ثريّا شاميّة

نوري باشا حيٌّ في دمشق أمضيتُ سنوات طفولتي الأولى ألعب في أزقته. كانت شقتنا المستأجرة تقع على مبعدة بضعة شوارع من مكاتب حافظ الأسد. وكان بوسعي أن أرى من نافذة غرفة نومي فناء حديقة صغيرة يرتادها الحرس الرئاسي. ومن هذه النافذة رأيتُ للمرة الأولى عضواً ذكرياً. كنت في الرابعة. وكان الجندي يتعمّد الكشف عن عضوه لفتاة صغيرة. في البداية ظننت ذاك الشيء مصنوعاً من المعجون. استطلعت بفضول وتساءلت كيف يبزغ ذاك الشيء من سحّاب سروال الجندي بزوغاً سحرياً. استغرق الأمر بضع لحظات لأدرك أن ذاك الشيء ليس معجون الأطفال. بل عضو من جسد الجندي. فارتددتُ خطوة إلى الوراء.

بعد ذلك بوقت ليس طويلاً، كنت عائدة من المدرسة إلى البيت. كنت أرتدي تنورة قصيرة تحت بدلتي المدرسية. وعلى درج البناية سمعتُ وقع خطواتٍ ورائي. كنت ملاحقة. ولهذا توقفتُ وكلّي فضولٌ. ظهر جندي، وخطوات معدودة تفصل بيننا. انتظرت. مد ذراعه ولمست يده أعضائي الحميمة تحت تنورتي. تراجعت، وبأصابعي المضمومة حرَّكت يدي شاقولياً. وكانت الإيماءة تعني «سأفشي ذلك». ركض هارباً وأنا دخلتُ وأغلقتُ الباب ورائي ولم أخبر أحداً قطّ. أدركتُ معنى التابو ولم يكن عمري قد تجاوز خمس سنوات.

وعلى غرار الأطفال الذين لا يبوحون بالمحظور الجنسي والتربية الجنسية، كان الآباء في عهد الأسد يسعون إلى عدم إفشاء خوفهم من القمع في دولة تديرها أجهزة الأمن. لكن سرعان ما تعلم الأطفال وعرفوا هشاشة آبائهم. جرى تصوير حافظ الأسد، طوال ثلاثين عاماً، بوصفه ربّ الأمة. ومن الجهة الأخرى لم يستطع آباؤنا أن يتمثلوا الرجولة على الملأ ـ ولذلك كانت تنفجر في المنزل غالباً. كان ثمة نظام أمني كامل غايته السيطرة على الرجولة وإهانتها. كانت الرجولة حكراً على النظام ـ والأنوثة للأسباب ذاتها، وإن كان ذلك بطرقٍ اقلّ وضوحاً. لقد عُومل مواطنو أمة بأكملها لا كراشدين وإنما كأطفال سذج وبالإكراه. باسم تلك الأمة لم يُسْمَحْ بأي نقاشات حقيقية تُعلن على الملأ، فهي محظورة طبعاً، إذ أن أي إظهار «لتفكيك الوحدة» يُوهن الأمة، كما زعموا، أمام العدوّ، وهكذا كان لِزاماً كبتُ المسائل الجنسية وعِلَل المجتمع.

كان حافظ الأسد مهيمناً على هذا النظام البطريركي المقدّس ونقله عام 2000 إلى ابنه بشار. ولا فرق بين الأب والإبن. عامل بشار الأسد الشعب كمواطنين قاصرين عاجزين عن المشاركة في بناء الأمة الضروري للغاية. النساء والرجال الذين ينشدون الحرية والذين طالبوا بالحقوق العامة للسوريين ـ بالتعارض مع مكرماتٍ طارئة ـ اضطهدوا أو زُجَّ بهم في السجون إثر ربيع دمشق 2000-2001. أما اليوم فالأمور تتغير. نحن نشهد ظاهرةً جديدة: الذين بدأوا الثورة السورية هم الأطفال أو الأولاد. وغير مدركين العواقب تقريباً، كتبوا عبارات ضد النظام على جدران درعا، وكان الثمن أظافرهم خلال التحقيقات التي أعقبت. والطرق الهمجية التي عُومل بها الأطفال من قبل رجال الأمن لم يتقبلها ذووهم وأهالي درعا، وهكذا انطلقت الانتفاضة.

انضم الأطفال إلى الثورة في سائر أرجاء البلاد. فهم ينزلون إلى الشوارع إلى جانب أفراد العائلة، أو يتسللون كما يفعل الأطفال غالباً. يحملون الأعلام واللافتات ويهتفون ملءَ قلوبهم.

لكن الاستبداد لا يعترفُ بعمرٍ أو براءة. ففي 29 نيسان اعتُقل حمزة الخطيب ذو الـ 13 عاماً، أثناء أحد الاحتجاجات، وفي 25 أيار أُعيد إلى والديه جثةً هامدة. كان جسده المشوَّّّہ دليلاً على الفظاعات التي ارتُكبت ضده. قُطع عضوه. وعلى غرار حمزة تم تسليم صديقه ثامر محمد الشرعي، ذي الـ 15 عاماً، ميتاً إلى والديه.

أضحى حمزة الخطيب إحدى أيقونات الثورة، والعضو المبتور أحرجَ النظام، وإن كان هذا التصرف جزءا من جوهر طبيعته. أنكر النظام السوري قتل الطفلين وتعذيبهما. لكن الدكتور بسام أبو عبد الله، المؤيد للنظام وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة تشرين في اللاذقية، أفصحَ على شاشة قناة الجزيرة قائلاً إن حمزة الخطيب وثامر محمد الشرعي كانا ينويان اغتصاب النساء في مساكن الضباط المجاورة.

وليست هذه المرة الأولى التي يساء فيها إلى الأطفال في سورية باتهامات تتعلق بالسلوك الجنسي والتحرش. ويبدو أن الهدف هو تجريدهم من حالتهم كأطفال وبالتالي تحديدهم كمواطنين مسؤولين وأكفاء إنسانياً، وهو الخطر والخوف الحقيقيان اللذان يواجههما النظام. اتهمت طل الملوحي، وهي مدّونة سورية شابة، بالتجسس مطلع هذه السنة. عام 2006، وعلى موقع الكتروني طالبت طل الملوحي، وكان عمرها آنذاك 15 سنة، الرئيس بشار الأسد، بتسريع العملية الديمقراطية في البلاد ومكافحة الفساد. لكن، وبحسب بشرى كنفاني، مديرة قسم الإعلام الخارجي في وزارة الخارجية السورية، كانت طل الملوحي في مراهقتها متورطة في أفعال جنسية مُصوَّرة مع ضابط نمساوي قيل إنه عمل في مرتفعات الجولان، بالإضافة إلى سائق السكرتيرة الأولى في السفارة الأميركية في القاهرة. استخدمت هذه الأفلام المزعومة في ابتزاز الفتاة الشابة والتشهير بها كجاسوسة للأميركيين. ونتيجة لهذه المزاعم الفانتازية وسواها حكم على طل عام 2011، وكانت في عمر الـ19 سنة، بالسجن خمس سنوات.

التحدي الأكبر الذي يواجهه النظام اليوم هو مطالبة الرجال والنساء برجولتهم وأنوثتهم، مؤكدين بذلك على استقلاليتهم ونضوجهم كمواطنين.

وعلى ضوء ذلك، ليس مفاجئاً لجوءُ النظام، في مساعيه إلى تشويه الانتفاضة، إلى اتهام المعارضين بالمثليّة واعتقالهم، وكذلك، وفي الوقت نفسه، اتهامهم بنقص القدرة أو نقص الارادة داخل العائلات عن حماية النساء من الاعتداءات الجنسية. وهذا كله لمنع السوريين من ان يصبحوا مواطنين ذوي حقوق مستحقة.

كذلك برزت ممارسات جنسية فاحشة. ثمة جهاز وحشي خلقه النظام يعبّر عن حقده بتشويه الأطفال والشبان، أي رجال ونساء المستقبل في سوريا. شاهدنا على شاشات التلفزيون صور شبان سوريين تعتقلهم قوات الأمن وتهينهم وتُعرّيهم إلا من ثيابهم الداخلية. يروي الشبان المعتقلون بعد إطلاق سراحهم كيف رأوا رجالاً معلقين من أقدامهم بينما أعضاؤهم مربوطة بأسلاك بلاستيكية. كما تظهر عصابات شبيحة النظام عنفاً غير مراقب وإذلالاً، مهما كان إجرامياً، يكاد يتاخمُ مهزلة الرجولة. أين تكمن الرجولة حين تضرب عصابات مسلحة بكامل العتاد محتجّين سلميين عُزَّلاً وتدوسهم؟

يشعر المرء بأن مقاومة الشعب لا تثير غضب النظام فحسب، وإنما غيرته أيضاً. إنه يغار من الرجولة الشجاعة التي يواجهها. فإذا تجسدت الرجولة في صوت قوي كصوت ابراهيم القاشوش من حماة، مغني الثورة الذي اشتهر بعد مقتله، فإن عصابات النظام ستحزُّ رقبته وتقتلع حنجرته وتلقيه في نهر العاصي.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬