ناصر الرباط

يبدو جلياً اليوم أن من أهم ما سيواجهه الانسان العربي في فترة ما بعد الثورات العربية سيكون إعادة التفكير في العلاقة بين الحرية والهوية. فالحرية، تلك القيمة التي طال هدرها في الحياة الخاصة والعامة وفي الخطابات الرسمية وممارسات الدولة على امتداد التاريخ الحديث للعالم العربي، تتقاطع مع الانتماء للوطن أو الأمة أو الدين أو الطائفة أو العرق أو الطبقة في عمليتي شد وجذب ربما كانتا من أهم عوامل تكون هوياتنا وتاريخنا المعاصرين. فنحن كأفراد ننتمي لجماعات تقليدية الطابع عموماً تحد من حريتنا بالضرورة مراعاة لهوية الجماعة، أو إرادة المتكلمين باسم الجماعة إن حقاً أو غصباً، مقابل منحنا الشعور بالانتماء وربما بعضاً من الحماية. ونحن أيضاً كجماعات نعيش في ظل جماعات أقوى وأعتى داخل بلادنا وخارجها قد لايكون لها مصلحة في تحقيقنا للانسجام بين حريتنا وانتمائنا.

وعليه فإن إعادة التوازن بين الحرية والانتماء في تكوين الفرد والجماعة في دساتيرنا وقوانيننا القادمة أكثر من ضروري على ضوء فداحة غياب الحرية كحق فردي واجتماعي في العالم العربي وهدرها من قبل غالبية السلطات الحاكمة والمتحكمة فيه، حتى تلك التي وجدت نفسها مؤخراً في الموقع الريادي بعد الثورات التي انتصرت أو تلك التي في طريقها للانتصار.

فالفهم القاصر للحرية لا يقتصر على الأنظمة الحاكمة أو تلك التي كانت حاكمة حتى وقت قريب والتي تعودنا على توجيه اللوم لها فيما تعانيه الشعوب العربية عموماً من إحباط وتخلف وقمع (وهي تستحق هذا اللوم وأكثر منه)، بل يتجاوزها إلى العديد من المؤسسات التقليدية والأهلية في مجتمعاتنا وإلى العديد من الأفراد الفاعلين والمؤثرين فيها.

فهم وإن تغنوا بغالبيتهم بالحرية، خصوصاً اليوم على وقع صعود الثورات العربية، فهم يفهمونها فهماً حصرياً واستئصالياً ولا يمانعون في سلبها من غيرهم ممن لايشاركونهم أفكارهم أو عقائدهم أو أسلوب حياتهم، مع أن الأرضية المعرفية الفعلية للحرية كمبدأ سياسي تستوجب تعميمها على كل الجماعات والأفراد مهما تخالفوا في الفكر والإدراك والمنظور والأصل والدين والجنس والطبقة الاجتماعية والمستوى الاقتصادي وطريقة الحياة. ولا أظن أن تقنين الحرية ضمن شروط سياسية أو عقائدية، كما تفعل كل الخطابات العربية اليوم بغض النظر عن توجهها الديني أو السياسي مُحق أو مُجد. فأي تحديد سياسي أو اجتماعي أو ثقافي للحرية خارج الدستور والقانون (اللذين ينظمان ممارسة الحرية) يعيدنا لمنظومة معرفية شمولية تحصر الحرية ضمن حدود تعريف الجماعة لنفسها ولرؤيتها واعتقادها ومدى تقبلها للنقد والتغيير، أي أنها بمعنى آخر ترهن مفهوم الحرية بمدى قدرة الجماعة، أو من يدعي التكلم باسمها، على تقبل مايخالف أسس معرفتها التقليدية والمتعالية بنفسها.

هذا هو الشرخ المعرفي العميق الذي واجهته وما زالت تواجهه الغالبية العظمى من قضايا الحرية في عالمنا العربي. أفراد وجماعات يطالبون بحريتهم، وأنظمة وحركات ومؤسسات وأفراد يهاجمونهم ويدينونهم وينزلون بهم أشد العقوبات بتهم مختلفة ومتناقضة أحياناً. ولكنها تصب جميعها في خانة الخروج عن الجماعة وتهديد أمنها أو نظامها أو عقيدتها أو ترابطها الاجتماعي أو أهدافها السياسية المنشودة، أي خانة وضع الجماعة المتصعدة فوق حقوق الفرد أو حقوق الجماعة الصغيرة المغايرة بالمطلق. ولا فرق أساسياً حقاً بين ما تدعيه الأنظمة الحاكمة عندما تغتصب حرية الأفراد بحجة الأمن والنظام ومكافحة العدوان والمؤامرات الخارجية أو مقارعة الإرهاب - هذه التهمة المُحدثة والمُستوردة والتي تفّصل على كل المقاسات - وما تدعيه الحركات الدينية الأصولية أو الأيديولوجية المغالية عندما تسفه أو تخون أو تغتال آراء بعض الأفراد (أو الأفراد أنفسهم أحياناً. بحجة مروقهم وضلالهم أو تحجرهم وتشددهم، أو ما يقرره الكثير من صناع الرأي المؤدلجين في الصحف والإذاعات والقنوات الأرضية والفضائية عن خروج معارضيهم المطالبين بالحرية عن قيم المجتمع وعقائده وتراثه، أو ارتباطهم بجهات أجنبية (من دون أي دليل حقيقي طبعاً)، وما شابه ذلك من الاتهامات التي لا تتناول أبداً لب المشكلة. فكل هذه الجهات تصدر عن فهم مبتسر وسطحي للحرية كحق إنساني وسياسي وفكري مصان، فهم متناقض لأنه يحاول حصر مفهوم الحرية التحرري ضمن إطار المنظومة المعرفية ما قبل الحداثية التي ترى في الفرد دوماً عنصراً متناهي الصغر وقليل الأهمية، لا رأي خاص له ولا إرادة واعية له منفصلة عن إرادة الجماعة التي تشكل
هويته (أو هويتها).

والأنكى من ذلك أن هذه السلطات الثلاث تتوافق في اعتمادها على التشكيك بانتماء الفرد المخالف لمجتمعه وبانصياعه لمصلحة مجتمعه، على أساس أن من خالف الجماعة فهو ليس منها. أي أنها تلجأ لسلاحي العزل والتخوين، أو النفي أو هدر الدم أو الاستئصال أحياناً، كأداة لخلق تباين حدي بين الفرد الحر والمجتمع، رافضةً حتى مناقشة فكرة أن الحرية الفردية ليست بالضرورة منابذة للمجتمع. بل ربما كانت، كما في حال العديد من ثوارنا الشباب في أكثر من بلد عربي مؤخراً، التزاماً واعياً بالمجتمع ونضالاً من أجل نهوضه من كبوته التي طالت. بل إني أجزم أن انتماء الكثير من هؤلاء الأفراد لمجتمعهم أقوى وأصلب عوداً وأكثر التزاماً بقضاياه الحقيقية من الكثير من مهاجميهم ومضطهديهم.

الحرية وتاريخنا الحديث

لا غرابة في هذا الوضع من وجهة النظر التاريخية. فالثقافة العربية المعاصرة حتى بداية القرن الواحد والعشرين لم تصغ مقاربتها للحرية مباشرةً ومن منطلق تخلقها وتطورها بذاتها إلا لومضات قصيرة ومنفصلة. وهي بالتالي لم تمر بالهزات النفسية والهوياتية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية العميقة التي مرت بها بعض المجتمعات الأخرى خلال عبورها لعصر كفاحها في سبيل الحرية بمعناها الأشمل كأساس لمنظومة معرفية وسياسية واجتماعية حداثية، كما حصل للأمم الأوروبية خلال القرن التاسع عشر الطويل والأمم الآسيوية والأميركية اللاتينية في النصف الثاني من القرن العشرين. بل إن الحداثة، ومستحقاتها من هياكل فلسفية ومعرفية وقانونية وسياسية واجتماعية واقتصادية وتكنولوجية، قد فرضت على الثقافة العربية فرضاً في ظل التدخل الأوروپي الذي مهد للاستعمار الحديث وما تلاه من ظهور الدول الوطنية بأنظمتها الإدارية والسلطوية المستوردة في القرن التاسع عشر، وصعودها ثانية في النصف الثاني من القرن العشرين بعد جلاء المستعمر. واحتار مفكرونا وعلماؤنا وناشطونا وسياسيونا في القرن التاسع عشر عندما جوبهوا بضراوة هجوم الغرب المتنامي السيطرة الذي ابتدأ يهدد سلطتهم في بلادهم بعد أن كان قد قضى على أي نفوذ لهم خارجها. فقرروا إما تقليده لتلافي تهديده ومن ثم مجابهته، أو الانكفاء على أنفسهم وتناسي التحدي آملين بحل ما. وعندما فوجئوا بالغرب ينزل عليهم مضاربهم محتلاً ومستغلاً ويجبرهم على التصرف وفق هواه ووفق مخططاته الاستعمارية اضطروا للانصياع بعد هزائمهم العسكرية والسياسية المتتالية. ولكن مدى استيعابهم للنموذج الغربي الحداثي والتحرري، سواء منه المقتبس محلياً أو المفروض استعمارياً، لم يتجاوز المظاهر والقشور. فلا الحكام المحليون وأعوانهم ولا المندوبون الساميون المعينون من عواصم الاستعمار وإداراتهم كانوا فعلاً معنيين بتهييء تربة صالحة لبزوغ حداثة فكرية وسياسية خاصة بالشعوب العربية، نابعة من إدراكها ومعاناتها وتعاملها مع معطيات العصر الجيوسياسية والعلمية والفكرية والتكنولوجية. ولا المفكرون والمنظرون والمصلحون، الذين رأوا في الأنظمة الفكرية والثقافية والسياسية الحداثية التي استشفوها من خلال تعاملهم مع الغرب ضرورة حضارية لنهضة مجتمعاتهم، تمكنوا من توطينها في بلادهم ومثاقفتها مع المنظومة المعرفية السائدة فيها أو من تحدي هذه المنظومة المعرفية بسلاح الحداثة نفسها تحدياً فعالاً وبعيد المدى كما فعل سابقوهم الأوروبيون. بل هم لم يزيدوا على أن أنزلوا المظاهر الحداثية تنزيلاً على القواعد المعرفية الموجودة من دون محاولات جادة وطويلة النفس لتطويرها أو مراجعتها ونقدها إلا فيما ندر (حالة مصر بعد محمد علي هي واحدة من بواكر هذه النوادر التي بدأت كإرهاص يفتش عن كيان سياسي متسلط جديد). وحتى في هذه الحالات النادرة لم يتح لهذه المظاهر أن تعمر طويلاً أو أن تنفذ عميقاً في الطبقات الجديدة المتعلمة، التي أنتجتها لأغراض وظيفية محددة من إدارة وجيش وصحة وتعليم وهندسة وتخطيط، ناهيك عن قلة تأثيرها على الطبقات المسحوقة والجاهلة أو بالأحرى المُجهلة التي أُدخلت رغماً عنها في عصر الحداثة ولم يُتح لها أن تجني من ثماره إلا ما زاد بؤسها بؤساً وجهلها جهلاً.

وهكذا حصلنا على «نظامنا الجديد. - كما عرفه محمد علي والسلطات العثمانية كل على حدة في بداية القرن التاسع عشر. وجيوشنا الجديدة وحكوماتنا الجديدة وشرطتنا الجديدة ومعاهد علمنا الجديدة ومخططاتنا العمرانية الجديدة. وبعدها، في القرن العشرين، حصلنا على دساتيرنا الجديدة وأعلامنا الجديدة وبرلماناتنا الجديدة وقوانيننا الجديدة وسجوننا الجديدة وجامعاتنا الجديدة ومدارسنا الجديدة ووسائل إعلامنا الجديدة، غالباً كمنحة مفروضة من الأعلى من دون كبير مشاركة أو إدراك من القاعدة. ولكننا لم نحصل على حداثتنا ولا على فكرنا الجديد ولا حرياتنا الجديدة إلا كبدايات واعدة في تلك اللحظات الوامضة القصيرة في النصف الأول من القرن العشرين التي اصطلح على تسميتها، تيمناً بإيطاليا القرن الخامس عشر،«عصر النهضة العربية». حينما سطعت أصوات حرة وقوية تسبر غور مجتمعاتها وتنقد هياكلها المتهالكة وتقترح أسساً جديدة وجادة وموضوعية للنهضة الحداثية. في رحم هذه الحركة النهضوية استطاع مصلحونا ومفكرونا وفنانونا وأدباؤنا النهضويون بعد نجاحهم في هضم واستعمال الأدوات الأساسية لحرفهم التي تعلموها من الغرب أن يصوغوا خطاباً متميزاً وأصيلاً ومتعلقاً ببيئته ومنتمياً لتاريخه مع تلاقحه في الوقت ذاته مع تيارات الثقافة الحداثية العالمية وتجاوبه معها وطرحه لحلول إنسانية واعية لمعاناة مجتمعاته. وقد دام هذا المشروع النهضوي لفترة قصيرة، واستفاد من فراغ الحرية النسبي الذي حققته حركات مقاومة الاستعمار في مختلف البلاد العربية قبل وبعد تحررها مباشرة. ولكنه لم يتمكن من تجاوز إطاره النخبوي تعليمياً وطبقياً والتغلغل إلى لب المجتمعات الشعبية التي بقيت غريبة عنه. بل إنه عجز عن مقاومة مد الأنظمة السياسية الشمولية والمذاهب الفكرية المعادية للحداثة التي عادت عموماً إلى الظهور خلال مرحلة الاستقلال أو مباشرة بعدها كردة فعل منطقية للتناقضات الاجتماعية التي تجاهلتها حركات التحرر البرجوازية أو حاولت حلها حلاً تجميلياً ومتعجلاً.

وجاءت مأساة فلسطين وخسارة الجيوش العربية الفادحة أمام المنظمات اليهودية عام 1948 وغرس إسرائيل في قلب العالم العربي لتعطي دفعة قوية للمطالبين بأنظمة سياسية  جديدة مغايرة لأنظمة إرث الاستعمار الغربي الذي دعم قيام دولة إسرائيل. ووجدت الأنظمة الثورية الساذجة والمتحمسة التي جاءت إلى السلطة بانقلابات عسكرية في أعقاب تلك الخسارة تحت شعارات رنانة من التحرر والتوحد العربي والعدالة الاجتماعية في التهديدات الصهيونية والاستعمارية والرجعية، الحقيقية منها والمتخيلة، المتكأ التي كانت تفتش عنه لتبرير اعتمادها نظاماً سياسياً شمولياً وإلغائها لتعددية الأصوات، «لئلا يعلو صوت على صوت المعركة،» على ما ادعت. واستخدمت في تثبيت نظامها الشمولي الجديد ما توافر لها محلياً من قواعد قمعٍ فكري تعود بمعظمها للأسس الاجتماعية التقليدية التي كانت قد ثارت ضدها في المقام الأول، مثل التزمت الديني والانقسام الطائفي والعرقي والهياكل القبلية والعشائرية ونظام المنح والعطايا كملينات لكسب الولاء وغيرها، وإن ألبستها لبوساً حديثاً شكلياً وإجرائياً وتقنياً. وقد استمرأت هذه الأنظمة لعبة السيطرة على الحكم لأجل غير مسمى وسياسة تكميم الأفواه بسبب وبدون سبب حتى عندما استبدلت شعارات المعركة بشعار السلام مع إسرائيل كخيار استراتيجي في السنوات الخمس عشرة الماضية.

وافق هذا التوجه مصلحة الغرب المسيطر، الذي استمدت الأنظمة منه أوراق توتها لتغطية عوراتها القبيحة، على الرغم من أن هذا الغرب نفسه دعم حركات التحرر التعددية في كل بقعة أخرى في العالم تقريباً ما عدا العالم العربي. فالغرب، وإن كانت أجهزة إعلامه وبعض مسؤوليه قد لمحوا بين الحين والآخر إلى حالة حقوق الإنسان المتدهورة في عالمنا العربي أو إلى انعدام الحرية السياسية فيه، فهو قد قاوم غالبية محاولات قلقلة أنظمتنا الشمولية، حتى إنه تردد في دعم الثورات العاتية عام 2011 في بدايتها ولم ينقلب ضد الأنظمة الدكتاتورية البائسة إلا عندما بان دبورها واندحارها. فالتعامل مع طرف واحد مستبد ولكنه قلق على كرسيه أسهل بكثير من إقناع شعوب بكاملها بحق الغرب في نفطنا بأسعار متدنية وبالسيطرة على أسواقنا بسلعه الاستهلاكية وعلى أجوائنا وبحارنا ومواقعنا الاستراتيجية بقواعده العسكرية وتكنولوجيته المتقدمة، والأهم من هذا وذاك، بحق اسرائيل في الوجود كما تريد وتدعي.

وهكذا انكفأنا كثقافة، وربما كأفراد، على أنفسنا بعد عقود من التسلط السياسي والاجتماعي والاقتصادي ووئد كل مشروع تنويري أو تحديثي أو حتى ديني أصولي يمكن أن يهدد شمولية الأنظمة وتسلطها بحجة أو بأخرى. وانغمسنا في مشاكلنا اليومية النابعة من تخلفنا وفقرنا والتي زادها تعقيداً رهاب أنظمتنا وعشوائيتها. وحاول الكثيرون منا الهرب من هذا الواقع إما بالهجرة خارج الوطن بحثاً عن حياة أفضل وعن مجالات أرحب لممارسة الحرية أو بالتقهقر خارج الزمن واستعادة ماضٍِ تخيلناه أكثر زهواً مما كان عليه ناسين أن العصر غير العصر، وأن المشاكل التي نعاني منها كمجتمعات وكشعوب هي مشاكل معاصرة لها جذورها ومسبباتها الحقيقية في تاريخنا الحديث وغطرسة حكامنا وتناقض هياكلنا الطبقية والانتاجية والاجتماعية والفكرية الجديدة وفي ضياعنا في دوامة العلاقات الدولية المعاصرة، وأن علينا التعامل معها وجهاً لوجه من منطلقات العصر ومكاسبه وإطاراته السياسية والاقتصادية والمعرفية. بدلاً من ذلك، انكببنا عموماً، بمتدينينا وأقلنا تديناً على السواء، على استعادة تراثنا وتقديمه بقالب حديث (بل شبه حداثي أحياناً)، مما أفقده في الحقيقة مصداقيته التاريخية وحوله إلى مسخ تراثي . حداثي، ليحل في مخيلتنا وفي خطاباتنا محل واقعنا المزري والمعتقل في سجون الأنظمة وأقبيتها والمحدد بالعقليات المتسلطة والجامدة المتحكمة في كل مجالات حياتنا.

الثورة والحرية

كان لا بد في هذا المحيط المعرفي الراكد والإطار السلطوي الجامد أن تُغيب الحرية كمفهوم وكأساس لعلاقة الفرد بالمجتمع وبالدولة. فالتفكير بالحرية والمطالبة بها مقلق للسادرين في غيهم الشمولي والاستبدادي أو في نهبهم لمجتمعاتهم وثرواتها. وهو أيضاً مزعج للمؤسسات التقليدية المهيمنة التي استمرأت ثبات الحال ومقاومة أي مساءلة عن خلفياتها وأهدافها وأدائها وأرباحها. على هذا فقد تكاملت جهود الطرفين، حتى وإن لم يتعاونا مباشرة بل إنهما تصارعا أحياناً، في قمع الدعوة إلى الحرية أياً كان مصدرها بأساليب عنيفة ومثيرة للسخرية في آن واحد. فأي تعبير عن الحرية أو أي تصرف فردي يشذ عن المرسوم خارج إطار الجماعة خطر يجب إسكاته وطمسه ومعاقبة المسؤول عنه بوسائل متعددة تراوح بين القتل والسجن والتشهير والفضح والتخوين والطرد والنميمة واختلاق القصص المسيئة للسمعة. والشيء نفسه ينطبق على أي تنظيم سياسي أو أهلي أو مقالة أو كتاب أو محاضرة أو برنامج أو قناة فضائية جريئة أو حتى قصيدة أو أغنية أو لوحة أو فيلم يدعو للحرية. فأي من هذه التعابير يمكن أن يفتح صندوق «باندورا» المقفل بكل أفاعيه وسمومه، وبكل تناقضاته ومهازله وحساباته المؤجلة. ولا يغفر لبعض دعاة الحرية تراثهم النضالي الطويل والواضح الانتماء، كما حصل لبعض من أعظم شعرائنا وكتابنا وفنانينا ومناضلينا النقابيين والسياسيين والمتدينين قبل وبعد ثورات «الربيع العربي». بل ولا يفلت من ذلك البطش حتى بعض مفتشي الرأي أنفسهم عندما يحاولون، بسذاجة أو بمكر، التعبير عن آرائهم هم بعدما طمسوا آراء الغير كما حدث في أكثر من حالة على امتداد العالم العربي (مثل عبد الصبور شاهين الذي كفّر نصر حامد أبو زيد في مصر ثم هوجم هو نفسه إثر نشره كتاب «أبي آدم»، أو حسن الترابي الذي مهد لمجيء عمر حسن البشير كرئيس للسودان بانقلاب عسكري ثم أصبح من أكبر معارضيه وقضى فترات في سجونه، أو ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث الذي طرد من سورية البعثية ثم قضى سنواته الأخيرة في ما يشبه الإقامة الجبرية الفارهة في بغداد البعثية).

من هذا المنظور، جاءت ثورات «الربيع العربي» مفاجئة بالنسبة للعديد من المراقبين. فالشباب العربي في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين وسوريا الذي هب مطالباً بالحرية حطم واقع الاستسلام المتكاسل الذي أصابنا أفراداً وشعوباً وجعلنا نركن إلى أنظمتنا الشمولية كما لو أنها قدرنا المحتوم. وهو قد تمكن بالفعل من دحر غالبية هذه الأنظمة وإزاحة رؤوسها عن كراسي الحكم، ولكنه لم يتمكن من تفكيك بنيتها الشمولية أو من تحدي العقلية التسلطية السائدة في مجتمعاتها قبلها وبعدها. فالأنظمة المشخصنة لم تكن سوى الإطار الناظم لمجموعة من الأحزاب والحركات السياسية والدينية والهيئات العسكرية والأمنية والبيروقراطية والمؤسسات المالية والتعليمية والإعلامية والثقافية التي اعتمدت على البنية نفسها والتي عشعشت في كل أرجاء مجتمعاتنا واستحوذت على أطرها الاجتماعية والثقافية بالإضافة لقواعدها السياسية والاقتصادية، بغض النظر عن انتمائها للنظام الحاكم أو تعارضها معه أو حتى صراعها معه. وهي على الرغم من حداثتها الظاهرية أحياناً، على الأقل من خلال اعتمادها على وسائل وأدوات الحداثة التنظيمية والدعائية والقمعية، لايمكنها الاعتراف بالحرية كمبدأ أساس في تعامل الفرد مع السلطة، أي سلطة. وليس ذلك لأن إقرار مبدأ حرية الأفراد والمجموعات في خياراتهم الشخصية والسياسية يتحدى أسس شرعيتها ومبررات وجودها فقط، بل لأنه يستخدم لغة غير لغتها، لغة لايمكنها فهمها من ضمن الأنساق المعرفية التي تعتمدها في تبرير تسلطها وقراراتها وسياساتها. فهي لو أرادت فهم هذه اللغة التحررية فإنها ستضطر إما لتغيير أسسها المعرفية واليقينية تغييراً جذرياً، والتخلي بالتالي عن امتيازاتها المكتسبة والمغتصبة والموروثة وإعادة النظر بتقييمها لإنجازاتها الفعلية والموهومة، أو للسقوط بسبب إفلاسها الذي سيكشف عنه وعيها بنظامها المعرفي المتناقض والبالي، تماماً كما اكتشف آدم وحواء عريهما عندما انتقلا من حالة معرفية إلى حالة أخرى.

وعلى هذا فمهمة الشبيبة العربية الثائرة والمتنورة لم تنته بعد. وطريق الخلاص من آثار الأنظمة الشمولية التي هُزمت مازال طويلاً وصعباً. بل لعله ما زال في بدايته. فالشباب الذين فجروا الثورات العربية، والذين صاروا وقودها ونارها ونورها، تراجعوا لأسباب شتى عن لعب أدوار مؤثرة في صيرورتها. بعضهم انسحب من الساحة قرفاً وغضباً ويأساً أو احتجاجاً. وبعضهم الآخر عاد إليها بمظاهرات جديدة تدعو إلى مادعت إليه المسيرات الأصلية: الحرية والديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان والمساواة ومقاومة التمييز الديني والطائفي والعنصري، بعدما خاب أملهم في اتجاهات القوى السياسية التي حلت محل الأنظمة المخلوعة أو تلك التي استلمت إدارة دفة الصراع معها. ولكن حركات الشباب، التي بدأت عفوية وأصبحت أكثر طوباوية وتشرذماً مما بدأت، قلما تمكنت من تجاوز ساحات الاحتجاج وتنظيم نفسها لفرض التغيير السياسي التي أججت الثورات لأجله أصلاً. وتراجع تأثيرها على تركيبة النظام الجديد عما كانت تستحقه بفضل دورها في الثورة عندما أتت ساعة الحسم السياسي (عشرة مقاعد فقط من أكثر من 490 مقعداً في مجلس الشعب المصري، المسمى للأسف «مجلس الثورة»، يحتلها ممثلون عن شباب الثورة). وحلت محل حركات الشباب الثائر في هذا المقام قوى سياسية مخضرمة، اتقنت لعبة الحكم في كواليس ومعسكرات السلطات البائدة أو في سجونها ومنافيها كما حصل في تونس ومصر واليمن، على حين تقاسمت ليبيا مجموعات ذات أجندات متنافرة أقصت الثوار، كما يبدو أن الأمر سيؤول إلى النتيجة نفسها في سورية. هذه القوى السياسية من عسكرية ومدنية، فلول وإخوان، زعماء طائفيين أو عشائريين تقليديين أو بيروقراطيين ورأسماليين مدّعي حداثة، وبغض النظر عن إخلاصها ورغبتها في تحسين شؤون البلاد والعباد، تنتمي بمجملها للمنظومة المعرفية الشمولية، منظومة المجتمع فوق الفرد بالمطلق، ومنظومة تقنين الحرية وربطها بأيديولوجيات تقضي على أنبل مافيها. وهي على ما يبدو سائرة في اتجاه استرجاع هذه المنظومة وتبرير هذه الاستعادة بالسعي للمحافظة على سلامة الوطن واستقراره تحت وطء المؤامرات الخارجية التي تتجاذب أطرافه من كل حدب، أو بالعودة إلى الأصول الشرعية الحقة للمجتمع، أو على أقل تقدير الرغبة المفترضة للأغلبية الدينية فيه، أو لمكافحة الصرعات المستوردة والتي اتُهمت بتسميم قطاعات كبيرة فيه وبمخالفتها لأخلاقنا وعاداتنا وثوابتنا. أي أن هذه القوى السياسية لم تأت بجديد لم تستخدمه الأنظمة البائدة في تبرير سلطتها على الرغم من أن بعضها عانى من اضطهاد الأنظمة إياها معاناة شديدة وصعد إلى سدة السلطة بانتخابات صوتت فيها أغلبية من المواطنين لصالحه!

أين هي الحرية في هذه المعمعة؟ ما زالت أملاً وشعاراً لكل من شارك بالثورة أو صعد على وهجها. ولكنها ما زالت أيضاً بعيدة المنال. فتطبيقها يحتاج ليس فقط لسياسة جديدة ولكن أيضاً لمعرفة جديدة ولوعي جديد وإرادة جديدة. وأنا لا أشكك أبداً بصدق رغبة الشباب الثائر بالحرية (حرية وبس كما صرخ ثوار سورية الأبطال). ولكني واعٍ أنهم لتحقيق هذا الهدف عليهم استعادة زمام المبادرة في تحديد أهداف الثورة ورسم سبل الوصول إليها. بمعنى آخر، عليهم أن ينخرطوا في الحياة السياسية ويلعبوا لعبتها، على الرغم من السمعة السيئة للسياسة التي سببتها عقود التسلط والقهر وعلى الرغم من مقاومة بعض تشكيلاتهم لهذا الاتجاه (كحركة 6 أبريل في مصر، أو تنسيقيات الثورة في سورية في البداية). من هذا المنطلق، على الشباب تأسيس الأحزاب السياسية وتطوير برامجها الانتخابية وتقديم مرشحيهم لكل الانتخابات والدعاية لهم. وعليهم أيضاً التقدم لقيادة الحركات المدنية والنقابات المهنية ولمّ صفوف المؤيدين واستثمار زخمهم الشعبي وطاقاتهم اليافعة لإنجاح أفكارهم وبرامجهم ديمقراطياً. عليهم أيضاً إيصال المعرفة الجديدة والفن الجديد والثقافة الجديدة التي أنتجوها خلال الثورة أو بوحي منها والتي ما زالوا ينتجونها لكل طبقات الشعب وفئاته العمرية، خاصة المسنة منها، التي نسيت طعم الحرية كما قال ذلك الكهل التونسي المجروح على قناة الجزيرة. عليهم أيضاً السعي لمأسستها ولإدراجها ضمن الأنظمة التعليمية والثقافية والإعلامية لكي تصبح جزءاً من الثقافة العامة ومرتكزاً أساسياً للسياسة والقانون في بناء نظام الحرية، بدلاً من البرامج المتهالكة التي مازالت القوى السياسية والعقائدية القديمة تقدمها على أنها خلاص الوطن والمواطن بعد الثورة. ولربما يقول قائل أني أطالب الشباب بالكثير مما لم تتمكن الأجيال الماضية من تحقيقه حتى في ظل ظروف أقل وعورة وخطراً. ولكني أطالبهم به من منطلق إيماني بقدرتهم على صنع حريتنا الحقيقية بعد أن أثبتوا لنا أن بإمكانهم بنضالهم وثباتهم وتضحياتهم، وكذلك بتكاتفهم وتناغم مطالبهم في مسيراتهم الرائعة، التخلص من أنظمة القمع التي جثمت على صدور أممنا والتي استسلمنا لطغيانها لعقود إلى أن تهاوت تحت ضغط الشباب الثائر أمام أعيننا المتعبة وغير المصدقة والممنونة.

 




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬