جان-بيار فيليو

[1]
في الأسابيع التي أعقبت اعتداءات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، بيع عدد قياسي من نسخ القرآن في المكتبات الأميركية والأوروبية. كانت الموجة الجديدة هذه من القراء تبحث في كتاب المسلمين المقدس، على ما يبدو، عن تفسيرات للكارثة تلك وعن إشارات إلى ما يخبئه المستقبل. لقد توصل بن لادن وأنصاره إلى تحويل النقاش العالمي حول الإسلام لمصلحتهم، عبر تقديم إرهابهم المعولم بصفته المرحلة الأعلى من عملية تجذير الإسلام. وامتدت جدالات لا آخر لها حول الطبيعة السلمية جوهرياً للإسلام أو المولعة بالحروب، كما لو أن على هذا الدين وحده دون غيره على كوكب الأرض أن يكون إما سلمياً أو محرضاً على الحرب. وذُكرت النصوص المقدسة وأشيرَ إلى التقاليد، من خارج سياقاتها عموما. وبلغت النزعة الدرامية هذه في الولايات المتحدة ذروتها في صيف 2010 مع المشروع المثير للجدل لبناء مسجد قرب أنقاض «مركز التجارة العالمية».

قصص الانفصال

كانت الكليشيه الآتية: ان العالم الإسلامي لم يعرف أبداً ما يعادل الفصل الذي عرفه الغرب بين الكنيسة والدولة، ذريعة أساسية تستخدم في ذلك التركيز على الإسلام بما هو دين؛ لذا ستكون السياسات الحكومية العربية، مثلها مثل الحراك النضالي، مشربة بالإسلام. وهو ما يحبس فهمها وتحليلها في إطار وحدود دينية.

الحكم المسبق هذا الذي كان يقال بحزم وبثقة بالنفس، خاطئ اليوم بذات القدر الذي كان فيه خاطئاً بالأمس. لقد انطلق التمايز بين الحيزين الديني والسياسي منذ منتصف القرن الثامن (أي عند منعطف القرنين الأول والثاني الهجريين)، عندما عمد الفقهاء إلى تحرير مؤسساتهم وهيئاتهم التعليمية من قبضة الخليفة. النزال الذي بدأ في دمشق في ظل الأمويين استمر مع العباسيين في بغداد.

لم يظهر أبداً ولن يظهر «بابا» مسلم، مخوّل التعبير عن مجموع المؤمنين والتقرير باسمهم، ولو أن هذا القول يثير حفيظة القادة والمحللين الذين يسقطون رؤاهم الذاتية عن جماعة مؤمنين تقودها كنيسة مؤسسة وذات تراتب. فالإسلام متنوع وغير مركزي في جذره ويغذي طيفا هائل الاتساع من الآراء والتوجهات يعصى على كل مقاربة أحادية. والمنافسة بين الخلفاء المتنافسين في بغداد والقاهرة وقرطبة في العصر الوسيط، وتأسيس مئات الأنظمة من كل صنف ونوع تحت راية الإسلام على مدى القرون كذلك وتداخل الأعراف والتقاليد المحلية التي أسبغ عليها الطابع «الإسلامي»، كل ذلك غذى وحفظ «مشكالاً»[2] من التأويلات ومظاهر الإيمان لا يخضع لأي سيطرة،.

ومن وجوه عديدة، يعود إلى التوسع الأوروبي في القرن التاسع عشر ردم الهوة بين المجالات السياسية والدينية في بلاد الإسلام. سعت القوى الاستعمارية، كل في الديار المسلمة التي أدارتها، إلى السيطرة ولجم حرية تعبير الشيوخ والعلماء. وحصلت كل الدول الأمم التي تشكلت بفعل الحركية الاستعمارية على بيروقراطيتها الدينية الخاصة بها، وعلى رأسها مفتٍ (للجمهورية أو للمملكة بحسب الحالات)، وجهاز من عدد وافر من الأئمة والقضاة. وظهر الإخوان المسلمون الذين باتوا نموذج النزعة الإسلاموية السنّية وتطوروا في مصر منذ العام 1928، متحدّين الرؤية الدولتية للإسلام وعاملين لاستعادة الحق في التحشيد باسمه. على العكس من ذلك، كانت التراتبية الهرمية الشيعية ترغب دائما بعدم الاختلاط بالسياسة الدنيا، وأحد أوجه الثورة الاسلامية عام 1979 أنها انقلاب من الخميني على آيات الله الآخرين الذين رفضوا حتى ذلك الحين الارتباط المباشر بالسلطة.

نادراً ما تهمّ هذه الحقائق العديد من المعلقين الذين يعاملون العرب غالبا على أنهم فئة منفردة بذاتها. هؤلاء الموهوبون في الخلط الثقافوي، يتعامون عن الفوارق بين السنة والشيعة، فيما هم يطاردون الروح الأزلية لإسلام نهائي وثابت. وهم يفسرون بطيبة خاطر كل تطور سياسي أو اجتماعي باللجوء إلى موشور (prisme) هذا الاسلام المعولم وحده. وفقا لهم، يتصرف المسلمون بهذه أو تلك من الطرق، لأنهم مسملون، وليس لأنهم مغاربة أو أردنيون، ولا لأنهم عمال أو موظفون، متعلمون أو أميون، من أهل المدن أو من الفلاحين، ينجذبون إلى الجنس الآخر أو مثليو الجنس، شبان أو عجائز، ناطقون باللغة العربية أو يتكلمون اللغة البربرية (الأمازيغية)؛ ومن الطبيعي أن يزن أصلهم الاجتماعي ومواردهم المالية أقل من انتسابهم الديني. ورغم ما في ذلك من تناقض، يتقاسم هؤلاء المراقبون اعتقاداً راسخاً مع الجهاديين: إنهم مقتنعون، جميعا، أن الاسلام يحمل الإجابات كلها.

أضاحٍ حديثة

عندما قدّم محمد البوعزيزي البالغ من العمر 26 عاماً نفسه قرباناً بإضرام النار في نفسه في السابع عشر من كانون الأول 2010، لم يأته الإلهام من انتحاريي الجماعات الاسلامية. لا، بل إن تضحيته تعيد صدى استشهاد يان بالاش، الطالب التشيكي الذي قدم حياته في التاسع عشر من كانون الثاني 1969 للاحتجاج على الاجتياح السوفياتي. لم يُسمع بوعزيزي أبداً يتحدّث عن بالاش، وكان قد ترك المدرسة الثانوية بعد وفاة أبيه المياوم الزراعي، ليتولى مسؤولية إخوته وأخواته الستة. مصدر الدخل الوحيد للعائلة كان عربة يدفعها بوعزيزي يدوياً. وكان يذرع شوارع سيدي بوزيد يبيع الخضار والفاكهة محصلاً ما يعادل حفنة من اليورو يومياً. ولم يملك بوعزيزي أي إذن عمل نظامي لأنه كان محروماً من أي سند ومن أي علاقة مع السلطات المحلية وكان بالتالي عاجزاً عن شراء رضا الموظف المناسب.

في ذلك اليوم السابع عشر من كانون الأول 2010، طوقت بوعزيزي دورية تابعة للبلدية مؤلفة من أربعة رجال وامرأتين وصادرت كل بضاعته: سبعة كيلوغرامات من الموز وخمسة صناديق من التفاح والإجاص. واحدة من الشرطة صفعته أثناء محاولته استعادة أغراضه بلا جدوى من مفوضية الشرطة. وذهب بوعزيزي بعد طرده من دون مراعاة أو احترام، إلى مقر الحاكم يطلب الرحمة، لكن محاولاته المتكررة ظلت بلا نتيجة. وبعد فشله الثالث، ركن عربته بهدوء غير بعيد عن المبنى الحكومي واشترى قارورة من التربنتين من محل بقالة مجاور وبلل جسده بالسائل ووجه إصبع اتهام إلى السماء ثم أشعل عود ثقاب. وانتظر الأشخاص الحاضرون في المكان والذين أصيبوا بالذهول بضع دقائق قبل أن يغطوه بقفطان لإطفاء النار[3].

حام طيف بالاش طوال عقدين حول تشيكوسلوفاكيا السوفياتية، وشقت التظاهرات التي أقيمت في الذكرى العشرين لاضرامه النار في نفسه الطريق امام الثورة المخملية في 1989. في المقابل، لم تتأخر تضحية البوعزيزي في اطلاق انتفاضة ديمقراطية. فتجمع مئات الأشخاص أمام مقر ولاية سيدي بوزيد في مساء يوم المأساة ذاته. في اليوم التالي، 18 كانون الأول، وكان يوم سوق، دعت النقابة المحلية إلى اعتصام، وانقضّت الشرطة على المحتجين بضربات الهراوات والغاز المسيل للدموع. ومن 19 إلى 21 كانون الأول تتابعت الأحداث في الشوارع الفقيرة في سيدي بوزيد. وفي 22 كانون الأول تسلق حسين نيجي البالغ من العمر 24 عاماً عمود كهرباء ذا توتر عال وصرخ أمام الحشد :«لا أستطيع أن أتحمل المزيد من هذا البؤس والبطالة». وانتحر بالكهرباء ملقيا نفسه على الأسلاك.

في 24 كانون الأول، تطلق الشرطة الرصاص الحي على المتظاهرين في منزل بوزيان التي تبعد ستين كيلومترا عن سيدي بوزيد وتقتل اثنين. عندها اتسعت الانتفاضة من وسط تونس صوب الجنوب قبل أن تبلغ العاصمة في الشمال. وفي 28 كانون الأول يزور الرئيس بن علي البوعزيزي الموجود على سرير الاحتضار في مستشفى بن عروس في وحدة العناية المركزة: وعد بمساعدة والدة وشقيقة الشاب سيئ الحظ؛ وأقال المحافظ وقائد شرطة سيدي بوزيد. بيد أن الوقت كان قد تأخر كثيراً للتغلب على الموجة. لقد اصبح البوعزيزي «شهيدا» رمزيا للمقاومة ضد الاضطهاد. وأحرق أحد عشر تونسياً آخر أنفسهم أثناء الاضطرابات (توفي خمسة منهم جراء جروحهم) وجرى تقليد هذه البادرة غير المسبوقة في مصر والجزائر والعراق والسعودية والمغرب والأردن وموريتانيا .

لا شيء إسلاميّاً في التضحية هذه. مع ذلك لم تأت هذه الإدانة القطعية للاضطهاد أقل تدميرا (للنظام). وعندما مات البوعزيزي في الرابع من كانون الثاني 2011، باتت ايام الدكتاتورية معدودة.

الضابط والقاضي

كان الجنرال رشيد عمّار البالغ من العمر 63 عاماً هو من وجه الضربة القاضية إلى النظام التونسي. فمن دون الانخراط في منطق الانقلاب العسكري، رفض ببساطة وبحزم إطلاق النار على المتظاهرين. ولكونه رئيس أركان، لم يتعاط السياسة أبداً رغم أنه لم يخف إعجابه بالرئيس الراحل بورقيبة. وأمر بن علي في التاسع من كانون الثاني عمار بسحق الانتفاضة في تونس العاصمة وفي غيرها من المدن الكبرى، وذلك بإنزال القوات وفرض حظر التجول. ونشر الجنرال وحداته ومدرعاته لكنه وجهها بالامتناع عن أي اشتباك عنيف. وتصاعد ضغط الرئيس لحمل وزارة الدفاع على الانضمام إلى سياسة اطلاق النار بهدف القتل التي تبنتها وزارة الداخلية. ورغم ذلك ظل عمار صامداً في وجه الضغوط الآتية من قرطاج[4].

لم يرد العسكريون الخمسة والثلاثون ألفاً التورط في حمام دم وظلوا يرون في الجنرال المغضوب عليه قائدهم الشرعي. وتصاعد التوتر بين الجيش والحرس الرئاسي الذي كان يشرف عليه علي السرياتي والمؤلف من خمسة الاف رجل، من بينهم الرماة الذين تمركزوا ونشروا الرعب في القصرين، إضافة إلى مناطق أخرى[5]. بلغ الكباش هذا ذروته في يوم 14 كانون الثاني الحاسم. وتعمد السرياتي تسويد صورة الوضع لاقناع الديكتاتور بالسماح بممارسة القمع من دون قيود. وأثارت هذه الانباء ذعر بن علي وعرض عليه عمار، لتجنب الأسوأ، إمكان مغادرة البلاد سريعاً[6]. وقرر الرئيس التوجه جواً إلى الشرق الأوسط وهو مقتنع بأن الانتفاضة مؤامرة إسلامية وآمل بالعودة ما إن تتم إعادة فرض الأمن[7]. وسرعان ما وجه الجيش اهتمامه إلى قوات السرياتي الخاصة وطارد مأجوري النظام وصولا إلى داخل القصر الرئاسي في قرطاجة. وبتخلصه من الحرس الرئاسي، كرّس عمار السلطات الديمقراطية الجديدة.

هذا ولا ينتمي عياض بن عاشور، وهو من أبرز الفاعلين في المرحلة الانتقالية التونسية، إلى الحكومة بل يترأس لجنة الإصلاح السياسي المكلفة الإعداد لأول انتخابات حرة[8]. ويبلغ هذا القانوني من العمر 65 عاماً وهو عميد سابق لكلية القانون والاقتصاد في تونس. وقد استقال عام 1992 من المجلس الدستوري احتجاجاً على قانون يقيد استقلال المنظمات غير الحكومية. ودفعه متملقو بن علي لاحقاً إلى ترك الجامعة وإلى وضع حد لحياته المهنية. ويتسلح عياض بمعرفة موسوعية، وهو ابن الشيخ محمد فاضل بن عاشور (1909- 1970) الذي قدم بصفته مفتي تونس دعماً حازماً لبورقيبة في سعيه إلى تعزيز حقوق النساء. وكانت المرجعية الأخلاقية لعياض بن عاشور من القوة بحيث امتصت لجنته المجلس الذي شكلته أحزاب المعارضة والمنظمات غير الحكومية «لحماية الثورة»[9]. وفي سابقة كبيرة في العالم المسلم، جرى الإبقاء على التوصية بتقاسم صارم بين الجنسين في الانتخابات المقبلة.

لقد بات في وسع العاطل عن العمل الذي أصبح «شهيدا» والجنرال النزيه والقاضي العالم أن يكونوا مسلمين اتقياء يحركهم إيمان عميق من دون أن يضعوا قناعاتهم الدينية في المقدمة إذ يسوّغون أفعالا حاسمة بالنسبة إلى تطور تونس. وبالروحية ذاتها، انتفض عشرات الألوف من التونسيات والتونسيين ضد الديكتاتورية من دون أن يشيروا إلى الإسلام. لقد ثاروا وامتعضوا وأحبطوا وابتهجوا وخجلوا ووصلوا إلى أقصى درجات الغضب، لكن الدين لم يكن دافعهم. وما يصح على تونس التي جرى تغريبها (جزئيا) يصح في مصر أيضاً. فواحدة من المآسي التي حركت المتظاهرين تمثّلت في الاعتداء على كنيسة قبطية في الاسكندرية ليلة رأس
السنة 2011.

ميدان التحرير

غداة الاعتداء هذا الذي خلف 23 قتيلاً، اتهمت المعارضة المصرية الحكومة بتركيز قمعها على الاحتجاج السلمي بدلاً من ملاحقة الجماعات الإرهابية. والمسيحيون كثر في الحركة الديموقراطية في مصر، وكثرتهم تناسب، ولا ريب، نسبتهم التي تتراوح بين ثمانية وعشرة في المئة من السكان (خلافا لتونس التي لا تضم أقلية مسيحية). وتمكن المتظاهرون في القاهرة وفي الاسكندرية من التفوق لبرهة على شرطة مكافحة الشغب، وراحوا يطالبون باستقالة وزير الداخلية. وجاء رد فعل قوات الأمن الذي تعرض إلى الانتقاد، باللجوء إلى وحشيتها المعتادة وإلى التضليل باستهداف الاوساط الأصولية في الاسكندرية، رغم غيابها عن المشاركة في الحركة الاحتجاجية. وحصل أن واحداً من المشتبه فيهم الذين ألقي القبض اعتباطيا عليهم، وهو سيد بلال البالغ من العمر 30 عاما، عُذب حتى الموت، وأًبلغت عائلته بضرورة التكتم على المسألة. فكان أن الاعتداء الذي هو عمل مناهض للمسيحيين انتهى إلى تقديم شهيد مسلم للانتفاضة التي ستعلن عن نفسها.

وقرر المناضلون من أجل الحرية في مصر تحويل مسار «اليوم الوطني للشرطة» الواقع في 25 كانون الثاني، بالدعوة إلى احتجاجات كبيرة ضد انتهاكات حقوق الانسان. ودوى شعار «تونس هي الحل» في شوارع القاهرة والإسكندرية كبديل عن الشعار المقابل الذي يرفعه الاخوان المسلمون: «الإسلام هو الحل».[10] كما أن استعادة احتفال للمقاومة الوطنية ضد المحتل الانكليزي اكتست بمغزى خاص.[11]

وبعد ثلاثة أيام من الاضطرابات، أعلن المتظاهرون أن يوم الجمعة 28 كانون الثاني سيكون «جمعة الغضب» ضد نظام مبارك. وجرى اختيار ستة وعشرين مسجداً وسبع كنائس في القاهرة الكبرى كنقاط انطلاق نحو ميدان التحرير العملاق[12]. والجمعة هو يوم الإجازة الأسبوعية في البلد بأسره ما يعزز إمكان مشاركة المزيد من المحتجين.

وتشكل المقرات الدينية حيز التجمع الأقل تعرضاً لضغط الشرطة (رغم أن هذه اعتقلت لفترة وجيزة المعارض محمد البرادعي الذي كان قد عاد لتوه من فيينا، في مسجد في ضاحية الجيزة). وكان لدى المحتجين في تونس خيار اللقاء في أمكنة أخرى، كالمقرات النقابية على سبيل المثال. لم توجد هذه الامكانية واقعيا في مصر، بسبب حالة الطوارئ المفروضة على البلاد منذ تولي مبارك السلطة عام 1981- وقد مدّدها عامين إضافيين في أيار 2010. التوجه اذاً نحو المساجد في القاهرة أيام الجمعة لا يحمل رسالة دينية أكثر من هتاف «الله أكبر» في لحظات الحماسة الجماعية (فهكذا يستطيع مشجعو كرة القدم أن يعبروا عن مشاعرهم أثناء منافسة حامية).

وبخلاف الإسلاميين التونسيين الذين حطمهم عقدان من اضطهاد لا هوادة فيه، فلم يؤدوا دورا مهما في الحشد الثوري ضد بن علي، احتفظ «الإخوان المسلمون» بموقع إستراتيجي في المعارضة المصرية، رغم ترددهم الأولي في الانضمام إلى «الغضب» الجماعي. والحركة الديمقراطية قادرة أساسا على الاستيعاب، وترمي إلى تجنب الوقوع في فخ البديل الذي يشكله شعار «الدكتاتورية أو الاسلام» (السياسي) الذي رفعته الانظمة لمصلحتها، بمساندة نشطة أو خاملة من نظرائها الغربيين. المنطق الثنائي هذا هو الذي اغرق الجزائر في الحرب الأهلية في التسعينات، حافرا خنادق من الكراهية، مع الحفاظ على لب النظام السياسي. رفض المناضلون من أجل الحرية بإصرار الاستسلام لابتزاز يستثني مكوّناً كبيراً من التطلعات الشعبية. وعلموا تمام العلم ثمن تكتيكات «فرق تسد».

الاحتجاجات العربية ليست بالتأكيد مناهضة للإسلام. ومن العبث إنكار المكوّن الديني للهوية الجمعية أو الفردية. وليس صغيراً الفرق بين الاحتجاجات العربية و«الثورة الخضراء» التي نشبت في حزيران 2009 في إيران. لقد ندد المتظاهرون آنذاك بالتلاعب بالانتخابات الرئاسية، واتهموا قادة الجمهورية الاسلامية بتحويلها إلى ديكتاتورية، في حين أن شخصيات المعارضة كانت من كبار المسؤولين في النظام. وقد تعرض الإقدام الإصلاحي لهؤلاء للكسر بالتصميم القمعي للفريق الحاكم. واعتقد آيات الله في قمّ خطأ أن النقد الديني لحالة الجمود القائمة سيعزز التيار «الأخضر». لكن تبين أن التلويح براية الاسلام لدقرطة الجمهورية الإسلامية يكون كالتسليم بوجود العنقاء. فسجلّ الحشد والمطالبة بالانتفاضة الديمقراطية مختلف جذريا وأكثر فاعلية في العالم العربي.

والمكوّنات المختلفة للاعتراض التونسي التعددي والشامل في آن واحد، تتقاسم تطلعاً له ما يكفي من القوة ليطيح ببن علي من السلطة في أقل من شهر. والمطلب الأساس في كل هذه الحركات يتلخص في مسائل الكرامة والشرف والاحترام. لقد حرك التيار الثوري في العمق صراعاً من أجل تقرير المصير والتحرر من زمرة فاسدة ولاستعادة السيطرة على مصير أمة وجعله مرتبطا بمصير الفرد. لقد اضطر المسؤول إلى الرضوخ للضغط الشعبي، ليس لأنه خان الاسلام وقيمه، بل لأنه أذلّ البلد ومواطنيه. وصوّرت الشعارات التي أطلقت وعمّت في ميدان التحرير هذه المعضلة («مصر أو مبارك») وحضت الرئيس على الانصياع: «أوقف النفاق»،
و «اذهب إلى الجحيم»[13] أو «ارحل واتركنا نعيش»[14]. نظم متظاهرون مسيحيون حراسة صلاة الجمعة في الساحة، واحتفل بقداس قبطي في السادس من شباط (وفي اليوم التالي، احتفل بزواج علماني وسط زغاريد الأسرة وتصفيق الجموع[15]).

موظفو الإيمان

يسير المسلمون عكس البيرقراطية الدينية التي تواصل تزويد الأنظمة القائمة بالتبريرات «الإسلامية» للحكم الديكتاتوري. ويعظ الأئمة الموظفون بلا توقف ضد التظاهرات في الشارع[16]. وندد أمين لجنة الفتوى في الأزهر الشيخ سعيد عامر، المؤسسة الرائدة في إسلام الدولة المصرية، بالاحتجاجات العنيفة معتبرا أنها «حرام»، مشككا حتى في صواب الاحتجاج السلمي[17]. ومفتي المملكة العربية السعودية عبد العزيز آل الشيخ الموالي للحكم في الرياض على غرار زملائه في القاهرة، بدا كمن يردد الصدى بعبارات شديدة القسوة «هذه الفوضى ينشرها أعداء الاسلام وأنصارهم.[18]» ومما يكتسب مغزى أن سلف عامر في الأزهر الشيخ جمال قطب كان يعتبر التظاهرات السلمية عملاً تامّ الشرعية من وجهة النظر الاسلامية [19]. ومنذ ذلك الحين بدت الصيغة العقدية أقل تأثراً بالمقدّمات الدينية المسبقة منها بموقف إسلام الدولة. والمسلمون حتى لو كانوا فقهاء، يحملون هويات أخرى غير انتمائهم الديني.

بل إن ناشطين يعرّفون أنفسهم كـ«مسلمين» يشاركون من دون تحفظ في الانتفاضة المصرية أو يدينونها دينونة نهائية[20]: يشير هذا التنوع الشديد في المواقف السياسية إلى كون المتغير «الإسلامي» ليس بالمتغير الملائم. يدعو الخطباء السلفيون السائرون على خطى العلماء السعوديين والمصريين إلى التزام الهدوء وإلى الخضوع في الأقنية التلفزيونية التي تسيطر الحكومات عليها؛ حتى إنهم أغلقوا مساجدهم في الجمعة الثانية من الاحتجاجات للحيلولة دون استخدامها كنقطة تجمّع للمتظاهرين. وفي الوقت ذاته، توجه عمرو خالد[21]، المعادل الأربعيني للواعظين التلفزيونيين الأميركيين وواسع الشعبية في صفوف الطبقات الوسطى والعليا[22]، مرّات عدة إلى ميدان التحرير لرفع حماسة الجموع المحتجة. وبين طرفي الدعوات العامة، فإن اعضاء الاخويات الصوفية وأنصار العودة إلى الينابيع أو الإسلاميين المتصلبين، انقسموا جميعاً حول درجة التأييد أو المشاركة الملائمة في الحركة. الأمر المؤكد الوحيد كان أن الجميع، عندما يقومون بالتجمع فإنهم يفعلون ذلك بصفتهم مصريين وليس على قاعدة طائفية.[23]

وظهر في استطلاع للرأي أجري في الأيام الأولى من شباط 2011 في مصر أن سبعة في المئة فقط من المشاركين في الاستطلاع ربطوا بين الانتفاضة وبين حقيقة ان «النظام ليس إسلامياً بما يكفي»؛ و12 في المئة فقط يعتبرون أن تطبيق الشريعة الاسلامية أولوية، ولم يحصل «الأخوان المسلمون» سوى على تأييد 15 في المئة (وعلى أقل من واحد في المئة في إطار الانتخابات الرئاسية). وفور تسمية عمر سليمان نائبا لرئيس الجمهورية من قبل مبارك، باشر حوارا لا سابق له مع المعارضة في السادس من شباط، ولم يطلب حتى الإخوان المسلمون وضع مسألة تطبيق الشريعة على جدول الأعمال. وتمسك المحتجون في الشارع بمطلبهم: الرحيل الفوري وغير المشروط للرئيس مبارك. كانت تلك صرخة الحشد لمئات الآلاف من المتظاهرين في القاهرة وفي الإسكندرية وفي سائر المدن الرئيسة في البلاد. بعد يومين سرت بين المتظاهرين شائعات عن وشك استقالة رئيس الدولة؛ ثم حلت خيبة أمل عميمة عندما أعلن الرئيس الثابت كالطود، في وقت لاحق من تلك الليلة، عزمه على البقاء في منصبه حتى نهاية مدّته في خريف 2011.

وفي ميدان التحرير، رشق المتظاهرون الغاضبون أحذيتهم للتعبير عن احتقارهم لهذا الموقف. وصادف الحادي عشر من شباط يوم جمعة، وتصاعد الغضب والحماسة، ليس أثناء الصلاة ولكن بسبب الطريق المسدود الذي قاد اليه العناد الرئاسي بالتمسك بالسلطة. حسمت القيادة العسكرية الأمر: وافق مبارك في النهاية على التنحي. وفي إعلان استغرق ثلاثين ثانية، طوى عمر سليمان صفحة ثلاثين عاما من الحكم. علم المتظاهرون بالنبأ أثناء أدائهم صلاة المغرب، فتوقف كثير منهم عن الصلاة للتعبير عن فرحهم. وارتفعت الفرحة في ميدان التحرير حيث تصاعد نشيد كرامة مستعادة: «ارفع رأسك أنت مصري». وعم هذا الشعور الجميع: «هذه نهضة مصر»، «نحن هنا، هو من رحل»، «أخيرا، فخور بأني مصري»[24]. وانتشرت الأعلام الوطنية في كل الأرجاء أثناء هذا الاحتفال العفوي بالنصر الثوري. ولخّص ثائر منتشٍ الجو العام في تلك الليلة البهيجة: «ستشرق الشمس على مصر أجمل»[25].

تعديلات واستفتاء

انحازت الكنيسة القبطية بكليتها إلى جانب المشاعر الوطنية الجياشة وحيت الثورة وقدمت تعازيها إلى أسر «الشهداء»[26]. كان الإعلان المهيب هذا منتظراً بلهفة لأن البابا القبطي، شنودة الثالث، ساند علناً الرئيس حسني مبارك أثناء الاضطرابات، مظهراً له الولاء ذاته الذي أبدته المؤسسة الدينية الاسلامية. وأبدت شخصيات قبطية حذرها من تعيين طارق البشري رئيساً للجنة مؤلفة من ثمانية أعضاء تتولى صوغ مشاريع التعديلات الدستورية، باتّجاه انتخابات ديمقراطية. وشددت على أن البشري، وهو قاضٍ محالٌ إلى التقاعد، ومناصر معروف للمقاومة السلمية لنظام مبارك، كان قد سار في اتجاه قناعات اسلامية، معتدلة حكماً، وان لجنته ضمت صبحي صالح أحد المسؤولين البارزين في «الاخوان المسلمين» في الاسكندرية[27]. لكن القاضي القبطي في المحكمة الدستورية ماهر سامي يوسف، العضو في اللجنة أيضا، هو من رأس اجتماعها الأول في 15 شباط.

والرئيس السادات، سلف مبارك، هو من أضاف على الدستور سنة 1971 أن «الإسلام هو دين الدولة». وشيخ الأزهر أحمد الطيب، وليس «الإخوان المسلمون»، هو من حذّر من كل توجه صوب تعديل المادة هذه[28]. واتهم المتظاهرون أنصار مبارك بتغذية النزاع الطائفي في حين أنهم يصرون على وحدتهم في النضال، مسلمين ومسيحيين[29]. وجاءت اقتراحات البشري التي سلمها في 26 شباط، صارمة في علمانيتها: تقييد فترة الرئاسة بولايتين متتابعتين من أربعة أعوام، تخفيف وتحرير شروط الأهلية لتولي الرئاسة، السيطرة القضائية على العملية الانتخابية وضرورة تعيين نائب للرئيس في الشهرين الأولين اللذين يعقبان تولي السلطة.

كل هذه التعديلات الدستورية خضعت للاستفتاء بعد شهر واحد (من انتصار الثورة). نظم «الإخوان المسلمون» حملة نشطة للتصويت بـ«نعم» متجاوبين بذلك مع بواعث قلق المؤسسة العسكرية التي كانت تأمل في نقل سريع للسلطة إلى حكومة مدنية. في المقابل، كانت تشكيلات المعارضة العلمانية تفضل إلغاء كاملاً وبسيطاً للدستور مع فترة انتقالية مديدة تتيح لهم هيكلة شبكاتهم في أنحاء البلاد. هي إذاً اعتبارات علمانية وليست دينية، ما قسم الائتلاف المناهض لمبارك، حيث ظهر الاسلاميون أنهم أكثر ميلاً إلى الإصلاح (وأقرب إلى الجيش) من حلفائهم في ميدان التحرير.

أعيد تفعيل التحالف الثوري في 11 آذار في «جمعة الوحدة الوطنية»، التي دُعيَ اليها في أعقاب الصدامات العنيفة بين المسيحيين والمسلمين والتي أسفرت عن سقوط 13 قتيلا في حي فقير من القاهرة. واتهم المحتجّون أنصار حزب الرئيس السابق بإثارة هذه الاضطرابات بغية تهديد عملية الانتقال الديموقراطي[30]، وأدى استعراض القوة هذا (في ميدان التحرير) إلى إعادة فرض الهدوء. وجرى في 19 آذار الاستفتاء حول تعديل الدستور من دون أي حادث بنسبة مشاركة تاريخية بلغت الستين في المئة من الناخبين. وتمّ تبني التعديلات بموافقة 77 في المئة من المقترعين (حوالى 14 مليوناً صوّتوا بـ«نعم» مقابل أربعة ملايين قالوا «لا»)، ومن دون بروز أي فارق على أساس طائفي في النتائج[31]. في واقع الأمر، تشير الأكثرية الساحقة هذه إلى إرادة شعبية لتطبيع سريع للوضع أكثر مما يصحّ احتسابها امتثالاً لإشارة هذا أو ذاك من الأحزاب.

***

والانتفاضة ضد الرئيس مبارك الذي ضمن له الدستور شرعيته الاسلامية، أثارت احتجاجات متوازية من الناشطين المسلمين والمسيحيين، كل طرف منهم ضد مؤسساته الدينية المحافظة. وفي ما يتعلق بالعملية الثورية التي أطاحت بن علي في تونس، وهي التي يكاد لا يوجد بين سكانها غير المسلمين، فهي قد حصلت من دون أي وجود لبعد ديني. والتمرّد الليبي جاء صريحاً في وطنيته، في بلد متجانس دينياً أيضاً، وانطوى على عناصر إسلامية كمكونات للهوية الوطنية وليس كسمة محددة. ويمكن قول الأمر ذاته عن الاحتجاجات في اليمن وعُمان.

ويصدر أحيانا إدراج عناصر إسلامية في برنامج أو خطاب ثوري أوسع عن عملية فردنة الدين. ويستمر الإيمان أساسياً في مصطلحات الحشد الأخلاقي، بيد أنه فقد توجهه الشامل. من ناحية ثانية، يمكن لمختلف الفاعلين استخلاص خلاصات عملية شديدة التباين استنادا إلى قناعاتهم الاسلامية. تعدد الخيارات هذا واستحالة التكهن بتأثير العامل الديني موجودان أيضاً عند الإسلاميين بتأثيراتهما المتناقضة على ديناميتهم السياسية.

المسلمون إذاً ليسوا مسلمين وحسب، بل هم أيضا يحملون صفات أخرى كثيرة. والشبان ليسوا شباناً وحسب، ويحدث أن يكونوا غاضبين جدّاً أيضاً.

[1] فصل من كتاب
Jean-Pierre Filiu, La Révolution arabe: Dix leçons sur le soulèvement démocratique, Fayard, 2011.

[2] آلة بصرية مؤلفة من مرايا تعطي اشكالا مختلفة ومتنوعة للجسم الموضوع أمامها.

[3] Christophe Ayad, “Sidi Bouzid l’étincelle”, Liberation, 5 fevrier 2011

[4]Isabelle Lasserre, “Rachid Ammar, le centurion du peuple”, Le Figaro, 21 janvier 2011

[5]Isabelle Lasserre, “Rachid Ammar, le centurion du peuple”, Le Figaro, 21 janvier 2011

[6]Isabelle Mandraud, “A 17h45, le 14 janvier, le president Ben Ali s’enfuit”, Le Monde, 6 fevrier 2011.

[7]http://www.nytimes.com/2011/02/22/world/africa/22tunisia.html?hp

[8]International Crisis Group, “Egypt victorious?”, Le Caire- Bruxelles, 24 fevrier 2011, p.11

[9] الاسم الرسمي للمجلس هذا الذي يضم 155 عضواً هو «الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة و الإصلاح السياسي و الانتقال الديموقراطي». هذه الصياغة التي يبدو أنها نوقشت باستفاضة، تعكس الجدلية المفترضة بين الثورة والإصلاح والانتقال.

[10]Robert Sole, “Le paradoxe egyptien”, Le Monde 2 fevrier

[11] استولت القوات البريطانية في الخامس والعشرين من كانون الثاني 1952 على مفوضية الشرطة في الاسماعيلية حيث قتلت 42 عنصرا من قوات الامن المحلية. ولم تصبح هذه الذكرى عيدا وطنيا الا في 2009 بمبادرة من مبارك الذي اراد رفع شعبية وزارة الداخلية.

[12]http: //www.arabawy.org/2011/01/27/jan25-mosques-and-churches-in-cairo-and-alexandria-were-protests-are-planned-tomorrow/

[13]Elodie Auffray, “Moubarak, t’es un pilote”, Liberation, 3fevrier 2011

[14]http://www.youtube.com/watch?v=fqmRpkQgmP4&feature=player_embeded

[15]Reuters, Le Caire, 7 fevrier 2011.

[16]http://www.almasryalyoum.com/en/news/imams-protest-intervetions-state-security-their-work

[17] الشروق، القاهرة، 28 كانون الثاني
2011,http://www.shorouknews.com/ContentData.aspx?id=383908

[18] «الشرق الأوسط «(الرياض) 5 شباط 2011،
http://af.reuters.com/articles/egyptNews/idAFLDE71403F20110205

[19]http://www.shorouknews.comContentData.aspx?id=383908

[20] راجع الدراسة المهمة لحسام تمام وباتريك هايني «الإسلام في الثورة في مصر»
Religioscope,10 fevrier 2011

[21] الموقع الرسمي لعمرو خالد (باللغة العربية)
http://amrkhaled.net/newsite/index.php

[22] - http://www.nytimes.com2006/04/30/magazine/

[23]International Crisis Group, “Egypt victorious?”, Le Caire-Bruxelles, 24 février 2011, p.2.

[24]http://www.nytimes.com/2011/02/12/world/middleeast/12tahrir

[25] http://www.nytimes.com/2011/02/12/world/middleeast/12revolution.html?pagewanted=1&hp

[26]http://www.almasryalyoum.com/en/news/army-appointed-constitutional-committee-fails-please-everyone

[27]http://www.nytimes.com/2011/02/16/world/middleeast/16egypt.html?_r&ref=world

[28]http://www.almasryalyoum.com/en/news/al-azhar-head-warns-against-amending-article-ii-constitution

[29] International Crisis Group, “Egypt victorious?”, Le Caire-Bruxelles, 24 février 2011, p.21.

[30]http://www.almasryalyoum.com/node/348955

[31]http://www.arabist.net/blog/2011/4/10/district-level-level-egypt-referendum-results.html




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬