شاكر الأنباري

تمتلك بغداد أنماطا عدة من التوزع السكاني، يشمل كامل خارطتها تقريبا، وللنمط علاقة بالدين، والطائفة، والقومية. والمعروف أن سكان بغداد، البالغ عددهم أكثر من ستة ملايين نسمة، يتألفون من الشيعة والسنة، المسلمين والمسيحيين، العرب والأكراد والتركمان، مع قليل من الإثنيات كالصابئة والأرمن والشبك. حتى العام ألفين وثلاثة ، أي سنة إسقاط النظام البعثي، واحتلال العراق، واقتلاع الدولة من جذورها، وحل الجيش والقوى الأمنية، كانت الأنماط متداخلة، بهذه النسبة أو تلك، في معظم المناطق، مع غلبة هذا المكون على ذاك في مساحات معينة، ومن النادر أن يجد المرء منطقة صافية، أي تقتصر على هذه الطائفة أو تلك، هذه القومية أو غيرها. بغداد ظلت مغناطيسا جاذبا للجميع، منذ نهاية الدولة العثمانية وحتى اليوم، لأسباب كثيرة. هي مكان عمل، وخدمات جيدة، وعاصمة، ومقصد الطلاب للتعلم، والضباط الطامحين الى السلطة، والشيوخ، والهاربين من الاقطاع سابقا أو من التقاليد العشائرية، ومن الاضطهاد الجنسي والديني والقومي. قصدتها مئات النساء هاربات من عائلاتهن، وآلاف الأسر التي اضطهدت في قراها أو مدنها. قصدها كذلك رعايا دول أخرى مثل الهنود، الباكستانيين، الايرانيين، والأكراد الفيلية الذين قدموا من ايران للعمل والزيارات الدينية، فلبثوا في أزقة العاصمة بعد أن تقطعت بهم السبل، تزوجوا أو وجدوا مصدر رزق. كانت نسيجا ملونا يختلط فيه أبناء المحافظات كلهم، ولهذا لم تعد تحسب على أي من الطوائف أو القوميات.

أفرز هذا الاشتباك المعيشي اليومي، ولعقود متتالية، نتائج واضحة على المجتمع البغدادي. حصل تزاوج كبير بين هذا الخليط غير المتجانس. العائلات تواصلت في ما بينها، تنوعت واختلطت قوميا، ومذهبيا، وحتى دينيا بعض الأحيان. ثمة مسلمون تزوجوا مسيحيات أو العكس، وكان ثمة تلاقح في الثقافات، والطقوس، والمعتقدات، أذاب لحد كبير الفوارق النافرة، وجعل التماس، في كل الأمور، سلسا الى درجة واضحة. السني على سبيل المثال يشارك الشيعي في طقوس عاشوراء، ويتبرك بأضرحة الكاظم والعباس والحسين وعلي، والشيعي يزور ضريح الامام الأعظم أبي حنيفة أو يتبرك بقبر عبد القادر الكيلاني في منطقة باب الشيخ. وكان المسلمون يشاركون المسيحيين في أعيادهم، ويدخلون كنائسهم تبركا أو مشاركة، وكان الصابئة يقيمون طقوسهم على ضفاف دجلة معمدين أبناءهم في الهواء الطلق. وكانت أعياد نوروز الكردية يحتفل بها في أزقة باب الشيخ، والفضل، وحي الأكراد والحيدرخانة. الطقوس كانت مشتركة بين الجميع، في رمضان، والأعياد، والمناسبات الدينية والاجتماعية والوطنية. التماسات بين الطوائف والاثنيات لم تكن مصمتة، بل بالعكس، كانت مهلهلة تكاد تختفي في مراحل معينة، وفي أزمان تذوب. رغم غلبة البعد الاسلامي للمدينة الا أنها لم تعدم وجود ثقافات فرعية لها خصوصية دينية، وسلوكية، وطقوسية، ومن ذلك البهائيون والازيديون والملحدون والماسونيون والشركس والأرمن. تنوع بغداد لم يكن وليد قرن واحد فقط، بل بدأ منذ تأسيسها على يد أبي جعفر المنصور، وظلت أحيانا موئلا للغزاة من أتراك، وفرس، ومماليك، وطاجيك، وأوروبيين. تشكلت طبقات من ذلك الاندماج، والتزاوج، والتلاقح، ماعاد الخلاص منه سهلا. من يريد جعل بغداد لونا واحدا عليه أن يهدّها من الأساس، ويعيد بناءها على ضوء مجازر، وقتال، وحروب. وهذا ما كاد يحصل في العقد الأخير، وتم ايقافه بتناغم ظروف كثيرة وأسباب عديدة، لم تكن لتنجح سوى في العراق ربما، وهذا جزء من تميزها وتجربتها في العصر الحديث.

مناطق صافية وأخرى مختلطة

بغداد مدينة ذات أنماط عديدة، ما جعل من شخصيتها متنوعة ذات أوجه، وطبقات، ودهاليز، فهي مصهر أنتج خليطا يمتلك هوية متفردة ليس من السهل قراءتها. نمط من بغداد هي المدن والمناطق التي تكون الأغلبية فيها لطائفة، ومنها مدينة الثورة، الصدر حاليا، اذ كان السكان المتحدرون من محافظات الجنوب هم الغالبية، وهؤلاء يدينون بالاسلام على المذهب الجعفري، ولهم عشائرهم ولهجاتهم ومحافظاتهم وحتى محالّهم، اذ عادة ما كان أهل المحافظة الواحدة يتجمعون في الزقاق ذاته، أو ينتشرون في أزقة متجاورة. الأغلبية كانت شيعية الا انه لا يعدم وجود نسبة قليلة من السنة، ومن الأكراد، ذوي الدخول المحدودة، لهم جوامعهم ومعاملاتهم ووظائفهم. يقدر عدد سكان مدينة الثورة اليوم بأكثر من مليونين، والبعض يجعلهم ثلاثة ملايين. اشتهرت بكونها موطنا للأفكار اليسارية، وكانت قاعدة للشيوعيين حتى العقد الثامن من القرن الماضي. ثم راجت فيها لاحقا، بعد أن صفي الحزب الشيوعي قبل الحرب العراقية الايرانية وبعدها، الأفكارُ الدينية، خاصة تعاليم محمد صادق الصدر، والد مقتدى الصدر، الذي قيل ان صدام حسين هو من أمر بتصفيته في نهاية التسعينات.

وهناك منطقة الأعظمية، وهي سنية بشكل عام، تتمحور شخصيتها حول مرقد الامام الأعظم أبي حنيفة النعمان المطل على دجلة. ولا يفصلها عن الكاظمية التي تضم مرقد الامام موسى بن جعفر، الملقب بالكاظم، سوى النهر. اشتهرت الأعظمية منذ بدايات القرن الماضي بكونها مكان سكن للضباط الكبار، والنخب السياسية، والموظفين الميسورين، ورجال الدين، وظلت مركزا للاحتفالات الدينية منذ قرون كالموالد النبوية، والأعياد، والمظاهرات القومية، وغيرها. في الأعظمية نسبة صغيرة من الشيعة كذلك. لهذا تعتبر منطقة سنية صافية تقريبا، ولطالما هيمن عليها الفكر القومي، والفكر الاخواني، ثم كانت الغلبة منذ السبعينيات لأفكار البعث، فاعتبرت موطنا للفكر البعثي وقادته حتى اللحظة الأخيرة. وقيل أن آخر ظهور لصدام حسين في التاسع من نيسان ألفين وثلاثة، حين دخلت الدبابات الأميركية الى القصر الجمهوري، كان في الاعظمية، قبل أن يغيب غيبته العجيبة، ثم ليقبض عليه لاحقا في حفرته التكريتية بعد أقل من سنة. الأمر ذاته ينطبق على مناطق أخرى من بغداد: الشعلة والكاظمية والحرية شيعية، الدورة والمنصور سنيتان، البياع والسيدية مختلطتان، وكذلك بغداد الجديدة والشعب والصليخ. مناطق الاختلاط تكون فيها النسب الغالبة للشيعة أو السنة، لكن الاختلاط كبير، وكذلك بغداد الجديدة التي تحتوي على نسبة عالية من المسيحيين، مثلها مثل الدورة السنية. التماس بين هذه المناطق ارتدى شكلين، أو وجهين، الأول تماس المناطق الصافية، وهذه تمت فيها المواجهات بين المنطقة الصافية والأخرى الصافية أو المختلطة، كما جرت الأمور بين الثورة والأعظمية. بينما كان الوجه الآخر للتماس حين تتواجه مع نفسها، في المناطق ذات الاختلاط كما حدث في السيدية، والدورة، حيث كانت المواجهات تتم في داخل المدينة ذاتها، بين شارع وشارع، لتهجير السنة او ابادتهم، أو لتهجير الشيعة أو ابادتهم، بينما كان المسيحيون ضحايا للطرفين تقريبا. اذ هم لم يواجهوا أيا من القوى المتصارعة، لعدم امتلاكهم لميليشيات مسلحة، وكذلك لنسبتهم الصغيرة أمام المتصارعين الكبار.

فر المسيحيون من مناطق القتل التي اندلعت تدريجيا بين الطوائف بعد انهيار النظام في الحرب ودخول أكثر من مئتي الف جندي من مختلف الجنسيات الى العراق. رسا قسم منهم في قرى الموصل المسيحية وقصباتها، كتلكيف وشيخان وسنجار، أو اختاروا بعض مناطق اقليم كردستان للسكن مثل عينكاوة التي تبعد أقل من خمس كيلومترات عن مركز أربيل عاصمة الاقليم.

استطاع حزب البعث الذي استمر حكمه حوالي خمسا وثلاثين سنة، القضاء على كافة الأحزاب المناوئة له، ومنها الحزب الشيوعي، وحزب الدعوة، والاخوان المسلمين، وحركة القوميين العرب، والأحزاب الكردية. استفرد بالشعب ليصبح الحزب الوحيد المسموح له بالعمل، من زاخو شمالا وحتى البصرة جنوبا. ضربت الأطر المدنية، والنقابات، والاتحادات، والفاعليات الاجتماعية كلها، عدا المرتبطة بذلك الحزب. وبعد تآكل البعث خلال الحروب السابقة، والتصفيات الحزبية والعسكرية، والانتفاضة التي اعقبت هزيمة الجيش العراقي في حرب الكويت، والحصار الذي أكل العقد الأخير من القرن الماضي، لم يعد أمام عامة الناس، غير البعثيين، سوى الارتداد الى الدين، بشكله المذهبي المتطرف. صار هو الملاذ، وقفز على منظومة الحزب التي لم تعد توفر الحماية سوى لحلقة ضيقة من العائلة الحاكمة وأقربائها.

شهدت المحافظات الجنوبية حركة ارتدادية تبنت التعاليم الشيعية، عينها على المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق الذي نشأ في ايران، وفيلق بدر، وحزب الدعوة الاسلامية المغترب، وحركة محمد صادق الصدر في الداخل، وهي ما سميت لاحقا بالمرجعية الناطقة. فيما تنامت الاتجاهات الأصولية في المناطق السنية، وتداخلت مع طروحات حزب البعث، حتى تحول بعض منها الى حركات دراويش، كما حدث للطريقة النقشبندية التي تبناها نائب مجلس قيادة الثورة آنذاك عزة الدوري، وأصبحت تمارس نشاطها الأصولي علناً في الأنبار، والموصل، وديالى، وكركوك، وتكريت، فضلا عن بغداد وغيرها من المناطق. وكانت محكومة بالعداء الشديد للغرب، والتقوقع على المذهب السني، والولاء لعبدالله المؤمن، وكان حينذاك صدام حسين. وشكلت بيئة خصبة للقاعدة بعد سقوط النظام في عام ألفين وثلاثة. الجماهير المفرغة من الايديولوجيا كانت جاهزة لتقبل الأفكار المتطرفة مذهبيا، بعد أن دخلت القوات متعددة الجنسية وأجهزت على الدولة العراقية، وأطاحت بالمؤسسات الأمنية التي حلت بقرار رسمي من الحاكم المدني بول بريمر، مما جرد المجتمع تماما من أية مرجعية ضابطة لايقاعاته.

منظومة الدولة في مجتمع متخلف

منظومة الدولة، المستوردة من الحداثة الغربية، تبين لاحقا أنها أكثر تطورا من بنية المجتمع، التي تعود الى عهود التخلف العثماني، والظلام القروسطي بعد انتهاء الدولة العباسية. هي مؤسسة تجمع في بناها المختلفة، وعلى طاولة واحدة، جميع المكونات العراقية. ضمن قوانينها، وآلياتها البيروقراطية المتوارثة منذ عشرينات القرن العشرين، تزول الجدران بين الطوائف والأديان، لتصبح فكرة الوطن هي المثال الأعلى لمنتسبيها. في أيلول من العام ألفين وثلاثة، أي بعد خمسة أشهر من سقوط النظام، لم يكن من يتجول في شوارع بغداد يرى حتى شرطي مرور واحد ينظم السير. ولم يكن هناك من حضور سوى للجيش الأميركي الذي كان ينظم حركة الطرق، ويبيع البنزين، ويوزع الرواتب على الموظفين، ويدفع للمتعهدين لتنظيف قمامة بغداد، ويحل المشاكل اليومية للمواطنين، ويسيّر معظم شؤون الحياة في عاصمة تم نهبها على مرأى من خمسة مليارات انسان يعيشون على هذه الأرض. لا كهرباء، لا ماء، لا بنزين، لا محاكم، لا شرطة، لا جيش، وهذه حال مناطق مثل الأعظمية، والثورة، والشعلة، والدورة، والغزالية، وزيونة، والبياع، والسيدية، والصليخ، والشعب، والكمالية.

المدن المليونية التي لم تجد حولها أي أثر للدولة، وكل ما رأته هو جيش أجنبي يزرع شوارعها بالرصاص، والقناصين، والدبابات المتعددة الأغراض، دون أن يقدم بديلا ايديولوجيا، أو روحيا مقنعا لوجوده. هذه التربة المتفسخة انتجت لاحقا فطر الميليشيات، والعصابات، والارهاب المنفلت. وهي التي فجرت التناحرات التاريخية، والأسئلة المذهبية والدينية التي ظلت كامنة لقرون. وبعد انهيار الدولة لم يعد المجتمع يمتلك أية مرجعية تنظّم صفوفه، وتحل صراعاته، وتحافظ على وجوده المديني. قوة الاحتلال فقدت هذا الدور كونها، منذ اليوم الأول لدخولها بغداد، فتحت باب النهب والسلب على مصراعيه دون أن تحرك ساكنا. اعتقدت انها بذلك توفر فرصة للمواطن لكي ينهب مؤسسات الدولة ورموزها، ويزيح عدوانيته ونقمته عن الوجود الأجنبي الملتبس بين تحرير واحتلال، متناسية أن هذا الفعل سيقود لاحقا الى تفكيك المجتمع ذاته، بل وينمّي لدى الفرد مشاعر اللاانتماء، والعدمية، اذ ان الشعور السائد كان هو اختفاء مفهوم الوطن. البارادوكس المرعب هو أن مؤيدي النظام السابق اعتبروا أن العراق لم يعد وطنا، كونه خرج من سلطتهم. والمناوئون اعتبروا أن ذلك الوطن هو وطن صدام والبعثيين، لذلك شارك الجميع باستباحته. استبيح عبر تقويض الوزارات، والمؤسسات، وسرقة كيبلات الكهرباء ومحولاتها، ونهبت المخازن، وتناثرت السجلات والوثائق بين أجهزة محلية وأجنبية كي تقرأ تاريخ البلد كيفما تشاء. حزب البعث، والقائد الأوحد صدام حسين، ربطا مصير الدولة والوطن بشخصه، ومنظومة حزبه. وكانت الاستباحة شاملة. هنا بدأ مفهوم المجتمع في بغداد يتآكل هو الآخر، لكي يصبح مجتمعات متعددة، بولاءات طائفية ودينية، كل واحدة من تلك الشظايا تحاول تسيير شؤونها بنفسها عبر قواها الفاعلة ضمن حيز جغرافي مصغّر. في مدينة الثورة على سبيل المثال نما جيش المهدي واتسع ليفرض هيمنته على المدينة بقوة السلاح، وبالمال، والايديولوجيا الطائفية التي يحملها، والتي طرحها كي يكتسب شرعية أمام جمهوره. والايديولوجيا هي أنه قوة شيعية مسلحة تدافع عن الشيعة، وتحل مشاكلهم، اضافة الى خوض مقاومة عسكرية ضد قوة محتلة هي جيوش التحالف، وخاصة الجيش الأميركي.

كان جيش المهدي يدير توزيع الحصة التموينية، ويوزع البنزين، ويحل المشاكل بين السكان، ويوزع نقاط حراساته في كل شوارع مدينة الثورة، ويهيمن على المجالس البلدية في المنطقة، ويدرب عناصره على السلاح. حل محل أجهزة الدولة المنحلة، في مناطق نفوذه على الأقل. وتمددت مناطق نفوذه الى ساحات أخرى من بغداد كمدينة الحرية، والشعلة، وبغداد الجديدة، وغيرها. وهو، بسيطرته على هذه المناطق، خاض مواجهات عنيفة مع التنظيمات المسلحة التي انبثقت بعد سقوط النظام مثل جيش المجاهدين، وأنصار السنة، والقاعدة في بلاد الرافدين، وكتائب ثورة العشرين، وجيش عمر. وكلها فصائل سنية متطرفة في تدينها المفتعل، وفي محاربتها للميليشيات الشيعية. وفي الطريقة ذاتها رفعت القاعدة، والفصائل المسلحة القريبة منها، شعارا مشابها: حماية السنة، ومحاربة المحتل، وتنظيم شؤون الحياة في المناطق التي تسيطر عليها بغياب الدولة المنحلة. وبشكل عام كانت القوى الشيعية المسلحة تنظر الى هذه التنظيمات باعتبارها امتداداً لحزب البعث وبقايا النظام وأجهزته. بينما تنظر القوى السنية الى الميليشيات الشيعية باعتبارها موالية لايران، وللمحتل الأميركي، وتريد تحويل العراق الى محمية صفوية. وفي السنوات تلك راجت فكرة مرعبة للسنة، ودول الجوار، وهي أن هناك مخططا لتشييع بغداد. وهذا معناه تشريد السنة من مناطق سكنهم، أو تصفيتهم جماعيا. ولم تكن المواجهات تعتمد على طروحات فكرية أو مناظرات آيديولوجية، بل على مواجهات مسلحة للسيطرة على أكبر مساحة ممكنة من المناطق المختلطة طائفيا.

تكتيكات الفصائل المسلحة

بدأت المناطق الصافية الحرب مع نفسها، اذ نظفت بالقوة العناصر الغريبة على المجتمع الصغير ذاك. تنظيف الشيعة من المناطق السنية وتنظيف المناطق الشيعية من السنة، عبر الاغتيالات، والتهديدات التي كانت تتم عبر الرسائل أو بواسطة المنشورات. كل بيت يجد أمام بابه طلقة في مظروف على سبيل المثال تدعوه إلى أن يشد رحاله ويمضي الى مناطق طائفته. وهذا ما دعي في حينها بالتهجير، سواء داخل بغداد أو الى المحافظات الصافية الأخرى.

أما من يمتلك الدخل الكافي، ويرفض الدخول في لعبة التصفيات الطائفية، من المتنورين خاصة، فهاجر الى أقرب العواصم مثل سورية، والأردن، ومصر، والامارات، والبعض نحو أوروبا وأميركا. وفي كافة الأحوال انحسرت فاعلية القوى السياسية التي شكلت الحكومات الهزيلة المتعاقبة الى أدنى مستوى، سواء في بغداد أو المحافظات، مع فلتان أمني ضخم في المناطق المختلطة التي تتم فيها المواجهات يوميا، بين قوى التطرف الشيعي والسني، وبتورط أميركي مع الطرفين. وكان للميليشيات الشيعية نفوذ واسع في الأجهزة الأمنية كالشرطة والجيش، الأمر الذي جعل الميليشيات السنية تقف، لا بمواجهة الجيش الأميركي فقط، بل والأجهزة الحكومية أيضا. كثير من جرائم القتل، والاختطاف، في المناطق السنية، تمت بسيارات الشرطة والجيش. وظلت القوات الأميركية تتلقى الضربات من الجميع، وكانت الجثث مجهولة الهوية تلقى في الشوارع والمناطق النائية، ولم تسلم من ذلك لا المناطق الصافية ولا المختلطة، وهنا دخلت السيارات المفخخة لتحصد أرواح الشيعة في المناطق الصافية، ومن ثم بعد ذلك أرواح الجميع بعد التغيرات البنيوية التي حصلت في المشهد العراقي. لم يسلم بيت في بغداد، الا في ما ندر، من دفع ضريبة المواجهات اليومية. شباب، أطفال، نساء، شيوخ، حتى آمنت المدينة حقا أنها في غياهب نفق مظلم لا أحد يتكهن الى أي جهة يقود.

الطرق حول بغداد تحولت الى أفخاخ للمواطنين الشيعة. مثلث الموت الذي يشمل المحمودية، واللطيفية، واليوسفية، والصويرة، التي تمر بها طرق محافظات الجنوب، ومناطق العظيم التي تصعد الى كركوك واقليم كردستان، ثم الطريق الدولي عبر الرمادي الذي يربط العراق بسورية والاردن، كلها أصبحت مكائد موت على الهوية. خلال ذلك تحولت مدينة الحرية والشعلة الى منطقتين صافيتين للشيعة، ومثلها الثورة والشعب، وأصبحت الدورة أمارة اسلامية للقاعدة بعد أن صفي التواجد الشيعي والمسيحي، والغزالية سنية صافية، وصارت منطقة السيدية تعيش برعب، فيمكن للجميع أن يقتل الجميع كونها مختلطة بنسبة كبيرة. وكان الرديف للتصفيات اما جيش المهدي أو القاعدة. المواطنون العاديون أجبروا على الاصطفاف طائفيا مع مقاتليهم، فالحرب أصبحت على الهوية. في تلك الحقبة كان البعض من السكان يمتلك أكثر من هوية أحوال مدنية مزورة كي يعرضها على أي حاجز وهمي في الطريق. أما من يخطئ بابراز الهوية المناسبة فمصيره الموت. الاسم وحده سبب كاف للقتل. عمر في مدينة الثورة يقتل، وعبد الزهرة على طريق الرمادي الأردن يقطّع ويرمى على الرصيف. لذلك كانت الهويات المزورة تلك عادة ما تستخدم أسماء وهمية، محايدة، لا يمكن نسبتها الى هذا المذهب أو ذاك، هذا الدين أو غيره. والقاتل هو القاتل، حسب القاعدة الانسانية المتوارثة، وليس هناك قتل مشروع وآخر غير مشروع، اذ استدار القتلة من الطرفين، وبشهية الضباع، ليلتهموا أبناء جلدتهم، ومذهبهم، ليصبحوا أخيرا قتلة محترفين، ومتسيدين على اتباعهم، فارضين سطوتهم على الناس في المأكل، والمشرب، والحديث، والسلوك. حجّبت النساء، وحوربت الموسيقى، وقتل الحلاقون، ومنعت الخمور والسينمات، وحوربت الأفكار غير الطائفية، ومنعت الصحف عدا التي ترضى عنها الجماعات تلك، وأغلقت المعامل والشركات والمطاعم الا تلك التي تدفع جزية لأمراء القتل. وشرعت الصورة تزداد قتامة في بغداد يوما بعد آخر. وكان الخطر يمتد الى العراق كله، وصارت خطى الحرب الأهلية تطرق بقوة، مع تصاعد الهجمات بالسيارات المفخخة على الأسواق الشعبية، والمدنيين في المناطق الشيعية الصافية. تمددت الميليشيات لتبتلع القوى السياسية المعتدلة، وتبدأ بتهديد المرجعيات الدينية، وشيوخ العشائر، والأكاديميين، والمؤسسات المدنية كالمستشفيات والمدارس والدوائر الحكومية، والجامعات، تمهيدا لتمزيق آخر الخيوط التي تصنع مجتمعا مدينيا، فرح ذات يوم بانزياح غيمة البعث وعائلة الرئيس. ولم ينج من هذا التوسع المدجج بالقتل والسلاح لا الشيعة ولا السنة، لا مؤيدو النظام السابق ولا المعارضون، فسكين الموت راحت تحصد الكل. والوطن برمته صار ساحة للمواجهة. وهنا دق ناقوس خطر ضخم انتبه له الجميع فجأة.

الخرائب تبتكر حلا

أول المتنبهين للانهيار الشامل القواتُ الأميركية التي تكبدت ضحايا مؤلمة خلال الأربع سنوات المنصرمة. أدرك الأميركيون أن ثمة تخطيطا يمشي بالاتجاه الخطأ. وينبغي اعادة النظر بكل الاستراتيجيات السابقة التي جاءوا بها. وهذا ما حصل أيضا لمعظم القوى السياسية التي تطمح الى بناء دولة تخلف دولة البعث، وتبرر تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، التحالف الذي قاد الى اسقاط النظام. الميليشيات الشيعية بالغت بردة الفعل تجاه ما يجري، كونها استهدفت بعض الأحيان مدنيين من مناطق سنية صافية كالأعظمية، والفضل، والصليخ، وذلك ردا على هجمات القاعدة بالسيارات المفخخة والأحزمة الناسفة في مدينة الثورة والشعب والكاظمية والشعلة. وهذا ما تنبه اليه المرجع الديني السيد السيستاني بعد تفجير مرقد الامامين العسكريين. بحكمته فهم أن المعركة لم تكن مع السنة بل مع الارهابيين، فثمة ادانة كبيرة من قبل السنة للهجمات الارهابية تلك. وكان هذا مفتتحاً لنزع الغطاء الشرعي عن جيش المهدي والميليشيات الأخرى. وعلى الجانب الآخر اقتنع رجال دين سنة كثر الى اللعبة الطائفية تلك، وأصدروا فتاوى تحرم قتل الشيعة، وتدعو الى التوافق والمحبة بين مكونات المجتمع، ورفض الفكر التكفيري الذي جلبته القاعدة في المناطق السنية وقاد الى تصفيات كثيرة للقيادات السنية ذاتها، بمن فيهم شيوخ عشائر، وأكاديميون، وساسة دعوا الى تجنيب البلد نار حرب أهلية تسارعت خطاها، وشايعوا الدستور والعملية السياسية.

بدأت هناك مؤتمرات مصالحة، وصلوات جماعية في جوامع وحسينيات، ولقاءات سياسية، ووفود شعبية بين المناطق المختلطة والصافية، ساعد في نجاحها عوامل عدة. من ذلك وجود عشائر عراقية مختلطة سنية وشيعية، مثل العيساويين والتميميين، والعلوانيين، والجبور، وشمر، وغيرهم، انتبهوا الى حقيقة أنهم يذبحون بعضهم بعضا دون أن يعوا. تنامي أجهزة الدولة من شرطة وجيش ومخابرات بدأت تنظف بيئتها من الميليشيات، مما أوجد جهات محايدة نسبيا في الصراع بين نقاط التماس... أخذت الثقة تنمو قليلا قليلا في المناطق السنية او المختلطة بتلك العناصر. المصاهرات الواسعة بين العوائل في المجتمع البغدادي، اذ نادرا ما كانت هناك عائلات صافية، كانت فرامل خفيفة لإبطاء السقوط في الهاوية. انقلاب التفكير الاستراتيجي الأميركي الذي اعتمد في بداية دخول قوات التحالف على الفصائل الشيعية كونها حليفة ما قبل الحرب، وكونها أيضا لم تقف على عداء مع وجوده. ونتيجة للتغلغل الايراني المحسوس، والمبالغة في العنف ضد السكان عبر بعض الميليشيات، ابتكرت القوات الأميركية فكرة جديدة الا وهي التفاوض مع بعض القوى السنية المسلحة التي تختلف مع القاعدة، ويهمها مصير العراق، والوقوف في وجه النفوذ الايراني. وهكذا استطاعت التفاوض مع جيش المجاهدين، وأنصار السنة، وكتائب ثورة العشرين، وشيوخ العشائر في المناطق السنية، والقوى السياسية، والضباط القدامى، لتبتكر فكرة الصحوات، وكانت ابتدأت بصحوة الأنبار التي غيرت المعادلة جذريا في الواقع العراقي.

في غضون ألفين وسبعة وجهت تلك القوى، وبدعم من الجيش الأميركي، ضربة قاصمة لتنظيم القاعدة، في أغلب المناطق الغربية من العراق، ليمتد التأثير الى العاصمة ذاتها، فأنشئ في كل منطقة سنية كيان للصحوات، تكفّل بتصفية التنظيمات التكفيرية من جذورها، خاصة وأن المجاميع المسلحة تلك تعرف بعضها بعضا بما في ذلك عناصر القاعدة، ودولة العراق الاسلامية كما سميت لاحقا. وكان هناك تنسيق واضح بين الصحوات، والقوات الأميركية، وقوى الأمن العراقية، بمباركة القوى السياسية أجمع، سنية وشيعية وكردية. هذا على صعيد الميليشيات السنية، لكن جيش المهدي ظل على قوته، يسيطر على المناطق الشيعية الصافية، ومنها معاقله الرئيسية في مدينة الثورة، والشعلة، والحرية.

ضرب القاعدة في المناطق السنية سحب البساط من تحت اقدام ميليشيا جيش المهدي، خاصة ورقته التي يقول فيها إنه يدافع عن الشيعة ضد التكفيريين والقاعدة. وفي الوقت ذاته طرح رئيس الوزراء نوري المالكي وحزبه، في خطوة متقدمة، فكرة دولة القانون، حيث السلاح ينبغي أن يكون في يد الدولة فقط. الدولة هي التي يفترض أن تحمي مواطنيها، ولا فرق بين المواطنين مهما اختلفت طوائفهم وأديانهم. هذه الرؤية وافق عليها الجميع تقريبا، صاحبها مشروع المصالحة الوطنية مع من لم تتلطخ يداه بدم العراقيين، خاصة البعثيين، والضباط الكبار، والمؤيدين السابقين لحزب البعث. وهنا كان الجو مهيئا لضرب الطرف الآخر في المعادلة، معادلة العنف الطائفي التي ولدت ثم ترعرعت في نهاية الفين وخمسة مع تفجير المرقدين العسكريين في سامراء، أي ميليشيا جيش المهدي. خلال المتغيرات تلك، وتصاعد الهجمات بالسيارات المفخخة، والتحضير لضرب جيش المهدي في البصرة، والديوانية، والكوت، وبغداد، تفتق ذهن القوات الأميركية عن فكرة المنعزلات للسيطرة على الأماكن المكتظة بالسكان، مناطق التماس الطائفية، ومناطق الاختلاط كذلك. سيطرة مطلقة على كل من يدخل ويخرج من تلك الأماكن. وهكذا أحاطت مدينة الثورة بسياج كونكريتي يرتفع حوالى ثلاثة امتار، من البلوك المسلح الجاهز، وكذلك الدورة والأعظمية والسيدية والحرية والغزالية وأحياء أخرى، ولم تترك سوى منفذ أو منفذين تسيطر عليها نقاط تفتيش تواجد فيها في البداية الجيش الاميركي، ثم لاحقا بعد توقيع الاتفاقية الأمنية، والانسحاب من المدن، الجيش العراقي والشرطة المحلية بالاشتراك مع افراد الصحوات أحيانا.

لم تعد الميليشيات حرة الحركة في الدخول والخروج للتصفيات الطائفية. كما أصبح عسيرا اخراج الأحزمة الناسفة والعبوات المتفجرة، وانخفضت الى حد كبير عمليات الاختطاف التي كانت تتم بوضع المختطف في الشنطة الخلفية للسيارة. الحفاظ على وحدة بغداد صار بتقطيع أوصالها، عكس مجرى تاريخها الذي اعتادت عليه، اي عبر التزاوج، والتلاقح، والاختلاط. بذلك انخفض العنف في المناطق المختلطة، وساد المناطق الصافية طائفيا هدوء معقول، في ذات الوقت الذي تمتن فيه جسد الدولة الجديدة، وتعمقت التفاهمات السياسية بين الأطراف كلها. التفاهمات أدت لاحقا الى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، عبر مفهوم الديمقراطية التوافقية الذي يفسح المجال واسعا لمشاركة الأطراف كافة. منعزلات بغداد يراها المرء بنفور اليوم، ويرفضها المواطنون كلهم تقريبا، الا انها كانت حلا مؤقتا لوقت استثنائي يتطلب السيطرة على الأرض. ويتفاءل الجميع بزوالها في أوقات قريبة، كون المجتمع بدأ، قليلا قليلا، يستعيد مفهومه المديني، بعد رفض القوى السياسية، حتى المتطرفة منها، للمحاصصة الطائفية في الحكم، أو تقسيم العراق الى فئات ثلاث هي الشيعة، والسنة، والأكراد.

المرحلة السابقة تسببت بجروح غائرة في الروح العراقية، ولم تعد فكرة المنعزلات مقنعة لأي شخص، خاصة وأن البغداديين اليوم يمكنهم الدخول والخروج الى أي من المنعزلات تلك دون أن يسألهم أحد عن انتماءاتهم الطائفية والدينية. فقبضة القوى الأمنية محكمة في هذا الجانب، وهذا ما يؤمن به الجميع. تجربة بغداد أكدت بما لا يقبل الشك حقيقة أن مجتمعاتنا الشرقية ما زالت خارج مفهوم الحداثة، والدولة منظومة متقدمة على نسيج تلك المجتمعات، وأن أي ازاحة للدولة، سواء كانت دولة يقودها حزب واحد أو مجموعة أحزاب، سواء كان الحكم ديمقراطيا أو ديكتاتوريا، ستنتج كوارث انسانية لا حصر لها. إزالة الدولة يقود الى الحرب الأهلية، هذه البديهية كانت على ما يبدو إما غائبة عن التخطيط الأميركي، قبل اسقاط النظام، أو أنها نظرت الى الواقع العراقي بتبسيط هائل. وكلا الإفتراضين أوصلا الوضع في العراق الى ما كان عليه. لكن الأكيد من كل ذلك أن المواجهات التي حصلت في بغداد، رغم أنها عنيفة، وذات مستويات متعددة، الا انها لم تحل الأسئلة التاريخية المتوارثة بين الطوائف والأديان. صحيح أن الجميع تقيأ ما بجعبته من مثالب، وحجج، ومكبوتات تاريخية تجاه الآخر، غير أن فكرة تحطيم الدولة، مهما كانت صفتها، أصبحت مرفوضة وينظر لها الشعب بريبة.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬