سمير طاهر

كانت سنة 1917 نقطة تحول تاريخي في العراق، وسّعت أحداثها من دائرة وعي الفرد العراقي، وخلقت أول اهتماماته بالسياسة الوطنية. فقد شهدت تلك السنة سقوط الحكم التركي للعراق بعدما ترسّخ على مدى عدة قرون كوضع طبيعي، وإكمال القوات البريطانية احتلال البلاد، ممهدة لذلك بدعاية «وطنية» عن الظلم العثماني وعن المسؤولية الاخلاقية لبريطانيا العظمى التي تدفعها الى مساعدة الشعب العراقي على التحرر... الخ. هذه الاسطوانة التي تكررت مرات عديدة في تاريخ الامبريالية (وما تزال). وفي الوقت نفسه لم تُقصر الدعاية التركية في مخاطبة المشاعر الدينية لكسب تأييد السكان المسلمين لمقاومة الغزاة الكفار الذين يريدون تدنيس الأرض والمقدسات. ويمكن اعتبار ذلك التنافس الصريح على عقل الفرد العراقي أول مرة تحسب فيها القوى الدولية حساباً لهذا الفرد بوصفه صاحب عقل وموقف بعدما كان بالنسبة إليها مجرد مادة متاحة للاستثمار، ولا يقلل من شأن هذه الواقعة كونها حصلت لدوافع نفعية محضة.

في الوقت نفسه كانت تلك هي المرة الأولى التي يأخذ فيها العراقي موقفاً سياسياً من قضية تخص البلد بأسره وأن يدفع راضياً ثمن هذا الموقف عملياً، كما فعل الحاج نجم البقال قائد ثورة النجف ضد الانكليز (1918) ورفاقه العشرة عندما صعدوا الى المشنقة وهم يهتفون ضد الاحتلال. فإرجاع البعض ثورة العراقيين ضد الغزاة البريطانيين الى التأثر بالدعاية التركية وحدها فيه تعسف واضح حيث ان الكثيرين ممن قاتلوا المحتلين كانوا مدفوعين بشعور الدفاع عن الوطن والذي تلقّى تأكيداً وإلزاماً من إيمانهم الديني وثقافتهم الاجتماعية الفطرية. ولا أرى هذا يتنافى مع حقيقة استغلال الاتراك من ناحية، والاقطاعيين وشيوخ القبائل من ناحية أخرى، لهذه النوازع الأصيلة لدى الجمهور لخدمة مصالحهم.

من هذا المنظور يمكن القول ان ثورة 1920 ضد الاحتلال البريطاني التي شملت البلد كله كانت أصرخ إعلان عن الذات لدى الفرد العراقي، وأبرز نموذج على روح المبادرة لديه وأكبر جرأة شعبية على سلطة حاكمة في تاريخ العراق، حيث تحدى الثوار أقوى جيش في العالم آنذاك مستخدمين أسلحة بدائية بما فيها ـــ وغالباً ـــ السلاح الأبيض والدهاء الفطري. وسقوط الحكم العثماني في العراق على يد الجيش البريطاني قد حرر الذهنية العراقية من الخوف من كليهما. فقد تفجرت في الشعب روح التمرد على العثمانيين ما أن ضعف الأخيرون ـــ أو على الأقل انشغلوا ـــ في مواجهتهم للقوات البريطانية الغازية، واستولى الاهالي على السلطة في جميع مدن الفرات الأوسط في ما عرف بالعصيان ما بين 1914 و 1916، ثم واصلت روح التمرد عنفوانها متوجهة ضد المحتلين الجدد.

فهزيمة ومهانة الدولة التي اضطهدتهم وسخّرتهم طويلاً (تركيا) منحتهم إلهاماً وأطلقت نزوعهم القديم الى الحرية وفجرت حقدهم على السلطة الأجنبية الحاكمة، ولم يكن سهلاً إيقاف هذا التيار المعنوي الهادر بمجرد تبدل السلطة من دولة محتلة الى دولة محتلة أخرى.

كانت روحية متمردة وعصية على الاخضاع قد كوّنت، بالامتزاج مع عقلية فطِنة يصعب خداعها، ملامح الشعب العراقي آنذاك. طبعا كان هذا أسوأ ما يمكن لسلطة احتلال أن تلاقيه في البلد الذي جاءت لاحتلاله. ومن خلال عمليات اختبار للقوة كثيرة وعنيفة على امتداد العقود التالية سيحاول البريطانيون، وعن طريق الحكم الملكي التابع لهم علناً، تكييف مشروعهم الامبريالي مع المزاج العراقي، ولكن لن يجنوا من ذلك سوى نتائج عكسية. فقد فشل مخططهم بشمول العراق بالحداثة بسبب تناقضه مع الأسلوب المستخدم (الاحتلال) واصطدامهِ بالمصالح الاقتصادية المحلية، وكذلك بسبب «خصوصية الفرد العراقي» التي رفض البريطانيون الاعتراف بها والتعاطي معها (في هذا المجال يكشف علي الوردي في «لمحاته الاجتماعية» عن خصوصية مقابلة يمكننا وصفها بـ «الخصوصية الهندية»، والمقصود بها مشكلة الضباط البريطانيين الذين خدموا في الهند قبل مجيئهم الى العراق حيث تعودوا التعامل المتعجرف مع سكان مسالمين ورفضوا إدراك الاختلاف الكبير في حالة العراق، ويسرد حالات عديدة كرر فيها شيوخ العشائر العراقية في لقاءاتهم مع مسؤولين بريطانيين «أنهم ليسوا الهنود!»، لكن من
دون نتيجة).

ويفسر هذا ما انتهت إليه مظاهر الحداثة من مآس: فما بدأ حياة برلمانية وحرية للصحافة وللتنظيم النقابي والسياسي انتهى قمعاً وتزويراً لنتائج الانتخابات وزجاً للمعارضين في السجون. واستمرت هذه الحال طوال النصف الأول من
القرن العشرين.

بالتوازي، كان العراقي يحاول هو الآخر تكييف مزاجه مع الوجود البريطاني حداثةً وامبرياليةً، وبابداع وصل حد استخدام الأول في مقاومة الثاني. يذكر الوردي في المصدر نفسه أن أحد زعماء الثورة العراقية خاطب مسؤولاً بريطانياً بالقول بأنهم، العراقيين، لم يعرفوا سابقاً هذه المسميات الحديثة: الاستقلال والسيادة الوطنية والدستور والانتخابات، وأن الانكليز هم الذين فتّحوا عيونهم عليها ووعدوهم بتوفيرها لهم حين تضع الحرب أوزارها، ثم لما طالب العراقيون بعد الحرب بهذه الوعود أُلقيَ بهم في السجون! فالاحتلال البريطاني فتّح عيون العراقيين على حقائق الحداثة أول الأمر، ثم فتّح عيونهم على أكاذيبها أيضاً. ومنذ ذاك سارت عملية التكيف بلا أوهام، واستمرت حتى نهاية المَلَكية والنفوذ البريطاني سنة 1958.

صحيح انه خلال تلك الحقبة كان هنالك فقر، وفساد إداري، وكان ثمة صراع سياسي في الشارع وفي الصحافة وفي كل مكان، وكانت هنالك سجون وحتى حالات قتل للمعارضين، ولكن ذلك كله كان نسبياً وليس شمولياً، ومتذبذباً زمنياً وليس يومياً ودائماً، وكان قابلاً للمناورة معه، بل قابلاً للتمرد الليّن عليه (أدبياً وثقافياً واجتماعياً) حيثما تعذّر التمرد العنيف، كما ان كثيراً منه كان نتاج مبادرة الأفراد والجماعات وجرأتها على السلطة. فكانت النفوس ما تزال حرة، وهذه الحرية الداخلية أتاحت للناس أن يصرحوا علناً بآرائهم السياسية وأن يتحملوا وزر ذلك عقاباً مختلف الدرجات، فلم يكن العقاب الجماعي أو الدموي إلا حالات استثنائية (في وثبة 1948 عندما حصدت الشرطة المتظاهرين بالجملة على الجسر الذي سمي منذ ذاك الحين بجسر الشهداء، وفي انتفاضة 1952 وعصيانات
1956 مثلاً).

كانت الأوضاع القهرية من صنع النظام ولكن الجمهور والأفراد كانوا يتمردون عليها بمختلف الوسائل، وهكذا تنازعت الهيمنة على الواقع العراقي قوتان متنافرتان: قوة الفَرض وقوة التمرد، وكوّنت العلاقة بينهما توازناً سلبياً بحيث لا السلطة الملَكية فكرت بفرض حالة طوارئ دائمة أو باعدام المعارضين جميعاً، ولا المعارضون تجاوزوا الخطوط الانسانية والدستورية في أساليبهم. فلم يعرف العراق حالة الاخضاع العام والرعب الجماعي والاعدامات السهلة إلا في زمن حكم العسكر، وبالضبط في أثناء الأشهر المعدودة من 1963 التي حكم فيها حزب البعث ثم ابتداء من صعود صدام حسين الى رئاسة الجمهورية (1979) ولربع قرن تلى ذلك.

الخوف الجماعي أضيف الى النفسية العراقية فرداً وأسرة وجمهوراً ابتداء من انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963 على عبد الكريم قاسم. فحتى معارك الشوارع الشهيرة بين الشيوعيين والبعثيين التي شهدتها مدن العراق بين أوائل 1959 وأوائل 1963 لم تكن تتضمن عنصر الخوف وإنما العكس. فقد كان الجميع متوترين، وكل فريق متحفزاً للانقضاض على الفريق الآخر. لم يكونوا خائفين من خصمهم أثناء المعارك وإنما ـــ ووفقاً لوصف حنا بطاطو لأحداث الموصل في 1959 ـــ كانوا خائفين من بطش الخصم بهم في ما لو هُزموا، ومن انتقامه منهم في ما بعد إذا ما أبقوا عليه حياً، ولذلك كانوا يستبِقونه بالبطش به وتحطيمه. وإذا كان ممكناً لوضع جنوني كهذا أن يؤدي في أية لحظة الى انفجار مجزرة على امتداد الوطن فإن الذي حال دون وقوعها في الفترة المذكورة هو أن أياً من الأطراف المتصارعة لم يتمكن من تحقيق انتصار حاسم وطويل المدى. لكن هذا حصل فعلاً في شباط 1963 عندما أنهى البعثيون، في حملة دموية شاملة، كل وجود للحزب الشيوعي على أمل أن يتخلصوا من خوفهم منه (عبر علي صالح السعدي ـــ قائد حزب البعث آنذاك ـــ عن ذلك بالقول: أردنا أن نبتلع الحزب الشيوعي فاذا به
هو يبتلعنا!).

ومع ذلك لم يُشفَوا من الخوف وكل ما جنوه من مخاضة الدم تلك هو أنهم افتتحوا مسيرتين نفسيتين: الأولى، أنهم بعد أن تخلصوا من الحزب الشيوعي تحول خوفهم منه الى الخوف من بعضهم البعض، فكان هذا الخوف هو المحرك الرئيسي لانقساماتهم الى أجنحة تصفّي بعضها بعضاً ولعشرات السنين بعد ذلك؛ والثانية، أنهم لم يضعوا، بمجزرتهم الشاملة تلك، حداً للخوف السياسي في العراق، وكل ما فعلوه هو أنهم نقلوه من دائرة حزبهم الضيقة الى عموم المجتمع ولأجيال متتابعة تالية حتى ترسّخ في شخصية الفرد العراقي (مواطناً ومثقفاً وسياسياً) وصار خاصية عراقية معتمة. بأكثر ما يمكنني إبداءه من الموضوعية أجدني أستنتج أن الذي خلق ثقافة الخوف السياسي الجمعي في العراق الحديث هو حزب البعث، والمسؤولية في ذلك تقع على العناصر الفاشية في عقيدته والنماذج المتطرفة في قسوتها في قياداته وكوادره، وكذلك بسبب إيمانه غير القابل للمرونة بأنه إما هو أو لا أحد.

ولأحداث سنة 1963 دلالات مهمة في موضوع السلوك السياسي للفرد العراقي. ففيها خبرَ هذا الفرد كيف ان حماسة شعب بكامله لا تصمد أمام القوة المسلحة المنظمة، بل وخبرَ كذلك أن حماسة الشعب نفسها قد تقود الى الكارثة. ورغم وجود انتهازيين كثيرين في ذلك الزمن (مثلما في كل زمن) فان نسبة كبيرة من الجمهور كان التفافها حول عبد الكريم قاسم حقيقياً وعفوياً، مثلما كانت حقيقيةً مظاهراتُ الاعتراض على سياسات له. وإذا كان البعض يستريح الى تفسير هذا الالتفاف بأنه نوع من تملق الجمهور للحكام فعليه أن يفسر لنا أيضاً سر غياب هذا التملق قبل انقلاب قاسم، حيث كان آلاف الناس يخرجون الى الشوارع هاتفين بسقوط الحكومة ومتلقّين رصاصها.

لقد كانت السنوات الخمس ما بين انقلاب قاسم ومقتله هي آخر عهد العراقيين بالتعبير عن مشاعرهم الحقيقية إزاء السلطة وإزاء بعضهم البعض. وأجدني أعيّن شباط 1963 كحد فاصل بين نمطين مختلفين من شخصية الفرد العراقي السياسية. فالوحشية التي جرى فيها الانتقام من آلاف المتعاطفين مع قاسم، علناً وفي الشارع، وأساليب الوشاية والخيانة والتبرؤ، وجو الرعب الذي خيم على كل ركن في البلاد، وهي كلها أشياء لم يشهد لها العراق مثيلاً من قبل، كانت صدمة نفسية جذرية خلقت منذ تلك اللحظة مواطناً عراقياً آخر. فقد «تاب» العراقي عن إعلان آرائه السياسية الحقيقية. وبمرور السنين التالية، لا سيما بعد عودة البعث للحكم ثانيةً (1968) ثم بعد صعود صدام حسين إلى الرئاسة (1979) ووصول القمع الى ذروته، تكوّنت لدى العراقي مهارات في الكلام والسلوك وأساليب في العيش يمكن وصفها بأنها مخصصة للنجاة من بطش السلطة، سواء كان هذا البطش حاضراً فعلاً أم كامناً في العقل الباطن والذاكرة الجمعية. وأشاع مزيج من التقرب التقليدي الى الحكام طلباً للأمان، ومن الرغبة في النجاة من بطشهم، ظواهر مثل النفاق العام (التظاهر بالولاء للسلطات)، ازدواج الشخصية، التكتم، التوجس حتى بأقرب الناس... الخ التي وسمت سلوك العراقي طوال عهد البعث، الذي لم يهدف ـــ بدوره ـــ الى أقل من «تدمير منهجي للمجتمع العراقي»، على حد تعبير محمد السيد سعيد، بواسطة «ممارسة جراحات عميقة وفظة على المستويات الاجتماعية والثقافية والايديولوجية والسياسية»، مع أهمية ملاحظة أن هذه الجراحات قد أتيح لحزب البعث وحده أن يطبقها على الأرض لأنه الحزب الوحيد الذي نجح في الاستيلاء على السلطة. وإلا فهي، كعقيدة، مثبتة في جميع مناهج وعقليات الأحزاب الراديكالية الأخرى متخذة تعابير مختلفة مثل «تغيير المجتمع»، «تثوير الواقع»، «إقامة الاشتراكية»، «إقامة المجتمع الاسلامي»... الخ.

وكانت تجربة الحرب العراقية الايرانية طويلة بما يكفي (8 سنوات) لتمييز ملامح عامة لسلوك العراقي مع السلطة، وكانت هذه أكثر السلطات المتعاقبة دراية بشخصيته، لا عن علم وثقافة وإنما عن فطرة. فلعبت معه بدهاء لعبة الذهب والسيف، وخاطبت مخاوفه القديمة ونقاط ضعفه التقليدية. لكن هذا كله لم يخفف من لامعقولية الواقع والمتمثلة بأن من يُطِع النظام الحاكم يمت ومن يتمرد عليه يمت! فاذا اختار الشاب الولاء للدولة عليه أن يذهب الى الجبهة ليموت في حرب مشبوهة وعبثية بمعنى الكلمة، واذا هرب من الجيش فانه يُعدَم أو ينجح بالتخفي الى أن يصدر عفو عن الهاربين كلما تعسر الموقف الحربي وزادت الحاجة الى جنود. والفرق بين المِيْتتين هو إن من يُقتَل في الحرب تحصل أسرته على سيارة يابانية و30 ألف دولار، ومن يُعدَم تدفع أسرته ثمن الطلقات التي أعدم بها! هكذا أصبح للفقراء مصلحة مادية في أن يموت أبناؤهم فداء للرئيس. وبالفعل نجح هذا الدهاء البَرّي لصدام حسين وأسرته في حصر العراقي بين فكّي إغراء متطرف وإرعاب متطرف وجعلوا الامكانية الوحيدة أمامه هي الاضطرار بدلاً من الاختيار، مجرّدين بذلك حتى الموالين لهم من الكرامة فولاؤهم لا يقوم على الايمان بالعقيدة المشتركة وإنما على الخضوع بوصفه الشكل الوحيد للعيش.

اليوم، ورغم التشابه المثير بين ظروف الغزو الأميركي (2003) والغزو البريطاني (1917) فليس من الدقة اطلاق تقييم سهل يفترض تشابه استجابة العراقي إزاء الحدثين. فقد جرت ما بين هاتين السنتين تجارب جماعية وأهوال. ويحتاج تعامل العراقي مع الاحتلال الأميركي ومع الأوضاع السياسية التي نتجت عنه الى دراسة تفصيلية تتناسب وتعقيد هذه الأوضاع. لكن من المؤكد (لي على الأقل) أن تعاطي الفرد العراقي مع الأوضاع الراهنة يجد له جذوراً، وامتداداً، وأجوبة، في كل هذا التاريخ الدراماتيكي من معايشته السلطات المتعاقبة.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬