هدى بركات

البحيرة التي قبالة سكني هنا أصبحت متجمّدة تماما. إنها تشبه صحنا جليديا كبيرا، ما عدا بقعة صغيرة تترقرق فيها المياه دائما.

منذ وصولي إلى هنا وأنا ألتصق ساعات بجدار واحد في بيتي الجديد الجميل لأطيل النظر من شباكي العريض إلى هذه البحيرة التي تتوسّط غابة كثيفة ولا يفصلني عنها سوى الطريق وشريط من الأشجار الباسقة. وصلت في بداية الخريف. وصارت نافذتي تشدّني إليها باستمرار وبشيء من اللهفة. اعتقدت في البداية أنها الوحشة، والشعور بالغربة المضاعفة. فها أنا أترك موطني الباريسي بعد إلفة صنعتها السنوات الطويلة صناعة، واستقرّ عليها وجود الأولاد بقربي، وبعض الأصدقاء، ومعرفتي بالدّكاكين والأحياء، وتدجين بيتي بأغراض جمّعتها... وها أنذا أجد نفسي، مرة أخرى، في بلاد لا أعرف لغتها ولا الشيفرة الخاصّة بها، ولا إلى أيّ مستوى من مستويات العيش اليومي انتمت هذه الشيفرة...

لكنّ الأمر لم يكن كذلك... إذ ومع مرور الوقت تبيّن لي أنّي لم يسبق أن أقمت في بذخ مكان تحضنه الطبيعة وتحتضنه الى هذا الحدّ. أعني الحدّ الذي تتداخل فيه الحياة ببرهاتها اليوميّة مع العناصر الطبيعيّه فتتشكّل بها ومعها.

ففي الخريف كنت أمام مشهد، أمام مشاهد الأشجار المتغيّرة في ألوانها وكثافتها في كلّ لحظة. إختلاف الألوان في تدرّجات لامتناهية كان يلعب ويتذبذب خلال ساعات النهار وفي الفجر يكون لوحة جديدة بالكامل... وهو ليس بالمنظر الخارجي بحيث تستطيع تجاهله، إذ أنه يبدّل الإنارة داخل غرف البيت. وحين يستمرّ تساقط الأوراق على مدى أسابيع طوال فهو سيعدّل يومياً في تلقّي الضوء المرسل من السماء بحيث يخفّف من اكفهرارها المتزايد والمتقدّم باطراد صوب القتامة الشتائية... كلّما تساقطت الأوراق رفعت السماءُ وطأة قبّتها الرماديّة على الغرف والبيوت. هذا بمعزل عن ضوء الشمس المضطرب والذي، بفعل الغيوم، لا يهدأ له مقام.

لكنّ الأوراق ذهبت مع ذهاب الخريف، وتركت الأغصان عارية فانقشعت أبعاد متتالية خلف نافذتي. وحين حلّ الشتاء الثقيل والقاتم عاجله الثلج ليعالجه ببياض باهر أضاء برلين، وهو سيستمرّ في ذلك الى أن تستقرّ دورة النهار على شمس أطول إقامة، فيدفع الضوءُ سواد الليل دفعات متتالية الى نهايات بعد الظهر وصولا الى المساء...

أستطيع الآن أن أطلّ مباشرة على البحيرة وأتفرّج قدر ما أشاء، وأتسلّى بمتابعة الحياة التي تعجّ على سطحها بعد أن تجمّد ماؤها بالكامل، ما عدا البقعة الصغيرة العجيبة. أناس يتزلّجون أو يتزحلقون بثياب ملوّنة، وأطفال وأولاد مع كلابهم وعرباتهم الخشبية تجرّها الحبال بأيدي الآباء، وعشّاق يتمشّون على مهل ويتعانقون. فهنا يعرف الناس تماما كيف يقدّرون سماكة القشرة الجليدية التي كست الماء. أما أنا فأصير ألفّ الشال الصوفي على رأسي رغم الحرارة المنبعثة من المدافئ الكهربائية الكثيرة، ولمجرّد النظر الى الجليد، ورغم ما يبدو عليه ناس اللعب والنزهة من اطمئنان ولهو وسلاسة في الحركة... واثقة أخلص أنا، بعد حوار سريع مع النفس، إلى أني لا ولن تطأ قدمي سطح البحيرة أبدا، إذ مهما كانت المعطيات المنطقية، وحتّى العلميّة، فأنا بالذات سينكسر الجليد حالما أدوسه، وسأقع في اللّجج الثلجية وأموت فورا. ثم أردّد في نفسي: ألعوذ بالله...

كنت أعتقد ، قبل مجيئي الى هنا، وبقدر محترم من الاعتداد والفخر، أنّي، نسبة لأصدقائي اللبنانيين، ملكة الثلج. ملكة الثلج بلا منازع. أسترسل بطلاقة في الكلام عن الأمتار العديدة التي تتربّع فوقها قريتي الشاهقة في علوّها عن سطح البحر... كأنّني أنا نفسي من رفعها الى فوق. ورغم أني ولدت وعشت في بيروت، ولم «أطلع» الى «فوق» سوى في شهور الصيف وبعد أن تجاوزت سني الطفولة المؤثّرة، إلا أني كنت أستعين بمنجزات أنتقيها من عناوين الاختصاص في العلوم الحديثة لأسهب، تجاه أيّ تشكيك وقبل أن يلوح في الأفق، في شرح موروثي الجيني من ثقافة الثلج ومن قَدَريّة انتمائي الذي لا نقاش فيه - بما أنه علم - الى حضارة البرد. أخترع لنفسي ميزات ريفية من نوع خاص كأنّ لا علاقة له بأرياف الآخرين الآتين من مرتفعات متواضعة، وأحيانا صراحة من السواحل... حتى أني ارتحت الى اعتماد هذا الموروث الجيني في تفسير عذابي من الحرّ حين احتار في تعليله الطبيبُ الإختصاصي... وهكذا صرت «أعاني» من وحشة سوء الفهم حين يلومني الأصدقاء «السواحليون» على اعتصامي بالجبال هربا من قيظ بيروت فتفوتني اللقاءات، وأنا مشتاقة إليها وإليهم...

كنت، رغم المبالغة في الاعتداد، وقبل مجيئي الى هذا الثلج، أعتقد بالفعل أني أحبّ عالم الثلج بالقدر الذي يؤهلني لفهمه غريزيا والتواصل معه. لكن وقوفي الطويل والمتكرّر وراء نافذتي كان درسا، ومراجعة قاسية لمكتسباتي اللبنانية. ومنها درس البحيرة، وتحديدا تلك البقعة المائية نصف الدائرية التي تبقى سائلة رقراقة غير متأثّرة بالصقيع العام وقد لامس الزئبق العشرين تحت الصفر. وفي طريقي من مسكني الى حيث الأنشطة في المقرّ الذي يبعد نحو خمسمئة متر، أنسى خوفي من أن يتجمّد دماغي داخل جمجمتي لأنظر مدهوشة أيضا وأيضا، بل أكثر فأكثر، الى ما بات يستحوذ على تفكيري من لغز هذه البحيرة. ذلك بعد أن استنفدتُ الأمر درسا وتمحيصا، إذ على الجانب الآخر من الطريق، التي تشكّل جسرا بين البحيرة والمجرى المائي الذي «يصبّ» فيها، تجمّدت مياه هذا المجرى أيضا وتماما...

إذن...؟

ثمّ سرعان ما ينتهي بي الأمر، أو البرد، الى رمي ما حملته من خبز الى عائلة البطّ التي أخمّن سعيدةً بأنها باتت تعرفني فتركض وتطير الى جانب الطريق، وأروح أعدّها لأرى إن كان نجح الثعلب الذي يراود هذه النواحي ليلا في افتراس إحداها.

وكعادة كلّ الغرباء لم أكن أجرؤ على طرح السؤال على أهل البلاد مخافة أن يكون سؤالا غبيا يشي بتخلّف ما... حتى تعرّفتُ إلى من صاروا أصدقاء لي هنا من العرب المهاجرين.

قال حسين، الأقدم إقامة هنا من يوسف وحياة ودريد وأمينة بل كلّ الآخرين، والذي يحبّ الشرح والنزهات وترجمة الكلمات الألمانية الكثيرة الاستعمال، قال لي إن الأمر كالتالي: تعمد الدولة الألمانية، وكعادتها كلّ شتاء حين يشتدّ البرد، الى صيانة إمدادات تدفئة مجاري المياه التي تغذّي البيوت، تماما كتلك التي تبقي - عبر قساطل ممدودة تحت الأرض - جانبا من مياه البحيرات دافئة لا تتجمّد من أجل الطيور، مثل البطّ، وحتى لا تموت جوعا وبردا... ويكون هذا الجانب عموما لجهة الطريق حتى يسهل على المارّة رمي الخبز وما شابه.

***

فرحتي الكبيرة بفكّ لغز البحيرة لم تدم في الحقيقة طويلا.

كنت توهّمت أني عثرت على امتياز الموضوع المثير، ولفترة طويلة، وسأستعمله في درء الأسئلة عن امتحان «الربيع العربي» والالتفاف عليها... ولو إلى حين.

فالزملاء الذين ألتقيهم يوميا تقريبا تبعا للبرنامج التنظيمي للمؤسّسة المُضيفة، يتميّزون بلطافة وتهذيب عاليين، يدفعان إلى مؤانسة من يلتقون في الممرّات أو على مائدة الطعام، وإلى سؤاله عن أحوال البلاد التي ينتمي إليها، بغية التعبير عن الاهتمام والرغبة في التواصل الإنساني... إلاّ أنّ أساتذة مجتمعنا الصغير هذا الذي هو أشبه بسينودس من الأدمغة المنتقاة عالميا لمستواها الراقي في مجالات البحوث، يجدون دائما مواضيع أبحاث مشتركة، أو أجواء أكاديميّة ما، يتحادثون فيها وحولها مهما اختلف توزّعنا على الطاولات والموائد. إلاّ أنا! فأنا لست باحثة، وأنا عربية. وحالما «أطلع» بوجه أحد، أو يطلع كرسيي بجانب كرسي أحد، تطالعني الابتسامة العريضة المتودّدة إيّاها، يليها السؤال: وماذا عن أخبار هذا الربيع العربي... الجميل، وماذا تتوقعين من... في إطار ما...

لهؤلاء لا تكفي الأجوبة غير المفنّدة، التي لا تعتمد منهجيّة حازمة، أو تتكئ الى ديالكتيك صارم، لتنتهي بالتوقّعات والاحتمالات المبنيّة على مختلف الظروف التاريخيّة منها والموضوعيّة، والـ...هكذا يتكلّمون، هم، مهما كان الموضوع بسيطا...

لم ينفع حلّ لغز البحيرة، الذي لم يحصد سوى ابتسامات باهتة، كما كانت فعلت آخرُ أخبار المعارض أو زيارات آخر قطع الجدار أو ذاكرة الروائيين الألمان المثقلة بـ... لم ينجح إلاّ في تأجيل السؤال القَدَري لما بعد السَلَطة... بما أنني خبيرهم الوحيد، هم الخبراء في اختصاصاتهم...

ثم، حاولت السّماح لنفسي بأجوبة على شيء من الأريحيّة، أو المزاجيّة، أو تلك اللّاعبة على حدود الجدّ، مستفيدة من كوني «الفنّانة» الوحيدة هنا. لكنّ هذا أيضا لم ينفع. وصرت أفكّر أحيانا أنّهم لما فيهم من جديّة، ربما لم يفهموا مزاحي... بل إن الشعوب العظيمة لا تضيّع وقتا ثمينا بالهذر والمزاح، ولا بالتناول الخفيف للشؤون المصيريّة، فأشعر بالخجل الذي يزيد من ارتباكي تجاه مسؤوليتي في ما يخصّ الربيع العربي... إلى أن جاء يوم اقترح عليّ فيه مدير المؤسسة أن نبرمج محاضرة، أو لقاء، أتحدّث أنا فيه عن «مآلات الثورات العربيّة»...

***

يخطر لي، حين ألتقي أصدقائي العرب هنا، وهم من فلسطين والعراق وسوريا ومصر، أنّ زملائي في المؤسّسة لو رأونا هكذا مجتمعين، سوف يعتقدون أننا نتحدّث ونتناقش حول موضوعنا الأهمّ، وربما الوحيد، أي ذلك... الربيع العربي. ولن يخطر لهم كم نحن متّفقون على قلقنا وعلى ضياعنا في متاهات ما يجري هناك، وكم أن إلفتنا تشبه رأفة واحدنا بالآخر، تلك الرأفة التي بعد السؤال عن الأهل، والتساؤلات السريعة حول «الأوضاع»، تتجنّب إرباك الجلسة بكلام الجهّال أو المتشائمين الذي لا نعرف تصريفا له هنا، لأننا لا نعرف ارتدادات موضوعه ولا مجريات أو مؤدّى أو مآل أو مصير ما يحدث «هناك»، فلا يُثقل واحدنا على الآخر بما يُثقله الأجنبي علينا. ويجعلنا تواضعُ ما نعرف بعيدين عن المواقف التي تثير الجدل أو النقاش. أم أنّ تلك الرأفة هي في الحقيقة ابتعاد وإخفاء متعمّد لما قد يفرّقنا عن بعض؟

على أيّ حال لن يخطر في بال أحد من زملائي الأجانب ما نتكلّم فيه حين نجتمع أنا وأصدقائي العرب هنا، كأنْ نقارن بين أسعار المخازن التركيّة التي نشتري منها أغراضا تصلح لطبخنا العربي، أو كأنْ نستدلّ على الوسائل الأنجح في إجراءات الضمان الطبّي الخاصّة بالغرباء، أو كأنْ نتّفق إلى من ترجع مسؤوليّة تزويدي بعربة جرّ الأغراض من المتاجر البعيدة...

وقد يحتدم النقاش قليلا حول المرجعيّة الأفضل عربيا لطبخ شوربة العدس، وقد يصل التشكيك العميق باعتذاري عن الكبّة النيّة لظروف موضوعيّة قاهرة إلى حدّ الإحتجاج العلني... وحين يغادرون أعود الى الشباك العريض و تبدو البطّات، وهنّ تبرعطن بالماء، تنعمن فعلا بدفء بيتهنّ من عرض البحيرة...

لكن يبقى السؤال هو نفسه عالقا: بمَ سأجيب غدا في موضوع... الربيع العربي؟!

 




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬