سامي زبيدة

[1]
ثارت أحداث «الربيع العربيّ» جملة من التعليقات والتفاسير في الخطابات العامّة التي تخدم في تلخيص المقاربات النظريّة والايديولوجيّة للسياسات الشرق الأوسطيّة في الإعلام الغربيّ وفي الأكاديميا.

فبعد عقود من سيطرة الدين والقوميّات الإثنو- دينيّة في المنطقة، يبدو أنّ «الثورات» في تونس ثمّ مصر تحاذر الدين والقوميّة لصالح المطلب السياسيّ الكلاسيكيّ في الحرّيّة والديموقراطيّة والعدالة الاقتصاديّة. فهل تنمّ هذه التعبيرات عن تضادّ مع الأفكار التي تتحدّث عن استثناء شرق أوسطيّ أو مسلم: تصوّر أن الإسلام و»العشائريّة» هما أساس السياسة في المنطقة؟ وهل أظهرت توافقاً، بدل «صراع الحضارات»، مع خطاب وطموح كونيّين مشتركين؟

في الحالات كافّة، لم تكن مرّة السياسات الدينيّة والعشائريّة بعيدة عن تلك الاحداث، وهي سريعاً ما بدأت تستعرض نفسها. فهل يُظهر هذا أنّ فكرة استثنائيّة الشرق الأوسط فكرة عادلة، وأنّ المظهر الكونيّ سطحيّ؟

إطار الإيديولوجيا

كانت القوى والإيديولوجيّات التي حرّكت التاريخ السياسيّ الحديث للشرق الأوسط، من إصلاحات القرن التاسع عشر وامتداداً في العديد من أحداث القرن العشرين، علمانيّة وقوميّة اساساً. وكانت السياسات الإسلاميّة موجودة دائماً، لكنّها وُجدت بوصفها جزءاً فحسب من حقل سياسيّ أعرض، وهو جزء ملحَق في الغالب. فهو مقسوم بين محافظين رجعيّين يحاولون الحفاظ على الامتيازات الأبويّة والمؤسّسيّة، كما هي حال الكثيرين من علماء الدين التقليديّين، وبين تعبئة شعبويّة أحدث هي نمطيّاً تلك التي مارسها الإخوان المسلمون.

وكانت القوى المتنافسة والإيديولوجيّات المختلطة قوميّةً على تعدّد في الألوان. فقد صيغت في بعض الأحيان بما يتجانس مع الدستوريّة الليبراليّة (كما في الوفد وأحزاب أخرى في مصر المَلكيّة)، أو بما يتجانس مع الفاشيّة (كما في الأحزاب التي استلهمت النازيّة في الثلاثينات والأربعينات، في العراق وفلسطين ومصر)، ثمّ، وبقوّة، بما يتجانس مع الأفكار الاشتراكيّة والدولتيّة (في القوميّات العربيّة لجمال عبد الناصر والبعث وجبهة التحرير الجزائريّة، وهي حركات استلهمت السوفيات وتحالفت معهم، ابتداء من الخمسينات).

هذه السياسات الإيديولوجيّة، لا سيّما منها الناصريّة، تمتّعت بقاعدة تأييد شعبيّ وبتعاطف صلبين امتدّا على مدى المنطقة، وظهرا في الصلة بموضوع إسرائيل/فلسطين الدائم الحضور. أمّا بروز الدين في السياسة فجاء لاحقاً، بدءاً من السبعينات، وكان ذلك جزئيّاً بسبب الفشل والفساد اللذين تكشّفت عنهما الأنظمة القوميّة العسكريّة والدولتيّة، وإلهام الثورة الإيرانيّة في 1979، هي التي صارت ثورة «إسلاميّة»، ثمّ انهيار العالم السوفياتيّ والشيوعيّ الذي كان جزءاً من المرتكزات الإيديولوجيّة والعسكريّة لتلك الأنظمة.

ولا يبدو، من داخل هذا المنظور التاريخيّ، أنّ الطبيعة العلمانيّة لهذه الحركات التي جدّت مؤخّراً طبيعة مفاجئة، بل المفاجىء كان بُعدها عن القوميّة الكارهة للغريب «والاشتراكيّة» الدولتيّة لمصلحة حريّات جامعة. وهذا جديد.

لكنْ إلى أين تتّجه تلك الحركات؟

هناك موضوعتان متداخلتان ومتواصلتا الحضور في التحليلات المتعلّقة بسياسات الشرق الأوسط، وهما تسائلان أسس ما يتبدّى سياسات إيديولوجيّة وعلمانيّة للمنطقة.

الأولى هي ما يمكن تسميته المقاربة «الأهليّة»: فكرة أنّ التصنيفات والأحزاب والحركات الإيديولوجيّة كانت تظاهرات سطحيّة عن ولاءات وعواطف عائليّة وعشائريّة ومناطقيّة وطائفيّة أعمق. والثانية أنّ الإسلام وأشكال التضامن الدينيّ هي المحرّكات الأساسيّة للعاطفة والتعبئة الشعبيّين.

وهناك، تاريخيّاً ومع استئنافات متعدّدة الأشكال في الأزمنة الاحدث عهداً، كثير من التبرير للموضوعة الأولى. فمقالة ألبرت حوراني الكلاسيكيّة عن سياسة الأعيان غطّت السياسات المدينيّة للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وكانت لها أصداء لم تنقطع (أنظر: ألبرت حوراني، «الاصلاحات العثمانيّة وسياسة الأعيان»، في دبليو أر بولكس وأر إل تشامبرز (إعداد)، بدايات التحديث في الشرق الأوسط، شيكاغو 1968). كذلك استعرضت التحليلات التجريبيّة كتحليل روبرت سبرنغبورغ لمصر بروز العائلة والزبونيّة في تصليب السلطة وإدامتها، وتجلّيهما من داخل سياسة الإيديولوجيّات والأحزاب (أنظر روبرت سبرنغبورغ، سلطة العائلة والسياسة في مصر، 1982).

وقد أشار آخرون إلى جاذبيّة بعض الإيديولوجيّات الحديثة على طوائف ومناطق بعينها، على ما كانته القاعدة القويّة للحزب الشيوعيّ العراقيّ بين السكّان الشيعة والأكراد وفي مناطقهم (مع أنّ هذا تعرّض لتحدّ جديّ من الكتاب الجليل لحنّا بطاطو عن التاريخ العراقيّ الحديث: الطبقات الاجتماعيّة القديمة والحركات الثوريّة في العراق، 1978).

فموضوعة الجوهر الدينيّ للسياسة منتشرة وفي دوائر نظريّة مختلفة. فهناك «الاستشراق» الكلاسيكيّ والإيديولوجيّ لبرنارد لويس أو صموئيل بايبس، لكنْ هناك أيضاً التوصيف الأكثر سوسيولوجيّة وتخطيطيّة بكثير لدى إرنست غيلنر.

فبالنسبة إلى البعض، كبايبس، تخدم الموضوعة هذه كسلاح في الدفاع عن السياسة الإسرائيليّة حيال العرب: التوكيد على أنّ العداء لإسرائيل متأصّل في عاطفة دينيّة ينحّي جانباً المسائل السياسيّة والاقتصاديّة للاحتلال وقضم الأرض والمستوطنات. هكذا يُجادَل بأنّ الكراهيّة العربيّة/الفلسطينيّة جالبة للتماثل ومُعدية، وهي ما لا تجدي التنازلات والتسويات السياسيّة في تلطيفها.

بدوره فإنّ إرنست غيلنر، وفي كون مفهوميّ مختلف تماماً، قارب المسألة من المجادلات التي حملتها نظريّته في القوميّة. فالقوميّة، بالنسبة إلى غيلنر، من الآثار الناجمة عن عمليّات التصنيع والتمديُن التي تسوق السكّان نحو التعلّم و«الثقافة العليا»، بعيداً عن «الثقافة الدنيا» المحليّة والأبرشيّة للسكّان الريفيّين والبلديّين. وهذا، وعلى نحو نمطيّ، يستدعي العلمانيّة. لكنّ الإسلام، وفي صورة مميزة، مقاوم للعلمنة لأنّ الثقافة العليا العالمة في المدن ولدى البورجوازيّة تقع ضمن الإسلام: ذاك أنّ انحسار الثقافة الدنيا لأهل الدين الشعبيّ إنّما يقود إلى الثقافة العليا للـعلماء بنصيّتها وبيوريتانيّتها. فالقوميّة في العالم الإسلاميّ هي في أساسها إسلاميّة.

وبالنسبة إلى غيلنر أيضاً، فإنّ ما يتبدّى سياسة وإيديولوجيا علمانيّة من عمل العصر الحديث هو [إسلاميّاً] قشرة سطحيّة. فالثورة الإيرانيّة في 1979 والصعود العامّ للسياسات الإسلاميّة في المنطقة على حساب الإيديولوجيّات العلمانيّة يلوحان تعزيزاً للحجج الجوهرانيّة، ما يجعل القائلين بها يهتفون باعتداد بالنفس: ألم نقل لكم هذا؟

أشكال السياسة

السياسات الأهليّة كونيّة، تاريخيّاً كما الآن. فالسلطات والحركات السياسيّة، داخل المجموعات والمؤسّسات الحاكمة ومن دونها، غالباً ما دارت حول التضامنات والتجمّعات التي تنجم عن القرابة والزبونيّة وروابط المحلّة والطائفة. فبيتا النبالة المتنافسان للعاشقين المأسويّين في روميو وجولييت، في سياق سياسات الفِرق في المدينة الإيطاليّة نمط بدئيّ عن السياسة في معظم أوروبا ما قبل الحديثة، وهو ما يستمرّ في بعض أوجهه في زمن الحداثة. وقد دخل الدين إلى هذا الشكل من السياسة بطرق شتّى، ليس كلّها ممّا يتعلّق بالورع والقناعة، وكان أحد الأبعاد الحاسمة يتّصل بالتضامن والعداء الطائفيّين: فلنلاحظ الحروب والاضطهادات الدينيّة في أوروبا، وكذلك المنافسات السلميّة من أجل الصعود والامتيازات في ما بين الطوائف. وهذا ماضٍ في لعب دور مهمّ في السياسة في عديد البلدان، لا سيّما الولايات المتّحدة.

ويعود جزء من هذا الإسهام الدينيّ في السياسة إلى سلطات وموارد المؤسّسات والطواقم، وإلى سلطة الكنائس والمطارنة والوعّاظ ومصالحهم. ففي كلّ هذه الحالات هناك الكثير من التوازي بين أوروبا المسيحيّة و«العالم الإسلاميّ». وقطعاً تمّ تعقّل بعض أشكال القوميّة الشعبيّة أو القوميّة الأصليّة كامتدادات لطوائف دينيّة. فقوميّة قرن التاسع عشر الروسيّة، وبالنسبة إلى الدولة والشعب على السواء، إنّما فُهمت بمعايير السيطرة وحماية المسيحيّة الأرثوذكسيّة ومعتنقيها (اليونان، الصرب، البلغاريّين) ضدّاً على العثمانيّين المسلمين والقوى الكاثوليكيّة والبروتستانتيّة في أوروبا، كما بادلتها القوى والأديان المذكورة العملة نفسها.

هذه الصبغة الدينيّة للقوميّة هي، بالطبع، حيّة وحاضرة اليوم، كما تجد ما يسبغ الشرعيّة عليها في نظريّات/إيديولوجيّات كـ«صراع الحضارات». فالكثير من «الصحوة الإسلاميّة» التي عرفتها أواخر القرن العشرين كان تعبيراً إسلاميّاً عمّا كان من قبل قوميّة علمانيّة، موجّهاً ضدّ «الغرب» وإسرائيل منظوراً إليهما كمسيحيّين («صليبيّين») ويهود.

لقد شملت التحوّلات التي أتت بها عمليّات الحداثة أشكالاً جديدة من التنظيم والتعبئة السياسيّين تستجيب لتشكّل الدولة الحديثة، ولعلمنة المؤسّسات والعقليّات وانحسار النظام القديم للسلطات الدينيّة والأميريّة. وما صنّفه كثيرون من الكتّاب بوصفه سياسة حديثة إنّما يمثّله صعود الأحزاب والروابط السياسيّة، والنقابات واتّحادات العمل، والحملات [الانتخابيّة] ونشاطات اللوبي، على قواعد من تنظيم وتعبئة الأفراد الأعضاء بمصالح ماديّة والتزامات إيديولوجيّة مشتركة. لقد رصد مايكل ولزر بدايات مثل هذه السياسات فردّها إلى عصابات «القدّيسين» الذين شنّوا المعارك إبّان الحرب الأهليّة الانكليزيّة في القرن السابع عشر (أنظر مايكل ولزر، ثورة القدّيسين، 1966). وشهيرٌ رصد يورغن هابرماس لتشكّل «الحيّز العامّ»، بمجالاته البورجوازيّة العامّة وأدواتها الطباعيّة وروابطها، بردّہ إلى القرن الثامن عشر. فانشغال روابط التضامن والنشاطات السياسيّة، سواء كانت ثوريّة أم محافظة، بنشاط مستدام ومنظّم هدفه إصلاح النظام أو إطاحته، هو بذاته مفهوم حديث. والنشاط هذا لا يهدف إلى إبدال أمير بآخر، ولا إلى صعود أو ضمان امتياز جناح على جناح، بل هو معنيّ بتغيير الطريقة التي بموجبها يُنظّم المجتمع والجماعة السياسيّة تبعاً لمخطّط إيديولوجيّ ما، أكان إصلاحيّاً أم ثوريّاً. فالسياسة الحديثة تشمل، على نحو نمطيّ، أنشطة مستدامة ومنظّمة تختلف عن الاحتجاجات والتمرّدات العابرة لمدن ما قبل الحداثة، أو التي ارتبطت غالباً بحركات ريفيّة خلاصيّة.

وهذا الشكل الحديث من السياسة إنّما تحوّل إلى شكل مسيطر في قليل من البلدان، لا سيّما في أوروبا الشماليّة الغربيّة وفي شمال أميركا. غير أنّها وُجدت جنباً إلى جنب الشكل الكونيّ تاريخيّاً من سياسة القرابة والزبونيّة، وغالباً ما تقاطعت معه. وهذا ما لم يقتصر على البلدان الجنوبيّة من الكرة الأرضيّة، إذ عرفته بلدان أوروبيّة كإيطاليا واليونان، فضلاً عن قطاعات في الولايات المتّحدة. أمّا في الشرق الأوسط و«العالم الإسلاميّ»، فقد ظهرت في الزمان وفي المكان خلطات وتقاطعات عدّة من هذه الأشكال السياسيّة.

الجسر إلى الحداثة

لقد سهّلت إصلاحات القرن التاسع عشر والتحوّلات الاجتماعيّة - الاقتصاديّة والسياسيّة بروز نظرات وتعاطفات جديدة في السياسة والثقافة. ففي اسطنبول والقاهرة وبيروت، سعت نُخب جديدة من المثقّفين والمهنيّين والموظّفين إلى أن تنشط في إيجاد روابط ودوائر تواصل وثقافات جديدة. لقد حاولوا بنشاط وبحماسة أن يتجاوزوا عوالم العزل في العائلة والجماعة والطائفة الدينيّة، وطمحوا إلى حياة تقوم على الاشتراك في حيّز عامّ، يدعمهم في ذلك انتشار الثقافة المطبوعة، فضلاً عن الحراك الاجتماعيّ والجغرافيّ الذي سهّلته السكك الحديد والتلغراف والبواخر.

وعلى هذا النحو بات يُنظَر إلى الروابط السلطويّة القديمة للقرابة والزبونيّة والدين بوصفها «تخلّفاً» يواجه «التقدّم» و«النهضة».

هذه كانت، وبقدر واحد، حال النُخب المسلمة الحديثة ومن يعادلها من المسيحيّين واليهود. وبالنسبة إلى المسيحيّين السوريّين، وكذلك الأرمن، كان التحوّل إلى البروتستانتيّة (الأميركيّة) قد خدم كقاطرة للتحرّر من السلطات الدينيّة التقليديّة للكنيستين الأرثوذكسيّة والكاثوليكيّة، علماً بأنّ البعثات الفرنسيّة الكاثوليكيّة خدمت بقدر مساوٍ تلك الوظيفة التحديثيّة، ما أثار استياء السلطات الدينيّة وأحياناً معارضتها العنيفة. وبالقدر ذاته بدا الحاخامون اليهود مستائين من التعليم الحديث الذي توفّره مدارس «الأليانس الإسرائيليّ العالميّ». أمّا المثقّفون السوريّون المتخرّجون من مدارس الارساليّات البروتستانتيّة الأميركيّة وكليّاتها (وهي جدّ الجامعة الأميركيّة في بيروت) فكانوا روّاد إحياء الكتابة والفكر العربيّين. وفي حدود الصلة بين هؤلاء وبين الدين، أكان إسلاميّاً أم مسيحيّاً، فإنّهم سعوا إلى بناء دين مُصلَح يتوافق مع التنوير الحديث والسياسة الليبراليّة، كما مع رفض واعٍ لما اعتبروه ديناً موسوماً بالضيق الظلاميّ و«خرافيّاً» يدين به العلماء وجمهرة العامّة.

لقد عملت الإصلاحات الإسلاميّة لمحمّد عبده في مصر، والكواكبي في سوريّا، والمصلح الكوزموبوليتيّ والزئبقيّ جمال الدين الأفغانيّ، كجسر بين إسلام جديد البناء وبين العلم والعقلانيّة والتنظيم الدستوريّ. ولئن كانت هذه أفكاراً وسياسة تختصّ بالنخبة، إلاّ أنّ التنظيم والتعبئة السياسيّين الحديثين جاءا مع أعمال التحريض الوطنيّ، ولاحقاً الاشتراكيّ، في مصر وتركيا وسوريّا والعراق، فضلاً عن شمال أفريقيا. والإسلام لم يكن دائماً غائباً عن هذه الحركات الشعبويّة، لا سيّما في مصر حيث ظهر الإخوان المسلمون على المسرح في 1928 منضمّين إلى المحرّضين القوميّين ضدّ الليبراليّين واليسار. إلاّ أنّهم، هم أيضاً، كانوا جزءاً من هذه السياسة الحديثة، بل كانوا أساسيّين فيها في ما خصّ التطويع والتوجيه والتعبئة. كما كانوا، في ذلك، مجرّد واحد من تيّارات عدّة. ففي العراق، أصبح الحزب الشيوعيّ العراقيّ القاطرة الرئيسة للتنظيم والتعبئة بين المثقّفين والطلاّب والعّمال، بل حتّى الفلاّحين، ما وجد تتويجه في موقعه المسيطر بعد ثورة 1958 التي أطاحت الملكيّة. إلاّ أنّ ذلك لم يطل أمره: فهم سريعاً ما جُعلوا ضحايا المراوغة السوفياتيّة والمؤامرات البعثيّة، ما أدّى إلى مجازر نزلت بالشيوعيّين وكافّة المعارضين السياسيّين، للمرّة الأولى مع الانقلاب البعثيّ في 1963، ثمّ وبشكل أكثر منهجيّة بكثير مع انقلاب 1968 الذي أتى بصدّام حسين إلى السلطة.

وما تنبغي ملاحظته إذا ما وضعنا السياسة جانباً، أنّ العقليّات الشعبيّة وأنماط الحياة كانت قد تعلمنت على نحو عميق في سياق القرنين التاسع عشر والعشرين. وهذا ليس للقول إنّ الناس تخلّوا عن إيمانهم وورعهم (مع أنّ ذلك قد اختلط أمره لدى كثيرين)، بل إنّ حدود الحياة الطائفيّة والمحلّيّة المحكومة بالسلطة الدينيّة، وبتحقيب الزمن طقسيّاً، تعرّضت للكسر على يد الحركيّة [الاجتماعيّة] والفرديّة وصعود مجالات للثقافة والترفيه لا علاقة لها بالدين، بل مشاكسة لسلطته.

فالتعلّم، ودخول العلم والتقنيّة الحياة اليوميّة، والإعلام والمجالات العامّة، والترفيه الرياضيّ والموسيقيّ، وفوق ذلك كلّه السينما، خلقت لغالبيّة الناس العاديّين عالماً ذهنيّاً ذا طاقة على الامتصاص والاتّساع بما يتجاوز الطائفة والدين. ثمّ آل التلفزيون إلى مزيد من تثوير المجالات هذه. أمّا البثّ الإذاعيّ للمادّة والعظات الدينيّة فلم تحل أهميّته المؤكّدة دون تزمينه، إذ أُخضع لبرامج البثّ التي قدّمته قريباً من الأغاني والرقص.

ممرّ السلطة

كان على سياسات المنطقة أن تشهد تحوّلات حاسمة بعد «الثورات» القوميّة، وكلّها انقلابات عسكريّة، التي عرفتها الخمسينات والستينات. فهذه دشّنت نُظماً لطُغَم عسكريّة شملت عبد الناصر في مصر، والبعث في سوريّا والعراق (إثر الحكم العسكريّ ذي السمعة الألطف لعبد الكريم قاسم)، وجبهة التحرير الجزائريّة في الجزائر، والقذّافي في ليبيا، وبضع تنويعات في اليمن. وقد وجدت تلك النُظم رعايتها في الحرب الباردة والعون السوفياتيّ، فضلاً عن الأنماط السوفياتيّة في «الاشتراكيّة» الدولتيّة، وإن سُمّيت «اشتراكيّة» عربيّة، بل إسلاميّة حتّى. وفي الواقع فإنّ الأنظمة هذه وضعت حدّاً لتعدّديّة وبرلمانات هشّة أقامتها الدول المستعمِرة ومقرّبوهم الذين تعاقبوا على الحكم، كما أمّمت الاقتصاد، وبهذا صفّت المراكز الاجتماعيّة - الاقتصاديّة للسلطة والمُلكيّة وصلّبت قبضة الدولة التوتاليتاريّة. وتمتّع بعض هذه الأنظمة، لا سيّما نظام عبد الناصر، بالدعم والثناء الشعبيّين الواسعين في مصر والعالم العربيّ. إلاّ أنّها ارتكزت على تعاهُد اجتماعيّ تُقدّم بموجبه السلع الاقتصاديّة وفرص العمل والاصلاحات الزراعيّة والخدمات الاجتماعيّة مقابل الإذعان. وكان لقطاعات عدّة من اليسار أن دعمت هذه الأنظمة بحماسة للاشتراكيّة المنسوبة إليها. فبعد كلّ حساب، كان الكثير من اليسار آنذاك يهزأ بـ«الديموقراطيّة البورجوازيّة» بوصفها زائفة وقمعيّة، معطياً الأولويّة للتنمية والمساواة والتوكيد الوطنيّ. وقد بدت المواقف القومية والعسكريّة أساسيّة لهذه الأنظمة في مجابهة إسرائيل والمؤامرات الإمبرياليّة. وفي النهاية فإنّ الصعود البطوليّ لعبد الناصر إنّما نهض على تأميم قناة السويس، ومجابهة «العدوان الثلاثيّ» لبريطانيا وفرنسا وإسرائيل في 1956. فكان الاستعداد العسكريّ والانفاق الضخم والكثير من العون السوفياتيّ أحجار زوايا الأنظمة. وجاءت هزيمة حرب الأيّام الستّة في مواجهة إسرائيل في 1967 كصحوة رضِيّة وعلامة على فشل النظام الناصريّ، الشيء الذي ترك آثاراً سيكولوجيّة وسياسيّة عميقة، وأعطى مزيداً من الصدقيّة للتحدّي الإسلاميّ.

والحال أنّ الأنظمة العسكريّة عبّدت الطريق لمجيء طرق سلاليّة في الحكم. فهي اجتثّت السياسة عبر السحق العنيف لكلّ صوت بديل من اليسار وبقايا الليبراليّين والإسلاميّين. وهي اجتثّت أو دمجت مؤسّسات الدولة والمجتمع وروابطهما وكلّ مركز محتمل للسلطة الاجتماعيّة خارج النظام. فالاتّحاد الاشتراكيّ العربيّ في مصر، وحزب البعث في العراق وسوريّا، والجماهيريّة في ليبيا، باتت هي مؤسّسات السيطرة والقمع في أيدي الأنظمة.

وفي السبعينات والثمانينات انكسرت «الاشتراكيّة والتعاهُد الاجتماعيّ مع انحسار النفوذ السوفياتيّ وسيطرة الثراء النفطيّ للخليج والرعاة الأميركيّين لأنظمته، فيما كانت سنوات حكم رونالد ريغان وإجماع واشنطن يطالبان بالتعديلات [الاقتصاديّة] البنيويّة، وبوقف الإعانات والخدمات، وبالخصخصة والانفتاح (على الرساميل والاستثمارات).

وكان التعاهد الاجتماعيّ الذي نجم عنه إيصال السلع إلى السكّان مقابل خضوعهم قد بدأ بالتآكل التدريجيّ منذ السبعينات في مصر، ثمّ في البلدان الأخرى، كما أنهكته في العراق الحروب المتتالية، المكلفة والمدمّرة، مصحوبة بالعقوبات (ضدّ إيران ثمّ الكويت).

وبدورها أدّت الخصخصة والرأسماليّة، كما هو معروف جيّداً، إلى نقل أملاك للدولة ووضعها في حلقة ضيّقة من الأتباع الدائرين حول سلالات الوجوه الحاكمة، ما فتح الطريق إلى مزيد من الأرباح من خلال العقود والرُخص والفساد الواسع. وقد استمرّ القمع إلاّ أنّه غدا الآن مصحوباً بالإفقار التصاعديّ لعدّة قطاعات من السكّان.

في وضع كهذا غدا البوليس وأجهزة الأمن أكثر من أيّ وقت اقتحاماً لحياة الناس معزّزاً بسلطات اعتباطيّة من العنف والإذلال. وكان على الناس، خصوصاً منهم الشبّان، أن يواجهوا الصلة اليوميّة بما بات يُسمّى «دولة كلّ يوم». وهذه لم تكن دولة قانون أو مؤسّسات أو بيروقراطيّة منظّمة، بل دولة مرتكزة على سلطات وشبكات تتجاوز المؤسّسات والقوانين التي تعرّضت للإضعاف. ففي مصر، ذات السجلّ التاريخيّ في المؤسّسات والبيروقراطيّة والقضاء المناضل في سبيل استقلاله، كان لقوانين الطوارىئ المعلنة في 1981 (والتي وسّعت العمل بأحكام سابقة مشابهة)، أن تجاوزت كلّ تلك الإيجابيّات القانونيّة، مانحة البوليس والمحاكم العسكريّة سلطات غير محدودة.

دورة النكوص

أيّ دور لعبته الأساليب المختلفة من السياسة، كما عُرضت أعلاه، في هذه الأطوار المختلفة؟

لقد كانت السياسات الإيديولوجيّة الحديثة للأحزاب والمواطنين في أساس الأنظمة القوميّة الأصليّة. فهي انهمّت بتعبئة وتطويع الناس على قاعدة الوحدة القوميّة ومواجهة الأعداء والوعود بتنمية اقتصاديّة ومستقبل مزدهر ومساواة وكرامة المواطنين. وهكذا بدت علناً في تعارض مع العشائريّة والتجمّعيّة الإثنيّة أو الدينيّة وكلّ أشكال الولاء الأهليّ التي تخرّب الالتزام الوطنيّ. بالطبع، كان الواقع مختلفاً في الغالب، لكنّ هذا الالتزام بقي، في سائر الأحوال، مِعلماً مهمّاً على الحكم والشرعيّة. وهي، أيضاً، كانت «علمانيّة»، لكنْ ليس بمعنى الرفض الصريح للدين، بل بالعكس: فجميع قادتها قدّموا احترامهم اللفظيّ للمؤسّسات والطواقم الدينيّة الرسميّة وغير السياسيّة كما رعوها. غير أنّهم دفعوا الدين، إلى حدّ بعيد، خارج الدولة والمسائل القانونيّة والتعليم. وكان أن حُرّرت، بصورة خاصّة، القوانين الحسّاسة المتعلّقة بالعائلة والجندر في مصر وسوريّا والعراق، بعيداً عن الفقرات التاريخيّة التي تحملها الشريعة. فتعليم الإناث ومشاركتهنّ تمّ تشجيعهما وتسهيلهما. كما صير إلى دمج المنظّمات النسائيّة، مثلها مثل كافّة أنشطة المجتمع المدنيّ، في الأحزاب الحاكمة وفي الدولة.

وقد صدرت التحدّيات الأساسيّة عن قطاعات في اليسار وفي السياسة الإسلاميّة، والطرفان كانا مقموعين ومنسحبين إلى العمل السرّيّ. إلاّ أنّ الشبكات الإسلاميّة حظيت بامتياز القدرة على العمل عبر المساجد ومؤسّسات الإحسان، وكذلك القدرة على توزيع السلع والخدمات وفرص العمل. وهذا ما تزايدت أهميّته بعد انكفاء الدولة عن توفير الخدمات والمعونات، بحيث غدا الممرّ إلى سياسات الطائفة والزبونيّة. وفي ظلّ دخول الديكتاتوريّات طورها السلاليّ، باتت مزاعم القوميّة والتنمويّة أكثر خواء من أيّ وقت سابق، لا سيّما في حالة مصر، وذلك في ضوء انقياد النظام للمصالح الأميركيّة وتواطؤه الضمنيّ مع إسرائيل.

لقد أصبحت الأحزاب الحاكمة، كمثل البعث، قاطرات لسيطرة الشلل السلاليّة والولاء لها. في الوقت ذاته، ومع انسحاب الدولة من حقل السلع والخدمات الاجتماعيّة، ومع انعدام الأمان الذي تخلقه مضايقات البوليس وإذلاله، ازداد اندفاع الأفراد في طلب أيّة شبكة حمائيّة ممكنة، أكانت عائليّة أو عشائريّة أو جهويّة، أو ذات سلطة دينيّة طائفيّة، لا سيّما لجهة توفير هذه الروابط الدينيّة السلع والخدمات الاجتماعيّة.

وقد قامت الأنظمة نفسها برعاية هذه الشبكات غير الرسميّة للقرابة والدين والزبونيّة عبر توزيع العطايا من خلال القادة والرؤساء. فأحزاب البعث والوطنيّ في مصر رعت علاقات الزبونيّة والسيطرة هذه، وقد وفّر صدّام حسين المثل الأشدّ تعبيراً عن ذلك: فهو عندما واجهه إضعاف قدرة النظام على السيطرة، بفعل الخسائر التي أنزلتها حروب التسعينات وعقوباتها، تولّى إحياء، أو بالأحرى بناء، الفيدراليّات العشائريّة. هكذا سلّح الشيوخ (الذين اختُرعوا بسرعة واعتباط) وأعطاهم سلطات قانونيّة على أعضائهم. حصل هذا بعد إدانة العشائريّة في عزّ الأيّام القوميّة، حيث نُظر إليها بوصفها متخلّفة ورجعيّة وخطراً على الوحدة الوطنيّة.

هكذا احتُفل بالعشائر في التسعينات بوصفها التجلّي للتقاليد العربيّة الأصيلة، وأنّها، بصفتها هذه، جزءاً من التراث القوميّ العربيّ.

إعادة تنظيم الشبكات

يمكن النظر إلى تحوّلات النصف الثاني من القرن العشرين من خلال التغيّرات التي طرأت على ما قد يُسمّى «وحدة النجاة».

فتاريخيّاً، كانت وحدة النجاة هي تلك الروابط والتضامنات ذات الخصوصيّة، من قرابة وقبيلة ودين وطائفة وشبكات للزبونيّة والتبعيّة. فلكلّ شخص سيّد وزبون، وأمنه/ها ومعيشته/ها يعتمدان على الوحدات التي تعشّش فيها تلك العلاقات. فعمليّات الحداثة حرّرت الأفراد، في حدود مختلفة، من هذه التبعيّة الجماعيّة عبر خلق أسواق عمل غير مشخصنة وأشكال من الروابط والتضامنات مستمدّة من مصالح وإيديولوجيّات وحركات اجتماعيّة - سياسيّة بالطريقة التي توسّعنا فيها أعلاه.

والعمليّات هذه كانت محدودة، إلى هذا الحدّ أو ذاك تبعاً للزمان والمكان. ذاك أنّ دور روابط التضامن الأولى استمرّ بشيء من التأثير، إلاّ أنّه غالباً ما تعرّض للتحويل وإعادة البناء على يد العمليّات الجديدة. فقد غدا البقاء مرتبطاً بدوائر ووحدات مختلفة لعبت فيها الدولة الحديثة، خصوصاً وجهها الرفاهيّ، دوراً مهمّاً في حدود قيام أجهزتها بضمان درجة من الأمن الفيزيائيّ وبتوفير التعليم والكثير من فرص العمالة ومن السلع والخدمات الاجتماعيّة. والتقديمات هذه، وإن نهضت أحياناً على الزبونيّة والصلات غير الرسميّة، إلاّ أنّها، مع هذا، عملت على نحو فرديّ إلى هذا الحدّ أو ذاك. لكنّ الأثر الذي أحدثه الطور السلاليّ للأنظمة السلطويّة هو أنّه دفع إلى الوراء الكثيرين من الأفراد والعائلات فاستظلّوا بوحدات النجاة المؤلّفة من شبكات جديدة أو مُعادة البناء، طائفيّة ومشخصنة، لعب الدين فيها دوراً مهمّاً.

وكانت هذه العمليّة على أوضح ما يكون في العراق. فالسبعينات كانت عقداً حميداً نسبيّاً للبلد، إذ تراخت بربريّة القمع البعثيّ الذي شهدته بداية النظام في 1968. وبالفعل فإنّ صدّام جرّ الحزب الشيوعيّ العراقيّ إلى حكومة ائتلافيّة (ما لبثت أن تبدّت بعد سنوات قليلة كارثة كبرى على ذاك الحزب الذي استُنفد دوره لمصلحة النظام فذُبح مجدّداً).

لقد أدّى ارتفاع أسعار النفط إلى مضاعفة العوائد متيحاً مجالات سخيّة من خدمات الرفاه والتعليم والصحّة والإسكان، ومفضياً إلى رفع مداخيل الطبقات الوسطى والإنتلجنسيا، وكلّ هذا من ضمن نبرة تنمويّة وقوميّة. كذلك انحاز التشريع والسياسات إلى المرأة في العائلة والمجتمع، في موازاة إجراءات هدفها الحدّ من السلطة الدينيّة والسيطرة الأبويّة. وكان هذا جزءاً من البرنامج البعثيّ للسيطرة على الولاءات الاجتماعيّة والفرص التي توفّرها الحياة. ولئن استمرّ قمع كلّ أشكال الانشقاق أو التحدّي عنيفاً واعتباطيّاً، إلاّ أنّ أولئك الذين بقوا ضمن النظام، بمن فيهم لفترةٍ الحزب الشيوعيّ، شعروا بالأمان النسبيّ.

وبالنسبة إلى قطاعات معتبَرة من السكّان، أصبحت الدولة مصدراً مهمّاً للبقاء وتأمين المعيشة والحصول على المكانة والخدمات العامّة. فالنظام، وبشكل صريح، هاجم الوحدات الأهليّة للعشيرة والقرابة والطائفة الدينيّة، مع استثناء لعشيرته الحاكمة وحاشيتها.

هذا كلّه انتهى مع العقود التي شهدت المغامرات العسكريّة للنظام، ابتداء بحرب إيران في 1980، ثمّ حرب الكويت في 1990-1991وما تلاها من عقوبات فرضتها الأمم المتّحدة، انتهاء بالغزو الأميركيّ في 2003.

خلال تلك العقود، ومع تعاظم الندرة في الموارد والإتلاف الذي تحدثه الحروب، قلّص النظام على نحو حاد خدماته العامّة، مُفقراً السكّان بمن فيهم الطبقات الوسطى والانتلجنسيا، كما كثّف قمعه العنيف، فيما غدا أكثر من أيّ وقت سابق طائفيّاً وعشائريّاً. فبصورة دائمة التزايُد راحت تُضخّ الموارد بالاتّجاه الذي يخدم السيطرة والولاء، وتعاظم دفع الشعب إلى الاحتماء بالطوائف وشبكات الرؤساء المحليّين، كما أنّ خطوط الالتحاق الزبونيّ بالنظام والحزب أصبحت المعابر إلى البقاء.

في غضون هذه العمليّة تمّ تفريغ الدولة والحزب وتجاوزتهما الشبكات المشخصنة للعشيرة والجماعة. حتّى معايير القيادة العسكريّة أُخضعت للروابط غير الرسميّة: فالضبّاط ذوو الرتب الدنيا الذين يملكون الصلات المفيدة بات في وسعهم أن يتحدّوا من هم أعلى رتبة منهم. أمّا «علمانيّة» النظام فانقلبت إلى «حملة الإيمان» الرسميّة، بينما صير إلى تجاهل تشريعات العائلة لصالح سلطات دينيّة وطائفيّة، وأُقرّت «جرائم الشرف» وعوقبت برفق، هذا إذا كانت قد عوقبت أصلاً.

في ظلّ هذه الشروط، فإنّ السياسة الوحيدة الممكنة كانت سياسة القرابة والصلات، مع جرعة رفيعة من الدين. فقد استُهدف الشيعة، وكان ذلك ناجماً إلى حدّ بعيد عن أنّ مؤسّساتهم وعوائدهم الدينيّة لم يكن من الممكن تصفيتها كلّيّاً، على رغم الكثير من العنف والاغتيالات، وقد ولّت شبكات المؤسّسات والطواقم الشيعيّة إلى خارج حدود العراق، خصوصاً إلى إيران.

وعندما تولّى الغزو إزاحة النظام، فإنّ سياسات الطوائف والدين كانت السياسات الوحيدة التي تملك قاعدة وموارد شعبيّة. فالسياسة الإيديولوجيّة للعقود الأبكر من القرن العشرين كانت قد استؤصلت: فالحزب الشيوعيّ الذي كان ذات مرّة شعبيّاً، أحيل إلى ظلال، يعيش معظمها في المنافي، خصوصاً بعد انهيار العالم السوفياتيّ.

يبدو إذاً أنّ السياسات «العشائريّة» والدينيّة ليست حكراً على المنطقة، بل هي عامّة تاريخيّاً. فالحداثة السياسيّة قد تأصّلت في الشرق الأوسط، وهي، وكما في معظم المناطق الأخرى، تعايشت مع أشكال مُعادة البناء من الروابط الأهليّة والدين. أمّا سيطرة هذه الأشكال الأخيرة فليس دليلاً على طابع جوهرانيّ ما للشرق الأوسط، بل هي نتاج شروط اجتماعيّة وسياسيّة محدّدة. فإبّان طورها الدولتيّ و«الاشتراكيّ»، صفّت الأنظمة القوميّة التوتاليتاريّة، أو أدمجت، كافّة المنظّمات السياسيّة والمراكز الاقتصاديّة - الاجتماعيّة للسلطة. وبانحطاطها إلى حكم سلاليّ ورأسماليّة تابعة، غدت مزاعمها الإيديولوجيّة وجاذبيّتها الشعبويّة بلا مضمون، كما راحت تعتمد، على نحو متزايد، على القمع والروابط المشخصنة للزبونيّة والقرابة والدين.

وتخلق إزاحة هذه الأنظمة، خصوصاً في عراق ما بعد الغزو، فراغاً سياسيّاً في ظلّ غياب المنظّمات والمؤسّسات التي يمكنها رأب الصدع. هكذا يتقدّم الرؤساء الطائفيّون والعشائريّون وسلطاتهم لملء الفراغ، مدعومين بالقوّة الغازية في بحثها اليائس عن قيادات محلّيّة، وعرضة لاستغلال الدول المجاورة بما يخدم أهدافها. أمّا الجماعات والأفراد العاملون لبرامج سياسيّة تقوم على المواطنة والإصلاحات الاقتصاديّة فهم إمّا لا يملكون قاعدة مؤيّدة أو يملكون القليل منها. وفي العراق تنقسم الحكومة والاقتصاد ما بين أحزاب طائفيّة متنافسة، كلّ منها يسيطر على وزارات وينخرط في عمليّة نهب مفتوحة للبلد وعوائده البتروليّة، في ظلّ رئيس حكومة ضعيف يحاول أن ينشىء لنفسه سلطات ديكتاتوريّة. وحتّى الآن فإنّ الأثر الذي تخلّفه الأحزاب السياسيّة والإعلام والمحتجّون لا يبدو لافتاً. فهم يجهدون، على قلق، للحفاظ على الفسحات الحرّة التي قامت بعد الغزو وتعاني اليوم التهديد والمضايقة المتواصلين.

حيّز التغيير

من المهمّ أن نلاحظ أنّ «الديموقراطيّة»، معرّفةً بالانتخابات، ومهما كانت حرّة، تساهم في إضفاء الشرعيّة على الوضع هذا. فالانتخابات تعبّىئ دوائر التأييد الأهليّة والطائفيّة كما تمنح الشرعيّة لتقاسم السلطات والموارد بين سياسيّين فاسدين يقفون على رأس وزارات تتحوّل مصدراً لموارد الجماعات والشبكات. وهكذا فإنّ الانتخابات من دون أطر مؤسّسيّة ووقايات قانونيّة إنّما تعزّز السلطويّة الأكثريّة والطائفيّة.

والعراق، بالتأكيد، حالة خاصّة ومميّزة، تبعاً لـ «تحريره» على يد غزو أجنبيّ. أمّا البلدان التي تندرج اليوم في انتفاضات «الربيع العربيّ» فمتنوّعة تنوّع عمليّة التغيّر السياسيّ. فالحقل السياسيّ والإعلام المعارض في مصر لم يسبق للنظام أن استأصلهما كلّيّاً، وبعد «الثورة» ظهرا إلى الوجود. وقد رفعت المجموعات التي قادت الانتفاضة شعارات الحرّيّة والإصلاح والعدالة الاجتماعيّة، مع القليل من التوقّف، أو من دونه، عند هموم السياسة الإثنو- دينيّة التي سبق أن حرّكت المعارضات.

مع هذا فإنّ قاعدة مثل هذه السياسة وتنظيمها غير قائمين، إذ صُفّيا في السنوات الكثيرة للديكتاتوريّة. في كافّة الحالات فإنّ إزاحة حسني مبارك وحاشيّته لم تغيّر النظام. أمّا الحكّام العسكريّون الحاليّون، العميقو التورّط في النظام القديم، فليسوا في وارد التخلّي وتسليم السلطة لممثّلين منتخبين ليسوا تحت سيطرتهم. وبدورها فالشبكات الدينيّة والرؤساء الجهويّون يسعهم أن يعبّئوا الأصوات والدعم، كما يظهر تحالف ضمنيّ بينهم وبين الجيش ضدّ القوى الليبراليّة التي شكّلت رأس رمح الثورة.

وتبدو سوريّا أكثر إشكاليّة في هذا المعنى. فهناك سيكون من الصعب تصوّر سيناريو للانتقال السياسيّ في حال سقوط النظام. لقد انطلقت الحركة في سوريّا من المناطق الفقيرة والهامشيّة، لا سيّما درعا، ومن سكّان بلغوا حدود الألم من جرّاء الإفقار والاضطهاد، كما قدحها عمل بربريّ من العنف والإذلال أقدم عليه المحافظ. وما لبث أن دخل على خطّها الانتلجنسيا والجيل الأصغر بشعارات الحرّيّة والعدالة الاجتماعيّة، تماماً كما فعل مماثلوهم في مصر وأمكنة أخرى.

وما يواجه هؤلاء نظام عنيد، تتركّز قوّته في علاقات التضامن الطائفيّ والقرابيّ، بحيث أنّ تهديد الواحد تهديد للجميع. وهناك بالطبع عواطف طائفيّة في دوائر عدّة للمعارضة، وهناك التذمّر السنّيّ من السيطرة العلويّة، ووراءه تاريخ طويل من الصراع والاضطهاد، خصوصاً المجزرة التي نزلت بالمتمرّدين الإسلاميّين في حماة عام 1982، حين قُتل من قُدّروا بعشرة آلاف بقصف مدفعيّ على المدينة دمّر قلبها التاريخيّ.

فإلى أيّ حدّ تأثّرت الحركة الراهنة بهذه العناصر الطائفيّة، وإلى أيّ حدّ أثّرت فيها السياسة الكونيّة للمتظاهرين المدينيّين؟ هذا ما لا نعرفه، لكنّنا نعرف أنّ قوى المعارضة تبدو مجزّأة ومقسّمة، ولسوف يكون من الصعب أن نتخيّل سيناريو مرجّحاً لـ«الثورة» أو الانتقال. فالمحتجّون السلميّون فشلوا، وكثيرون من المراقبين يتوقّعون تغيّراً باتّجاه المعارضة المسلّحة والحرب الأهليّة. وفي ظلّ غياب أو ضعف المنظّمات أو المؤسّسات المدنيّة السياسيّة، هل يُقدّر أن تكون القوى الأساسيّة التي ستخوض الحرب الأهليّة قوى مناطقيّة أو طائفيّة مدعومة بأطراف إقليميّة تتعاطف معها (السعوديّة مقابل إيران؟).

في الخلاصة، دعوني أتقدّم بمحاولة ضعيفة لموازنة السيناريو المتشائم الذي يبدو ظاهراً من تحليلي. لقد كسرت أحداث «الربيع العربيّ» قالب استبداديّة النظام والعجز الشعبيّ، كائناً ما كان مدى الإشكاليّة التي ستنتهي إليها النتائج في البلدان الشديدة الاختلاف في ما بينها. وقد حضر إلى الواجهة جيل جديد من الناشطين السياسيّين ممّن يؤازرهم الإعلام الاجتماعيّ الحديث. وهؤلاء ذوو سياسة منعشة في اهتمامها الكونيّ بالحرّيّة والعدالة الاجتماعيّة. فلنأمل أن ينجح هذا الجيل، مع الزمن، في بناء القواعد والروابط والمؤسّسات التي تستطيع تشكيل أساس لديموقراطيّة المستقبل.

(نقله إلى العربية حازم صاغية)

[1] تُرجم هذا النصّ عن الانكليزيّة حيث نشره موقع Open democracy في 21 أكتوبر 2011. http://www.opendemocracy.net/sami-zubaida/arab-spring-in- historical-perspective

 




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬