حازم الأمين

تُعتبر تجربة صالح سرية أحد المؤشرات المبكرة جداً إلى قابلية الشتات لنقل الضائقة الفلسطينية الى ما يتعداها من معانٍ وأفعال، وذلك عبر نفيها بصفتها ضائقة وطنية ثم الإمعان في هذا النفي الى حد تجاوزها وتهميشها في سياق استبدالها بضائقة "أممية" يشكل الإسلام جوهرها. ففي مراجعة سريعة لـ"رسالة الإيمان" التي كتبها صالح سرية والتي تعتبر مانيفستو الجماعة التي تزعمها في مصر، تبدو فلسطين هامشاً ضيقاً وتكاد لا تذكر في سياق السعي للانقلاب على الأنظمة "الكافرة" وتحديد وجهات عمل المسلم في الدول التي لا تعتبر الإسلام دستور عملها وفيصل أحكامها.

كتب سرية "رسالة الإيمان" في 1973، وظهرت في الرسالة منذ ذلك الوقت بذور "سلفية جهادية" غير متبلورة، لا موضوعة وطنية لها، ولا هموم متصلة بشكل الدولة الحديثة. فلسطين نفسها بصفتها أرضاً محتلة، كانت على هامش جوهر قضية "رسالة الإيمان" المتمثلة بتغيير الأنظمة العربية، على ان تكون البداية من مصر، أكبر دولة "إسلامية" في ذلك الوقت. علماً ان سرية وقع البيان الذي كان من المفترض ان يُذاع في حال نجاح الهجوم على "الفنية العسكرية" في القاهرة باسم "أمير البلاد صالح سرية".

تبدو المؤشرات السابقة على النزوح في حياة صالح سرية ضعيفة التأثير في سيرته "الجهادية"، وهو ما يشترك فيه مع كثيرين غيره من شيوخ "الجهاد" الذين ولدوا في فلسطين قبل النكبة مثل عبدالله عزام. فبينما غذت إخوانية الأخير وقطبيته في المرحلة الشتاتية ميوله "الجهادية" التي لم تكن فلسطين موضوعها الوحيد، يبدو ان سرية ارتبط في بداياته بحزب التحرير الإسلامي الذي أسسه الشيخ تقي الدين النبهاني في القدس في 1950، وربما كان ذلك سبب سبقه أصحاب الميول الإخوانية الى "الجهاد". فحزب التحرير، وان لم يكن "سلفياً"، فإنه "جهادي" وتضم أدبياته دعوات مباشرة إلى قلب الأنظمة و"إقامة الخلافة"، بينما يتوسط بين "الجهاد" وبين العمل الدعوي في السيرة الإخوانية تراث من العلاقة غير الصدامية مع الدول والأنظمة.

ولد صالح سرية في قرية إجزم في قضاء حيفا سنة 1937، ونُقل في 1948 مع عائلته من قبل الجيش العراقي، الذي كان يُقاتل في حينها ضمن "جيش الإنقاذ"، الى بغداد التي نشأ فيها ودرس وعمل، الى ان انتقل الى جامعة عين شمس في القاهرة أواخر ستينات القرن الفائت ونال شهادة الدكتوراه في التربية وكانت رسالته عن تعليم العرب في إسرائيل.

يمت سرية بعلاقة قرابة بعيدة الى مؤسس حزب التحرير الإسلامي تقي الدين النبهاني، وهو أمر له تأثير في البيئة الفلسطينية، اذ لطالما شكلت القرابات مصدراً للتأثير المباشر أو غير المباشر. وإذا كان "السلفيون الجهاديون" الجدد الذين يعتبرون سرية واحداً من بواكيرهم يميلون الى نفي أو الى التخفيف من أهمية علاقته الأولى بحزب التحرير بسبب الخصومة الشديدة بينهم وبين هذه الجماعة "المرجئة"، فإن وقائع ومعلومات أخرى تؤكدها، منها ما أعلنته الأجهزة الأمنية المصرية أثناء تقصيها شخصية الرجل في أعقاب محاولته الانقلابية في 1974.

في السنوات القليلة التي سبقت تشكيله جماعة "الفنية العسكرية"، من الواضح ان سرية لم تكن تربطه علاقة بحزب التحرير، لا بل ان ثمة مؤشرات الى علاقته بالإخوان المسلمين المصريين ثم لاحقاً بجماعات "الجهاد" الأخرى. لكن هذا لا ينفي على الإطلاق صدور سرية من "تحريرية" بقيت ملازمة نشاطه وطبعت خطوته الأخيرة بطابعها. فتقنية الإنقلاب العسكري من خلال الإمساك بالجيش هي واحدة من ركائز دعوات حزب التحرير العملانية في "جهاد الأنظمة". ثم ان حزب التحرير، الذي تأسس في القدس بعد عامين فقط من النكبة، مثّل التجلّي الفلسطيني الأول لفكرة "الجهاد العالمي" بصفته بديلاً للجهاد في سبيل الأوطان، وهذه فكرة تحاكي من دون شك أمزجة شيوخ "الجهاد" السلفيين، وان لم تحاكهم أفكار أخرى حملها الحزب. وأن يبقى من "تحريرية" سرية مزاج "الجهاد غير الوطني" مستبعداً ما هو غير سلفي في وعيه هذا، فإن الأمر يبدو ممكناً لا بل مرجحاً.

ربما مثل صالح سرية نموذجاً أوضح من غيره على اضطراب العلاقة بين الناشطين الفلسطينيين في شتاتهم وبين المجتمعات والأنظمة التي حلوا فيها. ففي العراق كان طالباً متفوقاً منعته فلسطينيته من الدخول الى الجامعة فلجأ الى زعيم جماعة الإخوان المسلمين العراقيين محمد الصواف الذي كان يرأس "جمعية إنقاذ فلسطين" فأدخله الأخير الى كلية الشريعة في بغداد. ويبدو ان تلك الفترة (أوائل خمسينات القرن الفائت) شهدت "تضييقاً" على النشاط السياسي للفلسطينيين في بغداد، ويبدو ان الإخوان المسلمين العراقيين كانوا وسيطاً في العلاقة بين الدولة والفلسطينيين. ويؤكد سرية في اعترافاته للأمن المصري انه انتمى إلى جماعة الإخوان في العراق، لا بل أشار الى انه صار عضواً في هيئتها التنفيذية.

لكن سيرة سرية الإخوانية في العراق شهدت تقلبات غير منسجمة مع ما تفترضه السيرة الحزبية، فهو تجاوز الإخوان وأسس جماعة فلسطينية أطلق عليها اسم "جبهة التحرير الفلسطينية"، لكنه في الوقت نفسه لم يترك نشاطه الإخواني، اذ أبقى على علاقة أكيدة مع قيادتها، واختار من بين القيادات من يمتون بصلات ما الى المؤسسة العسكرية العراقية في حينه. وفي الوقت الذي تشير معلومات الى علاقة ما مع عبد الكريم قاسم قبل انقلاب الأخير على الحكم الملكي في 1958، ينفي هو هذه المعلومات، ويؤكد انه كان يسعى في حينه إلى انقلاب عسكري تتولى فيه جماعة الإخوان قيادة البلاد وليس قاسم.

من الواضح أن الإخوان المسلمين كانوا قناة رئيسية لاستيعاب الناشطين الفلسطينيين في المجتمعات التي استقبلتهم في أعقاب النكبة.

لكن من الواضح أيضاً ان الإخوان لم يلبوا ما تطلبه هؤلاء من صدام مع الأنظمة، فراحوا يعملون على ضفاف التنظيم وفي هوامشه الأمنية والدينية في مشاريع تلتقي أحياناً مع المزاج الإخواني لكنها غير منسجمة مع ميول قيادة الإخوان في علاقتها الهادئة مع الأنظمة. فالإخوان، سواء في الأردن أم مصر أم العراق، كانوا الحركة التي أتاحت لغير مواطني هذه الدول الانخراط في العمل السياسي والدعوي، بصفتهم جزءاً من "أمة المسلمين". وفي الوقت نفسه تصدى الإخوان لموضوعات "وطنية" وصلت في بعض الأحيان الى حدود الانقلابات العسكرية، وهو أمر عرض هذه الدول لطموحات "غير وطنية" بفعل اشتراك ناشطين من غير مواطنيها في هذه الأنشطة. وسرية، سواء في نشاطه السياسي في العراق أم في مصر، مثّل ذروة هذه العلاقة. فهو في العراق تحالف مع أطراف في مواجهة أطراف أخرى، وكانت لذلك نتائج دموية، وفي مصر كانت عملية الفنية العسكرية باكورة النشاط المسلح للجماعات الإسلامية المصرية.

ربطت صالح سرية في مرحلته العراقية علاقة بعبد السلام عارف قبل ان ينقلب الأخير على عبد الكريم قاسم ويصبح رئيساً للعراق في 1963. كان سرية قد تعرف الى عارف في 1956 حين كان الأخير مقرباً من جماعة الإخوان المسلمين في العراق.

وفي هذه المرحلة ظهر تأثير سرية الواضح في جماعة الإخوان على رغم صغر سنه. فهو تولى الاتصال مجدداً بعارف الذي كان ابتعد عن الجماعة، بعد ان شعرت الأخيرة بالحاجة اليه في سياق اشتراكها مع قاسم في عملية التحضير للانقلاب العسكري. لكن سرية عاد واختلف مع الإخوان لاعتقاده بأن من المفترض ان يتولوا وحدهم عملية الانقلاب لا ان يكونوا تحت قيادة "العلماني عبد الكريم قاسم". وبعد حصول الانقلاب ونجاحه، وكان ممثل الإخوان في "مجلس قيادة الثورة" الرائد محمد فرج، توجه سرية الى وزارة الدفاع وقابل فرج وأبلغه احتجاجه، فرد الأخير بأن الإخوان بصدد التحضير للانقلاب على قاسم واستلام السلطة. لكن يبدو أن الخبر وصل لقاسم الذي نظم حملة اعتقالات واسعة لجماعة الإخوان نجا منها صالح سرية لأسباب غير معروفة، ثم ما لبث ان باشر في تأسيس "جبهة التحرير الفلسطينية".

"جبهة التحرير الفلسطينية" (وهي غير الجبهة التي عُرفت لاحقاً بهذا الاسم وترأسها أبو العباس) كانت الاختبار الأول لسرية في العمل المسلح، فقد باشر ناشطو هذه الجماعة في العراق استهداف اليهود العراقيين ومصالحهم في بغداد. ويقول سرية في اعترافاته للأمن المصري: "ارتأيت أنا ان نسطو على يهود العراق للاستيلاء على أموالهم ونستعين بها في تنظيمنا، وكانت أخطر حادثة في هذا الصدد، من بين ما قمنا به من عمليات سطو عديدة على اليهود، حادثة السطو على شركة يهودية في حي البنوك في بغداد جرى فيها إطلاق الرصاص بين رجالنا واليهود وقبض على شخص واحد من أفراد الجبهة... وهذه القضية أعجبت مفتي فلسطين أمين الحسيني وهو قبل هذه الحادثة كان يرفض تمويل الجبهة وبعدها أبدى استعداده للتمويل".

أعتقل سرية في العراق في 1963 في عهد صديقه السابق عبد السلام عارف وبقي أقل من سنة في السجن. وبعد الإفراج عنه التقى بياسر عرفات الذي جاء الى بغداد عارضاً عليه ضم جماعته الى حركة فتح. وقبل سرية العرض وصار عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني. وفي هذا الوقت ورد اسمه في التحقيق بإحدى المحاولات الانقلابية في الأردن. وبالتزامن مع ذلك بات قلقاً على وضعه في العراق بعد انقلاب البعث في 1968، اذ قام أحمد حسن البكر في حينه بإعدام عدد من ضباط الإخوان المسلمين الذين لم يُشارك قسم منهم في الانقلاب.

غادر سرية الى سورية لحضور اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني، ومنها الى القاهرة بهدف متابعة دراسته في جامعة عين شمس، حيث ستبدأ مرحلته المصرية التي افتتحها بزيارة زينب الغزالي، وهي من وجوه جماعة الإخوان المسلمين المصريين.

في الحقبة العراقية غلب على نشاط سرية الدعوي والأمني البعد العملي منزوعاً منه عمقه الديني، فإخوانية الرجل لم تحل دون تأسيسه حزباً "فلسطينياً" مستقلاً، كما لم تحل دون قبوله عضوية المجلس الوطني الفلسطيني الذي لم يكن الإخوان، حتى الفلسطينيون منهم، ممثلين فيه. وفي المقابل كان نشاطه العراقي المتصل بإخوانيته "العراقية" جزءاً من سياق عراقي اذا صحت العبارة. فهو سبق أن سعى للانقلاب على قاسم، ولاحقاً استهدف يهود العراق لتمويل تنظيمه الذي لا يبدو انه كان بصدد التحضير لعمل في فلسطين، بل في العراق. وهو غادر بغداد الى القاهرة في سياق أزمة مع البعث. وتتالي هذه الوقائع في سيرة سرية العراقية لا يفضي جميعه الى استنتاج حول مضمون فلسطينيته، بل دارت "حركيته" على عناوين أخرى تبدو فلسطين أضعفها.

على أيّة حال، ففي اللقاء السري في القاهرة مع القيادية الإخوانية زينب الغزالي، دار الحديث بينهما حول خيبة أمل سرية من ميول الإخوان الدعوية واستبعادهم "القوة" من نشاطهم. كان ذلك في 1971 أي في أعقاب تولي الرئيس المصري الراحل أنور السادات الحكم وإفراجه عن القيادات الإخوانية من سجون سلفه جمال عبد الناصر.

في ذلك العام لم تكن قد ظهرت أية انشقاقات "جهادية" عن جماعات الإخوان المصريين، وبهذا المعنى مثّلت وجهة نظر سرية سبقاً على هذا الصعيد. وكان واضحاً ان لفلسطينية الرجل دوراً تغذيه ميول كانت بدأت تتبلور في الهامش الإخواني المصري. وفي ذلك الوقت كان لما أجابت به غزالي على تذمرات سرية دلالة تُحدث فرزاً واضحاً بين الخيارين، فقد قالت: "ما زلنا في مرحلة الدعوة، والقيادة خارجة حديثاً من السجن وليست لدينا القوة التي تطالبنا في إظهارها". ولاحقاً تكرر النقاش نفسه بين سرية ومرشد الإخوان المصريين في حينه حسن الهضيبي.

والنقاش بين سرية وقيادة الإخوان في مصر يردنا من دون شك الى نقاشات أعقبتها بين الجماعات "الجهادية" وبين جماعة الإخوان، مع فارق ان النقاشات في المرحلة اللاحقة تطورت الى مرحلة انعدام الود، لا بل التكفير في الكثير من الأحيان، في حين تكمن أهمية النقاشات الأولى بكونها قدمت للثانية، وكانت عينة عما ستؤول إليه العلاقات بين "الجهاديين الجدد" والتنظيم الأم.

اذاً لم يؤدِ الخلاف بين سرية وجماعة الإخوان في مصر الى انعدام الود بين طرفيه، وبقي سرية يتردد على منزل الغزالي في الوقت الذي كان باشر فيه بناء تنظيمه السري. وهذا الأمر دفع الكثير من الباحثين الى ربط تنظيم الفنية العسكرية بالإخوان المصريين الذين دفع سرية ببراءتهم أمام محكمة أمن الدولة أثناء محاكمته.

الأرجح ان سرية كان الفلسطيني الوحيد في التنظيم السري الذي بناه في مصر. ففي محاضر الأمن المصري ما يفيد بأن التنظيم تألف من نحو 92 شخصاً معظمهم من طلاب الجامعات وتتراوح أعمارهم بين 19 و37 سنة، وان التنظيم تألف من مجموعات عناصرها من مناطق مختلفة من مصر. ويبدو ان فشلهم في تنفيذ العملية مرده الى وشاية متأخرة أقدم عليها أحد زملائهم في التنظيم. وعلى رغم ذلك، أفضى تأخر الوشاية الى مباشرتهم العملية، ولكن تم القضاء على المحاولة في مراحلها التنفيذية الأولى.

لكن شُبهة الإخوان المسلمين لم تفارق الباحثين في أصل تنظيم الفنية العسكرية، فتولي سرية أثناء محاكمته تبرئةَ الأخوان لم يُزل الشكوك، فالبيئة التي عمل فيها الرجل والتي جنّد واستثمر فيها بيئة إخوانية مصرية، وأعقب العملية بسنوات تسرب معلومات عن ان قيادة الإخوان كانت على علم بنشوء تنظيم عسكري في خاصرتها، والمرشد حسن الهضيبي لم يكن راضياً عن الفكرة لكنه لم يقاومها.

وتكمن أهمية مجموعة سرية في السياق المصري في أنها كانت تجربة "الجهاد المسلح" الأولى في مصر، فما سبقها كان محض نيات أو محاولات لم يُتح للمخططين لها نقلها الى الصعيد العملي. وتكشف النقاشات التي ترافقت مع تأسيس تنظيم الفنية العسكرية ان ما كان يعوق انتقال "الجهاديين" في هامش الإخوان الى المستوى العملاني في تحركهم ضد الدولة كان حسابات محلية متعلقة بالحرص على قيادة تنظيم الإخوان أو شعورهم بقوة السلطة ولا جدوى "جهادها"، في حين كان مجيء سرية من خارج هذه الحسابات عاملاً مسرّعاً وحاسماً في قرار "التنفيذ" السريع الذي اتخذه والذي تُجمع أدبيات زملائه المصريين في المجموعات الأخرى على انه كان قراراً متسرعاً لم يتم الإعداد له على نحو كافٍ بما يضمن له النجاح.

لكن هذا لم يمنع باحثين من الإشارة الى تورط الإخوان مع مجموعة الفنية العسكرية، فيشير الباحث في مركز الأهرام للدراسات عزمي فهمي الى شهادة القيادي في تنظيم الفنية العسكرية طلال الأنصاري التي تتضمن معلومات حول معرفة زينب الغزالي بتفاصيل تشكيل التنظيم، وان الأنصاري كان قد سبق سرية الى تشكيل نواته وانه سلمه قيادة التنظيم في منزل الغزالي عندما التقيا بوجودها. لكن تبقى هذه الشهادة غير كافية في ظل عدم تحرك الأمن المصري على ضوئها.

وخلافاً لشخصيات "الجهاد العالمي" التي ظهرت بعده، تستبطن سيرة صالح سرية قدراً من التفاوت في العلاقة مع الأنظمة السياسية والجماعات الإسلامية والقومية التي كانت تسود سبعينات القرن الفائت، وهو أمر ليس غريباً في ظل عدم تبلور سلفية جهادية واضحة الوجهة في ذلك الحين. فسرية فاوض عرفات على الاندماج مع "فتح" في العراق، وهذا ليس دأب هذا النمط من الجماعات، وهو أصبح عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني، وأيضاً يبدو ذلك خروجاً عن نسق العلاقة بين السلفية الجهادية والهيئات المنبثقة من "شبهة العمل الوطني". ثم ان سرية، وأثناء وجوده في مصر، كان يعمل في جامعة الدول العربية، وهذا عنصر ثالث لا يشبه فيه شيوخ "الجهاد" الذين أعقبوه. لكن في مقابل ذلك تبدو "رسالة الإيمان" التي كتبها حول الأنظمة وكفرها وضرورة إطاحتها، سياقاً مختلفاً تماماً عمّا تشي به تلك المؤشرات. فـ"رسالة الإيمان" وثيقة "سلفية جهادية" لا تشوب صفتها هذه شائبة. ولعل الارتباك الناجم عن عدم انسجامها مع بعض محطات حياة سرية مرده الى "شطط البدايات".

والسبق الذي أحرزه سرية على غيره من الناشطين المصريين، على صعيد نقل "الدعوة" الى السياق العملاني، يمكن رده أولاً الى صدور الرجل عن "إخوانية" ممزوجة بأصل تحريري (نسبة الى حزب التحرير الذي كان يأخذ على الإخوان قعودهم عن الجهاد). لكن، وقبل ذلك، لا بد من التوقف عند تشتت الرجل بين هويات أخضعها تنقّله بين فلسطين والعراق ومصر الى اختبارات لم تترسخ في مزاج "وطني" واضح وكابح لأي شطط أو مغامرة.

ويبدو ان سبعينات القرن الفائت كانت مرحلة البدايات المصرية لـ"الجهاد". فهناك شخصية فلسطينية ثانية برزت في القاهرة في أوساط مجموعات "الجهاد" التي كانت قد بدأت تظهر آنذاك، وستكون لهذه الشخصية أهمية خاصة، اذ يعتبر باحثون انها شكلت حلقة الوصل الأولى بين "الجهاد المصري" وبين باكورة العمل الفلسطيني في الأردن في هذا الميدان. انه الشيخ محمد سالم الرحال الذي كان انتقل من الأردن الى مصر في أوائل السبعينات للدراسة في الأزهر، وهناك في القاهرة أنشأ مجموعته الخاصة التي باشرت التخطيط لاغتيال الرئيس المصري أنور السادات، فكُشفت واعتقل الرحال ثم أبعد الى الأردن.

والسبعينات تلك شهدت وصول الكثير من الطلاب الفلسطينيين الى القاهرة للدراسة، فشكل قدومهم مختبراً حقيقياً لاحتمالات "الجهاد" وفقاً لمصادر وفادتهم تلك. فالتأثر بجماعات "الجهاد" المصري تم وفقاً لمعادلة الداخل والخارج. فمن بين القادمين الى القاهرة من الضفة الغربية وغزة كان فتحي الشقاقي وعبد العزيز عودة، ومن بين فلسطينيي الشتات كان صالح سرية ومحمد سالم الرحال. وشهدت تلك الحقبة نقاشاً حول أولويات "الجهاد": فبينما رأت جماعة الداخل (عودة – الشقاقي) أولويّة التحرير المباشر، أو ما أطلق عليه في حينه "الجهاد الوطني" الذي أملى على الرجلين العودة الى الداخل وتأسيس "حركة الجهاد الإسلامي" الفلسطينية، وجد كل من سرية ورحال (الشتاتيين) في "الجهاد العالمي" واطاحة الأنظمة ضالتهما. وهنا يبدو الفرز بين الداخل والشتات نموذجياً في الخلوص الى استنتاج شتاتية "القاعدة" على المستوى الفلسطيني. لكن القطع، على رجحانه، بصحة هذه المعادلة، يبقى نسبياً ولا يخلو من تعميم، اذ ان العمق السلفي لجماعات "الجهاد" الوطني لطالما جعلها عرضة لشطط "الجهاد العالمي".

ومن الممكن سحب هذه العلاقة التماثلية والتنابذية بين الجهادين الوطني والعالمي على بدايات نشوء حركة "حماس" وإن على نحو مختلف. فقد شهدت الحركة، بحسب مقربين منها، في تلك الفترة تجاذباً بين قيادات الخارج القادمة في حينه من الكويت عقب حرب الخليج الثانية (خالد مشعل ومحمد نزال وعماد العلمي وموسى ابو مرزوق) وقيادات الداخل في غزة (عبدالعزيز الرنتيسي ومحمود الزهار واسماعيل ابو هنية). فقيادة الخارج كانت تريد الانتقال من "المقاومة السلبية" عبر الأطر الشعبية والتحركات الاحتجاجية، الى "المقاومة الإيجابية" اي العمل العسكري المباشر .اما قيادة الداخل فكانت تريد الاستمهال.

فلطالما كان الخارج والشتات اكثر راديكالية من الداخل، وهو أمر يفسر ايضاً بعض أسباب تأخر "القاعدة" في الوصول الى الداخل الفلسطيني، هذا التأخر الذي يقول بعض المترددين على الأوساط "القاعدية" انه يسبب الكثير من الإرباك في الوسط "الجهادي السلفي" ويطرح شكوكاً واسئلة حول دور هذه الجماعات ووظيفتها.وعلى نحو ما كانت "عالمية" دعوات عبد الله عزام "الجهادية" غير منفصلة عن معضلته الفلسطينية، كذلك لا تخلو فلسطينية حركة "الجهاد الإسلامي"، وحركة "حماس" (وان بدرجة اقل)، من "عالمية"، لطالما نقلت نزاعات في مناطق بعيدة من العالم الى قلب القضية الفلسطينية. وفي منطقة المراوحة هذه تجد "القاعدة" حظوظها في القضية الفلسطينية. انها المنطقة التي تضيع فيها الحدود بين فلسطين كوطن وفلسطين كوديعة مقدسة، وهذه الثنائية تكاد تكون ملمحاً ثابتاً في الهوية الفلسطينية، ولكنه ملمح يعرّضها لضياع الأرض وبقاء الفكرة. هذا الافتراض يوازي تماماً الفارق بين "السلفية الوطنية" والسلفية الجهادية العالمية والتنقل بينهما، فكيف سيكون الحال اذا لم يكن للأولى أصل متين في كتب السلف واجتهادات أتباعهم؟ومحمد سالم الرحال من لاجئي 1948، أي ان عائلته انتقلت الى الأردن في ذلك التاريخ، قادمة من قرية عرتوف غرب القدس بعد ان احتلها الإسرائيليون. واذا كان الرجل قد صدر عن أسرة محافظة متدينة فيبدو ان قصة النزوح قد غذت هذا التدين بحكاية لطالما أوردها مناصرو الرحال وأقاربه في الأردن. وهم يوردونها بوصفها "رواية مؤسسة" على رغم ان وقائعها جرت قبل ولادة الرحال في الأردن في 1955. ففي أثناء الهجوم على القرية، الذي قاده بحسب رواية سكانها رفائيل ايتان، لم يكن بحوزة السكان سوى أربع بنادق قديمة حاولوا صد الهجوم بها، وعلى أثر ذلك أصيب أحدهم ويدعى احمد عبدالفتاح الرحال. هذا الرجل، الذي سيصبح لاحقاً أيقونة العائلة، نُقل مصاباً الى القدس وكُتبت له الحياة وانخرط لاحقاً في "حزب التحرير الإسلامي"، وبعد نكسة 1967 نزح إلى الأردن وأقام في مدينة الزرقاء.

هذه الحكاية التي قد لا يشعر المرء بأنها تستحق ان تكون رواية مؤسسة لوعي جماعة أو مجموعة أو أفراد، هي من ذلك النوع الذي حمله الفلسطينيون معهم في نزوحهم، وجعلوها واحدة من قنوات علاقتهم بمأساتهم في شتاتهم. واذا ما أضيف اليها موقع القرابة الدموية في مجتمع يُقدّم هذه العلاقة على غيرها، أصبح مفهوماً مدى تغذيتها وعي الدائرة القرابية المحيطة بها. فباحثون فلسطينيون كُثر أشاروا الى علاقة محمد سالم الرحال بحزب التحرير معتمدين على قرابته لأحمد عبد الفتاح، وهذا الأمر وان كان غير كافٍ لتأكيد "تحريرية" الأول فهو ليس خطأً بالمطلق. فالقرابة الدموية في عرف الباحثين الفلسطينيين، كما هي في الواقع، تُرشح من يترابطون بها الى نوع من التأثير، خصوصاً اذا كانت معقودة على "رواية مؤسسة" من ذلك النوع الذي حمله معهم آل الرحال من بلدتهم عرتوف.

وقد شهدت مصر في فترة وصول الرحال إليها ولادة الكثير من المجموعات "الجهادية" المتفاوتة الأصول والتراكيب، فناهز عددها عشر مجموعات ارتبط بعضها بعلاقات متفاوتة في ما بينها، وبقيت أخرى مستقلة. وفي هذه الحقبة برزت مجموعة أيمن الظواهري، وفي الفترة نفسها ظهرت أيضاً مجموعة محمد سالم الرحال التي اتهمت بالمشاركة في التخطيط لعملية اغتيال السادات واعتقل على أثرها الرحال، ثم أبعد لاحقاً الى الأردن كما سلف.

ومرة أخرى علينا ان نُدقق في جوهر ذلك الوعي الذي حمله معه محمد سالم الرحال من الأردن الى مصر التي باشر فيها "جهاده". فمن البيئة التقليدية المتدينة، الى الوعي "التحريري" المبثوث في وجدان العائلة جراء حكاية "بطلها"، وصولاً الى الإخوانية التي كانت متفشية في ذلك الوقت في بيئة التديّن الفلسطيني الشتاتية، وكل هذا مؤسس على غياب بوصلة وطنية واضحة، ربما مثلت منظمة التحرير الفلسطينية لاحقاً تعويضاً عنها، جعل من احتمالات الخروج الى رحاب "الجهاد العالمي" أمراً ممكناً. ففلسطين في ذلك الوعي المشكل من هذه العناصر لم تكن ضائقة وطنية، انها واحدة من ضائقات المسلمين الكثيرة، وربما تقدمت عليها في الأولويات مصر التي يشير صالح سرية الى أنها الوجهة الأهم لكونها أكبر دولة إسلامية.

واذا كانت الأصول "التحريرية" قد جمعت بين سرية والرحال، فلا يبدو ان ثمة لقاء ضمهما في القاهرة على رغم إشارة بعض المصادر المصرية الى ذلك. ولا يبدو أيضاً ان الرحال انضم الى "مجتمع الإخوان المسلمين المصريين"، فهو اختار الهامش "الجهادي" في البيئة الإسلامية، وكان هذا الهامش قد باشر ابتعاده عن تنظيم الإخوان بصفته تنظيماً "مهادناً" ولا برنامج "جهادياً" لديه.

أما في الأردن، وفور عودته، فباشر الرحال استئناف محاولاته التي كان قد بدأها في القاهرة، فأسس تنظيماً أطلق عليه اسم تنظيمه نفسه في القاهرة أي "تنظيم الجهاد الإسلامي". ولم يلبث ان فُكّك هذا التنظيم في 1984 وتمّ اعتقال الرحال الذي أفرج عنه لاحقاً لينهي حياته "الجهادية" على نحو مأسوي: فهو خرج من السجن مصاباً بالشيزوفرينيا. وفي لحظة صدام مع والده أقدم على طعنه بسكين حتى الموت، وهو اليوم في السجن "تفادياً" لإقدامه على فعلة مشابهة.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬