فادي العبدالله

طغت شهرة ربيع مروة في مجال المسرح والفنون الأدائية على أعمال تشمل انواعها التجهيز والفيديو وكتابة السيناريو، وطغت على شغله مع جاد في التحريك الكرتوني. إلا أن احد أشد مجالات نشاط مروة الفني خفاءً عمله في الموسيقى، فهو ليس فقط عازف فلوت شارك في فرقة سوب كيلز اللبنانية إلى جانب زيد حمدان ووليد صادق وياسمين حمدان، بل أيضاً كاتب أغانٍ وملحن سمعنا له عدداً من الأعمال لريما خشيش.

ربيع مروة، المتعدد المواهب، حريص على الخفاء في المجال الموسيقي لسبب غامضٍ. ربما يشعر أن ما ينجزه فيه ضئيل القيمة بقياس ما يهجس به، أو ربما يشعر أن ما يقدمه فيه خطير لذا ينبغي تركه يدب في أوصال الموسيقى اللبنانية في خفرٍ وخفوت كي يصل إلى مبتغاه دون أن يثير العداوات.

تهدف هذه المقالة إلى توجيه تحية إلى هذا الجانب الموسيقي، الخفي، من عمل ربيع مروة، واختبار فرضية أن ربيع مروة الشهير وربيع مروة الموسيقي موحّدا الاقتراب من مسائل الزمن والتكرار والغياب، وذلك من خلال استعراض عملين من طبيعتين مختلفتين، الأول محاضرة غير أكاديمية (على ما أشار مروة حين نشر نصها في العدد صفر من مجلة «كلمن» ـ بيروت، 2010، عنوانها «سكان الصور»، عرضها في غير مكانٍ من العالم، والثاني عمل موسيقي حول قصيدة عباس بيضون «دقيقة تأخير عن الواقع»، ألّف موسيقاه وعزفه على الفلوت وأدته ريما خشيش في إطار مهرجان «أشغال داخلية» (من تنظيم جمعية «أشكال ألوان»،
بيروت 2010 أيضاً).

والحق أن تناول وحدة المقاربة في عملين من طبيعتين مختلفتين يتطلب أولاً الإنصات إلى ما يقدمه كل منهما، وعرض بنيته الخاصة وهيكله، قبل محاولة الغوص في تجريد العلاقات التي يقدمها كل من العملين لنصب المقارنة بين الرؤية المعروضة في كل منهما لمسألة الزمن والإيقاع والتكرار والغياب، التي يشهر فيها ربيع مروة «لبنانيته».

سكاّن الصور: اتجاهات التكرار والتتابع والتراكم

«سكّان الصور» محاضرة غير أكاديمية تتناول الملصقات السياسية في لبنان، وبالتحديد تلك التي تستعمل صور الشهداء. تتألف المحاضرة من مدخل (يتميز بالحوار بين ربيع مروة وبين حارس أمني) ثلاثة أقسام وخاتمة للنص. القسم الأول يتناول صورة رفيق الحريري مستضيفاً جمال عبد الناصر في صورته، والثاني يتناول ملصقات شهداء حزب الله في حرب 2006 مع اسرائيل، والثالث يتناول ملصقات شهداء الحزب الشيوعي اللبناني، أما الخاتمة فبعنوان «الصورة الأخيرة» حيث يرفض الجميع ارسال صورة أخيرة إلى ربيع مروة لتبقى تذكاراً لأحبابهم. في الواقع تتناول الأقسام الثلاثة اتجاهات ثلاثة ممكنة لتراكب الصور.

أ ـ في الملصق الأول الذي يتناول مروّة تبدو صورة رفيق الحريري في قصره، بالأبيض والأسود، وبقربه جمال عبد الناصر في توليف للصور يسعى إلى اخفاء ذاته. يعتبر مروة إذاً أن الصورة هي استضافة الأول للثاني، فهما إذ لم يلتقيا من قبل في الحياة الدنيا، لا شك أنهما يلتقيان إذاً بعد الموت، إذ هجر عبد الناصر صورته من الملصقات الأخرى وأتى إلى من ولد بعده غير أنه بات أكبر منه عمراً، أي الحريري، يسأله عما ترك. يشير مروّة إذاً إلى أن هذا النوع من الصور «يزدري الوقت» ولا يعير له اهتماماً.

في الواقع، مروّة أيضاً يزدري الوقت في هذا القسم من العمل، فيكثر فيه من الاستطراد ذهاباً وإياباً إلى صور أخرى وملصقات أخرى وحكايات أخرى (صديقه زياد، الحارس الممثل، ستالين، فرويد والخميني، مارلين مونرو وابراهام لينكولن)، وهو في الواقع يلاحق أيضاً ما يعتري كل صورة من هجران وتغيير بين الماقبل والمابعد (الصور كالأوطان، أحياناً يهجرها أصحابها، يقول). بل هو ينظر أيضاً في داخل صورة الحريري وعبد الناصر إلى فعل الذهاب والإياب في الزمن هذا (استضافة الحريري لعبد الناصر وقدوم هذا الأخير نحوه، دراسة الميت السابق لأحوال لاحقه، ترك الصورة والذهاب الممكن لهما معاً نحو صورة مجهولة لأنور السادات... الخ).

تكرار التأرجح الزمني هذا يفضي إلى غياب أي تحديد للوقت في الصورة: لا يمكن تحديد اليوم الذي أُخذت فيه، ولا الوقت، ولا الفصل، كما يفضي إلى غياب أي هدف للصورة، فهي ليست دعائية ولا تعبوية جماهيرية ولا هدفها دعم أي حملة سياسية، كذلك يفضي إلى غياب أي وزن لها، إذ لم يعد من وزن لزيارة عبد الناصر اليوم، كما أن العروبة المشار إليها في الملصق تصير، نقلاً عن حازم صاغيّة، «تشبه البقاء في الزمن السابق على قطع حبل السرة».

وينتهي الفصل الذي يبحث في هجران سكان الصور لصورهم، كالبيوت أو الأوطان، إلى التساؤل ما إذا لم يكن الحريري وعبد الناصر معاً سيهجران الصورة هذه ليبحثا عن أنور السادات الذي بدوره ترك صورته فارغة إلى صورة بعيدة لن يجدها أحد. حين تتراكب الصور عمودياً متأرجحة في الزمن فهي لا تفضي إلا إلى الغياب.

ب ـ القسم الثاني يشير إلى ملصقات شهداء حزب الله المعلقة على بولفار بضاحية بيروت الجنوبية، مركّبة على أعمدة الإنارة، وبالتحديد على ارتفاع ثابت هو ثلاثة أمتار. ولكل شهيد مجاهد صورة واحدة وكل الصور متطابقة. في عرضه لتجمع الصور هذا يشير مروة إلى أن الصور التي لا تتجمع كما في فصيل نظامي، يتم في لبنان تمزيقها أو طردها أو هي «تنتقل» خوفاً أو مللاً. وحده التتابع الأفقي المنضبط كالصف المرصوص يتيح لها الاستمرار في مكانها وتعزيز سطوتها على هذا المكان.

غير أن مروّة يلاحظ أن التتابع الافقي هذا يستتبع تغييباً لجسد الشهداء المجاهدين في جسد صلب واحد، «جسد بانتظار رأس»، كأنها «مجتمع المقاومة» يخاف من أجساد أبنائه. بيد أنه لا يخشى من عرض وجوههم الصريحة التعبير، فلكل منهم وجه واحد يعلن «عشق الشهادة» لوجه الله الذي لا وجه له لأنه على ما كتب جلال توفيق «فعلٌ صِرْف».

بيد أن المزيد من التدقيق في سلسلة الصور ومكان تعليقها على البولفار السريع يشير إلى الرغبة في رفض صورة الشهيد الواحد لأنها تقطع السلسلة المتواصلة منذ الحسين إلى أيامنا. على هذه السلسلة أن تتواصل، وشرط تواصلها هو السرعة، والسرعة تجعل كل الصورة صورة ثابته واحدة، «هي صورة المجاهد الشهيد، بجسد مقاتل بلا اسم ولا وجه». سرعة التتابع الأفقي إذاً تمحو الوجوه والأسماء، وتترك غياباً يملأه وجه الله ونوره.

ج ـ في القسم الثالث، يغير مروة اهتمامه من التأرجح العمودي في الزمن أو التتابع الأفقي إلى التراكم في عمق الصورة، فيحفر في صور وملصقات الحزب الشيوعي اللبناني ليكتشف كيف تنغرز صورة كل شهيد أو شهيدة في صورة من يليهما: «لولا استشهدت وصارت صورةً معلقة وراء وفاء التي بدورها استشهدت وصارت صورة إلى جانب صورة لولا وراء صورة جمال الذي بدوره استشهد وصار صورة إلى جانب الصورتين السابقتين وراء الياس الذي بدوره استشهد وصار صورة إلى جانب الصور الثلاث السابقة...» وهكذا.

حين يموت المناضل الشيوعي يصير إذاً صورة في داخل صورة سابقة هي أيضاً في داخل صورة أسبق، إلى ما لا نهاية. هذه الصورة باتت اليوم مرآة الغياب، غياب الحزب الشيوعي عن أي دور، وغياب الأفراد في المجتمع الطائفي، وغياب الصور هذه في أشرطة فيديو محفوظة بخجل، مخبأة في أماكن مجهولة داخل المدينة. هي تحديداً مرآة الغياب التي تعكس صور الماضي، فيحسبها البعض مستقبلاً، غير أنها ليست سوى متاهة المرآتين. تراكم الصور عميقاً بعضها داخل بعض لا يفضي أيضاً إلا إلى الغياب.

كيفما كان اتجاه تراكب الصور (تأرجحاً عمودياً، تتابعاً أفقياً، أو تراكماً عمقياً)، نجده يفضي إلى الغياب. لا يظل أمام ربيع مروّة كي يختم سوى البحث عن الخروج من الزمان والمكان نفسهما، أي سؤال الموت. غير أن أحداً لا يقبل أن يختار صورة محددة تظل بعده، ربما خوفاً من أن تُقتل الصورة أيضاً كما كتب مروّة. الثابت أن لا صورة للموت نفسه، وطلبها لا يفضي إلى غير غياب الرد على طالبها. الصورة الأخيرة صورة غائبة، لن نختارها ولن نعلم من يختارها. هاهنا يقولها ربيع مروّة، صريحاً هذه المرة، حين يلتقي السؤال بالموت، تختفي الصورة نفسها ولا يستجيب أحد.

«سكان الصور» و «دقيقة تأخير عن الواقع» : تناظر البنيتين

يمكننا بسهولة أن نلاحظ تناظر بنية «سكان الصور» مع بنية العمل الموسيقي حول قصيدة عباس بيضون «دقيقة تأخير عن الواقع» تناظراً شبه تام ومطلق، إذا ما تنبهنا إلى طبيعة العلاقة التي يعرضها مروة، موسيقياً، ما بين صوت الفلوت وصوت خشيش في حالي الغناء والكلام، باعتبارها مكونات العمل ومادته الخام.

بعد أربع دقائق وبضع ثوانٍ من مقدمة موسيقية (يغلب عليها المينور والحجاز، وبعض ملامح الأسلوب المينيمالي في تكرار التيمات الموسيقية وتفكيكها والإضافة إليها) يؤديها الفلوت منفرداً، يأتي صوت ريما خشيش مردداً، لثلاثين ثانية، «أصل على الموعد مع بضع دقائق تأخير فأجدهم غادروا»، ويجيبها الفلوت، متخللاً الغناء مرتين. المقدمة والحوار هنا يناظران مقدمة «سكان الصور» والحوار
مع الحارس.

بعد ذلك، تنطلق المغنية في قسم أول من خمس دقائق، متنقلة بين عدد من المقامات (كالراست وراحة الأرواح والحجاز والنهاوند والعجم عشيران)، دون أدنى تدخل من الفلوت.

القسم الثاني يبدأ بالفلوت لأربع دقائق ونصف الدقيقة تقريباً، بما في ذلك بضعة ارتجالات يوقّعها، قبل أن تبدأ خشيش بالأداء، للمدة ذاتها بالضبط، مفتتحة مقطع «أصل على الموعد دائماً لكن النهاية ليست في يدي»، موقّعة أيضاً بعض الارتجالات وعابرة بمقاماتها بين الكرد والنهاوند والصبا.

القسم الثالث يبدأه الفلوت في الدقيقة التاسعة عشرة من التسجيل الذي بحوزتنا (تسجيل الأداء الأول للعمل)، ويدوم أيضاً أربع دقائق ونصف الدقيقة (فيها تنويع على تيمة أساسية، ثم انتقال إلى أجواء الجاز الإيقاعية قبل العودة إلى التيمة الأولى) في حين أن أداء خشيش (بادئةً بالقول «على أن أصحح الساعات») يقلّ فيه إلى نحو ثلاث دقائق فحسب. إذ ما إن تنتهي خشيش من القول «أو نارٌ تدفعنا إلى الخروج»، حتى يندفع الفلوت، دون تمهل كما في الأقسام السابقة، إلى الخاتمة التي تتميز بجملة قصيرة من الفلوت (نصف دقيقة) ثم التداخل بين صوت خشيش والفلوت معاً، لا كسؤال وجواب متتابعين بل الفلوت كمصاحبة ميلودية حيوية الإيقاع، في حين تردد هي جملة البدء («أصل على الموعد دائماً فأجدهم غادروا)، ثم تنتقل إلى الكلام البحت (في مقطع يبدأ بـ «ربما علي أن أنسى القصة كلها»)، قبل أن تردد مجدداً جملة البدء بمصاحبة الفلوت لمرة أخيرة. هذه الخاتمة كلها تدوم نحو ثلاث دقائق، أي حوالى نصف أو ثلث الأقسام الأساسية في العمل، وأقل قليلاً من مدخله.

شأنها شأن خاتمة «سكان الصور» التي تنتقل من سؤال الملصقات إلى سؤال الصورة والموت خارجة عن السياق الظاهري الأساسي، أو معمقة له، تأتي خاتمة «دقيقة تأخير» أيضاً خارجة عن السياق الظاهري الأساسي أو معمقة له لجهة دمجها العنصرين الأساسيين (الفلوت والغناء) مع انزياح صوب ما هو خارج عن الموسيقى أو هو ربما موتها (أي الكلام). الأهم بالطبع هو ما وراء هذا التناظر الشكلاني بين البنيتين، أي الطريقة التي يتم عبرها تناول مسائل الزمن والإيقاع ما بينهما.

الزمن والإيقاع : أين نعثر على الغياب؟

رأينا كيف أن بحث ربيع مروة في صور الملصقات (في الاتجاهات الثلاثة الآنفة الذكر) يفضي دوماً إلى الغياب. يظل السؤال عن كيف يمكن له أن يؤدي ذلك فنياً، لا فكرياً فقط. يمكن تناول ذلك من نقطتين مفصليتين. النقطة الأولى هي تولد ايقاع عمل ربيع مروّة «سكان الصور» من غياب عدد من المفردات لا من حضورها، ومن ترتيب الاستطرادات. ففي القسم الأول، لا ذكر لحزب الله أبداً، وفي القسم الثاني لا يعود من ذكر للعروبة أو الحريري أو عبد الناصر. وفي حين أن القسم الأول مفعم بالاستطرادات إلى شتى المواضيع (انواع الصور التي يهجرها أصحابها، المرابطون، أعمار سكان الصور... الخ)، والقسم الثاني بدرجة أقل (انواع الاعتداءات على الصور وتهجيرها، مسائل اللباس المتغرب أو الشرعي... الخ)، فإن القسم الثالث ينحو مباشرة إلى قلب موضوعه (صورة الشهيد داخل صورة الشهيد، وكلتاهما مغيبتان). على هذين العاملين (غياب المفردات من قسم لآخر، والتفاوت ما بين حيوية الاستطراد في مقابل التركيز على الهدف) يقوم ايقاع العمل، الذي يتساءل إذاً عن كيفية الإمساك بالغياب، في زحمة التكرار.

النقطة الثانية هي تحويل ربيع مروة الإيقاع المبني على الغياب، إلى زمن يحضر فيه الغائبون بشكل غير منقطع. من هنا تساؤلاته عن أعمار الغائبين (كيف يكون الحريري أكبر سنّاً من عبد الناصر، او نبيه بري من موسى الصدر)، لأنهم ما إن يدخلوا في الغياب حتى ينتقلوا، فوراً، منه إلى حضور ثابت ومتواصل يفرض نفسه أو يحاول امتلاك القدرة على التجييش. من هنا أيضاً كان اصراره على ان هذه الصور أُخِذت بعد الموت، لا قبله، لأنها لا تلتقط ما سوف يغيب عن الواقع، بل تلتقط ما سوف يفرض نفسه على هذا الواقع أبداً (صور شهداء حزب الله الذين يجمدون المجتمع على صورة مجتمع المقاومة وزمنه). من المهم أن نلاحظ إذاً أن الإيقاع لا يأتي بزمنه كنتيجة مباشرة. الإيقاع هو دوماً محاولة لخلخلة الزمن وتوليد توتر عارم فيه. بالتالي، الإيقاع الذي أشرنا إليه، وما ينتج عنه من توازٍ بين الأقسام المختلفة ومن تجاورٍ بينها محكوم برهاب التكرار الأبدي، يخلخل من خلال هذين التوازي والتجاور ومن خلال تغييب المفردات من قسم لآخر وما تتركه من صدى يبحث عن رجعه، يخلخل زمن الحضور الأبدي للغائبين ويطرح عليه تساؤلات التفاوت ما بينه وبين الواقع، ما بين صور الشهداء المتلاحقة ولون عيني واحد منهم، ما بين قدرتهم على فرض نظرتهم على المجتمع أو تعبئته طائفياً بلا تعصب على ما يقول مروّة، وبين غياب قدرة العابرين على التوقف والنظر إليهم وجهاً لوجه!

في القسم الثالث، أخيراً، يتناول مروة مباشرة موضوع غياب صورة فئة محددة: غياب صورة الشيوعيين بين صورتين (صورة العروبة السنية وصورة المقاومة الشيعية). فيرى، بأسىً، إلى هذا الغياب المفروض، حيث لم تعد المدينة تتسع لشهداء هذا الحزب وصورهم، بل قد نستطيع القول إن هذه الصور كانت جيناتها التكوينية تؤدي بها حكماً إلى الغياب، في داخل صور أخرى، تذوب في أخرى، وهكذا دواليك. ولكن، في حقيقة الأمر، هنالك في «سكان الصور» صورة فائضة (صورة الصديق الذي ينتحل شخصية رجل الأمن الحالم بالتمثيل) واثنتان ناقصتان (رجل الأمن الممثل المذكور، والممثل الخفي ربيع مروّة الذي يرفض في نهاية الأمر ان يرسل صورته إلى نفسه لئلا تُقتل من بعده!).

مرة أخرى إذاً، يقبض مروّة على تفاوت الواقع والصورة، فثمة صور فائضة (بديلاً عن أخرى لم تقع) وأخرى ناقصة، وأخرى مغيبة. جميع هذه الصور متأخرة، بشكل ما، عن الواقع وتصل متأخرة بضع دقائق، أو أعوام أو عقود، عما كان ينبغي لها.

في المقابل، كيف يمكن للموسيقى أن تتناول التأخير عن الواقع في حين لا يسعها هي أن تقيم إلا في الحاضر، في حضور الصوت الذي دأبه التلاشي السريع؟ قد يكون هذا المدخل للتفكر في علاقة الموسيقى بنص عباس بيضون، ولكنه في الواقع أيضاً المدخل للتفكير في العمل في حد ذاته ودون التوقف عند النص. فهذه الموسيقى التي وضعها ربيع مروّة ترتكز في تشكيلها على تكرار التيمات (على الفلوت) وتكرار الجمل مع الارتجال حولها (صوت خشيش) وعلى البحث المتواصل على الخروج من التكرار إلى مجال آخر أو مناخ آخر، أو اسلوب آخر، أو في أضعف الاحتمالات إلى تيمة أو جملة أخرى. حتى في تطريب ريما خشيش، يلوح أن هدف التكرار ليس فرش أرضية تستدرج الطرب من خلال المفاجأة والتعديل في ما قد تكرر سابقاً، بل هدفه حسن التخلص والانتقال إلى جو آخر كأنما الإشباع يأتي من التكرار نفسه لا من الغدر فيه. والحق أن مثل هذا النوع من التطريب بدأ مع جملة سيد درويش في طقاطيقه واعماله المسرحية، وانتقل لاحقاً وتوسع مع أعمال الأخوين رحباني.

بالتالي، تقوم مقاربة مروّة على تعديل الشعور بالإيقاع، وتالياً بالزمن، فهو لا يسعى إلى خلخلة شعورنا بالزمن على طريقة السنباطي مثلاً (من خلال الجملة الميلودية نفسها)، ولا إلى اللعب مع الإيقاع (مع استثناء وحيد في ارتجالات الجاز) وسحب بساطه فجأة من تحت أقدامنا، بل يسعى إلى بناء إيقاع أعرض، يتقوم من تتابع جمل أو تيمات تعلن تكرارها دون خجل. الخلخلة الزمنية تنتج عندها بانتظام صريح، عند كل مفترق طرقٍ بين متجاورين. تولد المفاجأة إذاً من صراحة التتابع، ويولد عندها من رحم خط الزمن مجالات للفرار أو على الأقل للإقامة المؤقتة في المفاجأة، في ما نسرقه، بقوة الاشباع والتكرار والانتقالات، من الوقت. حين نفيق من المناخ أو التيمة الجديدة التي رمانا بها ربيع مروّة، نلاحظ أننا بالفعل تأخرنا قليلاً عن رتابة الزمن المتواصل خط سيره دون انقطاع، كما تسرق طلة الحبيب دقة من دقات القلب.

لبنان: ما نسرقه من الوقت

في كل ما يأتيه يتبدى ربيع مروّة لبنانياً بشدة قد لا تكون محتملة دائماً، وليس هذا مديحاً بالضرورة له. ففي «دقيقة تأخير» ما يمكن وصفه بالترتيل اللبناني لقصيدة نثر شديدة اللبنانية، وليس المقصود فقط جنسية الكاتب والملحن بل، لجهة النص، طبيعة كتابة عباس بيضون التي تخلط ما بين المتانة اللغوية والجسد الحاضر مفككاً ومرتبكاً بعد أن عصرته الحروب الأهلية المديدة. ولجهة الموسيقى فإن عمل ربيع مروة في «دقيقة تأخير» هو تأسيس لقراءة موسيقية ممكنة لمثل هذا النص تتكئ بوضوح على التراتيل السريانية والبيزنطية المشرقية وما ارتكز إليها من عمل الأخوين رحباني، وصولاً حتى إلى مارسيل خليفة جنباً إلى جنب مع لبنانيات كتلك التي أتى بها ملحم بركات في الثمانينات، ولكنه أيضاً يحمل إلينا النبرة الجديدة في الأداء وانتاج الصوت الذي تطلقه خشيش كما في أعمالها الأخرى بمرافقة موسيقيي جاز هولنديين، وبعض هذه الأعمال من شغل ربيع مروّة أيضاً. إلى هذا الخليط الذي يجمع مراحل مختلفة من الموسيقى اللبنانية تأتي ريما خشيش بتربيتها الطربية المصرية بما يقرّب النص، في بعض الارتجالات، من التجويد القرآني مثلما تقرّبه من ناحية أخرى من شغل المصري محمد عبد الوهاب. لكن هذا أيضاً بعض من لبنان (الذي يضم تاريخه شيخ القراء صلاح الدين كبارة، صليبا القطريب، نور الهدى، وحتى شغف الرحابنة بعبد الوهاب) مثلما أن بعضاً من هذا البلد أيضاً هو اختيار الفلوت (لا الناي) والانفتاح المعلن على الموسيقى الأوروبية.

في «سكان الصور»، دراسة لأشكال عدة من التكرار، (زمنيا وافقيا وفي عمق الصورة)، بل ورهاب من هذا الذي احتل وهدر حيوات أجيال وأجيال في لبنان، وقد رأينا ان اشكال التكرار هذه جميعاً تؤدي إلى الغياب. لذا تبدو قطعة «دقيقة تأخير» هي النقيض تماماً، والتكامل الخالص، من المحاضرة ومعها. الأخيرة مطالعة ضد التكرار العبثي، في حين أن «دقيقة تأخير» هي مديح لبناني خالص: مديح التجاور الذي لا يبحث عن دمج ولا عن اقصاء. فقط يبحث عن الاستمرار معاً، كطرق موسيقية متشعبة تتجاور من جملة إلى أخرى، بل كصوتين (حنجرة وفلوت) يصلان آخر الأمر إلى التجاور معاً دون أن يندمجا (في الخاتمة). هما، فقط، معاً، وما بينهما يمتد لبنان المسروق من الوقت، لبنان المتأخر دقيقة عن الواقع، وفي هذه الدقيقة نبحث عن إقامة نحيا فيها، ما نسرقه من الوقت، ونترك فيه المجال لخَرَقِنا وللقصيدة.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬