حيدر ابراهيم علي

HaidarIbrahimAli

لدى كل واحد من الشعوب قضية محورية تشغله كلّه، بالمؤيدين لها أو المعارضين، سمّ هذه القضيّة قضية قومية، أو قضية وجود، أو استراتيجية، أو ثوابت أمة. فهي التي تمثل الدافع والمسبب والموجه لكل حركة الجماعة وتفاعلاتها وصراعاتها، وهي قد تكون روح الأمة (ethos). وفي السودان كانت القضية هي: الهوية الثقافية أو الذاتية، وأحيانا الهوية الوطنية أو القومية. وهذا اختلاف شكلي، لأن المهم أن الجميع يطرح سؤال: من نحن؟، هل نحن عرب أم أفارقة أم مستعربون أفارقة؟.

ومن الوضح أن السودانيين وقعوا منذ البداية في فخ سؤال بلا اجابة، مفتوح على كل الاحتمالات والتفسيرات، ثم بعد ذلك على الاختلافات والصراعات. فالهوية مفهوم شديد التجريد، وجوهراني، وثابت، وأقرب الى الميتافيزيكيا حين يستخدم في وصف الجماعات والنظم وحتى الثقافة. ورغم ذلك ربط السودانيون مهمة بناء الدولة الوطنية، وتحقيق الوحدة الوطنية والتنمية، بتحديد هويتهم. ودخلوا في مناقشات تضاهي الجدل البيزنطي، أعاقتهم في عملية رسم السياسات. اذ لم يكن من الممكن اتخاذ قرار لا يستهدي بمكونات الهوية. وهذا ما يفسر لماذا اهتم السياسيون السودانيون كثيراً بمتطلبات وضع دستور دائم للبلاد، قائم على ثوابت الامة وهويتها؟، وفي الوقت نفسه أهملوا وضع الخطط للتنمية ومن ثم العمل على تنفيذها.

يصف د. فرانسيس دينق، الاكاديمي والديبلوماسي الجنوبي المرموق، والمكتوي بالمشكلة مباشرة، القضية بكثير من الدقة، حين يكتب: "هل الحرب الاهلية في السودان نزاع بين هوية عربية-اسلامية في مواجهة هوية افريقية- مسيحية-وثنية؟ ماهي الهوية الحقيقية للبلاد؟ ما هي الأسس التي تحدد مثل هذه الهوية؟ ما مدى تمثيل التعريف الرسمي الراهن للهوية للتركيبة الداخلية للبلاد؟ واذا لم تكن ممثلة، ما هي الهوية الأكثر تمثيلا للسودان؟ وماهي العقبات، وعلى من تقع مسؤوليات عرقلة تصحيح وتبني هوية موحّدة؟ هل من الممكن تخطي تلك العقبات لدعم الاحساس بهوية تكون للبلاد بكل مكوناتها؟. اذا كانت الردود بالايجاب، ما هي الاستراتيجيات الممكن اتخاذها للتغلب على العقبات؟"[1].

ويطالب دينق، بكل وضوح، بتحديد الهوية الموحدة لكي نبني عليها كل الأشياء الأخرى. وهذا مطلب يبدو في شكله الخارجي سهلا، ولكنه صعب يصل إلى حد الاستحالة واقعياً. وذلك ببساطة لأن الهوية ليست معطى موجودا هناك، معطى علينا أن نبحث عنه وحين نجده تُحل كل العقد. لكن الهوية في معناها وشكلها الجوهراني والثابت، وهم في أحسن الفروض. ففي الحقيقة، الهوية مكوّنة اجتماعياً، أي أن كل جماعة أو ثقافة تحدّد ما تسميه هويتها من خلال قناعات، هي غالبا ذاتية، قد تُدعم، أو لا تُدعم، بمعطيات ومؤشرات موضوعية. فحين أقول نحن السودانيين أشجع أو أكرم الناس، فهذه لا تعدو أن تكون صورتنا عن أنفسنا وكفى. لكننا قد نسعى الى البحث عن امثلة تؤكد وجود هذا الكرم أو الشجاعة، وقد لا تكون النماذج متكررة وعامة.

هنا مكمن أزمة "الهوية السودانية": من الذي يحددها؟ وبأية معايير؟. فمن المعروف أن السودان دولة تتسم بتنوع هائل وبتمايزات إثنية وثقافية. وهذا وضع طبيعي، بل وايجابي في ما لو تم توظيفه بعقلانية. ذاك أن التمايز حقيقة وواقع ولا يسبب في حد ذاته خللا أو تناقضا. لكن المشكلة تأتي حين يحوَّل هذا التمايز، بآليات معينة، الى امتياز ويصبح أداة للتفضيل ولتراتب اجتماعي وسياسي. وللأسف ،هذا ما حدث في السودان المعاصر.

ويصف د. عبد السلام نورالدين، عن حق، الهوية السودانية بقوله: "انها من صنع الصفوة السياسية وليست ظاهرة وطنية شعبية". ويضيف: "تحولت الهوية السودانية على أيدي خاطفيها من الطائفيين والذين آل اليهم الحكم في السودان، بالوراثة أو القوة العسكرية، الى ايديولوجية قومية ودينية"[2].

المكوّن المفترض الأول للهوية: العروبة

كان من الواضح أن الفئات والقوى الاجتماعية النيلية الوسطية، وهي عربية أو مستعربة واسلامية، هي الأقدر لأسباب تاريخية واقتصادية-اجتماعية جعلتها الأكثر تطوراً، على فرض هوية معينة على البلاد. وكان الخيار الطبيعي هو العروبة والاسلام، فلم تكن مصادفة أن يتصدر نشيد المؤتمر، أي مؤتمر الخريجين، طليعة الحركة الوطنية، هذا البيت لوصف الأمة السودانية:

"أمة أصلها العرب/ دينها خير دين يحب"

لكن عروبة السودان واجهتها صعوبات في التعريف والتوصيف، بسبب عقبات النسب (الدم) واللون. وسارع الكثيرون الى القول إن العروبة لا تقوم على العرق ولكن على الثقافة، أو بصورة أدق، اللغة: "إنما العربية لسان فمن تحدث العربية فهو عربي". ولكن الكثيرين من السودانيين لم يقتنعوا أو يكتفوا بعامل اللغة أو الثقافة فقط. اذ كان لا بد من اكمال ذلك الشرط، خاصة لدى المواطنين العاديين والذين يتحدثون العامية السودانية، بتأكيد "مادي" أكثر يتطلّبه النسب العروبي.

ولفكرة العروبة والاسلام جذورها التاريخية البعيدة لدى السودانيين. اذ تروي المصادر أن السلطان سليم، بعد أن أخضع ساحل البحر الاحمر، ودخل الحبشة بقصد الزحف على سنار، خاطب ملكها عمارة دنقس (1505-1534) يدعوه الى الطاعة، فأجابه: "اني لا أعلم ما الذي يحملك على حربي، وامتلاك بلادي، فان كان لأجل تأييد دين الاسلام، فاني أنا وأهل مملكتي عرب مسلمون ندين بدين رسول الله". وأرسل له مع الكتاب كتاب أنساب قبائل العرب الذين في مملكته. وكان قد جمعه له الامام السمرقندي أحد علماء سنار. فلما وصل الكتابان الى السلطان سليم اعجبه ما فيهما وعدّل عن حرب سنار. وقيل إنه أخذ كتاب الانساب معه الى الآستانة، ووضعه في خزانة كتبها[3]. هذا وقد انتشرت فكرة شجرة النسب بين المستعربين السودانيين، وهم غالبا ما يوصلون نسبهم الى العباس أو بني امية أو الى هارون الرشيد. وهذا مجال واسع مثير للسخرية. فعلى سبيل المثال فقط، نأخذ الرشايدة أوالزبيدية، اذ تقول المصادر: "يفخر الرشايدة بانتسابهم الى العباسيين والى هارون الرشيد وزوجته زبيدة بالذات، وهم يقولون إن تسميتهم بالرشايدة والزبيدية انما جاءت بسبب هذا الانتساب، ويقول في ذلك أحد أفراد هذه القبيلة من ديوان: المدائح البهية في مدح خير البرية، تأليف الفقير الى ربه نفاع بركات غويتم الرشيدي أصلا والنجدي موطنا: [4]

"أنا نفاع بن بركات بين/ وموصول بهارون الرشيد

أنا في موطن السودان قاطن/ وأصلي نجد والشرق السعيد"4

ويحاول الجعليون، وهم من القبائل الكبيرة في الشمال، حصر النسب بالعباس أو بني هاشم. وتسرد بعض رواياتهم الشعبية: "ونقول في نسب العرب التي اشتهرت بجعل ونسلهم. هم اصحاب الدولة في بلاد السودان ولهم الصولة من مكانتهم من بني هاشم. اما سبب خروجهم الى بلاد السودان، تشاجُر وقع بين بني امية وبني هاشم وخرجت طائفة من بني هاشم الى المغرب ثم عادوا الى دنقلا وتغلبوا على أهلها"[5]. وللفونج قصة مشابهة، تقول: "ان العباسيين لما تغلبوا على الأمويين في الشام ونزعوا الملك من ايديهم سنة 132 هجرية، 750م، أخذ من بقي من الامويين ومن والاهم بالفرار، فتفرقوا في أنحاء العالم فذهبت جماعة منهم الى اسبانيا فأسسوا مملكة الاندلس على ما هو مشهور، وذهب آخرون الى السودان فأسسوا مملكة سنار"[6].

هذه هي الهوية – الايديولوجيا التي اخترعتها النخب الشمالية، العربية –المسلمة، ولكنها لم تكن محكمة ومقنعة خاصة حين اعتمدت على العرق أو الدم. فقد حدث تمازج اضاع بعض السمات الفيزيقية العربية مثل اللون. وهذا ما جعل سودانيا ينتمي الى اسرة "العباسي" يندهش، ويبحث عن الاعذار. فحين خذله لونه صدّته فتاة عربية (بيضاء)، اذ يبدو أنه أبدى الاعجاب أو أراد التقرب، فقال بانكسار: ألأن السواد يغمرني ليس لي فيه يا فتاة يد!؟

والشاعر صلاح احمد ابراهيم، الذي كتب في احدى المقالات "نحن عرب العرب"، بيّن ذلك بأن السوداني ليس فقط عربياً، بل هو أقرب من البداوة والفطرة الصحراوية التي تمثل الوجه الحقيقي للعربي بما تعكسه اللغة والاخلاق والروح القومية"[7].

ولكن شاعرنا يواجه تجربة تجبره على موقف مختلف، فيقول:

"أنا من افريقيا حرارتها الكبرى وخط الاستواء".

ويقول في قصيدة بعنوان: فكر معي ملوال (اسم شائع بين الجنوبيين):

"كذّاب الذي يقول في السودان إنني الصريح، إنني النقي العرق، إنني المحض... أجل كذّاب".

وتواجَه الهوية العربية بعدد من المشكلات والاشكاليات في حالة التحديد الدقيق. اذ تظهر ثنائيات عديدة، على رأسها العروبة عند العامة، التي تكتفي بعروبة القبيلة المستندة على النسب والأصل، مقابل عروبة المثقفين والنخب وهي سياسية (تتمثل في احزاب البعث والناصريين والقوميين العرب) وثقافية تظهر في نقاشات وحوارات الادباء والكتاب. وفي كثير من الاحيان، يتقاطع الموقفان ويستخدم المثقفون مقولات العامة لدعم قضاياهم، خاصة تلك التي تحتاج الى سند شعبي. وقد ترسخت "عنصرية عروبية وقبلية" في الوجدان السوداني، وللأسف لازم ذلك الشعور العنصري والموقف غير المتسامح الحركةَ الوطنية منذ بدايتها، ثم سارت على نفس الطريق، الاحزاب السياسية منذ نشأتها الاولى. ومع الزمن، اصبحت العنصرية السافرة أوالمبطنة ، جزءا اصيلا من السياسة ونظام الحكم حتى اليوم.

كانت أول انتفاضة وطنية ضد الاستعمار، ذات توجه قومي، قد تمثلت في هبة أو ثورة 1924 بقيادة علي عبد اللطيف. ولكنها اخمدت سريعا، لوقوف زعماء القبائل العربية والطرق الصوفية ضدها. وقد أفصح عن الموقف العنصري، المعبَّر عنه قبليا، الصحافي حسين شريف، بقوله: "ان البلاد قد اهينت لما تظاهر أصغر وأوضع رجالها دون أن يكون لهم مركز في المجتمع. وان الزوبعة التي أثارها الدهماء، قد ازعجت التجار ورجال الاعمال". ودعا الى استئصال شأفة اولاد الشوارع: "ذلك أن الشعب السوداني ينقسم الى قبائل وبطون وعشائر ولكل منها رئيس أو زعيم أو شيخ، وهؤلاء هم اصحاب الحق في الحديث عن البلاد. من هو علي عبد اللطيف الذي أصبح مشهورا حديثا وإلى أي قبيلة ينتمي؟"[8] ورغم أن علي عبد اللطيف سوداني من قبيلة الدينكا، فلأن قبيلته غيرعربية لم يعترف بها الكاتب كقبيلة. ومثل هذا الحديث ليس تاريخا، بل استمرت مفاعيله حتى اليوم. فحين يكتب الطيب مصطفى، صاحب صحيفة "الانتباهة" عن باقان اموم، الامين العام للحركة الشعبية، يقول نفس الكلام ضمنا وتلميحا لأن الظروف لم تعد تسمح له بنفس الصراحة السابقة. ويظل الموقف والشعور كما هما لا يتغيران، وذلك لأن المجتمع السوداني راكد، لم تتغير كثيرا علاقاته الانتاجية، ولا وسائله الانتاجية، خاصة في الريف والبوادي.

في تلك الفترة المبكرة من تاريخ الحركة الوطنية، كان يتم التعبير عن العروبة من خلال العلاقة مع مصر والموقف منها. وظهرت حينئذ دعوات الوحدة أو الاتحاد مع مصر. وكانت هذه دعوات متقدمة في ميدان الفكر والسياسة والادب، في ذلك الوقت، ولكن لا يسمح الحيز المتاح، والمَقام، بمتابعتها بإسهاب. الا ان الحركة الوطنية وبالذات الاتحاديين، تطلعوا شمالا واهملوا الجنوب المختلف والمعوق. وكأني بهم، يريدون اولا اثبات عروبتهم ثم يلتفتون بعد ذلك الى التنوع والاختلاف في وطنهم. لكن الشماليين لم يلتفتوا الى الجنوب، حتى حمل السلاح وتمرد بعنف. وبدأ التنوع الثقافي يفرض نفسه بوضوح، وتقدم موضوع الهوية مجدداً، ولكن في أجواء التوتر والنزاع والخصومات الحادة. ووسط الحرب الأهلية، انشغل السودانيون بتعريف انفسهم وتساءلوا من نحن؟، وهو سؤال في عمقه يدل الى أن السودان بالفعل هو تعبير جغرافي، باعتبار أنه لم يعرف خلال تاريخه - وهذا موضوع شائك وطويل - الدولة المركزية ولا المجتمع الموحد ولا الثقافة الشاملة، الجامعة.

لقد برز موقف يقبل التعدد الثقافي نتيجة صدمة الحرب، وفي نفس الوقت لا يخجل بصفة الهجين أو الخليط أو الخلاسية في وصف الشماليين المستعربين. ويمكن التأريخ لهذا الاتجاه بكتابات المحجوب المبكرة ومعارك محمد محمد علي حول قومية الادب السوداني. ثم تجي مدرسة "الغابة والصحراء"، في ستينات القرن الماضي، كمحاولة اصيلة ولكن قصيرة العمر. وللمفارقة، فإن أصحابها لم يطوّروها، بل أنكرها بعضهم. وكان لبعض روادها ومضات واشراقات في تحديد الهوية، أهمها وأعمقها قصيدة "سنار" للدكتور محمد عبد الحي، في قوله:

"افتحوا للعائد التائه أبواب المدينة

– بدوي أنت؟

– لا

– من بلاد الزنج؟

– لا

– أنا منكم كافرا تهت – تغربت سنينا

– مستعيرا لي قناعا وعيونا

– وضلالا ويقينا وجنونا

– أتغنّى بلسان- وأصلّي بلسان.

– بين حانات الموانئ".

وبالفعل هذا هو الانسان السوداني: ليس عربيا كاملا ولا زنجيا خالصا، فهو يغني باللسان الافريقي، ويصلي بلسان عربي فصيح ما امكن.

وهذا هو وضع الانسان الشمالي المستعرب على مستوى الفكر والنظر. لكن في منتصف سبعينات القرن الماضي، مع الفورة النفطية والأزمة الاقتصادية في السودان، تعرض السودانيون لتجربة هجرة واسعة للخليج والجزيرة العربية. وكان في هذه الهجرة، الاختبار الحقيقي لـ"أصالة"عروبتهم، من خلال الاحتكاك المباشر ببقية العرب. اذ اكتشف السودانيون المستعربون الشماليون، أنهم هناك في نفس موقع الجنوبي والنوباوي والغرباوي في سلم الترتيب العرقي الذي يطبقونه داخل السودان. وأربكتهم، مثلا، صدمة أن صفة "عبد" التي يطلقونها ببساطة في بلادهم يمكن أن تطلق عليهم بنفس السهولة في المهاجر. ورغم أن المغتربين العاديين لم يسجلوا انطباعاتهم كتابة، فإنهم قالوها وعاشوها. ولكن بعض المثقفين السودانيين فعلوا ذلك. وأورد هنا، مثالا لمثقف وأكاديمي مرموق سجل بعضا من تجربته، قائلاً في استبيان منشور: "ذهبت الى السعودية ورُفضت كعربي من الوهلة الاولى. كان يقال لي دائما: أنت افريقي، برغم تحدثك العربية. أعلن اسلامك واذهب الى الجامع. وما زلت... افريقياً"[9]. وفي نفس الاستبيان يقول اكاديمي آخر: "يدرك السودانيون اكثر واكثر بأنهم يختلفون عن العرب، خاصة من ذهب الى الخليج من امثالنا. يعود السودانيون مدركين جدا بأنهم مختلفون. بالطبع يستفيدون من، ويرغبون في، الانتماء للعرب، لأنه بدون ذلك ربما لا يسمح لهم بالاقامة، ولكن في داخلهم يشعرون بأنهم مختلفون (...) ويجدون بأنهم مختلفون تماما عنهم، ليس فقط عرقيا بل ثقافيا واجتماعيا. ولدى عودتهم للسودان لا اعتقد بأنهم سوف يرغبون في الانتماء للعرب"[10]. وأوضح الجنوبي السوداني، سايمون، الذي عمل ايضا في الخليج: "قضيت اربع سنوات في الخليج وتجولت فيه. نحن السودانيين في الخليج لا نعتبر عربا. فكيف يجوز لنا العودة للبلاد والتظاهر بأننا عرب؟". وضمن العام الذي يشبه الخاص، أحكي ما لا بد أن احكيه. اذ ورغم اندماجي العروبي الصادق، فكراً وفعلاً، مررت بتجارب تعيسة للغاية وعلى مستوى النخبة العربية. ففي عام 98/1999 تم اختياري كأمين عام للجمعية العربية لعلم الاجتماع، ونزل الأمر كالصاعقة على اصدقاء من دولة شقيقة جدا. وهم اصدقاء حقيقيون لي، لكنهم لم يستطعوا بلع الفكرة، واضطررت للاستقالة في نفس العام، فاقدا الموقع والاصدقاء معا. ولديّ قائمة سوداء ببعض الدول العربية التي ارفض زيارتها. فقد عملت في بعض جامعاتها لمدة اربعة أو خمسة شهور مع أن العقد كان لسنوات. باختصار، تجارب السودانيين في الدول العربية عموما محزنة، ولا تصدقوا المجاملات والابتسامات.

وقد ادرك الجنوبيون هذا المأزق العروبي الذي يعيشه الشماليون، ولذلك نراهم يطالبونهم بالواقعية وعدم التعالي والكفّ عن محاولة الهيمنة عليهم. ويقول الزعيم جون قرنق، في خطاب له في اجتماع بكوكادام في آذار (مارس) 1986: "ان قضيتنا الرئيسية تتمثل في أن السودان ظل وما زال يبحث عن ذاته، وعن هويته الحقيقية. ولفشلهم في معرفة ذاتهم يلجأ السودانيون الى العروبة، وبفشلهم في ذلك ايضا يلجأون الى الاسلام كعامل جامع وموحّد. ويصاب الآخرون بالاحباط وخيبة الأمل لدى فشلهم في فهم أن يتحولوا الى العرب. بينما اراد لهم الخالق غير ذلك، وعندها يلجأون الى الانفصال. وداخل كل هذا يسود كثير من الغموض والتحريف لخدمة مصالح طائفية متباينة. ليس هناك وضوح قاطع في أمر هويتنا؛ نحتاج الى التخلص من التشرذم والنظر بعمق داخل بلادنا".

وهناك شبه اجماع بين الجنوبيين وبعض الشماليين، حول التحريف والتشويه الذي حدث للهوية التي تم تركيبها، بحيث تغدو هوية مهيمنة تعمل على فرض نفسها على بقية السودانيين من خلال آليات بعينها. فاللغة العربية تم تسييسها، فهناك جنوبيون يجيدون اللغة العربية ولكنهم يتجنبون التحدث بها لكي لا يتماهون مع "المضطهِد العربي". وقد أورد دينق قصة زعيم الدينكا والقائد الروحي ماكوي بيلكوي، الذي زعم أن الاله قد أمر بعدم تعلمها، لأن تعلمها يجعل منه شخصا سيئاً[11]. ومن المعروف أن معرفة اللغة العربية من شروط الالتحاق بأي عمل في أغلب الحالات. كما ارتبطت الهوية العربية بممارسة هيمنة سياسية واقتصادية يعاد انتاجها من خلال الوراثة أو التحالفات القبلية والعشائرية. وفي هذه العملية يتم تثبيت أفضلية العرب من بين السودانيين، رغم أنهم في الحقيقة هجين أنتجته عمليات التزاوج والتلاقح بين المجموعات المحلية والهجرات العربية. ويجتهد الشماليون من أجل التبرؤ من أي أصل افريقي أو زنجي.

كيف يمكن تفسير هذا الاصرار على الابتعاد عن الانتماء الافريقي؟ يعود السبب الى تاريخ مخجل سادت فيه تجارة الرقيق التي مارسها العرب وبقية الاجانب المغامرين في افريقيا. وقد الغيت تجارة الرقيق - رسمياً- في السودان، بعد انتهاء الحرب العالمية الاولي عام 1919. وكانت عمليات صيد الرقيق في السودان قد وقعت اكثر ما وقعت على المجموعات الزنجية والداكنة اللون وذات الشعر الأجعد. كما اشتهرت بعض القبائل النيلية الوسطية المستعربة، بأنها كانت نشطة في هذه التجارة. كذلك كانت القبائل الضعيفة عموما عرضة للقنص البشري، لذلك لجأت القبائل المستعربة بالذات الى استخدام الشلوخ على الوجه أي الفصود والعلامات على الخدين، لتمييز كل قبيلة عن أخرى. وقد ساد الخوف وعدم الامان بين القبائل. ولذلك ضُخّم البحث عن خصائص لتصنيف من هو "العبد" أو "الحر". واهتم السودانيون بهذا التصنيف كثيرا في تحديد علاقاتهم الاجتماعية وتراتبهم الاجتماعي ومكانتهم. وقد درج الشماليون على تصنيف الجنوبيين، بلا تردد، في موقع"العبيد" مع ما يترتب عليه من تعال معلن أو مضمر. وهذا ايضا ليس من التاريخ، فالكلمة مستعملة استعمالاً عادياً، ومما يدهشني أن الاجيال الشابة تستخدمها دون حرج كبير. وتقدم روايتا "طائر الشوم" لفرانسيس دينق، و"الحنق" لشوقي بدري، وصفا حيا لهذه الوضعية. فمن الملاحظ أنه تم الغاء مؤسسة الرق قانونيا ورسميا لكنها استمرت كثقافة حية يصعب انهاؤها بالقانون أو بالقوة. وغالبا ما يُتخذ التزاوج بين المجموعات المختلفة معياراً جيداً ودقيقاً لتحديد المكانة. وظلت تثير اهتمامي منذ مدة، قضية عرضت على المحاكم في منتصف سبعينات القرن الماضي أي قبل أربعة عقود. فقد حكمت المحكمة الابتدائية بالخرطوم بعدم شرعية زواج شاب بفتاة، لأن في "دمه" بقايا رق أو عبودية. ويقال في العامية السودانية لمثل هذه الحالة "فيه عرق"، فيما برر القاضي حكمه بعدم الكفاءة بين الطرفين. وفي ما يلي نموذج للغة المستخدمة في الحكم من قبل محامي أهل الفتاة: "... الاحرار الذين لم يجر الرق في أصلهم فهم أكفّاء لبعضهم إن استووا في النسب، والموالي من جرى في أصلهم رق. فمن جرى في أصله رق ليس كفئا لمن جرى في أصله الثاني رق وأصله الأول حر، اذن الموالي أنفسهم ليسوا أكفاء لبعضهم بعضاً ناهيك أن يكونوا أكفاء للأحرار، وموكلته تطالب بالزواج لمن جرى في أصله الأول رق وهو مولى من أهالي نورى مركز مروى، وهي من أصل حر أماً وأباً، فـ[هو] إذن ليس كفئا لها، والشريعة تأبى هذا الزواج"[12]. هل نصدق أن هذا نقاش في محكمة سودانية في نهاية القرن العشرين؟ وفي بلد يمكن أن يكون موحدا وديموقراطيا؟.

المكوّن المفترض الثاني للهوية: الاسلام

شغل الاهتمام بالهوية الجميع بعد خروج المستعمر، خاصة وقد رفع آباء الاستقلال شعار: تحرير لا تعمير. ويقع ضمن التحرير أو التحرر، التخلص من القوانين التي وضعها المستعمر. ولذلك، كان من أهم مظاهر تأكيد الهوية وضع دستور اسلامي يكمل الوجه العربي لهويتنا. فهناك تلازم بين الاسلام والعروبة، ويصعب على السودانيين العاديين ادراك وجود عربي غير مسلم أو مسيحي عربي. حتى الاقليات المسيحية السودانية ،هم نوبيون، أو نوبة، أو اقباط والذين يطلق عليهم اسم النقادة. وليس من المعتاد وصفهم بالعرب كما يوصف مثلاً السعوديون أو حتى الشوام الذين يتفردون في التصنيف السوداني.

لقد بادرت مجموعة صغيرة من المتعلمين المتأثرين – بطريقة أو أخرى - بتنظيم الاخوان المسلمين المصريين، بربط الاستقلال منذ الوهلة الاولى بـ"معركة" الدستور الاسلامي. فقد تزامنت تماما، ودون أي فارق زمني، حملة الدعوة للدستور الاسلامي مع الاعلان الرسمي للاستقلال. ففي 10-11/12/1955 وجه الاخوان المسلمون و"جماعة التبشير الاسلامي والاصلاح" الدعوة الى الهيئات الاسلامية في السودان، لاجتماع للنظر "في أمر الدستور حتى يجيء متفقا مع ارادة الشعب السوداني المسلم ومستندا الى كتاب الله وسنة رسوله (ص)". وقد استجاب الى هذه الدعوة العاطفية والتي لعبت على اوتار العواطف الدينية، اعداد كبيرة من اعضاء الاحزاب السياسية والجمعيات الخيرية والطوعية والاندية والجماعات الثقافية. وتكونت جبهة الدستور الاسلامي، وأعلنت أهدافها كما وردت في المذكرة التي صاغها الشيخ حسن مدثر، قاضي قضاة السودان في 18/11/1956، على النحو التالي: "ان القوانين التي سنها المستعمرون –وهم ليسوا بمسلمين- أباحت ضروبا من المعاصي التي حرّمها الاسلام، وقد فرضوها بما لهم من سلطان وقتئذ وهي قوانين لا ترعى عقيدة الأمة وتقاليدها، ولئن أُكره الناس على الاذعان لها في الماضي، فليس ثمة ما يسوغ قبولها بعد زوال الحكم الاجنبي. ويتعين على أهل السودان - وسوادهم الأعظم يدين بالاسلام - أن يضعوا دستورا اسلاميا وأن يتخذوا القوانين التي تحمي عقيدتهم وتقاليدهم العربية الاصيلة".

واصبحت هذه المذكرة هي "مانيفستو" الاحزاب الطائفية المهيمنة والحركة الاسلاموية منذ الاستقلال حتى اليوم. وقد حملت في احشائها كل بذور الشقاق والنزاعات التي ابتلي بها الوطن. فهي قد حددت "الهوية" بالعروبة الاصيلة والاسلام الذي يدين به سواد السودانيين الاعظم. وهنا مقتل هذه الايديولوجية: فأين موقع من هم خارج هذا "السواد الاعظم" من المواطنين مهما كان عددهم ووزنهم السكاني؟ ومن هنا كانت بداية التهميش والاقصاء اللذين عانت منهما قطاعات كبيرة من الشعب السوداني. فقد أبعد أهل المذكرة حق المواطنة، وحلت محله العقيدة الدينية والتقاليد "العربية الاصيلة". وادخلت الحركة الاسلاموية كل العمل السياسي السوداني في نفق مظلم وحصرت كل الاهتمام في قضية الدستور الاسلامي: ما بين مؤيد ومعارض ومحايد وتوفيقي. وحتى الحزب الشيوعي لم يكن استثناء في هذا المأزق، لذلك كان على القيادي الشيوعي الرشيد نايل المحامي أن يدبج كراسة بعنوان: الدستور الاسلامي. ولم يجد البرلمان المنتخب الوقت لكي يناقش حفر الآبار في مناطق العطش في غرب السودان، ولا الأمراض الاستوائية المستوطنة في الجنوب، ولا المجاعات الموسمية في الشرق. ورغم أن الاسلامويين لم يكونوا أغلبية في البرلمان فإنّهم مثلوا قوة ضغط بطرحهم للموضوع الذي يخاطب العاطفة الجماهيرية ويلبي شوق النخبة الباحثة عن ذاتها. وكانت الاحزاب الطائفية التقليدية قد تبنت فكرة الدستور الاسلامي بعد أن أجبرتها حملة الدعوة للدستور على ذلك. بل لقد اعطتها مسودة برنامج، هي التي دخلت السياسة معتمدة على الولاء والطاعة. ومن الواضح ان النخبة السودانية لم تحسن اختيار اولويات سودان ما بعد الاستقلال. كما أن السودان الحديث الاستقلال، قد سلك طريقا خاطئا. فهو لم يتجه نحو التنمية والوحدة الوطنية، بل غرق في جدل اسلامية الدولة والدستور الاسلامي. وهذه قضية غير شعبية في حقيقتها، أي لا يفهم فيها المواطن العادي كثيرا، ولكن تزييف الوعي يفعل فعله. كذلك فهو لا يراد له أن يفهم، اذ يكفي حشد الجماهير لمواكب ترفع شعار: تطبيق شرع الله.

ومن أهم وأخطر تطورات الاسلام السوداني المتميز بغلبة الطابع الصوفي المتسامح، تسرب التعصب والعنف الذي يميز الاسلام السياسي ممثلا في الاخوان المسلمين، الى الحياة السياسية السودانية. ويعود ذلك الى صراع جماعات الاسلام السياسي المحموم حول السلطة السياسية، واستخدام كل الاساليب للوصول اليها سلميا أو الاستيلاء عليها بالقوة. وقد عرف السودان الحديث الاستقلال الانقسامية والتشرذم والانشقاق، خلافا للوحدة الوطنية التي عرفها خلال مقاومة الاستعمار. ومن مظاهر التعصب التي فاقمت الصراع، قرار حل الحزب الشيوعي السوداني، وطرد نوابه الأحد عشر من البرلمان عام 1965، بعد أن هندس الاخوان المسلمون حادثة طالب معهد المعلمين تحت دعوى الاساءة لنساء النبي. وذلك رغم عدم دستورية القرار وعدم منطقيته ديومقراطياً، لأن نوابا يطردون من البرلمان نوابا مثلهم لم ينتخبوهم لكي يسحبوا الثقة منهم. وتربص الحزب الشيوعي بالبرلمان والاحزاب، حتى أطاح بالجميع في انقلاب 25 أيار (مايو) 1969.

من ناحية اخرى، كان الاخوان المسلمون خلف ملاحقة الاستاذ محمود محمد طه بتهمة الرّدة، وذلك منذ 1968. ومنذ ذلك الوقت، بدأت الحملة من محاكم تفتيش نصبها بعض اساتذة الجامعة الاسلامية ورجال الانتهاء، حتى اكتملت بإقناع الرئيس جعفر النميري بإعدام طه في 18 كانون الثاني (يناير) 1985. ويُعد الحدثان، حل الحزب الشيوعي السوداني واعدام محمود محمد طه، من أخطر حلقات التآمر على الديومقراطية والوحدة الوطنية في السودان. وللمفارقة تعتبر الحركة الاسلاموية السودانية هذين الحدثين أهم انجازين في تاريخ الحركة، باعتبار أن الأول أزال أكبر عقبة سياسية وشعبية من طريق مشروع الدستور الاسلامي. أما الثاني، فقد خلصهم من العقبة الفكرية، إذ كان طه ناقدا عميقا وقادرا على تعرية المشروع من داخل الفكر الاسلامي نفسه.

وبعد أربع سنوات من هذه المؤامرة الكبرى الاخيرة، كان الطريق قد تمهد لاستيلاء الاسلامويين على السلطة بالقوة عن طريق الانقلاب، معلنين رسميا شهادة وفاة لمشروع قيام سودان ديومقراطي، موحد، ومتعدد الثقافات، يتسع للجميع: مسلمين وغير مسلمين. وأعلن الاسلامويون ما أسموه المشروع الحضاري الاسلامي، والذي تم تدشينه أو تعميده بالدم: اعلان الجهاد ضد الجنوبيين المتمردين. كما فتحوا ابواب الجنان لـ"شهدائهم" في الجنوب، حيث كان يقام عرس الشهيد ويبرم الشيخ حسن الترابي شخصيا عقود قران الشهداء مع بنات الحور في الجنة!

الانحطاط في دارفور

لكن الجهاد أوصلهم الى نيفاشا وليس الى الجنة، حيث عقدت اتفاقية السلام الشامل، تحت ضغوط خارجية، أقوى من الارادة الوطنية السودانية. وتعامل الاسلامويون مع الاتفاقية باعتبارها محاولة خبيثة لتفكيك النظام سلميا. ولذلك تصرفوا ضد روح الاتفاقية: تحقيق السلام، محاولين الاستفادة من الفترة الانتقالية لتحقيق المزيد من المكاسب الحزبية، أو، حسب لغتهم، التمكين. ودخل الشريك الاكبر، حزب المؤتمر الوطني، الذي صفّى وورث الحركة الاسلاموية، في مسلسل المناورات والتآمر والتسويف، لتعطيل نفس الاتفاق الذي وقعه امام العالم. وهكذا اوصلنا نقض العهود ومحاولة توظيف الاتفاقية من أجل مزيد من "التمكين"، الى حافة الهاوية أو الوضع الخطر الذي يعيشه السودان الآن.

وباختصار، يتحمل الاسلامويون وحلفاؤهم من دعاة الدستور الاسلامي وكل سدنة المشروع الحضاري الاسلامي - بما في ذلك المنشقّون عنهم - المسؤولية التاريخية والاخلاقية لانفصال الجنوب القادم. فقد فرضوا على السودان منذ الاستقلال الدخول في نفق مظلم ليبحثوا عن قطة سوداء. وهكذا اضاعوا علينا أكثر من نصف قرن من عمر الاستقلال، شاغلين الناس بقضية هامشية: الدستور الاسلامي. وهذا لأن هذه القضية لا تصيب الهدف المركزي والمصيري للاستقلال: التنمية الشاملة، والمستقلة، والعادلة، والمحققة للوحدة والتنوع في وطن واحد.

لقد كشف حكم الاسلامويين عجزهم عن ايجاد حل سلمي لمشكلة التنوع الاثني في السودان. ولكن الفشل-الفضيحة، كان في سفور تفرقتهم العنصرية من خلال العودة للقبلية واثننة الصراع السياسي. وقد ظهر ذلك جليا في ازمة دارفور، حين سلكوا طريق ثقافة العامة في التمييز بين "أولاد العرب" والزرقة، أي العبيد.

في البداية، ظهرت، داخل الحركة الاسلامية، صعوبة التزاوج بين "العرب" واولاد الغرب مثلا، رغم كسبهم الديني والحزبي. وقد تدخلت القيادة في حالات كثيرة، لفرض زيجات "مختلطة". هذا وقد واجه المسلمون تاريخياً معضلة القدرة على مساواة المسلمين غير العرب بالمسلمين العرب، رغم ان الاسلام، كنص وموعظة اخلاقية، كان واضحا: لا فضل لعربي على أعجمي الا بالتقوى. ولكن الواقع والممارسة خالفا تعاليم الاسلام .

ومن المعلوم أن الاسلام لم يلغ الرق تماما، واكتفى بتجفيف منابعه من خلال العتق، كما اوصى بحسن المعاملة. ولم تبذل الحركة الاسلاموية السودانية نفسها جهداً في ايجاد حلول لهذه المسألة في السودان. فرواسب العبودية موجودة وحية تظهر عند الضرورة في منتهى قوتها. وهنا يخضع الاسلامويون والشيوعيون لقواعد الثقافة الشعبية التي استبقت العبودية في علاقاتها. فهناك قولة يرددها الشيوعيون كطرفة، ولكنها في حقيقتها موقف ونظرة: العبد عبد، والمرأة مرأة! فهذه ثوابت اجتماعية سودانية تتحدى كل تحليل طبقي أو حركة تاريخ أو دين مساواتي. وقد جاء الاجتهاد الوحيد عن الرق من الاستاذ محمود محمد طه ولكنه لم يزد عن رفع شعار: "الرق ليس اصلا في الاسلام"[13]. ولم يذهب بعيدا حين قال: "لم يكن من الممكن أن يبطل التشريع نظام الرق، بجرة قلم، تمشيا مع الأصل المطلوب في الدين، وانما تقتضي حاجة الأفراد المسترقين، ثم حاجة المجتمع، الاجتماعية، والاقتصادية، بالابقاء على هذا النظام، مع العمل المستمر على تطويره، حتى يخرج كل مسترق، من ربقة الرق، الى باحة الحرية المعاملة. "[14]. وفي النهاية، نراه يكتفي بضرورة حسن

ومن الظاهر، يبدو أن كل محاولات التجديد والاجتهاد، لم تصمد امام ثقل الواقع السوداني، والاسلامي عموما، المتمسك بثقافة العبودية، سواء في عقله الباطن، أو في علاقاته الاجتماعية الجادة والمؤثرة. وقد حاول عون الشريف، الاسلامي المستقل، تجاوز هذا المأزق بالحديث عن "قومية اسلامية" وليس عن دين اسلامي فقط. والفكرة تقوم على عملية التذويب للعناصر أو تعايشها حسب اسلامها المشترك، اذ يقول: "ومن هنا يصح الحديث عن القومية الاسلامية التي تحقق للمجموعة المحلية، التوحد في اطار مواصفاتها الجغرافية والثقافية والبشرية، فتكتسب الوحدة الوطنية في اطار اسلامها. ومعنى ذلك، أن الاسلام لا يلغي شخصيات الشعوب ولا يحارب موروثها الانساني ومعطيات تاريخها وحضارتها، الا حين يصادم ذلك تعاليمه الاساسية في وحدانية الله ووحدة البشر وكرامة الانسان"[15].

كذلك عبّر علي الحاج، وهو قيادي اسلامي بارز لكنه ينتمي الى مجموعة لا تعول كثيرا على ادعاء العروبة الخالصة، عن البحث عن الحل في الجمع بين الانتماء والتباين في علاقة جدلية، حين قال: "اذا ما قال أحد بأن السودان اسلامي أو عربي، نعتقد أن ذلك لا يمثل الوصف الصحيح لهويتنا في واقع الامر، نحن أفارقة في السودان، ولكنّا لا نشبه الافريقيين الآخرين، لسنا كالأفارقة في غرب أو شرق افريقيا. نختلف عنهم ولكنّا افريقيون. نعم يتحدث بعضنا العربية ولكن نختلف عن العرب. ونحن ايضا، بعضنا مسلمون، ولكنّا لا نشابه المسلمين الآخرين. وحتى اذا ما نظرنا الى الدول العربية الاخرى أو الدول الاسلامية، نجد أن سلوك السودانيين يختلف، واعتقد أن ذلك ناتج من هوية تكونت عبر التاريخ"[16]. فهو، رغم أنه ملتزم ومنظم في حزب اسلامي، مسلم مختلف، وايضا عربي مختلف، وافريقي مختلف. وهنا يمكن أن نفهم، لماذا رفض حسن الترابي الانضمام للتنظيم العالمي للاخوان المسلمين: فقد تغلبت سودانيته، رغم حديثه المعلن عن الامة الاسلامية، على اسلاميته. وكان يرى سيطرة مصرية على التنظيم.

ومن ناحية اخرى ،يمكن أن نفهم لماذا حارب الاسلاموي النشط، الفوراوي، يحي بولاد، ثم خليل ابراهيم، النظام الاسلامي الذي شاركا في قيامه. فالنظام الاسلامي همّش الزغاوة والفور، ولم يغفر لهم تغلب العصبية القبلية وثقافة العبودية.

حصاد الهشيم

واخيرا، بعد أن طلى الغراب نفسه باللون الابيض، لم يعرف الى أي سرب يذهب؟ هذا هو حال السودان، فقد فرّط في وحدته الوطنية، ولم ينجح في الانتماء الى هوية مستعصية: عربية أو اسلامية. وفي السنوات الاخيرة، تعالت اصوات تقول: هل من الممكن أن نقول اننا سودانيون وكفى؟، أليس هذا تعريفا كاملا وشاملا أو جامعا مانعا، يحتوي على كل مكوناتنا، ولا يحتاج لانتساب عروبي ولا افريقي؟ وكانت البداية في الثقافة والفن، حين سكّ احمد الطيب زين العابدين ورفاقه مفهوم :"السودانوية"، وهي نسخة ليست توفيقية لفكرة الغابة والصحراء،. لكنها واجهت حملة نقد تقول بأننا نتنازل عن، أو نخجل بهويتنا "العربية-الاسلامية" تملقا للجنوبيين. وهذا مع أن فكرة"السودانوية" هي، في الواقع، اجتهاد ثقافي لتعديل خطأ تاريخي وانحياز ثقافي سادا الواقع السوداني.

أما على المستوى السياسي، فقد جاء تأكيد الشك من الخارج، حين وقف العرب والمسلمون يتفرجون على السودان، خاصة وهو يغرق في مستنقع دارفور. فقد انحاز كثيرون الي جانب النظام وفضلوا مبدأ: انصر اخاك ظالما كان أو مظلوما. ولا يمكن أن ننسى الموقف البائس، للدكتور محمد سليم العوا، الامين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، حين زار دارفور قبل ثلاث سنوات، ثم عاد ليشرح ماذا تعني كلمة غصب واغتصب في اللغة، لكي يقول في النهاية: ان الذي حدث في دارفور ليس هو الاغتصاب الذي نعرفه! اما دليل الاهمال والتجاهل فيظهر في جانب العون الانساني، اذ تدفقت المنظمات الانسانية الاجنبية الى دارفور من "بلاد النصارى"، بينما تكاد تغيب تماما المنظمات الاسلامية والعربية، عدا استثناءات ضئيلة متفرقة. ويتكرر الشيء نفسه في الجنوب، حيث يتهدد الموت جوعا حوالى أربعة ملايين ونصف مليون مواطن، ولا يحرك الأشقاء الأغنياء ساكنا.

فالعرب غابوا عن وساطات حل مشكلة الجنوب ثم دارفور. فقد كانت مصر هي الأجدر والأقدر على استضافة محادثات للسلام بدلا من كينيا، حيث كانت كل المعارضة تقيم في القاهرة، كما أن زيارات قرنق لا تنقطع لمصر. والنظام السوداني كان يلهث لتحسين علاقته مع مصر، لكي يغسل آثار محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك. ولكن مصر توقفت عند ورود عبارة تقرير المصير، وقرأتها الانفصال، وبالتالي نفضت يدها عن كل شيء بدعوى أنها لا تريد أن تكون شاهدا أو راعيا لانفصال السودان. ولم تعد مصر تهتم كثيرا بالسودان الا في حالات اشتداد الازمات، وبالتالي يضعف الدور المصري المميز تدريجيا، ولكن بسرعة. ويصف حازم صاغيّة هذه التطورات: بقوله "... فإذا انفصل جنوب السودان في وقت لاحق، فالمؤكد أنه سيجد ترتيبه الخاص في افريقيا ومعها. أما في حالة استمرار الوحدة السودانية بشروط ديومقراطية وتعددية جديدة، فالواضح أن مصر لم تعد تملك الجاذب الايديولوجي والاقتصادي الذي يبقي السودانيين في نطاقها على ما كانت الحال تقليديا. يعزز هذا التوقع ضعف الروابط التي تشد العالم العربي، من خلال مصر، الى السودان"[17].

وفي الأزمة الحالية، هناك دول عربية تتوسط، وفي الوقت نفسه تقدم السلاح للمتقاتلين، أو تتوسط من أجل البحث عن دور، مع استعراض للنفس يفوق الحرص على انقاذ السودان. ومن ناحية اخرى، لا تمثل المساعدات الاقتصادية وقروض الصناديق العربية الافريقية شيئا يذكر في ما يخص السودان. وحتى الآن لا يهتم العرب بمستقبل السودان، بينما في الغرب لا تنقطع المؤتمرات، وكتابة التقارير، عنه، ولا تتوقف الوفود والمبعوثون الرسميون إليه أو منظمات المجتمع المدني فيه.

لقد دخل السودان، الآن، في عزلة بيّنة، أو تفكك في علاقاته على كافة المستويات: الرسمي والشعبي والحزبي. وكذلك الحال مع محيطيه الاقليمي والدولي. يضاف الى ذلك، وجود دولة فاشلة فقدت سيطرتها على كامل ترابها الوطني. فقد سمح النظام بنشر قوات أجنبية، وهي، مهما كانت تسميتها، تبقى تعريفاً غير سودانية. ومن الجدير بالذكر أن عددها اضعاف الجيوش التي تم إجلاؤها عند خروج البريطانيين من السودان. وعلى مستوى السياسات واتخاذ القرار، صار المبعوث الأميركي يمثل دور المندوب السامي. وأصبح أمرا عاديا أن تستدعي واشنطن الشريكين الحاكمين الى الولايات المتحدة للتشاور عند بروز أي خلاف. ولم يعد النظام مهتما بتوفير الخدمات، ولا بتلبية الحاجات الاساسية لمواطنيه، لأن جلّ الاموال العامة تذهب للأمن والمفاوضات والعلاقات العامة. أما الاحزاب السياسة ففي حالة تشرذم وانقسامات لا تنتهي. فهي تعيش ضعفا واضحاً وفقراً في الموارد يمنعها حتى من اصدار صحف خاصة بها. كذلك، وقع المجتمع المدني في نفس العيوب التقليدية للعمل العام. فقد سادت في تكوينه وحركته الشللية، والصفوية، والاسترزاق، ولم يمتد الى الريف والهوامش. وهذا يعني غياب ارادة وطنية تمكّن السودانيين من ايجاد حلول ذاتية ومبادرات داخلية. اما الفرد السوداني فأُخضع لعملية ليس من المبالغة وصفها بأنها "حيونة" ممنهجة، تهدف للعودة به الى مرحلة جمع أو تدبير الطعام. كما أنه يُحرم كل وسائل الترفيه والسعادة وتقوية الروح المعنويّة. وهكذا أصبح السودان غير قادر، بل عاجزا ذاتياً، وهو، في الوقت نفسه، لا يجد من يساعده من اصدقاءٍ هم أصحاب "الهويات" التي انحاز السودانيون اليها، وحاولوا أن يجدوا انفسهم فيها، لكنّ ذلك أثبت، عند الشدّة، أنّه بلا جدوى.

[1] كتاب: صراع الرؤى – نزاع الهويات في السودان. ترجمة د. عوض حسن، مركز الدراسات السودانية، 2001، ص401

[2] حوار اجراه صلاح شعيب، نشر في موقع "سودانيز أونلاين" وصحيفة "الأحداث" السودانية

[3] نعوم شقير. تاريخ السودان. بيروت، دار الجيل، 1981، ص 100

[4] السني بانقا ومصطفى علي احمد: الرشايدة، ب. ن.، ب. ت.، ص7

[5] محمد سعيد معروف ومحمود محمد علي نمر: الجعليون.الخرطوم، دار البلد، ب. ن.، ص8

[6] نعوم شقير، مصدر سابق، ص97.

[7] جريدة الصحافة 6/11/1967، أورده عبد الهادي الصديق في أصول الشعر السوداني. الخرطوم، دار جامعة الخرطوم للنشر، 1989، ص162

[8] صحيفة الحضارة 25/6/1924

[9] مرجع سابق: صراع الرؤى، ص406.

[10] مرجع سابق: صراع الرؤى، ص406

[11] مرجع سابق: صراع الرؤى، ص415.

[12] قرار النقض نمرة 41/1973 الصادر يوم السبت 24 شعبان 1393 الموافق 22/9/1973

[13] الرسالة الثانية من الاسلام. الطبعة السادسة، 1986، ص 124

[14] الرسالة الثانية من الاسلام. الطبعة السادسة، 1986، ص124-125.

[15] مجلة الثقافة السودانية، آب/اغسطس، 1995، ص 36

[16] صراع الرؤى، مرجع سابق، 405

[17] حازم صاغيّة: وداع العروبة. بيروت، دار الساقي، 1999، ص 168




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬