محمد أبي سمرا

[1]
بصعوبة وبطءٍ وعسر بدأت الانتفاضة في سوريا. ارهاصاتها الاولى غير المباشرة، بدأت بصرخات شبان ورجال تجمهروا في احد اسواق دمشق، وهتفوا «الشعب السوري ما بينهان»، رداً منهم على رجل امن او شرطي قام بضرب شاب ضرباً مبرحاً، جرياً على عادة عرفية، لأي من الاسباب واتفهها، في «سوريا الاسد». الجديد والمفاجئ في الحادثة التي وقعت بعد ايام من انتصار الثورة المصرية في 11 شباط 2011، ان جمهرة الشبان والرجال الذين نجدوا الشاب المعتدى عليه، استطاعوا جبه رجال الامن وآمرهم الضابط، ومنعهم من اعتقاله ورميه في سيارتهم، كالعادة السائدة في مثل هذه الحالات. الانتفاضات العربية الزاحفة ضاعفت دلالة الحادثة وابرزتها، فتناقلت الخبر عنها وسائل اعلام اوروبية وعربية، بعد أخبار عن دعوات كثيرة فاشلة للتظاهر في دمشق، وجّهت عبر الفايسبوك بالتزامن مع دعوات جزائرية مماثلة، لم تستقطب سوى عدد ضئيل من المتظاهرين في احدى ساحات الجزائر العاصمة.

الوقفات والتظاهرات الاحتجاجية الاولى، وتلك الداعمة لثورات «الربيع العربي» بدأت في دمشق، ودعا اليها وشارك فيها ناشطون وكتّاب وصحافيون وفنانون من الجنسين، ومن بقايا ما سمي «ربيع دمشق» الصغير الذابل في 2000. لكن هذه البداية لم تكن مشجعة ولا باعثة على الامل، بل على شعور بالعسر، على ما اشارت فدوى سليمان التي شاركت في بعض تلك الوقفات والتظاهرات الدمشقية.

بعد لهو اطفال درعا بكلمات «الربيع العربي» واعتقالهم وتعذيبهم، وخروج اهاليها الى الشوارع متظاهرين محتجين، وسقوط بعضهم جرحى وقتلى برصاص رجال الامن، وتكرار المَقاتل يومياً في المدينة، فإن ما حدث في درعا كان ما ادى الى تكوّن جسم او بؤرة اجتماعية اهلية ومحلية متجددة في سوريا، وادى تالياً الى تكوّن بؤر اخرى مماثلة في مدن وبلدات وارياف سورية خرج اهلها متظاهرين محتجين وهاتفين «يا درعا حنّا [نحن] معاكِ للموت».

تكرار المقاتل يوميا في هذه البؤر المنتفضة، أحيى في ذكريات السوريين وروعهم المقتلة الأسدية الكبرى في حماة وسواها من مقاتل صغرى او جزئية تناسلت في الديار السورية ما بين 1979 و1985. لكن هذه المقاتل لم تكن منسية أو مندملة، بل حاضرة حضوراً راعفاً ومروعاً في ذاكرة السوريين الجمعية، حتى في ذاكرة الأجيال الشابة التي ولدت ما بعد 1982. فما فعله حافظ الاسد واخوه رفعت ورهطهما الامني والعسكري في حماه، رُفع امثولة – معلماً في تاريخ سوريا البعثية التي نصب الاسد الاب تماثيله وصوره الصنمية الضخمة في شوارعها وساحاتها العامة. هذا يفسر من أي عمق هتف الشعب السوري المنتفض على جمهورية الطغيان والصمت الاسديين، صارخاً تلك الصرخة التوراتية «يلعن روحك يا حافظ» التي تبدو صرخة «الربيع العربي» المشتركة والعامة «الشعب يريد اسقاط النظام»، أهزوجة اطفال مقارنة بها. فسوريا العميقة، المشتتة والمتباعدة جغرافياً على الاقل، بدأت غالبية جماعاتها تعثر على صورتها ووحدتها في هذه اللعنة، بعدما عثرت، في سياق «الربيع العربي» على بؤر عميقة لانتفاضتها في الاجسام الاهلية الداخلية المتناثرة والمحتلة امنياً، والمستغرقة في عزلاتها الصامتة الكئيبة.

في هذا المعنى صنعت الديار السورية المتباعدة انتفاضاتها بطيئا بطيئا وتدريجا، على خلاف الانتفاضة الثورية المصرية العاصفة التي أخرجت الملايين من الشعب المصري دفعة واحدة تقريباً الى الشوارع والساحات ابتداء من «جمعة الغضب» في 28 كانون الثاني 2011، وحتى اخراج الرئيس حسني مبارك من سدة الرئاسة بعد ايام مشهودة متسارعة لا يتجاوز عددها العشرين.

***

كنت أوقّع كتابي الشعري الاول في «معرض بيروت للكتاب العربي والدولي» في كانون الأول 2011، حين اقتربت مني شابة قائلة أن أوقّع لها نسختين من الكتاب، واحدة باسمها وأخرى باسم فدوى سليمان. للحظة لم أصدق ما سمعت، فانتصبت عن الكرسي، كأنني أصحو من منام في غرفتي، وأمامي فدوى سليمان نفسها، قائلاً لها في ذهول: من أين أتيت؟ من دمشق، وأنا شاميّة، قالت الشابة، فيما ظلال ضبابية من ملامح وجه فدوى سليمان بشعرها الصبياني القصير في مشهد ظهورها في البياضة، تتراءى لي في وجه الشابة الواقفة امامي بشعرها الاسود الطويل، وهي تقول انها تزور بيروت ليومين او ثلاثة في مناسبة المعرض، واستوقفها عنوان كتابي فاشترت منه نسختين، تريد اهداء احداهما لصديقتها فدوى سليمان. اين هي؟ هل ترينها؟ سألتها، فيما يدي، بل روحي، ترتجف على صفحة الكتاب الأولى البيضاء، وأنا أكتب عليها اسمها، كأنني للمرة الأولى امسك قلماً واكتب، بينما الكلمات تتدافع في ذهني هاربة بلا توقف، فلا اقوى على التقاط كلمة واحدة منها لتدوينها.

حين لاحظت الشابة حيرتي واضطرابي، قالت إنها لم ترَ فدوى منذ حملة تشجير الشوارع في دوما، التي قام بها مع شبانها ناشطون وناشطات جاؤوا من دمشق في بدايات الانتفاضة، فوزعوا في اثناء حملة التشجير وروداً على رجال الأمن والجيش. لكن الشابة اضافت مستدركة: بلى، بلى رأيتها قبل ايام في المشاهد المصورة لظهورها الأخير في تظاهرة البياضة. ما إن لفظت الشابة اسم هذه الحارة، حتى قلت لها انني من الحارة المجاورة لها، الخالدية، التي انتبهت الى أنني للمرة الأولى ألفظ اسمها تلقائياً وبلا تردد ولا خجل، والى أن الشابة الواقفة امامي أخذها، مثلي، شعور بذهول المصادفات الغريبة.

ما كان لمثل هذه المصادفات من معنى قبل الثورة السورية – فكرت. فقبلها كل شيء في سوريا كان غارقاً في المحو والعدم، حتى اسماء الاشخاص والأماكن والحوادث. فجأة اخذني شعور بالخوف، عندما قالت الشابة إنها ستغادر غداً صباحاً الى دمشق. فكرتُ أنها ستختفي مع المختفين، مثل الشاب عبد الباسط الساروت الذي شاهدته في شريط ظهور فدوى سليمان، يقف الى جانبها في ساحة الخالدية، مردداً هتافاته في تلك التظاهرة المسائية. أعلم أن عائلة الساروت من أصول بدوية، قبل وفادتها الى حي البياضة الحمصي، وتوطنها فيه، حيث منزل أهل عبد الباسط الذي حاول رجل من فرق القتل اغتياله، بعد ظهوره الى جانب فدوى سليمان. هكذا فر من بيت أهله ليبيت في غرفة منعزلة من بيت لا يعلم من هم أهله قبل دخوله اليه. طويلة ليالي المختفين، ومثلي في غرفتي لا يحلُّ في حواسهم وأوصالهم خدرُ الغفوة، قبيل الفجر. حين يفيقون لا يفكرون في أي من الغرف الغريبة والمجهولة حيث سيبيتون ليلتهم التالية. فدوى سليمان في معطفها الشتوي وشعرها الصبياني، بدت لي في شريط ساحة البياضة أصغر من عمرها، كأنها طالعة من أفلام سينمائية قديمة بالأسود والأبيض عن مناضلات ضد الفاشية في بلدان أوروبية أو اميركية لاتينية، ولا أذكر متى وأين شاهدتها. بعدما قرأتُ ما كتبته عن نفورها من أن تُغدقَ عليها هالات النجومية التي صنعها اختفاؤها وظهوراتها المفاجئة، ورفضها أن تتحول «رمزاً» للثورة، لأنها «علوية» وممثلة معروفة، تساءلت إن كانت حقاً قد عشقت اختفاءها وقوة الحضور المضاعف لذلك الاختفاء؟

والموت المروّع الذي يموته المتظاهرون السوريون في كل يوم، هل يجعله قابلاً للاحتمال، بل ساحراً، يقين المقبلين على التظاهر بأن قوة حضورهم في الشوارع والساحات، وقوة صورهم المتقشفة وهم يتظاهرون، وكذلك قوة صور جنازاتهم، هي ما يمكن أن تحررهم وتحرر سوريا من الاختفاء الذي أراده لها ولهم السلطان الأسدي المؤبد؟

في غرفتي، بعد أمسية توقيع كتابي الشعري، كان طيف الشابة «الشامية» لا يزال يهوّم في وعيي الليلي الشادر، مختلطاً بأطياف وجه رؤى ووجه فدوى سليمان، حينما بدأت أقرأ على أحد المواقع الألكترونية شهادة لرزان زيتونة، تصف تظاهرة ليلية شاركت فيها بزملكا قرب دمشق، فكتبتْ أن «الخطوات الفاصلة بين صمت الطرق المقفلة ومكان التظاهرة، تشبه الانتقال عبر آلة الزمن. لا أذكر ما يشبه تلك اللحظات في إثارتها، إلا لحظة دخول باص رحلتنا المدرسية مدينة اللاذقية، فالتصقت عيوننا بزجاج نوافذه، محملقة باحثة عن خط الأفق الأزرق البعيد».

ما إن قرأتُ هذه العبارات، حتى نقلتني آلة الزمن ثلاثين سنة الى الوراء، فأبصرتُ - أنا السوري المتلبنن منذ عشر سنوات - أول مشهد لثلج لبنان من خلف زجاج نافذة باص آتٍ بي من حمص، والى جانبي أمي، فيما صوت فيروز السموي يشرق كشمس قمرية على طفولتي الكئيبة، منشداً «يا ثلج صنين». برغم أنني من سنين لم أعد أستمع الى أغاني فيروز، من طفولتي البعيدة ارتعشتُ رعشة خجل الثلج في الضوء، ثم أبصرتُني في مشهد إطلالتي الاولى على البحر في بيروت، يدي في يد خالتي أمال التي اختفت بلا أثر منذ عيد رأس سنة 2010. في غمرة تنقلي المحموم بين صفحات الفايسبوك، استوقفتني مرة صورة لها على إحدى الصفحات، لكن باسم غير اسمها، وبتعريف يقول إنها تعمل في شركة إعلانات في دبي. لمرات كثيرة طلبت صداقتها، لكن طلبي لم يُستجب قط، فنسيتُ الأمر حتى ذكّرتني به شهادة رزان زيتونة، ثم صرفني مجدداً عنه ما كتبته من أن صبية من المتظاهرات الى جانبها «أخذت تهتف: شاميّة... شاميّة... شاميّة»، لتعلّق الكاتبة على هذا الهتاف: «مَن قال إن استعادة كلماتنا الاولى ليست مبهجة؟! ما أجمل الهتاف للشام وصباياها»، فتخيلتُ أن شابة المصادفة الغريبة في معرض الكتاب، هي التي هتفت «شاميّة... شاميّة» في تظاهرة زملكا، وخطر لي فجأة أن أذهب الى حمص في رحلة سرية عبر الحدود اللبنانية – السورية.

حين صحوت في العاشرة من صبيحة النهار التالي، رحت، مع أول سيجارة وكوب من النسكافيه، أدوّن ما أبصرته في منام الليلة الفائتة:

عرق غزير يتصبب من جلدي حاراً ومختلطاً بدماء أشد حرارة تسيل من أكوام أجساد بشرية تطلع منها صرخات سوداء مكتومة تختلط بنباح بعيد. جدتي لأمي في ثياب عسكرية الى جانب رجال مسلحين يطلقون رشقات من بنادقهم في ساحة فسيحة، كأنها ملعب لكرة القدم. المشهد في الملعب نصفه نهاري، ونصفه الآخر، حيث الأكوام البشرية، ليلي معتم. في خلاء الناحية النهارية الكلسي أجلسُ وحدي عارياً على كرسي الى جانب طاولة عليها رزم من كتابي. والدي يقوم من بين كومة أجساد، وبلا صوت يصرخ راكضاً نحوي، كأنْ في ساحة الخالدية. أرى جدتي تصوّب بندقيتها في اتجاهه، فيهوي الى الارض. فجأة تعاجلها خالتي أمال بضربة عصا على رأسها من الخلف، ثم تركض نحوي، فيهجم عليها المسلحون، يمزقون ثيابها ويرمونها أرضاً. عبثاً تستطيع جدتي الوصول اليها. مشهد ليلي لقلعة بعلبك تضيئه بروجكتورات كاشفة. وأمال تمشي عارية بين نساء منقبات منهن أمي، قرب أعمدة القلعة. غابة من الكاميرات التلفزيونية تصور المشهد. شبان يسلطون عدسات هواتفهم المحمولة على النصف المظلم من ساحة الخالدية، حيث أكوام الأجساد البشرية تهتف: سوريا بدا حرية... حرية... حرية. خيط من دم يتوهج على جبل يكسوه الثلج. فجأة يتحول خيط الدم على الثلج نهراً من الماء أخوّضُ فيه مع شبان يحملون جريحاً عند الغروب. دبابة تطلق رشقات نارية من الجهة الأخرى من النهر. على ضفة النهر تهجم جدتي عليّ وتمزق خريطة في يدي. أسمع الجريح يناديني بصوت هو صوت أبي. أنا ورؤى ومغني الانتفاضة في حماة، ابرهيم القاشوش، مدفونة أجسامنا حتى الكتفين في رمل صحراوي متوهج بالضوء، وثلاثة مسلحين يصرخون: الله وسوريا وبشار وبس، فيما هم يضعون حربات بنادقهم المسلولة على أعناقنا. الدم ينوفر من عنق ابرهيم القاشوش... على أرض غرفتي قرب السرير، أفقتُ صارخاً مرتجفاً، مبلل الجسم بعرق أخذ يبرد بطيئاً بطيئاً، وأنا أتحسس عنقي بكفيَّ المثلجتين.

قبل أن أبدأ بتدوين هذا المنام، عبثاً حاولت الاتصال برؤى بواسطة السكايب، فاتصلت بوالدي عبر شبكة الهاتف الخليوي. لما جاوبني قال إنه في سيارته العمومية موشك على اجتياز الحدود السورية – اللبنانية، متوجهاً الى بيروت. كدت أقول له إنني سأذهب غداً الى حمص، لكنني في اللحظة الاخيرة مرتجفاً ابتلعت كلماتي، وسألته عن أمي. أمس أبصرتك في منامها قتيلاً في ساحة الخالدية – أجابني، وعبثاً حاولت الاتصال بك في الصباح. طوال ساعة أصرّت على منعي من الخروج من البيت، فلم أستجب لها. إتصل بها وطمئنها. قل لها إنك لم تمت، وإنني وصلتُ الى بيروت. لكنني بعدما أنهيت مكالمتي معه، لا أدري لماذا لم أتصل بأمي، وانصرفت الى تدوين منامي المروع، عازماً على تدبير رحلتي السرية الى حمص.

***

بعد ظهر نهار أحد صقيعي ركبت سيارة فان من طرابلس. الى جانبي على المقعد الخلفي، جلس مندوب لصحيفة «واشنطن بوست» ومصورة أفلام وثائقية فرنسية. كلما اقتربنا من الحدود اللبنانية – السورية في منطقة وادي خالد المنبسطة المقفرة، كان يتسارع نبضي، فأكاد أسمع لهاثي، كأنني أتنفس من أذني. غبش رمادي في عينيّ الساخنتين، وجسمي عميق وبعيد داخل ثيابي. وحشة وصقيع في الخارج، وفي روحي. المصورة والصحافي يتبادلان كلمات انكليزية قليلة. لا أعلم إن كانا يشعران مثلي بدبق الوحشة والخواء في الحواس وفي مشاهد الطبيعة. من أين لهما هذه المقدرة على التوحد والغياب عما حولهما، والاستسلام لطمأنينة واسترخاء يفصلانهما عن الزمن والعالم والحال؟! لقد جلبا هذا كله معهما من أوروبا، فكرت. على المقاعد الأمامية ثلاثة رجال صامتين، كأنهم عاشوا ويعيشون حياتهم بلا كلام، وبلا سأم، كبئر في صحراء. صور تتطاير خطفاً في وعيي الشارد. أصوات وكلمات منفصلة عن متاهة الصور، وتتأخر عنها، منها عبارة متكررة لوالدي تقول إنهم يشنقون المعتقلين من الخصيتين. تخيلت رجالاً مسلحين على حاجز في قفر، ويخرجونني من الفان شاتمين، ثم ينهالون عليَّ باقدامهم والعصي وأعقاب البنادق، فأبكي بلا دموع ولا صوت. كلما تقدم الفان في اتجاه الحدود، ازداد شعوري بأنني أفقد صوتي، وأكاد أتجمد وأغيب. أغمض عيني، وعبثاً أحاول أن أغفو.

عندما قال السائق إننا وصلنا، وعلينا النزول من الفان لنسير حتى ضفة النهر، فكرت أن أقول له إنني سأعود معه، لكنني شعرت بأن لا صوت في صدري. كنت آخر الخارجين من الفان، فانتبه السائق الى حيرتي واضطرابي. سألني إن كنت أريد شيئاً ما. بصوت غير صوتي قلت كلمات، أنا نفسي لم أتأكد من أنني لفظتها وسمعها السائق. حين وصلنا الى ضفة النهر، لم أستطع تقدير كم من الوقت مشينا، كأنني لست أنا من كان يمشي، ولا من أخذ يخوض في مياه النهر العكرة، وغمرت المياه نصف جسمه الأسفل، ومدَّ له يده الرجل الواقف على الضفة وانتشله من الماء.

لا أتذكر كيف وصلت الى الفان الذي جلست على مقعد منفرد من مقاعده، وانطلق على طريق مستقيمة داخل الاراضي السورية. كمن لم ينم منذ دهور غفوت، ولم أصحُ إلا على طلقات نارية، تبعها صوت السائق يشتم الشبيحة والقناصين الذين قال إنهم يتمركزون بعيداً على سطوح البنايات العالية، ويطلقون الرصاص في اتجاه أحياء حمص وحاراتها الداخلية التي يتجمع المتظاهرون في ساحاتها.

لم أشعر بأنني استعدت وعيي الكامل، إلا مساءً، عندما رحت أخلع ثيابي المبللة وأرتدي غيرها في منزل أحد أعضاء تنسيقيات الثورة في الخالدية، قبل أن يجلب لي إبريقاً من الشاي ورغيفين وصحنا من الجبن والزيتون. وأنا آكل مطمئناً في رخاء متقشف لم أعرفه قط في حياتي السابقة، سألني عن الرحلة، ثم أخذ يعمل على جهازي كومبيوتر، ويروي لي أخباراً مشتتة عما حدث ويحدث في حمص. استمرت جلستنا زهاء ساعتين من دون أن أنتبه أين أنا وفي أي وقت. شيئاً فشيئاً ارتسم لما يرويه مشتتاً متناثراً، سياقٌ تنتظم حلقات حوادثه في حركة تصاعدية تبدأ بتظاهرة أولى في الخالدية، متزامنة مع انتفاضة درعا في 18 آذار 2011، وصولاً الى التظاهرة الكبرى الجامعة التي حشدت في 17-18 نيسان، ما يزيد عن 500 ألف نسمة في ساحة حمص المركزية، المعروفة بساحة الساعة.

بدأت حلقات حركة التظاهرات التصاعدية هذه، بخروج نحو مئتي شخص من جامع خالد بن الوليد، بعد صلاة ظهر الجمعة في 18 آذار، فساروا في تظاهرة، سرعان ما بادرها رجال الأمن بالقنابل المسيلة للدموع ورشقات الرصاص في الهواء إرهاباً، قبل هجومهم على المتظاهرين وضربهم بالعصي والهراوات وأعقاب البنادق، وسحل كثيرين منهم واعتقال بعضهم. كان معظم المشاركين في التظاهرة من الشبان، وفي ظهيرة الجمعة التالية، 25 آذار، تزايد عدد المتظاهرين في الخالدية، وخرجت أولى التظاهرات في حارة باب السباع التي قتل رجال الأمن شابين من متظاهريها. بعد تشييع الشهيدين الأولين الى مثواهم الأخير، اعتصم أهالي باب السباع في ساحة المريجة، وصارت التظاهرات يومية في أحيائها وفي الخالدية. أثناء هذه التظاهرات وبعدها، أخذ رجال الأمن والشبيحة يغيرون على الأحياء السكنية في الحارات، فيقتلون متظاهرين ويعتقلون شباناً ورجالاً من بيوتهم ويدمرون أثاثاتها، وينهبون منها ما خفَّ حمله وغلا ثمنه. شبان حارات حمص الأخرى وأحيائها، كباب الدريب وبابا عمرو والبياضة وباب تدمر ودير بعلبة، هبوا الى التظاهر، فسقط منهم جرحى وقتلى برصاص رجال الأمن الذين تتابعت حملات دهمهم البيوت وتخريبها ونهبها، واعتقال شبان ورجال من أصحابها.

في هذا السياق قرأ لي الراوي، موثق يوميات الانتفاضة في حمص، مقتطفات من شهادة نشرها الكاتب الصحافي باسل محمد في صحيفة «الحياة» 18 تشرين الثاني 2011، بعنوان «ناشطو ثورة حمص العلويون والمسيحيون جيل جديد يرث معارضة أمضت حياتها في السجون». فجموع من أبناء المعارضين هؤلاء، لم تغب قط عن التظاهرات طوال الشهر الذي سبق تظاهرة حمص الكبرى، الجامعة والحاشدة، في ساحة الساعة، ما بعد ظهيرة 17 نيسان، ولا عن هذه التظاهرة نفسها، بعدما استحال على الشبان العلويين والمسيحيين التظاهر في أحيائهم السكنية التي سرعان ما تحولت كانتونات طائفية، مغلقة ومعزولة، تنتشر فيها وتحاصرها حواجز رجال الأمن والشبيحة. حي الزهراء شرق المدينة، ذو الغالبية العلوية، يقيم فيه عدد كبير من قدامى المعارضين التقليديين، من معتقلي رابطة العمل الشيوعي السابقين، أو معتقلي البعث العراقي والسوري، أو من الحزب الشيوعي – المكتب السياسي سابقاً. وعلى رغم كثرة أعداد هؤلاء، فإن الشيخوخة والمرارة اللتين كابدوهما في السجون طوال عقدي الثمانينات والتسعينات، حيّدتاهم عن حراك الشارع المنتفض، مما كرس حال إنفصال ما بين حي الزهراء وسواه من أحياء الغالبية السكنية العلوية والمسيحية التي سميت «موالية»، وبين أحياء الغالبية السكنية السنية، التي سميت «معارضة» أو منتفضة. لكن هذا «الانفصال» المفروض أمنياً، منذ الأيام الاولى للانتفاضة في حمص، لم يلغِ بوادر الاختلاط الشبابي في انتفاضة انطلقت في منأى من التأطير الحزبي والطائفي. فشبان مسرحيون وصحافيون وموسيقيون من سائر الطوائف، شاركوا في التظاهرات الاولى.

لم تكن الأحياء العلوية والمسيحية تعارض بشدة مشاركة شبان منها في التظاهر، قبل قيام رجال الأمن بحملات تخويف وترويع منظمة لأهالي هذه الأحياء. سيارات مجهولة أخذت تعبر سريعاً في أحياء النزهة وعكرمة والزهراء والأرمن، وتطلق النار في الشوارع إرهاباً، وسط غياب كامل لرجال الأمن والشرطة طوال الشهر الأول من الاحتجاجات. في الأثناء حصلت حوادث خطف مجهولة، ذهب ضحيتها شبان علويون تنكيلاً وقتلاً. حيال عمليات الخطف والتهديد والترويع التي قام بها شبيحة الحارات، بات الشبان العلويون والمسيحيون أمام خيارين: إما التخلي عن المشاركة في الاحتجاجات، وإما الطرد والتنكيل والاغتيال، مما حمل كثيرين منهم على مغادرة أحيائهم السكنية والتواري في أحياء أخرى، لمواصلة عملهم في الثورة.

نهار 16 نيسان 2011، سقط في تظاهرات حمص سبعة شهداء من أحياء مختلفة. وحّد السخط والغضب أهالي المدينة، فهبوا لتشييع شهدائهم في جنازة مشتركة تنطلق من الجامع الكبير قرب برج الساعة في الساحة الكبرى وسط السوق المركزي الجديد، ومن جامع النور في الخالدية، وصولاً الى مقبرة تل النصر على أحد تخوم المدينة. المعارض الحمصي البارز والناشط الحقوقي المعروف، نجاتي طيارة، اتفق مع تنسيقيات الشبان في الأحياء والحارات، وبينهم علويون، على تنظيم حشد كبير في ساحة الساعة بعد دفن الشهداء السبعة. اتصالات عبر الفضاء الالكتروني والهواتف المحمولة لم تتوقف منذ صبيحة التشييع، داعية الأهالي الى التجمع في الساحة، قبل الدفن وبعده. شبان التنسيقيات جابوا الشوارع في سيارات منادين الناس جميعاً المشاركةَ في الجنازة. عند الظهر تجمهر ما يزيد عن 500 ألف نسمة في ساحة الساعة. عدد غير كبير منهم سار في موكب الشهداء الى المقبرة، ومكث الحشد الكبير في الساحة حتى عودة المشيعين اليها، هاتفين «الشعب يريد إسقاط النظام».

أنا الذي رأيت المشهد ذاك على شاشة التلفزيون في بيروت، وسمعت تلك الهتافات الهادرة تتصاعد من حشد مهول يكرر مشاهد ميدان التحرير في القاهرة، لم أصدق ما أرى، وقلت إن كان حقيقياً ما أراه، فإن النظام السوري سقط وانتهى. خطباء الحشد – نجاتي طيارة، والشيخ سهل جنيد نجل الشيخ محمود جنيد المحبوب في حمص، وشخصية علوية لا أتذكر اسمها، وشاب من التنسيقيات – دعوا جميعاً الى إسقاط النظام، وسط الهتافات المتصلة باسقاطه. عدد المتظاهرين تزايد عند صلاة العصر في الساحة. وبعد صلاة المغرب، تصاعدت الدعوات الى عدم مغادرة الساحة والاعتصام فيها. نجاتي طيارة ونجله الناشط الحقوقي ناجي، وشبان التنسيقيات ومنهم عمر إدلبي، هم الذين دعوا الى الاعتصام المفتوح. في الثامنة مساء أنذر أحد كبار ضباط الأمن في حمص الشيخ سهل جنيد بإخلاء الساحة في وقت لا يتجاوز منتصف الليل، فبلّغ الشيخ المعتصمين بالأمر. الساعة العاشرة تناقص عدد المحتشدين الى 50 ألف شخص، معظمهم من الشبان المصرّين على الاعتصام المفتوح، برغم انهمار الرصاص غزيراً على نواحٍ من الساحة في الساعة العاشرة والنصف، فدب الذعر في الجموع التي راحت أعداد كبيرة منها تتراكض هلعة في شوارع اختلط فيها الصراخ بالنداءات والهتافات الداعية الى المكوث في الساحة.

رويت لمحدثي أنني رأيت هذه المشاهد على شاشات البث التلفزيوني المباشر في غرفتي البيروتية، فاتصلت هاتفياً بوالدي في بيتنا في الخالدية. ما إن سمعت صوته يقول لي إنه وأخوتي وأمي بألف خير، حتى دوّت في أذنيّ، عبر سماعة الهاتف ومن التلفزيون أمامي، أصوات رشقات الرصاص المنهمر على الساحة المشعشة بالأضواء الكاشفة، وحيث كان لا يزال معتصماً نحو خمسة آلاف شاب في الساعة الثانية عشرة، قال محدثي ومضيفي. فصليات الرصاص المتقطعة والذعر والصراخ وهروب كثيرين قبل منتصف تلك الليلة، لم تقضِ على إصرار مجموعات من الشبان على مواصلة الاعتصام، وسط انطلاق التكبير من مساجد في المدينة وفي شوارعها التي خرج اليها أهالي الأحياء والحارات من بيوتهم مذعورين هلعين، وحاملين ما توافر من عصي وخناجر وسيوف وفؤوس وقضبان حديد. ومن يملك منهم بندقية حربية قديمة خرج بها الى حيث أقفلت الطرق المؤدية الى الحارات بالحجار والمهملات من المعادن والأخشاب، وسط سريان شائعات وأقاويل عن هجوم الشبيحة في الأحياء العلوية على الحارات والأحياء المنتفضة، بعد الإجهاز على كثيرين من المتظاهرين في الساحة الكبرى المركزية. هتافات التكبير اختلطت بدعوات الى الجهاد التي يؤكد شبان التنسيقيات أن سيارات رجال الأمن راحت تجوب الشوارع وتطلقها. فإحدى سيارات الإطفاء سُمعت مكبرات الصوت فيها تدعو الى الجهاد، لبثّ الرعب من «السلفية الجهادية» في أحياء العلويين والمسيحيين.

في الساعة الرابعة والنصف من فجر تلك الليلة المجيدة المرعبة في تاريخ حمص، خلت ساحة الساعة تماماً من جثث القتلى التي رماها رجال الأمن كالمهملات الى شاحنات، ونقلوها الى أماكن مجهولة، ثم قاموا بشطف برك الدماء بمضخات سيارة الأطفاء، فيما كانت مجموعة منهم تطلق الرصاص في الهواء ابتهاجاً من على سطوح البنايات المحيطة بالساحة، وسط هتافات، «الله وسوريا وبشار وبس». أعداد مفقودي تلك الليلة تراوح ما بين 200 و500 شخص، لم يتسلم أهالي حمص منهم في النهارات التالية، سوى 35 جثة، من دون أن يعلم أحد إن كان الباقون قتلوا وأخفيت جثثهم أم خطفوا ولا يزالون قيد الاعتقال والتعذيب، وبينهم عدد من العلويين والمسيحيين.

جُنَّ جنون أهالي حمص بعد تلك، قال محدثي، ثم قامت وحدات من الجيش والأمن بالانتشار وإقامة الحواجز الثابتة في الشوارع ما بين الأحياء والحارات التي انفصلت وتباعدت وتقطعت أوصالها، وسكنها الخوف والرعب. الناشط الحقوقي المعارض نجاتي طيارة اعتقل، وفر نجله ناجي إلى دبي. أما الاحتجاجات والتظاهرات فتغيرت أشكالها ووجهتها. فبعد بدئها وإنطلاقها طوال شهر من الأحياء والحارات وتوجهها إلى الشوارع والساحات الكبرى المشتركة، أذنت مقتلة ليلة 17 – 18 نيسان في ساحة الساعة، بإنكفاء الناشطين والمتظاهرين إلى الشوارع والساحات الداخلية، حيث أخذوا يقومون بتظاهرات طيارة خاطفة في مواقيت محددة من النهارات والأمسيات.

قبل انشقاق مجموعات وأفراد عن الجيش، ولجوئهم إلى التحصن في الحارات الداخلية، وقيام «الجيش السوري الحر» بحماية بعضها، كبابا عمرو، كان يتعذر على رجال الامن والجيش والدخول إلى تلك الحارات، إلا باعداد كبيرة وفي عمليات دهم سريعة، خشية من المقاومة المدنية التي يبديها الأهالي في الأزقة والمسالك الداخلية المكتظة والضيقة. لذا أخذ رجال الأمن يستعملون سيارات التاكسي والاسعاف في هجماتهم الخاطفة على الحارات وساحاتها لاعتقال الناشطين وقتل المتظاهرين. بعد هذه الهجمات، توغلت سريعاً مصفحة أمنية في الشوارع والساحات، مطلقة رشقات غزيرة من مدفعها الرشاش على البيوت، ثم خرج من المصفحة رجال أمن، فخطفوا ما تخلف عن الهجمة السابقة من جثث القتلى، حتى إذا حضر أهلهم إلى المقار الأمنية والمستشفيات المتحولة معاقل أمنية، أُرغموا على توقيع مستندات تفيد بأن عصابات مسلحة، سلفية جهادية، هي من قتلت أبناءهم، وعليهم تشييعهم ودفنهم في جنازات سريعة تقتصر على العائلة والأقارب. لكن أجهزة الأمن لم تكن تكتفِ بهذه التدابير، فأخذت مجموعات منها ترابط على مداخل المساجد لإطلاق النار على المشيعين في حال خروجهم في جنازة – تظاهرة حاشدة، بعد الصلاة على الميت. ولأن بعض ذوي الشهداء أخذوا يستجيبون مرتاعين إلى تشييع قتلاهم في جنازات تقتصر عليهم وحدهم، عمد أهالي الأحياء والحارات والناشطون إلى التجمع التلقائي في المساجد في صباحات التشييع، لتحويل جنازات الشهداء تظاهرة حاشدة. لذا اجتازت مرة مصفحة الأمن الباحة الخارجية لمسجد خالد بن الوليد، وأخذت تطلق النار على الناس المحتشدين في داخل المسجد. هذا ما حمل الناشطين والأهالي على التجمع في حشدين منفصلين كلما سقط شهيد في الحارات، حشد أمام منزل الشهيد، وآخر في المسجد، للخروج في تظاهرتين تلتقيان في المقبرة.

في أحياء العلويين أنشات أجهزة الأمن والشبيحة، ما سمي «اللجان الشعبية» بذريعة حماية هذه الأحياء من هجمات «العصابات المسلحة»، ومن عمليات الخطف المزعومة التي تنفذها، فانتشرت المخاوف الطائفية في نسيج الحياة اليومية المضطرب. تفاقمت هذه المخاوف وبلغت ذروتها مع تعرض فتيات محجبات للخطف من الشوارع في الأحياء «الراقية» للفئات المتوسطة، مثل الحمراء والإنشاءات والغوطة والوعر. فعلى نحو منهجي منظم أخذت تُخطفُ في كل يوم فتاة محجبة من شوارع هذه الأحياء، حتى بلغ عدد المخطوفات، أخيراً، 25 فتاة، منهن قريبة لرئيس «المجلس الوطني السوري» الدكتور برهان غليون. رداً على عمليات الخطف هذه، جرت عمليات خطف مضاد لعلويين وعلويات، تبعتها مفاوضات بين وسطاء رماديين أو شبه سريين، وشاعت أحاديث عن دفع أموال وخوّات لتبادل إطلاق سراح المخطوفين والمخطوفات اللواتي لم يطلق سراح سوى 13 فتاة منهن، وبقي مجهولا مصير الأخريات.

بعد مقتلة ساحة الساعة، وانكفاء الاحتجاجات والتظاهرات إلى الساحات والشوارع الداخلية في الحارات والأحياء، في مواقيت نهارية ومسائية مفاجئة وخاطفة، وغير متزامنة في انتقالها من حارة إلى اخرى، برزت التظاهرات الكبرى الحاشدة في حماة، على غرار تظاهرات حمص التي بلغت ذروتها في ساحة الساعة ومقتلتها. في تظاهرات حماة الحاشدة هذه، ظهرت أناشيد هتَّاف الثورة السورية الأشهر، الشاب إبرهيم القاشوش، الذي أنشد أغنية «سكابا يا دموع العين سكابا/ على شهدا سوريا وشبابا»، ثم أتبعها بأغنية «يا الله إرحل يا بشار» التي انتشرت واشتهرت وترددت في كل الديار السورية المنتفضة. وفي غمرة انتفاضة حماة وتظاهراتها الكبرى، اختطف القاشوش وقتل واستؤصلت حنجرته ورميت جثته في نهر العاصي.

قبل هتافاته وأغانيه، كان هتافو التظاهرات في حمص – ومنهم حارس مرمى «منتخب سوريا للشباب» في كرة القدم، عبد الباسط الساروت – ينشدون هتافات جمهور مشجعي الفرق في الملاعب: «هاي يا الله/ هاي يا الله/ منصورين بعون الله منصورين». لكن أغاني القاشوش سرعان ما انتقلت إلى حمص، فأخذ هتافو ساحات الحارات الداخلية ومتظاهروها يرددونها في تظاهراتهم السريعة المفاجئة التي لا تتجاوز مدة الواحدة منها 15 دقيقة، ونُسيت هتافات ملاعب كرة القدم. قبل ذلك حاول ناشطون في حمص إشاعة أغانٍ وهتافات كتبوها ونشروها على مواقع الإنترنت، لكن عدم شعبية لغتها وإيقاعاتها وكلماتها، أبقتها ضعيفة التردد على ألسنة المتظاهرين. أما الهتافات والأناشيد التي ظهرت وشاعت في درعا، فلم تنتقل إلى الديار السورية الأخرى، لأن الكلمات واللهجة الدرعاوية بدوية ثقيلة على اللسان الشعبي السوري المتوسط أو المشترك، على خلاف هتافات القاشوش واناشيده.

***

فجأة توقف الراوي مضيفي عن الكلام، وصرخ ملتفتاً نحوي: إسمع، إسمع... ما أروع هذا الصوت الآتي من موكب تشييع الشهداء في دوما قبل أيام. ما إن طلع من جهاز الكمبيوتر صوت رجل منشداً «هاي هاي يا سجاني/ هاي هاي يا عتم الزنزاني»، حتى انتزعني الصوت من كياني وغمرني كموج مظلم، ورماني في ليل الأزمنة والمعابد القديمة التي تتردد فيها أصداء تراتيل النائحات في التراجيديا اليونانية. كأن سوريا الطبيعية والبشر تقوم من بين الأموات وتتجسد في هذا الصوت الجهوري الهادر من عمق ألف عام: «عتمك رايح/ بعثك رايح/ ظلمك رايح/ شمسي بكرا بتستناني/ هاي هاي يا سجاني». صوت رجولي، أبرش، بدائي، عار، منه تنبثق الكلمات وتتوالد الكلمات من عراء سوريا التي اهتدت إلى صوتها بعد صمت ألف عام.

اقتربت من شاشة الكمبيوتر، فلم أرَ رجلاً ينشد أو يغني، بل جثامين محمولة على أكف رجال يخترقون حشوداً في بهو مسجد دوما، والصوت يردد «لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله». تلك الـ«لا» الطويلة الممدودة المتضرّعة النائحة، كأنها تطلع من صمت الجثامين المرفوعة على الكف، فينادي الصوت «يا يما عسكر بيني وبينك»، ثم ينتهي الشريط المصور على موقع يوتيوب، فيملأ الغرفة سكون كانقطاع في الزمن جمدني في مكاني هنيهات، قبل أن أتراجع خطوات إلى حيث كنت أجلس على المقعد. لكن مضيفي لم يتركني في شرودي مع أصداء ذلك الصوت وكلماته، إذ سرعان ما ناداني: تعال إقرأ هذه الكلمات، تعال. لم أتحرك من مكاني، فالتفت إليَّ قائلاً: بدأت الإنتفاضة في سوريا لتعلن موت الربّ. إنها ثورة على الربوبية المتجسدة في شخص حافظ الأسد. قبل أن أقوم وأقترب منه لأتبين ما الذي يقرأه على شاشة الكمبيوتر أمامه، هبّ عن الكرسي واقفاً، وأخذ يهتف: يلعن روحك يا حافظ، يلعن روحك يا حافظ. ما ان إقتربت من الشاشة، حتى سمعت من خارج البيت صوتاً يصدح هاتفاً: جنّة، جنّة يا وطنا/ يا وطنا يا حبيب/ يا بو القلب الطيب يا وطنا/ حتى نارك جنّة.

من أين يتدفق هذا السيل الآتي من الأخبار والروايات والكلمات والهتافات والأناشيد على إيقاع الرعب والقتل اليومي في سوريا؟!، تساءلت. وذلك الصوت الطالع من عتمات الليل هاتفاً، أفقدني حس الزمان والمكان، فلم أعد أدرك أين أنا وفي أي وقت ومَن أكون، قبل أن أسمع مضيفي يقول إن التجمع والتظاهرة الليلية سيبدآن بعد قليل في ساحة الخالدية، ثم سألني إن كنت أريد الخروج معه الى الساحة. يلعن روحك يا حافظ، هتفتُ، فأيقن أنني سأخرج. جلستُ مكانه على الكرسي أمام شاشة الكمبيوتر، كي أستطلع مصدر كلماته عن موت الرب الذي ثارت سوريا على ربوبيته ولعنت روحه، فإذا بها مقالة للكاتب السوري عمر قدور في صحيفة «المستقبل» البيروتية، في عددها الصادر صبيحة نهار اجتيازي الحدود اللبنانية – السورية، الأحد في 29 كانون الثاني 2012. ومما كتبه قدور في مقالته أن أجهزة الإعلام والدعاية والأمن السورية، أضفت على شخصية القائد الرئيس حافظ الأسد هالات من القداسة، تتويجاً لمقاتله في النصف الاول من الثمانينات، فرفعته تلك الهالات الموشاة بالدم والرعب الى مرتبة الألوهة، وكرست عبادته التي تجاوزت مبايعته قائداً ورئيساً مدى الحياة، الى قائد ورئيس خالد على مر الزمن، ولن يجرؤ الموت على النيل من شخصه. لذا صُدم كثيرون بموت «الأبد»، حين توفي الأسد. لكن مشروع التوريث، سرعان ما تكفل بهذه الصدمة التي ألمَّت بالمؤمنين حقيقة، قولاً وفعلاً، بأن القائد مقدس وخالد ولن يفنى، أسوة بالبشر الفانين.

المشروع هذا لم يكن في حقيقته مشروعاً سياسياً، بل من قبيل قهر الموت والفناء البيولوجي والزمن، والنقض على السياسة، بنقل روح الميت الخالدة من جسده الفاني الى جسد آخر من صلبه وذريته. شعائر الانتقال وطقوسه، كرّست مرة أخرى إخراج السياسة من دائرة الحياة الدنيا، الى دائرة المقدس، فالتأم سريعاً جرح المؤمنين المذهولين والمصدومين، لأن روح القائد ظلت على تجليها ولم تتزحزح عن جوهرها الألوهي الخالد، إذ انتقلت في أيام معدودة، وحلت في بشارته أو بشاره. لذا لا إهانة في أن يرغم رجال أمن بشار الأسد معتقلي الانتفاضة الكافرين بألوهيته، على الركوع وتقبيل صورته مرددين أنه الرب، فيما هم يضربون وتُداس رقابهم بالأقدام والأحذية، قبل تكديسهم في المعتقلات أو قتلهم. فما يتعرض له الكفرة في هذه الحال، هو بالضبط شعائر وطقوس للتكفير عن خروجهم على طاعة الرب وعبادته، وعن طلبهم الحرية، وهتافهم «الله وسوريا وحرية، وبس». وما يتعرض له المنتفضون على ألوهة الأسد أو ربوبيته، لا ينطوي على عبودية سياسية أو طبقية أو قومية، بل هو عبودية مطلقة، كما هو الرب مطلق. أما ما نرى فيه إهانة وتعذيباً وسحلاً وقتلاً، فلا يرى فيه ابناء الرب وسدنته ورهطه، سوى تصويب لخطأ أو اختلال عابر طرأ على نفوس العبيد. فأرواح العبيد وأجسامهم ملك الرب أصلاً، فما الضير في أن يستردها متى شاء؟!

ليست الثورة السورية، إذاً، ثورة على الحاكم، بل هي خروج على عبادة الوثن الواحد المتجدد، الى التعددية الانسانية التي لا يفاضل فيها ما بين البشر المختلفين الذين يريدون العيش متساوين في حياة دنيوية خالية من ذلك الإله المتجسد في وثن مقدس، انتقلت روحه الخالدة الى وثن يماثله في القداسة والخلود. وحين يلعن السوريون المنتفضون روح حافظ الاسد، إنما يلعنون مؤسس «سياسة» رفع القائد الى مرتبة الالوهة والحط بالبشر الى مرتبة العبيد، ويعلنون انهم لم يعودوا عبيداً وعبدة أصنام مقدسة خالدة.

***

في طريق معتمة ضيقة، مشيت في صحبة مضيفي من منزله الى ساحة الخالدية. هتافات تتعالى متباعدة وتقترب، تخترقها أصداء أزيز رصاص بعيد. صقيع حمص الشتوي يكاد يجمد دمي وذاكرتي، وينفذ الى عظامي. ظلال بشرية تعبر قربي على دراجات هوائية وتختفي سريعاً في الظلام، مخلفة في سمعي لهاثاً وكلمات شبحية. بعد دقائق قليلة، وجدتني فجأة في الساحة، فلم يذكرني أي شيء فيها بأنها ساحة الخالدية. أضواء المصابيح المعلقة في جنباتها تنير حشداً من مئات المتظاهرين المقرفصين في صفوف منتظمة، مرددين «سوريا بدّا [تريد] حرية»، رداً على شاب يقف قبالة الحشد هاتفاً متسائلاً عبر ميكروفون يمسكه بيده: «سوريا شو بدّا؟». إلى جانب مضيفي قرفصت في طرف أحد الصفوف، وبدأت أردد الهتاف الجوابي مع مردديه في اصوات تتبدل إيقاعاتها، تبعاً لأداء الهتَّاف الذي يغير مكان وقوفه قبالة المحتشدين المقرفصين المتمايلة أجسامهم بطيئاً بطيئاً. الرؤوس والوجوه المتلفعة بشالات ملونة، لا يظهر منها سوى العيون والأفواه. بعد وقت من تبدل ايقاعات الهتاف وتمايل الأجسام، هبَّ المحتشدون هبّة واحدة واقفين ومصفقين صارخين: «سوريا بدّا حرية... حرية، حرية، حرية»، ثم تشابكت الأيدي وانتظمت الأجسام في صفوف وحلقات راقصة اشتدت وتيرة حركتها وهتافاتها. استمر الرقص دقائق، حتى تقدم مضيفي من الشاب حامل الميكروفون، وتناوله من يده، منشداً قسم الثورة الذي ردده من بعده المحتشدون جملة تلو جملة:

أقسم بالله العظيم / أن نبقى مناضلين/ وفي طريق الثورة سائرين/ وبالحرية مطالبين/ وللحوار رافضين/ وعن إخواننا مدافعين/ وعلى ارواح الشهداء أمينين/ حتى سقوط هذا النظام اللعين/ والله على ما نقول شهيد.

[1] هذا النص ختام الفصل الأخير من كتاب يصدر قريباً في بيروت، ويروي سير حياة سوريين وشهاداتهم عن مشاركاتهم في الثورة السورية. الراوي في الفصل الختامي هذا سوري الجنسية مزدوج الانتماء ما بين سوريا ولبنان، ويقيم في بيروت منذ 1999، بعد ولادته (العام 1980) ونشأته طفلاً وفتى وشاباً في حمص التي عاد إليها في رحلة برية سرية أثناء الثورة في بلده.

 




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬