إسحق باشيفيز سينغر

1
«حاولتُ الكتابة»، قالت المرأة، «لكنني بادئ ذي بدء لستُ بكاتبة. ثانياً، لن أقوى على كتابة هذه القصة حتى لو كنتُ كاتبة. لحظة الشروع بالكتابة - وقد حاولتُ مراتٍ عديدة - يبدأ قلمي الحبر بتشطيبات بشعة على الورقة. لم أتعلمْ قط استخدام الآلة الكاتبة. لقد تربيتُ على نحو لم أمتلك معه أية مهارات في الأمور التقنية. لا أستطيع قيادة سيارة. لا أستطيع تغيير صمّام كهرباء. حتى العثور على القناة الصحيحة في جهاز التلفزيون مشكلة بالنسبة إليّ».

كان للمرأة التي قالت لي هذا الكلام شعرٌ أبيض ووجهٌ فتيّ لا تجاعيد فيه. وضعت عكاكيزها في إحدى الزوايا. جلست في شقتي على كرسي اشتريته منذ وقتٍ ليس بالبعيد من محلٍّ للعاديات.

قالت، «ينحدر أبي وأمي كلاهما من عائلات غنية. في الواقع، كان جدي لأمي مليونيراً في ألمانيا. خسر كل شيء في التضخم المالي الذي أعقب الحرب العالمية الأولى. كان محظوظاً؛ مات في برلين قبل وصول هتلر إلى السلطة بوقتٍ طويل.

ينحدر أبي من الألزاس. ولسببٍ ما كان يحذّرني دائماً من مخالطة اليهود القادمين من روسيا. عهدته يقول إنهم ليسوا شرفاء وجميعهم شيوعيون. ولو عاش ورأى زوجي لتولّته الدهشة. ما التقيت قط بعدوّ لدود للشيوعية مثله. كان اسمه بوريس. لقد أكد لي مراراً أن روزفلت بلشفيّ مستتر وقد أبرم اتفاقاً مع ستالين ليقدم له نصف أوروبا على طبقٍ من فضة، بل حتى الولايات المتحدة. كان والد بوريس روسياً، سلافياً ومسيحياً مخلصاً. كانت زوجته، أم بوريس، يهودية. كانت مجرية. لم أعرفها. كانت حسناء يُضرب بها المثل وغريبة الأطوار. في سنواتهما الأخيرة لم يتبادل الزوج والزوجة الكلام. وكانا يتراسلان عن طريق الخادمة عندما يرغبان في التواصل. لن أزعجك بتفاصيل كثيرة، سأتجه إلى صلب الموضوع.

التقيتُ بوريس سنة 1938 في فندق في ليك بلاسيد في جبال الأديرونداك. توفي أبي في داشاو حيث أرسله النازيون. أفقد الحزنُ أمي صوابها فأودعوها مصحّاً للمجانين. كان بوريس نزيلاً في الفندق وأنا خادمة تنظف الغرف. جئتُ من ألمانيا وليس معي شروى نقير، وكان هذا العمل الوحيد الذي تسنّى لي الحصول عليه. كان صلة الوصل بيننا رواية توماس مان آل بودنبروك. جئتُ كي أرتب غرفة بوريس فوجدتُ الكتاب هناك ملقى على الطاولة. كنتُ مغرمة بذلك العمل. لهنيهة تركتُ السرير الذي كنتُ أرتبه ورحتُ أقلب الصفحات. بغتةً انفتح الباب ودخل بوريس. إنه يكبرني باثنتي عشرة سنة. آنذاك كنتُ في الرابعة والعشرين وهو في السادسة والثلاثين. لن أتباهى أمامك بجمال مظهري. ما تراه الآن هو الأطلال. المرأة الجالسة هنا أمامك قد اجتازت خمس عمليات جراحية. وفي إحداها متُّ في الواقع. توقّف تنفُّسي بعد العملية ببضع ساعات، وغطّتِ الممرضة الليلية وجهي بملاءة دون أي اكتراث. لا تضحك. تلك هي أسعد اللحظات التي يمكنني تذكرها. لو كان الموت في الحقيقة مفعماً بالنعمة مثل تلك اللحظات، فلا مبرر للخوف منه».

«كيف عدتِ إلى الحياة؟» سألتُ.

«آه، فجأة قررت الممرضة الليلية أن المستحسن إبلاغ الطبيب. هرع عدد من الأطباء وأعادوني إلى الحياة. وأية حياة تعيسة! لكن الشقاء كله جاء لاحقاً. ليس بمقدوري أن أروي أي شيء وفق ترتيبٍ زمنيّ. ليس لدي إحساسٌ بالزمن ولا أتذكر الأحداث بالترتيب. أسدِ إليّ معروفاً واجلبْ لي كأساً من الماء».

«نعم، بالطبع».

أحضرتُ للمرأة كأساً من الماء، وقلتُ، «نسيتُ أن أسألك عن اسمك. أهو سرّ؟».

«ليس سراً. اسمي ريجينا كوزلوف. كوزلوف هي كنية زوجي. كنيتي أثناء العزوبة هي فيرتهايم. سأحاول إيجاز قصتي قدر المستطاع: وقفنا في غرفة الفندق وامتدح كلانا توماس مان. كان بوريس رجلاً طويلاً، منتصب القامة، وسيماً؛ وربما في منتهى الوسامة. أخبرته أن بوسعه العمل ممثلاً سينمائياً، ولكنني - حتى آنذاك - رأيتُ في عينيه شيئاً أفزعني. لم يكن لهما لون واحد بل بضعة ألوان: الأزرق، الأخضر، وحتى البنفسجي؛ وتنمّان عن ضرب من العناد والصرامة والتعصب. فيم الإطالة؟ عشق كلانا الآخر، من النظرة الأولى كما يقال، وبعد أسبوعين تزوجنا هناك في ليك بلاسيد.

لم يكن لكلينا أي أقرباء قريبين في أميركا. أخبرني إن له أختاً في لندن متزوجة من أرستقراطي إنكليزي، سير أو لورد. بِمَ كنتُ سأكترث؟ كنتُ وحيدة تماماً في العالم، عديمة الحيلة، وهنا حظيتُ بزوجٍ حاز شهادة في القانون من وارسو. أخبرني أنه لم يتحلّ بالصبر على اجتياز امتحان المحاماة في الولايات المتحدة، وأنه يكسب عيشه من التجارة. أي نوع من التجارة؟، سألتهُ، فقال، الأسهم والأوراق المالية. بعد انهيار وول ستريت هبطت معظم الأسهم هبوطاً شديداً حتى أصبحت عديمة القيمة تقريباً، ولكنها بدأت بالصعود في نهاية الثلاثينيات.

كان بوريس قد أحضر معه إلى الولايات المتحدة مبلغاً ضخماً من المال، وتمكن خلال خمس سنوات من مضاعفة استثماراته مرتين أو ثلاثاً. اشترى في نيويورك بناية كبيرة بثمن بخس، ثم باعها مع فائدة ضخمة. كانت لديه شقة في بروكلين هايتز، وسندات وأسهم قد تعادلُ نصف مليون دولار، وكل ما ينقصه هو زوجة. كيف حدث أن الفتيات لم يتخاطفنك إلى الآن؟، سألتُه، فقال إن كثيراتٍ حاولنَ لكنه لم يعثر أبداً على فتاةٍ ترضيه. قال لي: أنا رجلٌ جدي، والزواج بالنسبة إليّ مؤسسة جدية. أطلب من المرأة جمالاً جسدياً وروحياً وقيماً أخلاقية راسخة. وعندما ألقي بنظرة واحدة على إحداهن فبمستطاعي أن أرى كل عيوبها، لا العيوب الملموسة فحسب وإنما الكامنة أيضاً.

بحسب حديثه، كنتُ على الأقل ملاكاً، ما لم أكن إلهة، وقد رأى هذا كلَّه من النظرة الأولى. الحقّ أنه شرع على الفور يحدثني عن الزواج في الغرفة التي جئتُ أنظفها. وبإيجاز، كنتُ خادمة في يوم وبعد بضعة أيام صرتُ مخطوبة لأغدو السيدة كوزلوف. كان الفندق يعج باليهود الألمان. سبّب إعلان ارتباطنا ضجةً ملحوظة بينهم. إذ لم يكونوا معتادين على اتخاذ مثل هذه القرارات السريعة. كانت أمهاتُ البنات الصالحات للزواج يتفجّرن حسداً. يجب أن أخبرك بحادثة طريفة: في اليوم الأول أو الثاني سألني ما إذا كنتُ عذراء، فقلتُ له بلى، وتلك هي الحقيقة. وأردفتُ ممازحةً: عذراء مع شهادة. لحظة قولي هذه الكلمات انتابَ بوريس القلق والوجل. ممن الشهادة؟، سأل. من الطبيب؟ أي طبيب؟ هنا في أميركا؟. أكدتُ له مراراً وتكراراً أنني كنتُ أمزح. «الشهادة» تعبير يديشي المقصود به مائة في المائة. ولكنني رأيتُ أنه لا يتحلى بأدنى حس من الدعابة. استغرقتني تهدئته وقتاً طويلاً. اكتشفتُ للتو أنه ما من أحد يستطيع ممازحة بوريس. لو كانت ثمة درجة لانعدام حس الدعابة لحصل على مرتبة الشرف.

عقد قاضي الصلح قراننا في ليك بلاسيد، ولم يشارك أحد في الاحتفال سوى حاجبين في المحكمة كانا شاهدين على الزواج. كانت لبوريس أخت في لندن، ولكنه بحسب علمي لم يخبرها بزواجنا. بعد وقت قصير ذهبنا إلى نيويورك. كانت أمتعتي كلها عبارة عن حقيبة واحدة. كان بوريس يعيش في شقة صغيرة في بناية من دون مصعد: غرفتان كبيرتان نصف خاليتين، ومطبخ، وغرفة صغيرة يسميها مكتبه. قد يبدو الأمر مضحكاً لك، ولكن كان لديه سرير واحد ضيق، صحن واحد، ملعقة واحدة، سكين واحدة، وكأس واحدة. سألته عما يفعله في حضور أصحابه فقال: لا يزورني أحد أبداً. سألته: أليس لديك أي أصدقاء؟، فقال: «ليس هناك أصدقاء. صديقي الوحيد هو سمساري».

لم يطُلْ بي الوقت كي أدرك أنني قد تزوجتُ رجلاً غيرَ سويّ في واقعيته. كان لديه دفترٌ يسجّل فيه كلَّ سنتٍ أنفقه. ذات مرة كنتُ أمشي معه في الشارع فوجدتُ قطعة نقود على الرصيف. أعطيته إياها لتأتيه بحظٍّ طيب، فدوّنها لاحقاً في دفتره كجزء من الدخل. لست واثقة إذا كان علي وصفه بالبخيل. فقد اشترى لي في ما بعد ثياباً ومجوهرات. كان يخطط لشراء بيت، ولكن ريثما أحبل منه. كنتُ أقولُ إنه شديد الجدية، وأصغر تلميح إلى المزاح يثير اضطرابه. قرأتُ منذ وقتٍ ليس بالبعيد أنهم يصممون روبوتات تفكر. إذا صُممت مثل هذه الروبوتات فستكون مثل بوريس بالضبط: منضبطة، دقيقة، عملية، براغماتية. خلال الوقت القصير الذي أمضيناه معاً في ليك بلاسيد اتضح أنه رجلٌ صامت. كان يقول فقط ما يتوجّب أن يقوله. وإلى هذا اليوم لا يمكنني أن أفسر سبب ولعه بـ آل بودنبروك، فهو عملٌ مفعمٌ بالفكاهة: ربما لأن المتناقضات تتجاذب. كان بوسع هذا الرجل أن يعيش حياته كلها ناطقاً كلمتين، «نعم» و «لا». لقد ارتكبتُ خطأ مأساوياً، ولكني قررتُ القبول بالأمر الواقع. أردتُ أن أكون زوجة مخلصة ومن ثم أماً مخلصة. كان كلانا راغباً في الأطفال. وكان أملي أن يشبه الأطفال أهلي، لا أهله.

منذ البداية، كانت حياة موحشة إلى حد مريع. يستيقظ بوريس كل يوم في السابعة بالضبط ويأكل نفس الفطور كل صباح. كان يعاني من قرحة معدية فوضعه الطبيب على حميةٍ التزم بها بحذافيرها. كان يخلد إلى السرير في العاشرة تماماً. لم يستبدل قط سريره المفرد بسرير مزدوج، منتظراً إلى حين شرائه بيتاً. كنا نعيش بين اليهود. اندلعت الحرب. كان الفتيان والفتيات اليهود يجمعون التبرعات من أجل فلسطين، لكن بوريس أخبرهم بأنه مُعادٍ للصهيونية. كما كان هناك بعض الشيوعيين في شارعنا، وكانوا قد جمعوا التبرعات من أجل بيروبيجان ومحتالين أمثاله. كان بوريس يستشيط عندما يسمع كلمة «الشيوعيين». كان يصرخ بأن روسيا يحكمها القتلة ومصّاصو الدماء. قال إن أمله الوحيد هو أن يطهّر هتلر المستنقعَ الأحمر. كان شيئاً مرعباً بالنسبة ليهودي أن تعوّل آماله على هتلر. امتنع الجيران جميعاً عن تحيته. كما راجت إشاعة بأننا نحن الاثنين لسنا يهوديَّين.

ولما انقضت خمسة شهور دون أن أحبل، طالبني بوريس بزيارة الطبيب. كان هذا كالعلقم بالنسبة إلي. كنتُ خجولة دائماً، وأربكني أن الطبيب النسائي سيفحصني. أخبرتُ بوريس أن الوقت مبكر للغاية على مراجعة الأطباء، فاستشاط غضباً. كانت تغضبه فكرة أن شخصاً آخر قد يرى الأمور بطريقة تختلف عن طريقته. ذهبتُ إلى الطبيب النسائي وخلص إلى نتيجة مفادها أني طبيعية مائة في المائة. كانت نصيحة الطبيب أن من الضروري فحصُ زوجي أيضاً. أخبرتُ بوريس فحجز موعداً على الفور. أجرى عدداً كبيراً من الفحوصات، ثم تبيّن أنه هو العقيم، لا أنا.

كانت ضربة لكلينا. ألمحتُ إلى احتمال أن نتبنى طفلاً. فاهتاج بوريس على الفور. صاحَ بأنه، ما دام حياً، لن يُدخل إلى بيته ابنَ زنا والداه مجرمان وسيكبر كي يصبح مجرماً بدوره. كان صياحه مدوياً فخشيتُ أن يهرع إلينا الجيران. لم أنقطع عن طمأنته بأني لن أتبنى أحداً ضد مشيئته ولا داعي لإثارة الفضائح، لكن تهدئته كانت مستحيلة عندما يستبدُّ به الغضب. عليّ بالقول إن صرخاته كانت أحياناً ألطف وقعاً من صمته.

في الواقع، كان بوريس يجري اتصالات هاتفية مطولة مع سمساره، فيتكلمان أحياناً ساعةً أو أكثر. كان هذا السمسار مستشاراً خصوصياً، ولم ينتسب إلى أي مكتب من مكاتب العمولات. طوال سنوات زواجي ما التقيتُ به قط. خلال السنوات الست التي عشناها معاً لم أستطع إقناع بوريس بالذهاب معي إلى المسرح أو السينما أو حفلة موسيقى. ما اهتمَّ بشيء سوى المال. يجب أن أخبرك كل هذا بحيث تفهم ما حدث لاحقاً. أرجوك، اصبرْ».

«أجل، أنا صابر»، قلتُ.

ارتحنا بضع دقائق، وتناولت المرأة حبةً من سكاكر طبيّة ورشفةَ ماء. سألتُ: «أية حياة زوجية هي هذه؟».

التمعت عينا المرأة. «أحسنتَ صنعاً بسؤالي»، قالت. «أردت الحديث عنها بنفسي. كان لدينا سريران ضيقان إلى أبعد حد. لم يسمح لي قط بشراء أي شيء غير الطعام. وحده كان المشتري، وكان يساومُ دائماً. كلا، لم تكن الأمور بيننا على ما يرام، وقد بلغت مرحلةً كنتُ أحمدُ الله فيها إذا تركني وحدي».

«كيف كان؟ عنّيناً؟».

«ليس تماماً، لكنه كان يفعل كل شيء في صمت كئيب. وغالباً ما راودني هذا الانطباع، ألا وهو أنني أمارس الحب مع جثة».

«لا مداعبات؟».

«القليل من المداعبات في البداية، ولكن بروده أصبح مطبقاً في ما بعد. كان واحداً من أولئك الرجال القدامى الذين يؤمنون بأن غاية الزواج إنجاب الأطفال فحسب. ولأننا لم نستطع الإنجاب، كانت علاقاتنا الجنسية فائضة عن الحاجة».

«هل كان مزاجه متقلباً بمعنى من المعاني؟»، سألتُ.

تملّتِ المرأة سؤالي. «بمعنى ما، نعم - ستسمع بعد قليل».

«ماذا جرى؟»، سألتُ.

«الجرح الأفدح في حياتنا بدأ بمزحة».

«مزحة مَن؟»، سألتُ.

«مزحتي أنا، وليست مزحته. لم يكن مَزوحاً. بين الحين والآخر كان يسعى ليحدثني عن الأسهم. فليسامحني الله، لكن هذا الموضوع كان يضجرني إلى أقصى حد. في ما بعد، حسبت أن علي الإنصات إليه وإبداء بعض الاهتمام بتجارته، ولكنني بشكلٍ ما عجزتُ عن ذلك. كان التثاؤب ينتابني لحظة يبدأ بالحديث عن عمله. كرهتُ تجارته. ينبغي أن تكون للرجل مهنة، فيفعل شيئاً، ويغادر البيت، لا أن يجلس ليل نهار منتظراً صعود الأسهم أو هبوطها بضعة سنتات. الحقيقة أنه لم يسمح لي بمغادرة البيت. أبقاني سجينة. إذا خرجتُ لشراء الطعام كان علي أن أخبره مسبقاً إلى أين سأذهب، وما المبلغ الذي سأنفقه، وكم من الوقت سألبثُ خارج البيت. إلى هذا اليوم لا أستطيع أن أستوعب كيف تمكنتُ من تحمل كل هذا طوال ست سنين. كانت الحرب مندلعة، واليهود في أوروبا يهلكون، وكنتُ أبرر وضعي بأنه لا يزال أحسن من الهلاك في معسكر اعتقال.

ذات مساء، كنا جالسين معاً في غرفة جلوسنا. كنتُ أقرأ الصفحات الأولى من الجريدة، واستلّ هو صفحات قسم الاقتصاد. ثم قال بغتة: هبطت أسعار النفط.

لا أعرف السبب، ولكنني قلتُ، «وكذلك أنا».

لستُ متأكدة مما إذا قلتُ ذلك لنفسي أم له. نظر إلي مذهولاً، حزيناً، غاضباً، وقال: لماذا أنت مكتئبة؟ إلى ماذا تفتقرين؟ لستِ سعيدة معي؟.

إنها مزحة فقط، قلتُ.

هل أنت نادمة على الزواج مني؟، سأل. هل تريدين الطلاق؟.

كلا، بوريس. لا أريد الطلاق، قلتُ.

ألستُ الزوج المناسب لك؟»، أكملَ. هل أنا أكبر منك بكثير؟.

وماذا إن كنتَ كبيراً في العمر؟، سألتُ. هل بمقدورك أن تعود شاباً؟ هل تريد الذهاب إلى البروفيسور فورنوف كي يزرع في جسدك غدد القرد؟، توقعتُ أن يبتسم. كنتُ قد سمعت عن بروفيسور في أوروبا، في سويسرا على ما أعتقد، حاول أن يعيد العجائز شباناً. لستُ متأكدة مما إذا كان البروفيسور فورنوف لا يزال على قيد الحياة آنذاك. قلتُ ذلك كي أسمعَ صوتي فحسب، وربما كي أسمع صوته. لم ينظر إلي بازدراء فحسب، وإنما بأسف وشفقة أيضاً. قال: لا يمكنني أن أدعك تتبنّين طفلاً، أما إذا رغبتِ في تبني عشيق شاب فلا مانع عندي.

بوريس، لا أريد أن أتبنى أحداً، قلتُ. إنه مجرد كلام. هذه المرة لم تكن جاداً ولا موضوعياً.

حسناً، فليكن، قال، وانصرف إلى الغرفة التي سماها مكتبه.

أعتقد أنه كان شتاء 1944، وهتلر على شفير الهزيمة، لكن ليس لمحنة اليهود من نهاية. أفادت التقارير بأن كل اليهود في أوروبا محكومون بالموت. لم أسمع بوريس قط يقول شيئاً حول المسألة اليهودية. عشتُ كل تلك السنوات مع رجل بقي غريباً عني ولم أفهمه أبداً.

مرت بضعة أسابيع، لا أذكر عددها. في الأيام الأخيرة المعدودة كان بوريس، على خلاف عادته، يغادر البيت قبل الفطور ولا يعود وقت الغداء. كان هذا شيئاً جديداً في حياتنا. ذات مساء جاء إلى البيت متأخراً. كنتُ أنتظره في غرفة المعيشة وأنا أقرأ كتاباً استعرتُه من المكتبة العامة. كنتُ قد تركتُ عشاءه في المطبخ، لكنه أخبرني أنه أكل لتوّہ في مطعم. أخبرني أن ابناً من أبناء أخته في لندن، صبياً في الرابعة عشرة، قد جاء من إنكلترا منذ وقت قصير. كانت أخته تخشى أن يصيبه مكروه خلال القصف. كان الصبي، واسمه دوغلاس، نابغاً في الرياضيات والفيزياء. تم قبوله هنا في نيويورك في مدرسةٍ للمتفوقين. وافقَ بوريس على أن يعيش الصبي معنا. لم تخبرني الكثير عن أختك، قلتُ. لدي إحساس بأنكما متخاصمان.

صحيح، قال، إننا في خلافٍ دائم. كنتُ لا أزال صبياً صغيراً عندما تزوجتْ من رجل لا يصلح لشيء، أبله صِرف، أما ابنها، حمداً لله، فيشبه أهلي، آل كوزلوف. ما عدتِ مرغمة على الوحدة بعد الآن. أريد أن أخبرك شيئاً آخر، أردف. لقد استأجرتُ مكتباً لنفسي. تجارتي تتسع. أنا غارق في المستندات. لقد بدأتُ باستثمار الأسهم لمصلحة بعض اللاجئين الألمان، وبالنسبة لهم بروكلين بعيدة جداً. مكتبي في مانهاتن.

أبداً لم يكن بوريس يطيل الكلام، لا سيما بخصوص عائلته. كقاعدة معهودة كان فقط يوبخني، ثم لا يتكلم بل يصيح.

قلتُ له: كل شيء يحل مباغتاً تماماً.

ليس مباغتاً تماماً، قال بوريس، لقد فكرتُ ملياً في كل شيء بحرص شديد.

لِمَ لم تذكر لي من قبل إن ابن أختك في أميركا؟، سألتُ.

ها أنا ذا أذكره. إنه ولدٌ غير عادي، أحببته فوراً. لقد وصل إلى هنا عبر هاليفاكس، نوفا سكوشيا. أنا متأكد من أنك ستحبينه. سيدرس في مدرسة خاصة للفتيان الموهوبين. لقد تم ترتيب كل شيء مسبقاً. وطالما أن مكتبي خالٍ الآن، فليتخذه غرفة له. سأشتري له سريراً، ولكنه يستطيع النوم على الكنبة حتى ذلك الوقت. لك الحق كله في الرفض. لن أفرضه عليك.

بوريس، أنت تعرف جيداً أنني سأوافق، قلتُ.

سيكون هنا صباح غدٍ، قال بوريس ومضى إلى غرفته.

كانت ردة فعلي الأولى عند سماع هذا النبأ هي الفرح. ما عاد بوسعي تحمل الوحدة. لا بد أن الله قد استجاب لصلواتي، فكرتُ. ولكن سرعان ما اتضح لي أن بوريس قد دبّر الخطة كلها بطريقته التآمرية. الرجال أمثال بوريس محكومون بطبيعتهم بوضع الخطط مقدَّماً ثم تنفيذها بحذافيرها. إنهم لا ينسون شيئاً. على رغم تشهيره بستالين ونعته إياه بالآسيوي المتعطش للدماء وجنكيز خان القرن العشرين، فكرتُ مراراً أن بوريس كان ستالين نفسه. لن نعرف أبداً بمَ يفكر أمثال هؤلاء الناس. إنهم كالعناكب يحيكون دائماً شباك الانتقام.

هل أحضر بوريس هذا الصبي لكي يغويني، ومن ثم يتمكن من ملاحقتي بتهمة الخيانة؟ هل كان على صلةٍ بأحد المحامين؟ هل كان متورطاً مع امرأة أخرى تملك الكثير من الأسهم أو المال؟ كان بمقدوري بكل سهولة أن أوفر عليه هذه الحيل الماكرة. لو سألني الطلاق لمنحته إياه دون مشقة. كان لا يزال بمقدوري العثور على عمل كخادمة في فندق أو بائعة في متجر. لقد انتهت البطالة خلال الحرب. ومع ذلك، قررتُ أن لا أدعه يصطادني كحيوان في شبكة. نويتُ أن أعامل الصبي القادم من إنكلترا معاملة الأصدقاء دون السماحِ لنفسي بالوقوع في أي شراك.

جاء دوغلاس في اليوم التالي، ويخجلني الاعتراف بأنني وقعتُ في غرامه من النظرة الأولى. كان جميلاً، رشيقاً، وأطول من أقرانه. بالإضافة إلى ذلك، كان يتحلى بدفء سحرني ببساطة. كان يناديني «خالة»، ولكنه يقبّلني كعاشق. حكى لي عن والديه، وتبينتُ مما حكاه أن أمه هي بوريس آخر يرتدي فستاناً. كانت سيدة أعمال بكل ما في الكلمة من معنى، منفصلة عن زوجها والد دوغلاس، وقد أثرت من جرّاء الحرب.

تتألف عائلة كوزلوف بأكملها من المتحذلقين وكارهي الناس، غير أن دوغلاس بدا شبيهاً بوالده المنحدر من أصول نبيلة. أراني صورة أبيه. فاستيقظت بداخلي كل لهفتي إلى الأطفال والحب، كل أنوثتي وتوقي إلى الأمومة. ظللتُ أذكّرُ دوغلاس بأنه لا يزال طفلاً، وأني في عمر والدته، لكنه رفض الإصغاء إلي.

بعد يوم أو اثنين من وصول دوغلاس راح بوريس يتردد على المكتب كل صباح، وكنتُ أعرف أن ذلك ليس بالصدفة. كانت ثمة أوقات رغبت خلالها في مساءلة بوريس: ما معنى هذا كله؟ إلامَ ترمي؟، لكني كنتُ أعرفُ أنه لن يخبرني بالحقيقة. إلى جانب عشقي للصبي كان يداهمني خوف صامتٌ من برودة الحسابات ومكرها. لقد نصبَ أحدهم فخاً لي، وكان قدري هو الوقوعُ فيه».

«هل وقعتِ فيه؟»، سألتُ.

ترددت المرأة هنيهة. «أجل».

«على الفور؟»، سألتُ.

«تقريباً على الفور»، قالت.

«كيف؟».

«ذات ليلة، لم يعد بوريس لينام في البيت. أخبرني أنه ذاهبٌ إلى بوسطن، وكنتُ أعلم أنها كذبة. ماذا كنتُ سأخسر؟ عندما يبلغُ الرجل هذا الدرك، لا يبقى لدى المرأة شيء تأملُ فيه. لم يعد بوريس إلى البيت، وتسلل دوغلاس إلى سريري دون أن يسألني. لم أكن أعرف قط أن صبياً يافعاً مثله قد يتمتع بتلك الشهوة.

يُفترض أن تلك السنوات هي الأشد عنفواناً في حياة الرجل، قلتُ.

حقاً؟ بالنسبة إلي كان الأمر في قسمٍ منه فضولاً واستسلاماً. عندما يبصق أحدهم عليك فلست مَديناً له بأي وفاء. عوضاً عن قضاء ليلة واحدة في بوسطن، غاب بوريس ثلاث ليالٍ. كنتُ أعرف أنه في نيويورك بالتأكيد. ليست بوسطن مركزاً لسوق الأسهم. وعندما اتصل بنا أخيراً وقال إنه رجع إلى نيويورك، أخبرته: لقد حدث ما أردتَهُ».

«ماذا قال؟»، سألتُ.

«قال إنه فعل كلَّ ذلك من أجلي. قلتُ: ما كان عليك أن تستقدم ابن أختك من إنكلترا. ما كان عليك أن تُقدِم على مثل هذه الألاعيب. وظلَّ يردد أنه رآني تعيسة فأراد مساعدتي. كنتُ أخشى أن يسعى إلى معاقبة دوغلاس. من يعلم بمَ يدور في مثل ذاك العقل المريض؟ على أية حال، عندما رجع إلى البيت ذاك المساء كان ودوداً مع الصبي مثلما كان من قبل. طرح عليه أسئلة كثيرة تتعلق بالمدرسة. تناولنا العشاء معاً، واندهشتُ إذ لم أرَ أي ارتباكٍ بادياً على دوغلاس. أبوسع صبيّ في سنه أن يكون ذكياً ولئيماً إلى هذا الحد؟ هل كان ثمة تواطؤ بينهما؟ لا أزال أجهلُ الجواب».

«كم دامت المسألة بأكملها؟»، سألتُ.

«جاء في الصيف، وفي الخريف تم قبوله في إحدى المدارس، ليس في نيويورك بل في إحدى ولايات وسط أميركا. جاء ليودعني، وأمضينا المساء معاً. أخبرني أنه لن ينساني أبداً، فقد أثريتُ حياته، كما وعد بزيارتي في عطلته الشتوية. لم يكن يدخن من قبل، لكنه دخن ذاك المساء السيجارة تلو الأخرى. جلب لي أزهاراً وزجاجة كونياك. وضعتُ الأزهار في مزهرية، وسكبتُ لنفسي مقدار كأس شاي من الكونياك تجرّعته في الحمام. سألني عن خاله، فأخبرته أنه سيتأخر في العودة إلى البيت، أما أنا فسأنام باكراً وعليه الانصراف. لماذا، خالتي؟، سأل، فقلتُ: لأنني متعبة. قال: كنتُ آمل في تمضية الليلة معاً، فقلتُ: على المرء أن يمضي الليلة الأخيرة مع نفسه.

قبّلني، فأخبرته بوجوب الانصراف. تردد برهة، ثم غادر. انتظرتُ دقيقةً أو اثنتين، ثم قفزتُ من النافذة. كنا نعيش في الطابق الرابع. حمداً لله، أنني وقعتُ على الرصيف، لا فوق عابر بريء».

«هل كنتِ قد اتخذت القرار في وقت سابق؟»، سألتُ.

«كلا، ولكنني كنتُ أعرف طوال الوقت أن هذا التصرف هو ما يتوقعه بوريس وعليّ بالامتثال له».

«لكنك بقيتِ على قيد الحياة، فلم يفلح»، قلتُ.

«أجل، يا لأسفي. هذه هي القصة الكاملة. ذات مرة سمعتُك تقول على الراديو أنك تستقي كثيراً من مواضيعك من القراء الذين يأتون كي يرووا لك قصصهم، وقد قررتُ أن أكون واحدة منهم. كل ما أناشدك إياه هو تغيير الأسماء».

«بم سيفكر الشخص في مثل هذه الثواني؟»، سألتُ.

«لا يفكر أحد في مثل تلك الثواني. إنه ينفذ مشيئة القدر».

«ماذا حدث منذ ذلك الحين؟».

«لا شيء، في الواقع. كسرتُ ذراعيّ. كسرتُ ساقيّ. كسرتُ جمجمتي، وحاول الأطباء شفائي. ولا يزالون يحاولون».

«أين بوريس؟».

«لم أسمع شيئاً قط عنه أو عن ابن أخته. أعتقد أنهما في مكانٍ ما في إنكلترا».

«لستِ مطلَّقة؟».

«ولماذا؟ كلا. أحصلُ على نقود التعويضات من الألمان. أحتاج إلى القليل، ولكن علي الذهاب إلى المستشفى كل بضعة أسابيع. حمداً لله، لستُ مضطرة إلى معونة الدولة. لم يبقَ لي الكثير في هذه الحياة. جئتُ كي أقول لك شيئاً واحداً فقط: من بين سائر الآمال التي قد تساور الإنسان، الموتُ هو الأمل الأروع. لقد تذوّقتُه، وكلُّ من ذاق هذه النشوة سيضحك من كل المُتع المزعومة الأخرى. إن ما يخشاه الإنسان من المهد إلى اللحد هو البهجة القصوى».

«مع ذلك، قلما يرغب أيُّ إنسان في الإسراع وصولاً إلى هذه البهجة»، قلتُ.

لم تجبِ المرأة وحسبتُ أنها لم تسمع كلماتي، لكنها قالت بعدئذ، «الترقّبُ جزءٌ من البهجة».

(نقلها إلى العربية جولان حاجي)

1 القصة المترجمة هنا مأخوذة من مجموعة «موت متوشالح»، 1988، دار فارار شتراوس جيروكس، نيويورك.

 




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬