حسن داوود

قالت ندى إنّ ما أكتبه اختلف منذ أن أصبحت أستخدم الكومبيوتر. ربّما كان هذا صحيحا، بل أفكّر أنّه لا بدّ أن يكون صحيحا. أنا نفسي كنت أقول بأنّي، إن كتبت بقلم ثخين الخطّ، وإنْ ثخانة قليلة، سأقضي وقت جلوسي منشغلا بشطب كلّ جملة أكتبها. وقد قلت كلاما كثيرا في محاججتي لأولئك الذين بدأوا بتشجيعي على استخدام الكومبيوتر، ثم بقولهم لي، راسمين على وجوهم هيئة العجب: أما زلت حقّا تكتب بالقلم والورقة؟

حازم كان يهاتفني من لندن ليقول لي، في نهاية كلّ مكالمة: أما زلت تكتب بخطّ يدك؟ وأنا لا أجد نفسي إلّا متلعثما بتبرير بقائي حيث أنا، هكذا بما يشبه الاعتذار، أو بما يشبه المزاح أحيانا، فأجيب حازم أنّه متى صار داعية تكنولوجيّا وهو، على ما أعلم، لم يكن يحسن تركيب لمبة جديدة بدل تلك التي «احترقت» في بيته. وفي مرّة راح يتعجّب كيف تسنّى لقريبه أن يعرف رقم جاره مسعود الذي أعاره جهاز الهاتف، ظانّا أن الرقم موجود في الجهاز وليس في الحائط الذي وضعوا الخطّ في داخله. وإذ رحت أنظر في ما كانه حازم وفي ما صار إليه رحت أقول إن الأمرين مختلفان، أي أنّ تقنيّة التلفون والكهرباء مختلفة عن تلك التي للكومبيوتر، وإنّ إجادة هذه غير إجادة تلك. لكنّني، في وقت لاحق، رحت أقول بأنّ ما جدّ بيني وبينه، أي سبقه إيّاي في الكومبيوتر بعدما كنت أسبقه في التلفون والكهرباء، ربما يرجع إلى الجدال القائم على الدوام بيننا حول الماضي والمستقبل. فهو، بحسب الانقسام ذاك، متلهّف ومتحمّس لما سيأتي به المستقبل، أمّا أنا فأحنّ إلى الماضي، أعيش فيه ستّ ساعات أو سبع ساعات كلّ يوم. لذلك ربّما لا أجد وقتا لأتقدّم في علم لم يسبق لي أن عرفته من قبل.

وفي ما خصّ الكومبيوتر بدأ الحنين يجد مادّته في اشتياقي المسبق مثلا إلى خطّ اليد المميِّز لكلّ من الكتّاب. وقد انتابتني إلى خطّ عبّاس، الذي يشبه نحتا سيّئا يملأ الصفحة حتى أطرافها، موجة حنين مبكّرة إلى حدّ أنّني رحت أقول في نفسي، هل حقّا إنّني لن أعود إلى رؤية خطّ عبّاس. وكذلك خطّ حازم أيضا، وكذلك خطّ محمّد سامي الذي منه أستطيع أن أعرف سرعة يده في أثناء ما يكتب. أو خطّ بسام، المكتوب بالقلم الرصاص، والذي يظهره جالسا وراء طاولة مكتبه في صيدا وأمامه كأس فيه ويسكي وكأس آخر فيه ماء.

وأنا كانت لديّ حججي أقولها فيما خصّ ذلك الانتقال التاريخي في طريقة الكتابة. من هذه مثلا إنّ تخطّينا لشيء ظلّ معمولا به ألوف السنين يقتضي منّا بعض التمهّل أو التردّد. ذاك أنّي كنت أرى، إزاء هذه السرعة المهولة في إقدام الناس على الكومبيوتر، أنّنا لا نعطى الوقت الكافي للوقوف على عتبة الخروج من عصر لندخل بعد ذلك في عصر جديد. كلّهم مستعجلون. ولا أعرف إن كانت البشريّة قد عرفت انتقالا سريعا مثل هذا الذي يبدو الناس فيه كأنّهم تأخّروا عن شيء وينبغي لهم أن يجدّوا مسرعين لبلوغه. حتّى في وزارات الدولة التي يُعرف عنها تأخّرها في كلّ شيء، راحت الدوائر فيها ترسل المذكّرة تلو المذكّرة طالبة من المديريّات أن تسجلّ أسماء الموظّفين الراغبين في الخضوع لدورات تعليم الكومبيوتر. بدا ذلك أشبه بحملات التطوّع التي يدعى الناس إلى الإلتحاق بها في أوقات الحروب. وهذا النشاط لم يكن وقتيّا يحدث مرّة واحدة، على جاري عادة الوزارات، فالمذكّرات ما زالت تتتالى كلّ شهرين أو ثلاثة أشهر سائلة مَن من الموظّفين لم يخضع لدورة بعد؟ كما أنّ هناك دورات تعليم إضافي لمن سبق لهم أن تعلّموا، أُطلق على كلّ واحدة منها إسم جيء به من الكلمات التي تستعمل في الكومبيوتر.

ولم تكن تلك حملة عابرة يستطيع أن ينجو منها، إلى الأبد، مَن تكاسل عن الإنضمام إليها. أقصد أنّ مزاج الشخص لم يعد مسموحا به، كأن يقول أحد المعتدّين إنّ الكومبيوتر لا يعجبه وإنّه لا يطابق هواه. كان ذلك ممكنا في وقت من الأوقات، أقصد حين كان الكومبيوتريّون ما يزالون قلّة، أيّام كان مقدّم الطلب للوظيفة يعتبر أنّ علمه بهذا الاختراع هو الأساس في مؤهّلاته.

وقد تحوّلت نصائح حازم المتكرّرة إلى ما يشبه حملة تأنيب شارك فيها كلّ من بلغه أنّ مخطوطة كتاب كاملة، مكتوبة بخطّ يدي، سُرقت منّي، هناك في فرنسا. وأنا نفسي كنت مشاركا في هذه الحملة حيث أروح أروي، بما يشبه أن أكون متلذّذا ومستمتعا، كيف كسر السارق قفل السيّارة وخطف الحقائب التي كانت المخطوطة في إحداها. وكنت أضيف في آخر التلذّذ إنّ المخطوطة تلك كانت النسخة الوحيدة التي لديّ. «لكن لماذا لا تستعمل الكومبيوتر»، يسأل السامع متعجّبا. بل إن بعض السامعين كانوا كما لو أنّهم يتشفّون بي: شفت، لو إنّك كتبتها على الكومبيوتر لكنت طبعت منها عشرين نسخة، هكذا مثلما يجاب رجل انقطعت رِجله بعجلات القطار لأنّه غامر بالنزول قبل أن تتوقّف العجلات تماما. «شفت» يقال له «لو إنّك انتظرت حتى يتوقّف القطار لكنت احتفظت برجلك».

لكنّني، وقد بتّ أكتب على الكومبيوتر، أجد نفسي غير واثق من أنّ ما أكتبه سيظلّ محفوظا في داخله. كثيرا ما أتخيّل كبسة كبستها بالسهو على أحد الأزرار ستمحو هذه الصفحات التي بات عدد كلماتها يفيض عن 45 ألف كلمة، وهو ما يساوي، لناحية الحجم، الرواية التي أضعتها. وقد حدث ذلك مرارا، أو تهيّأ لي أنّه حدث. بذلك الاضطراب ذاته كنت أركض إلى مهران، خبير الكومبيوتر في الجريدة: «كبست كبسة غلط يا مهران، يمكن راح كلّ شي...»، أقول له، فيتبعني إلى مكتبي بطيء الخطو كأنّ ما راح عليّ ليس 45 ألف كلمة. وإذ تفشل محاولته الأولى في استعادة ما فقدتُه، أقول إنّها راحت، «خلص راحت»، فيما هو يقول لي، ببرودته ذاتها، أن أصبر ولا أنفعل.

ما تقوله ندى عن أنّ كتابتي اختلفت بعد تحوّلي إلى الكومبيوتر أجده في مرّات صحيحا. بل لا بدّ أن يكون صحيحا ما دام أنّ الأفكار التي أكتبها ليست جاهزة في رأسي حتى يكون كلّ ما عليّ فعله هو أن أُخرجها، أو أسكبها، أو أدلقها منه. لا بدّ أنّ الكلمة، إذ ينتهي القلم من رسمها على الورقة، تستدعي الكلمة التي ستتلوها، بعامل الإنسياب الذي تساعد على جريانه تلك الحركة الواصلة بين الدماغ واليد. ثمّ هناك ذلك الإحساس بأنّ الكتابة، بخطّ اليد، فعل ننضمّ به إلى أولئك القدماء الذين قرأنا نصوصهم في المجلّدات أو حفظنا أشعارهم عن غيب.

أقصد أن يشعر الكاتب بأنّه سليل، أو وريث، رجال خالدين تعاقبوا على الجلوس محنيّي الظهور وحاملين ما يخطّون به كلماتهم على الجلود أو على الأوراق. في الكتابة رغبة بالانتساب إلى أولئك القديمين، وأفضلهم ما كان أكثر إغراقا في قدمه. إبن رشد وإبن خلدون وليس أحمد فارس الشدياق أو جبران خليل جبران. أو هذان الإثنان الأخيران وليس إثنان غيرهما من شعراء الحداثة. فعل الكتابة هو، بذاته، احتفاء بماضي الكتابة وتاريخها. ولا يتعلّق ذلك بالنصوص فقط، بل بما يمكن اعتباره «آداب» الكتابة وطقوسها. «لم تعد في الكتابة متعة منذ أن هجر الناس الريشة والمحبرة» قال جان جينيه مرّة، موجزا مشهد ذلك الكاتب القديم الذي ظلّ ممارسا طقسه إيّاه لمدّة زادت عن ألف سنة. ثمّ إن الورقة شيء يُلمس، وليست هباء قابلا للإمّحاء من دون أثر يُبقى عليه منها.

في ذلك الرسم الكاريكاتوري الذي لا أعرف في أي مجلة شاهدته، وقف ولدان متواجهين: ما هذه؟ سأل الأول مشيراً بيده إلى ما تحتويه رفوف المكتبة. «هذه كتب، قال الثاني، كان أبي يستعملها للقراءة». كان في ذلك الرسم محاولة لاستشراف المستقبل، المستقبل المرئي، إلى حدّ إمكان لمسه باليد. «الآي باد» كان على وشك الظهور، متهيئاً، ليتسع لألف كتاب كما كان يُقال: وأنا، الذي سبق لي ان آمنت بقدرة الأشياء المتناهية الصغر على احتواء الأشياء المتناهية الكبر، وآية ذلك الـ U.S.B.، تلك الصغيرة الى حد انها لا يزيد حجمها عن حجم كلمة تتسع لمئات الكتب ولستمئة مقال و 1800 أغنية ولعدد لا يحصى من الوثائق، رحت أسمع كل يوم أن الكتب المصنوعة من ورق وحبر موشكة على الانقراض.

هؤلاء الذي يمدّوني كل يوم بمعارفهم المعجبة كانوا يفعلون ذلك متبجّحين، بل متهِمين، لأن كل ما قيل لي لم يفلح إلا في نقلي إلى موقف الحياد الذي يشي به بقائي ذاهلاً ساهياً في نظرتي إلى من يكلمني. ثم أنّ أولئك المبشرين بدعاواهم الجديدة يشعرون في أنفسهم قوة نستطيع نحن تبيانها من لهجتهم وأصواتهم، ولا أخفي أنني احببت ان تكون لي نسختي من «الآي باد»، لأكون فيما أنا أتجوّل به، حاملاً «تاريخ البشرية كله» كما كان يقال أيضاً، على الأقل يجدر بي ان أشتريه، وسأفعل. فأنا شأني شأن الجميع، أحب أن اقتني الأدوات علّني، بعد اقتنائها، بل بسبب اقتنائها، أصير أقرب اليها فيسهل عليّ تعلّم تشغيلها. هكذا كان حالي حين اشتريت آلة التصوير راجياً ان أتعلم فن التصوير لمجرد انها معي. وكذا كان حالي، طبعاً، مع الكومبيوتر الذي اظل حاملاً ثقله على كتفي، ذاهباً به إلى المكتب ثم عائداً به إلى البيت، وذاهباً به إلى الضيعة علّني أجد له وقتاً هناك ثم عائداً من الضيعة، مرجعاً اياه معي، هكذا من دون ان أفتح حتى سحّاب شنطته.

ثلاث سنوات او اربع لم أتمكن فيها إلا ان أخطو في ما أعرف الآن انه خطوة أولى. اكتب على الكومبيوتر مقالات وقصصاً، بل أخزّنها على «اليو بي أس» لأنقلها من ثم إلى كومبيوتر آخر. في أحيان أقول إن هذا يكفي، في أحيان أخرى أقول إن هذا لا يكفي، إذ أجد أنني لا استعمل من امكاناته إلا واحداً بالمئة. لكنني لا أحتاج إلى أكثر من ذلك، أقول ليوسف ولدلال ايضاً. هذا لا يكفي، يقولان لي فيما أكون متراجعاً بكرسيّي إلى جهة الحائط لأتيح ليوسف مثلاً أن يعيد لي، وهو ممتد بجسمه إلى الكومبيوتر، المقاطع التي ظننت أنها راحت ولن تعود.

إنك تجعله أهبل، يقول لي يوسف، اذ أحوّله إلى مجرد آلة لصفّ الأحرف. اما ابني فراس فيقول لي دكتيلو، على الرغم من أنه لم يعرف ما هو الدكتيلو ولم يعش في زمانه. خلي تلفونك الأول معك، ظلّ يقول لي حين اشتريت التلفون الذي يدار باللمس. وقد كان مصيباً في تحرّزه اذ لم ألبث بعد أسبوع ان قلت له خذه يا فراس، لا أريده. ذاك انه كان عليّ ان اتعلم من جديد أن ابعث رسائل الـ SMS وأن اتعلم من جديد أيضاَ كيف أخزّن رقماً في ذاكرته الجديدة. «خذه يا فراس، لا أريده»، لكنني مع ذلك أشعر بأنه لا ينبغي لي الرجوع إلى الوراء. في هذه الأدوات لا يحسن بنا ان نتراجع عمّا كنا قد بلغناه، فهذا يبدو منافياً لمنطق لا نعرف كيف سلمنا به ومتى. بل يجب الا نبقى حيث نحن، بحسب المنطق اياه، ما دام ان العالم لا يتوقّف عن الاحتفال بجديده كل يوم. كيف لي ان اقف خارجاً عن هذه الجموع المصفقة ثم إنني، انا نفسي، أكاد أسخر من صاحبنا خليل الذي ما زال على تلفون نوكيا القديم، الطويل بما يزيد عن الحاجة، والذي يفضح حامله مع كل اتصال ينذره به رنينه الذي يطلع شبيهاً بالاستغاثة.

سأبقيه معي، ذلك الآي فون 4 الذي يعقّد الأمور بدل ان يسهلّها. سأبقيه معي على الرغم من انني لم أحقق تقدماً في استعمالاته وذلك بعد شهرين من حملي له. فقط التخابر وتلقي المساجات من دون ان ارد عليها. أما الإيميل الذي يحتويه بين امكاناته فلم يسبق لي أن أفلحت في فتحه. يحب ان تكتشف ذلك بنفسك، يقول لي مهران الذي يفتحه لي، ويبدو فتحه سهلاً في كل مرة. غير انه لا يلبث ان يستغلق بعد ذهاب مهران إلى مكتبه.

وفي أحيان أترك ما يستعصي عليّ لريّا ابنة اختي التي لديها هي ايضاً آي فون مثلي. ضعي لي فيه WhatsApp وهي تجيبني بأنها خارجة للرياضة وانها ستضع لي الـ WhatsApp وأشياء أخرى حين تراني. ولا أخجل كثيراً من اعتمادي عليها هي ابنة أختي ما دام يمكنني أن اعتبر تلك الاضافات على التلفون من نوع الألعاب التي لا يلقى الأولاد مشقّة في تعلمها. لكنني مع ذلك أراني متذكراً ابي الذي كان يطلب مني أن أذهب إلى وزارة البرق والبريد لأعيد له خطّ تلفونه المقطوع. وفي مرة جمعت له الأوراق اللازمة لإصدار جواز سفره. وفي مرة ثالثة قطعت له تذكرة الذهاب والإياب... كل ذلك وأنا ما ازال تلميذاً في المرحلة الثانوية.

وهو لم يكن يكترث لكونه لا يعرف، ففي زمنه ذاك كان يمكن له أن يشعر بالاعتزاز لأن لديه، في بيته، ابناً يستطيع تكليفه بما لا يحب هو أن يقوم به، أو بما لا يعرف كيف يقوم به. وحين عاد من فرنسا التي أقام فيها أسبوعاً راح يخبرنا عن الحلول التي توصل اليها لتدبر أمر المآزق التي واجهته في الأوقات التي كان فيها وحده، بعيداً عن الحاج توفيق صديقه المقيم في فرنسا. من هذه مثلاً انه، حين جاع، عرف كيف يقف في الصف الطويل أمام بائع الفراريج المشوية. فكر في نفسه: أقول ما يقوله الرجل الذي أمامي. «واحد» قال الرجل الذي أمامه. كان عربياً، والبائع أيضاَ عربي. وهنا أضاف أبي إلى ما سمعه كلمة من عنده: «فروج»، «واحد فروج» جاعلاً تركيب جملته على النسق الفرنسي، وكانت هذه الملامسة الأولى بينه وبين تلك اللغة، والملامسة الأخيرة على أي حال.

أجد نفسي، مع ابنة أختي ريّا، في الحال التي كان عليها أبي معي، لكن من دون أن أشعر باعتزازه بأبوته لكونه أنجب ابناً يعرف كيف يصرّف أعماله. أشعر بنفسي كما لو ان الزمن تقدم عني وتركني في الزمن الذي قبله. انني صرت مثل موديل قديم، ولا صلة لهذا بتعلقي بالماضي الذي ذكرته اعلاه، فأن أتعلق بشيء قديم لا يعني أن أكون انا نفسي شيئاً قديماً. الماضي أجلبه إلى حيث انا لا أن أتقهقر اليه.

ولا يفيد أن أسأل ريّا شيئاً على التلفون فذلك سيجعلني، في ما أجيب به، أكثر تأخراً عما أكون وهي واقفة بقربي. ذاك أني لا أفهم تماماً فيما هي ترشدني الى الخطوات التي علي القيام بها لأعيد تلفوني، أو كمبيوتري، إلى سويتهما. يعوزني في ذلك الفهم كما تعوزني السرعة ايضاً. اكبس «الرايت كليك» تقول لي، ثم إكبس «كوبي» ثم اتبعها بـ «بايست» حين تعود إلى «التكست» الذي تريد نقله الى صفحتك التي كنت قد كبست على «المينيمايز» لكي تضعها في أسفل الشاشة. وهناك كلمات أخرى أكثر صعوبة من هذه الذي حفظتها لكن ليس تبعاً لتسلسلها. في احيان أقول انها لغة كاملة تتألف كلمة كلمة ويوماً بعد يوم. وهي تتسع او تتقدم بوتيرة اسرع من قدرتي على اللحاق. لو كنت قد بدأت مع هذه الكلمات من بدايتها لكان ممكناَ لي ان أستمر مواكباً لها. لكنها الآن باتت في آخرها، او في منتصفها، وبت استحي ان أسأل عن الكلمات التي كان عليّ ان اعرفها من تسع سنوات او عشر. هو شعور التأخر ذاته الذي فوّت عليّ مادة الرياضيات والفيزياء والكيمياء، فقد بدأ زملائي معها من حصصها الأولى، وانا جئت متأخراً خمسة أشهر لأنضم اليهم في صف الأول تكميلي ذاك مفوّتاً كل ما راح يشرحه الأساتذة في السنوات السبع التي تلت.

كما انني جئت متأخراً الى الفايس بوك. اعرف ان هناك من سينتسبون اليه من بعدي اذ لن تقفل أبوابه في وجوه القادمين الجدد.

جئت متأخراً يعني ان من كنت «أصادقهم» قبل اختراع الفايس بوك سبقوني اليه، وهم راحوا يوسعون صداقاتهم فيه من دوني. في أحيان أجدني وقد صرت وحدي غائباً من تلك الساحة (الإلكترونية) التي يتداخل فيها الناس ويختلط بعضهم ببعض. في احيان أقول إن ما يجري بينهم ليس أكثر من شرارات باردة وتحيات عابرة وتصفيق غير مسموع لجمهرة قليلة استحسنت رأياً لأحد منها على صفحته. هكذا أقرأ حين أفتح، مرة في الأسبوع، ما لا أعرف ان كان اسمها «صفحتي» فأرى «الأصدقاء» هؤلاء باقين في صداقتهم حيث هم، لا يتقدمون في ذلك خطوة ولا يتراجعون خطوة. لكنني اعرف ان هذا ليس هو «الفايس بوك» كله. على صفحات أخرى كان الفيس بوك هذا يكتّل بشراً وينظمهم موصلاً إياهم الى القيام بالثورات، وهذا ما لم اختبره، بل انني لم أتخيل كيف يجري ربما لبقائي في ذلك الحيز الضيق القليل الذي ما زلت مكتفياً به من «التدخل».

لدّي صفحة على الفيس بوك. بل لدي صفحتان أسسهما لي أصدقاء، احداهما لتعريف الناس بي كما قال هاشم الذي اهدى صفحتي هذه إليّ، وثانيتهما تلك التي كان يوسف وفادي قد افتتحاها لي. مرة في الأسبوع اتصفح ما كتبه الأصدقاء الذين ما فتئت اعدادهم تزداد، إذ لا احسبني قادراً على رفض طلب للصداقة جاءني من أحدهم. «ليس الأمر كما في الصداقة العادية» راح يقول لي أصحاب أو زملاء عرفوا أني اقبل على مصادقة كل من يمد يده للمصافحة، لكن نصيحتهم هذه جاءت متأخرة اذ كانت صفحتي قد امتلأت بأصدقاء لا اعرفهم ولا تذكّرني اسماؤهم بشيء. وهؤلاء كلما فتحت الفايس بوك أجدهم يحاورون بعضهم بعضاً مستحسنين ما يكتبونه ومعلنين موافقتهم عليه. وقد توطدّت بينهم الصداقة اذ، مما أقرأه، اعرف انهم يستكملون حواراً ترجع بداياته إلى وقت لا اعرفه ولم أكن فيه.

وانا، مدافعاً عن غيابي، أقول إنه كان أحرى بهم ان يقضوا وقتهم بما هو مفيد حيث اني قلّما قرأت ما يمكن اعتباره أدباً أو فلسفة، بين ما يتداول به هؤلاء. لكنني، مع ذلك، اشعر كما لو أنني امسيت متفرجاً، مجرد متفرج، على ما يجري بينهم، اولئك الذين اتسع مذهبهم باتساع واقعهم. في أحيان أقول انني استعيض عن غيابي بسماع ما يرويه مَن أُجالسهم، شفاها، عمّا قرأوه على الصفحات. اكون بذلك ملماً، وإن قليلاً، بما أكسل عن متابعته بنفسي. لكن هذا بدوره يبقيني خارجاً، متفرجاً، وسلبياً بحسب العبارة التي نستعملها رغم افتقارها الى الدقة. وهم، فوق ذلك، سيتقدمون في ما هم سالكون فيه وابقى أنا أراوح بين رغبتي في الاقدام على ان احتل موقعاً لي بينهم وتأخيري ذلك إلى وقت لم اعيّنه بعد. وأنا أعرف في أثناء ذلك انهم تشكلوا جماعة، أو جماعات، وأقفلوا الباب عليّ أو انني اقفلت ذاك الباب على نفسي. لقد سبقني الآخرون. بل انني قد سُبقت اذ ليس الآخرون وحدهم من حقّق ذلك السبق عليّ.

لقد تغيرت الحياة عما اعتدتُه منها ولا ينفك عن ملازمتي ذلك الشعور بأني بتّ خارج دورتها. كان ذلك قد حدث لي مرة من قبل، وذلك في وقت ما كنت اتقدم في الأربعين. آنذاك رحت أفكر أنني لم اعد في قلب الحياة اذ أن أفلام السينما تختار ابطالها ممن هم أصغر عمراً مني، بل وهي تقدم لمشاهديها موضوعات بتّ أنا اكبر من ان تشملني. لقد وُضعتُ جانباً. على الهامش. وها ان الكومبيوتر يعيدني إلى تجربتي تلك بشعور أكثر مرارة.

لم يكن ينقصني وأنا أقطع الستين إلا أن تزداد سرعة العالم أضعافا. كان العمر كافياً وحده لجعلي اتراجع عما أنا فيه، فكيف بي وأنا أُدفع دفعاً إلى الخلف. كثيراً ما يعاودني ذلك المشهد من فيلم «موت في البندقية». كان الموسيقي الستيني ذاهباً للاستجمام على ذلك الشاطئ لكن القارب الذي يقله إلى هناك بدا كأنه يحمله إلى حيث سيقضي آخر عمره. «ذلك التوازن الذي جهدت لبلوغه في موسيقاك لم يعد أحد يعيره اهتماماً الآن»، راح يقول له الصوت الآتي من تذكره لناقده ذاك.

كان عليهم ان يكتفوا بالأقل في ما اخترعوه. ان يتأنّوا فيه جاعلين مسافة عشر سنوات مثلاً فاصلة بين الخطوة والخطوة التي تليها. أن يؤجلوا الفايس بوك إلى وقت آخر. وان يخططوا لوقت يأتي بعده بعشر سنوات ليعلنوا عن اختراع التويتر ثم الواتس آب، ثم...

ذلك الطلب، او الرجاء، ليس طلبي ولا رجائي وحدي. اذ لا بد ان كثيرين غيري تعجز ارجلهم عن الركض وراء ما تتسابق الشركات الكبيرة على انجازه. في السابق كان الشيء الجديد يظل جديداً لعشرين سنة او ثلاثين. الآن ما زال علينا ان نغيّر هاتفنا المحمول مرة كل ثلاثة اشهر أو اربعة اذ انه يصير قديماً من لحظة ما نرتاح إلى استعماله. يجب ان يقفلوا باب الاجتهاد في هذا الباب، قال رشيد الضعيف، وكان ذلك السبق على الاختراع في بدايته.

لقد حلوا محلنا أولئك الذين أراهم مجتمعين خارجين من المقاهي في شارع فردان، قبالة الـ 730 او داخلين اليها. يكونون ذاهبين او ذاهبات إلى الرصيف المقابل لكن كأنما من أجل ان يعرضوا أنفسهم ويعرضن انفسهن. وانا، المنتظر عبورهم، أقول إنني يجب الا اطلق الزمور إن وقفت اثنتان في وسط الطريق. ان فعلت ربما يرسلن نحوي تلك النظرة التي تقول إني غريب وكبير، وإني ما زلت عصبياً رغم ذلك.

 




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬