً لاستعمال العنف، مثل تيارات السلفية الجهاديّة. وقد اضطلعت شبكات التواصل الاجتماعي، مثل الفايسبوك، بدور مهم في إنجاح الثورة، وهي تضطلع حاليا بدور لا يقلّ أهمية في تعميق الشرخ بين التونسيين، وتأجيج العداوة بينهم، فتحوّل دورها من الإيجاب إلى السلب.

النتيجة من كلّ ما سبق أن المسار سيكون أكثر طولا وتعقّدا مما كان متوقّعا في الأيام الأولى من الثورة. وعلى افتراض أن يلتزم المجلس التأسيسي بالفترة المحدّدة، أي سنة واحدة، فإنه لن يتجاوز على الأرجح صياغة دستور ينصّ على مبادئ عامة وفضفاضة لا تحسم الخلافات ويمكن أن تؤوّل في أكثر من اتجاه، ولن توضح المشروع المجتمعي الذي ستتبناه تونس للأجيال القادمة. مع أنه كان من الممكن أن تقدّم تونس نموذجاً ناجحا للانتقال الديمقراطي يصبح قدوة لكل الثورات العربية.

ما العمل؟

يمكن بالتأكيد أن تشهد تونس في الفترة المقبلة استدراكاً للأوضاع إذا ما سعت القوى السياسية ومكوّنات المجتمع المدني إلى إعادة تشكيل الساحة السياسية بطريقة تتفادى الاستقطاب الحادّ والسماح لمجموعات راديكالية بالتحكّم في مسارات الأحداث. فماذا يمكن أن يتغيّر في ضوء الانسداد الحالي كي تستأنف تونس مسارها الديمقراطي وتحافظ على اعتدالها وانفتاحها؟

يبدو أن ثمة اليوم مجموعة من القضايا التي ينبغي أن تحظى بالأولوية:

• انقسام المجتمع بين تيارين ينبغي أن يترجم سياسياً في قيام حزبين أو مجموعة محدودة من الأحزاب تكون متقاربة القوة لتسمح بتداول ديمقراطي حقيقي. أما انقسام تيار واحد إلى عشرات الأحزاب فمن شأنه أن يضعف أداءه السياسي ويضعف فرص تمثيليته في المؤسسات الديمقراطية. والوضع الحالي في تونس بعيد عن تجسيم هذه الحالة النموذجية. فالحزبان «العلمانيان» اللذان تحالفا مع حزب النهضة وشاركاه بعض المقاعد الحكومية قد ضعفا ضعفاً بيّناً وشهدا انقسامات داخلية حادّة. صحيح أنّ الظهور الإعلامي والجماهيري لبعض رموز الحزبين قد منحهم الكثير من الشعبية، بيد أنّ شعبية بعض القيادات لن تتحوّل بصفة آلية إلى شعبية يستفيد منها الحزب كلّه. أما أحزاب المعارضة فتشهد جميعها مشاكل جمّة، بعضها قد انقسم على نفسه، وبعضها أوشك على الاندثار، وبعضها يتخبط في مشاكل مالية وتنظيمية. وهي تشترك جميعها في ضعف العمل الجماهيري والاحتكاك بالطبقات الشعبية، باستثناء بعض أحزاب أقصى اليسار التي ينحصر حضورها مع ذلك في مناطق دون أخرى.

• الاستقطاب الحادّ حول الموضوع الديني ليس من صالح الديمقراطية وينبغي أن يخفّف وأن يعدّله وجود خطاب أكثر رصانة، ومن وسائل التعديل أيضا توجيه النقاش العام نحو قضايا أكثر التصاقا بمعيش الناس ومشاغلهم اليومية مثل البطالة والفقر والاحتياجات الصحية، الخ. أما النقاشات الحالية فتدور في أغلبها في فلكي التكفير أو التخوين، لأنها تتعلّق بقضايا دينية أو باتهامات متبادلة لا يمكن التحقّق من صحتها، ما يجعل النقاش غير ذي جدوى ومتسماً بكثير من الحدّة، بل العنف أحياناً.

• المجتمع المدني مدعوّ إلى الاضطلاع بدور أكثر حيوية فلذلك ينبغي أن يكون مستقلا بنفسه مستنكفا عن أن يمثل مجرّد واجهة لبعض الأحزاب السياسية. فمن دور المجتمع المدني أن يساعد على التواصل والتبادل في وجهات النظر بين المعتدلين من كل طرف ويعزل بذلك المتشددين الذين يسعون إلى تقويض التجربة الديمقراطية والسلم الاجتماعي. أما الوضع الحالي فيتميز بكون الكثير من الجمعيات قد أنشئت لتكون مجرّد غطاء لنشاطات الاحزاب السياسية، لا سيما وأنّ القانون المنظم للأحزاب والجمعيات يشدّد في طرق حصول الأحزاب على المساعدات المالية ويتساهل بشأن الجمعيات.

عواقب الفشل

إذا فشلت التجربة التونسية فشلاً ذريعاً فإن عواقب هذا الفشل لن تقف عند حدود هذا الوطن وإنما ستتعدّاه إلى المحيطين العربي والمتوسطي.

فالعديد من البلدان العربية ستتأثر بفشل التجربة التونسية إذا ما حصلت، مثلما تأثرت بنجاح ثورتها سابقا. ومن هذه البلدان من شهد سنّ إصلاحات سياسية حقيقية كي يتجنب عنف الثورات، فإذا فشلت التجربة التونسية فإنه قد يتراجع إلى مواقف أكثر محافظة ويتردّد في المضي قدما في طريق الإصلاح. ومن هذه البلدان من شهد قيام ثورات قد تتجه إلى مواقف أكثر عدائية وراديكالية لأن الوضع التونسي على ما فيه من مخاطر قد أبرزناها يظلّ الوضع الأكثر تهيؤاً للنجاح بالمقارنة بغيره. فهو وضع يتميز بسلمية الشعب وحيوية المجتمع المدني واعتدال الحزب الإسلامي. أما بعض الأوضاع الأخرى فقد تتجه إلى أنظمة دينية لا تحترم حقوق الأقليات والمواطنين وتغطي خيباتها السياسية بمزايدات دينية وقومية. ستواجه أوروبا بدورها مشاكل جمة في حالة فشل المسار الديمقراطي التونسي، من ذلك إنها قد تشهد ضغطاً غير مسبوق للهجرة، ويتذكر الجميع مشاهد ارتماء آلاف التونسيين في قوارب الصيد لبلوغ الساحل الإيطالي بعد أيام من الثورة. إنَ ما حصل في مدينة لمبيدوزا قد يتضاعف عشرات المرات ويتواصل لفترة أطول بكثير، فالمسافة الصغيرة التي تفصل بين تونس وإيطاليا لن تقف عائقا أمام طالبي هجرة فقدوا كل أمل في مستقبل بلدهم. وستكون أوروبا محرجة أخلاقياً إذا أغلقت أبوابها أمام أقليات ونساء ومثقفين وفنانين يطلبون اللجوء هربا من التطرف الديني السائد في مجتمعاتهم، فقد سبق لأوروبا أن منحت اللجوء السياسي لمئات الإسلاميين الذين استغلوا ضيافتها لتنظيم عودتهم ووصولهم إلى السلطة.

والمرجح أيضا أن تؤجج العديد من النزاعات التي يعيشها المتوسط منذ عقود بسبب سياسات أكثر عدوانية ومزايدات ثورية ودينية، فكلّ الأنظمة الثورية إذا ما فشلت في تحقيق وعودها وتحسين ظروف عيش مواطنيها حوّلت الاهتمام إلى القضايا الخارجية. ثم إنّ أوروبا مازالت محتاجة إلى استقرار الضفة الجنوبية من المتوسط لنقل جزء من حاجاتها للطاقة، وستتضرّر اقتصادياً أيضاً لأن مؤسساتها في تونس وبقية البلدان العربية لن تقدر على مواصلة النشاط لا سيما في ظل الأزمة الاقتصادية التي تشهدها أوروبا نفسها ومجموع منطقة اليورو.

سيترتب على فشل التجربة التونسية تشدّد الخطاب الإسلامي. وسيكون لهذا التشدد أثر على جزء من الجماعات المسلمة في أوروبا وعلى جزء من المهاجرين المسلمين. فهم سيعبرون مستقبلا عن مطالبهم بخطابات أكثر راديكالية. وستتخذ قضية الهوية بعداً دينياً وسيغنم أقصى اليمين من هذه الأوضاع ويحقق بدوره نجاحات انتخابية. ومن المتوقع حينئذ أن تخسر أوروبا بعض سمات نموذجها الديمقراطي وحرياتها العامة وتلتجئ إلى مزيد من التضييق والتقوقع إذا ما وجدت نفسها بين مطرقة الهجرة غير الشرعية وسندان تشدّد بعض الجماعات الإسلامية المقيمة لديها.

إنّ السيناريو الأسود هو ذاك الذي نرى فيه أوروبا وقد تعاظم فيها حضور أقصى اليمين بسبب الرعب من الهجرة المغاربية وإمكانية تأثير الراديكالية الدينية في مستقبل الأوروبيين، إلى درجة تمكّن هذه التيارات من السيطرة على السلطة التنفيذية، ولنذكر مثلا بأن الانتخابات الرئاسية الفرنسية في دورتها الأولى قد شهدت لأوّل مرّة بلوغ مرشحة أقصى اليمين إلى نسبة 20 بالمائة من الأصوات. فيما نرى بالمقابل الضفة الجنوبية للمتوسط وقد سيطرت عليها نظم حكم تيوقراطية لا تحترم حقوق الإنسان والأقليات ولا تعترف بالقوانين الدولية ويفرخ فيها التطرف الديني والإرهاب.

الخلاصة

يمكن للزخم الثوري العربي أن يكون عاملاً قوياً للتقريب بين ضفتي المتوسط وأن يعمل على تجاوز ما دعي بالاستثناء العربي في مجال الديمقراطية. فالمجتمعات العربية والشرق الأوسط يمكن أن يتّحدا، من تركيا إلى المغرب، حول المثل الأعلى الديمقراطي، وقد أصبح كونيا في مبادئه وأسسه، مع مراعاة كل طرف لخصوصياته المحلية. بيد أن هذا الزخم نفسه يمكن أن يتحوَل إلى عامل قطعية بين الضفتين، فتتراجع المبادلات الاقتصادية والثقافية وتنهار جسور التواصل بين عالمين تعايشا منذ قرون رغم الصعوبات والمآسي. كما قد يتحوّل إلى مؤجج للصراعات الدينية والطائفية والعرقية داخل المجتمعات المعنية بالثورات.

ليس مصير الثورة التونسية موضوعا يهمّ التونسيين وحدهم، فكل المنطقة المتوسطية معنيّة به، والسنوات القليلة المقبلة ستكون حاسمة في رسم المعالم الجديدة للمنطقة. وإذا كانت أزمات العالم العربي قد احتدّت منذ قرن في المشرق أكثر منها في المغرب، فليس من المستبعد أن يصبح المغرب بدوره عرضة لمصاعب جمّة وأزمات خانقة ومتواترة، بل ربما شهد أيضا انقسامات بسبب وجود بعض الأقليات العرقية. فالديمقراطية ليست قضية ملحّة للوفاء لشهداء الثورات العربية فحسب، وإنما هي ملحّة أيضا لأنها الإطار الوحيد الذي يعصم الاختلافات الحادّة من أن تتحوّل إلى مواجهات عنيفة بين المتنازعين.

[1] سياسة حمودة باشا في تونس، منشورات الجامعة التونسية، 1980، ص 424.

[2] أميل بولا: الحرية واللائكية. الحرب بين فرنستين ومبدأ الحداثة، سارف، 1988 (بالفرنسية).

[3] يدافع الإسلاميون عن وجهة النظر هذه، ومقترحاتهم للدستور القادم لم تطرح بعد (إلى حدَ كتابة هذه السطور) لكن زعيم حزب «النهضة»، الشيخ راشد الغنوشي، ألّف العديد من الكتب في موضوع الحكم الإسلامي أهمها كتاب يحمل عنوان: الحريات العامة في الدولة الإسلامية، وتعتبر مواقفه في هذا الكتاب مواقف معتدلة إذا قارناها بزعماء قادة إسلاميين آخرين، لكنها تظل مع ذلك دون الحدّ المشترك المقبول عالميا في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان. فهو يقبل مثلا النظام البرلماني لكنه يقترح أن يخضع لمراقبة هيئة عليا ذات كفاءة دينية تقرّر ما إذا كانت التشريعات البرلمانية مطابقة لما تراه أحكاما قطعية في الكتاب والسنة، ويمكن لها أن تحكم ببطلان ما لا تراه مطابقا. يراجع: الحريات العامة في الدولة الإسلامية، الطبعة الأخيرة المنقّحة، تونس 2010.

 




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬