وسام سعادة

قد يصحّ في «الربيع العربيّ»[1]، أو ما تواترت تسميته كذلك، أنّه «يداهمنا» دون تحضير كاف، مع أنّ مختلف التيّارات الفكريّة والأيديولوجيّة في العالم العربي كانت تفنّنت في العقود السابقة في دعوات «الإعداد». وقد يصدق فيه القول أيضاً إنّه ربيعٌ يدركنا بعد أن ارتفع منسوب السأم، سأم الحديث عن «الأنظمة»، وسأم ذمّها بالمطلق لامتداح قدرتها الفائقة على المكابرة أمام التاريخ حيناً، وأمام البيولوجيا حيناً آخر. وما لا شكّ فيه أنّ الخيارات في الخطاب الأيديولوجيّ العربيّ كانت انحسرت خصوصاً في العقدين السابقين بحيث صار من المتاح تماماً تدبيج الحديث عن «تبلّد العقول»، ما بين عقول ارتضت التبلّد، بحيث تطوّعت لإسباغ شرعية لا سبيل لإسباغها على أنظمة مومياقراطيّة، وما بين عقول رضيت التعايش مع هيمنة التبلّد، فتبلّدت على طريقتها وهي تحسب أنّها تحقّق هوامش إبداعية ونقديّة.

كان اتساع «الربيع العربي» مفاجئاً، بل صادماً، للجميع دون استثناء، من الإسلاميّ الذي لو اعتمدت نتائج الإنتخابات التونسيّة والمغربية والمصريّة مقياساً لشعبية معقودة الطرف له منذ عقود لأحرجه السؤال حينها ماذا كان يفعل طيلة هذه الأعوام إذاً، إلى الليبرالي الذي لطالما حمل قنديل ديوجين بحثاً عن «الأفراد»، في تراكمها البدائيّ الأوّل، فإذا به أمام عودة «الجماهير»، إلى الممانع القومجيّ أو اليساريّ، الذي حسب أنّ «الجماهير» تتنزّل بحسب ركامه العقائديّ بادئ ذي بدء، لـ«يتنبّه» من ثم، إمّا إلى شبهة تجمع «الربيع العربيّ» بنموذج «الثورات المخمليّة» في شرق أوروبا، وهي ثورات يشتبه فيها «نظريّة المؤامرة» و«أصابع الولايات المتحدة الأميركيّة»، وإمّا إلى شبهة تجعل من هذا الربيع «ثورة إخوانجيّة» شاملة.

نقول «مفاجئاً، بل صادماً»، ومع ذلك فإنّ أكثر المفاجأة ومعظم الصدمة لم يمتلك بعد طريقه إلى البوح في الخطاب، وما زالت تقنيات المكابرة عليه قويّة كفاية، ولم تدفع بعد إلى تلك «اللحظة النقديّة» التي يمكن من خلالها وحدها التنبّه إلى أنّ الزمن «المومياقراطيّ» العربيّ أنتجَ إسلاميّة وليبراليّة ويساريّة إمّا على صورته ومثاله، وإمّا على قاعدة نبذها عن دوائر التأثير في الواقع، في حين أنّ إعادة إنتاج إسلاميّة وليبراليّة ويساريّة «بطعم الربيع» لن تكون فقط من فعل الزلزال الجماهيريّ الذي ضرب كذا نظاماً عربيّاً.

وهذه «اللحظة النقديّة» لا تتولّد إلا بوعي «الشراكة في توثيق عرى الاستبداد» التي هيمنت على الخطابات الإسلاميّة والليبراليّة واليساريّة في العقود الماضية، دون الوقوع في الوقت نفسه في «نسبية توزيع المسؤوليات»، لأنّه في نهاية المطاف لا يستوي القائل بـ«الفرد» و«العقل» و«الحرّية» و«القانون» مع ثرثار الممانعة والمكابرة و«القضية المركزيّة».

وقد يتجه السؤال إلى البحث في توقيت هذه «اللحظة النقديّة»، وهل كان يفترض بها أن تأتي قبل «الربيع»، وأن تتيحه، على غرار ما فعلته الأفكار في مسارات تحرّرية أخرى؟ أو يفترض بها أن تعكس «الربيع» انطلاقاً من الوهج التحرّري الذي يطلقه في النفوس، فنعود بذلك إلى الأحجيّة التقليديّة حول «علاقة الفكر بالواقع».

فهل يتفكّر «الربيع» نفسه؟ وهل يمكن أن يأتي «الربيع» ويذهب، ودار لقمان على حالها، فلا تتولّد مفاعيل «اللحظة النقديّة»؟

ليس هذا بسؤال مفتوح على مجهول، إنّه سؤال يطاوِل، بشكل أساسيّ، الفكر العربيّ قبل الربيع. فالسؤال «هل يتفكّر الربيع نفسه؟» لا معنى له إلا بصياغته، ابتداء، على هذا النحو: هل كان في الفكر العربيّ ما يتيح إمكان التفكير في الربيع؟

ولو تلفّتنا إلى تاريخ الفكر العربيّ في القرن الأخير، لوجدنا التفاوت بين فترة وأخرى، سواء في الإنتاج أو في الصخب. وفي هذه المعمعة، لو أمكن الحديث عن «ربيع» عرفه الفكر العربيّ في القرن الماضي، لقلنا إنّه ذاك الذي حدث بعد هزيمة حزيران 1967، والذي أظهر أسماء ظلّت مهيمنة على المشهد الفكريّ العربيّ إلى يوم «الربيع العربيّ» نفسه، مع أنّ حيويّتها الأساسية كانت في المرحلة التي أعقبت تهاوي «المشروع الناصريّ».

بالتالي، النظرة التي تنفي واقعة الفكر العربيّ قبل «الربيع» ليست وجيهة، أي أنّها غير سليمة وغير مجدية. في الوقت نفسه يمكن القول إنّ هذا الفكر قبل الربيع لم يكن، في عمومه، بطعم الربيع، كما يمكن القول إنّ هذا الفكر شهد «ربيعاً فكريّاً» ما، تحت تأثير هزيمة 1967 وتهاوي «المشروع الناصريّ». وإنّنا ندّعي أنّ أي بحث في علاقة «الفكر» بـ«الربيع» لا يمكنها أن تهمل هذه النقطة: الربيع «الفكريّ» الأوّل للعرب في أواخر القرن العشرين أتاحته هزيمة حزيران، ثم كانت كبوة سريعة، وعميقة.

ومع هذا، لا يجوز، في حال الكبوة العميقة والمزمنة هذه أن يفتعل الجحود الذي ينفي واقعة الفكر العربيّ في العقود الماضية، مبرّراً ذلك بذريعة أنّه ربّما كان الإنتاج الفكريّ متوفّراً من حيث الكمّية لا من حيث النوعيّة. ليس هكذا تُقاس الأمور، فلا كمّ بلا كيف. وحتى على افتراض أنّ الثقافة التي نعاينها في حالة ضمور أو في كبوة، بحيث يجوز وصفها في عمومها بالمكرّرة أو المجدبة، فالواجب حينها البحث عن الكيف المختبئ في ثنايا الكم. وغالباً ما يكون الكيف في مجال الأفكار عالقاً أو لائذاً في ثنايا الكمّ.

إنّ الزهو بألوان الربيع جميعها عليه ألا يضطرّنا إلى التعتيم على كل فكرة سبقت هذا الربيع بحجّة أنّها ما دامت لم تبذر ربيعاً قبله فإنّه يأتي إمّا ليغني عنها وإما لدحضها بمجرّد إقباله. والأخطر من ذلك ذريعة أنّه حتى لو وجدت أفكار بلون الربيع قبل هذا الربيع، فإنّها إمّا منقطعة الصلة بالواقع وإمّا مبرّرة لاستمراره كما كان أو باحثة عن مخرج منه في الوهم فقط.

لكن، وفقاً لهذه الترسيمة، متى يمكنها أن تتأمن وصلة الفكر بالواقع؟ في أثناء «الربيع» أو غداته؟ ما نزعمه أنّه بمجرّد طرح السؤال تتبيّن عاقبة نفي واقعة الفكر العربيّ قبل الربيع، أي نفي حضوره في الواقع العربيّ قبل الربيع، حضوره ليس فقط كتبرير لانكماش الواقع أو كاحتجاج عليه بالوهم. ذلك أنّه، بمجرّد نفي هذا الحضور، يصير الربيع العربيّ أقنوماً متعالياً هبط علينا من علٍ، والأصحّ حينها أن يُقال هبّ علينا، أو هطلَ علينا، من بعد إفراط أجيال متعاقبة في رفع صلاة الاستسقاء وليس من سميع. لكن إذاك، لا حاجة لنا لاستعارة الربيع. يمكن الاستعاضة عنها بالشتاء والمطر، أو بالمطر متخفّفاً من «رباعيّة الفصول» المتوسّطية، وتائباً إلى استثنائيته الصحراوية. وليس نافلاً الاستطراد، هنا، بأنّ استعارة الربيع هي استعارة مناخيّة في الأساس، وليس يوضح ذلك أكثر من الحديث في تاريخ حركات الانشقاق الداخلية ضمن المنظومة السوفياتيّة عن «ذوبان الجليد» في الفترة الخروتشوفية، ثم عن «الربيع» مع «ربيع براغ» العام 1968.

إنّ نفي حضور الفكر العربيّ قبل الربيع يترتّب عليه إذاً نفي حضور الربيع في الفكر، وجعل الربيع هو «اللامفكّر» فيه بامتياز، وهذا ما لا ينسجم أبداً مع مسعى لإطالة لحظته، إنّما مع مسعى لتنزيه هذه اللحظة، لأجل اختصارها،
أو تهشيمها.

وحتى لو اعتبرنا الواقع العربي بجملته «متأخّراً» قبل الربيع، قياساً على الواقع الكونيّ، واعتبرنا الفكر العربيّ بمجمله «متأخّراً» قبل الربيع، قياساً على الفكر الكونيّ، لزم أن تنعقد صلة بين الواقع المتأخّر والفكر المتأخّر، وإذا ما توصّلنا إلى أنّ الصلّة نفسها كانت زاهدة بنفسها، ومتأخّرة هي أيضاً عن «الوصل بين متأخّرين»، وجب أن يطرح ذلك مشكلة معرفية – ذهنيّة أساسيّة، وليس أبداً تعطيل البحث في المسألة.

لا مشاحة في الإقرار إذاً بأنّ فكراً عربيّاً قبل الربيع العربي وجِد، وأنّ تأثير الفكر في حركة الواقع العربيّ كان أيضاً قبل الربيع. وهذا الفكر قبل الربيع لم يكن كلّه تخريجاً لأحاديث، أو اجتراراً للبداهات، أو اعتياشاً على الترجمات الركيكة. لم يكن هذا الفكر في عمومه بطعم الربيع، ويستحيل بأي شكل من الأشكال النظر إليه كتراكم عقليّ – معرفيّ «تمهيديّ» للربيع، أي كربيع يصيغ نفسه في الأذهان بداية، تحضيراً لتحقّقه في الأعيان لاحقاً. لكنه، كانَ في الوقت نفسه، فكراً ينتظر شيئاً ما، إقبالاً ما، ربيعاً ما. كان فكراً انتظاريّاً بامتياز، بل إنّ الموقف الانتظاريّ الخلاصيّ هو ما أخذ الفكر العربيّ «المعاصر قبل الربيع» يعيبه على نفسه. ولنا دليل على ذلك في ثلاث لحظات «عقلانيّة نقديّة»: عبد الله العروي، وعلي أومليل، وفهمي جدعان.

لنبدأ مع المفكّر المغربيّ عبد الله العرويّ، في كتابه «مفهوم الدولة» الذي صدرت طبعته الأولى عام 1988. والعروي من الأسماء المضيئة فعلاً في الفكر العربيّ في العقود الأخيرة.

في كتابه هذا ينتقد العرويّ «الاستعجال». يقول إنّ «الاستعجال طوبوية تفتح الباب إلى الفوضوية، والفوضوية خلاقة أدبياً، عقيمة سياسياً واجتماعياً»[2]. طبعاً، انتزاع هذه الجملة من سياقها سيظهر لنا العروي مفكّراً لم يكن في عجلة من أمره، لجهة استعجال الربيع العربيّ، وهذا تقدير خاطئ، لأنّه إذا كان من ربيع في الفكر العربيّ، قبل الربيع العربيّ الذي لم يزهر بعد فكراً عربيّاً ربيعيّاً «يقوله»، فإنّه ربيع يصرّح عن نفسه في أعمال عبد الله العروي. مع ذلك، فإنّ هذه الجملة بحدّ ذاتها، تفيد تصوّراً للأمور مختلفاً عن ذاك الذي انتهت إليه، ابتداء من «ثورة الياسمين» في تونس، وتتابعاً مع كل الثورات المجملة تحت عنوان «الربيع العربيّ». وللإيضاح أكثر، نتجه إلى خلاصة أخرى للعروي في كتابه هذا حيث يقول «ان الفكر العربيّ المعاصر يجعل التأمّل في الحريّة من شأن الفلسفة الماورائية الأخلاقية، والتأمّل في العقل من شأن فلسفة العلوم والتأمّل في الدولة من شأن الأدلوجة السياسية»[3]، وهو يعيد هذا «التخصيص» الذي يفصل بين مبحث الحرّية، ومبحث العقل، ومبحث الدولة، إلى «واقع اجتماعي تتساكن فيه الدولة والفرد كعنصرين متقابلين متعارضين، وفي نفس الوقت يتسبب في الانعزال عن الواقع واليأس من إدراكه»[4]. هذا الاستشهاد شديد الأهميّة، لأنّه يخرجنا أوّلاً من ابتذالين وقعت فيهما الليبراليّة العربيّة. أوّلهما التباكي على انتفاء وجود الفرد، والدعوة الشعائريّة المتواصلة من أجل إيجاده، وصولاً إلى توكيل الدولة السلطويّة نفسها بـ«ايجاده»، أي العثور عليه حيث هو عملة نادرة (المثقفون)، واحتضانه ورعايته، والسعي إلى الإكثار منه تدريجيّاً. أمّا الابتذال الثاني، فالتباكي على انتفاء وجود الدولة، انطلاقاً من المبالغة في الفصل بين مفهومي «النظام» و«الدولة» إلى حدّ التعسّف. وهكذا يصير الأفراد القلّة، أو «الفرقة الناجية» في عرف الليبراليين، هم الموكلون بالتبشير لهذا الكائن الأسمى، إلى يوم تحقّقه، لا نعرف من أين.

فالعرويّ، هنا، يفلت من هذين الابتذالين، من خلال موضوعته المفتاحية في نقد «التساكن» القائم في المجتمعات العربية بين الفرد من جهة أولى، والعقل من جهة ثانية، والدولة من جهة ثالثة، ويدعو إلى أن تكون فاتحة «تجاوز التساكن» هي «تجاوز تخصيص المفاهيم لمجالات اجتماعية وفكرية متباعدة» ليصل في النهاية إلى صياغات على الطريقة الهيغلية من مثل أنّ «الحريّة خارج الدولة طوبى خادعة» كما أنّ «الدولة بلا حرّية ضعيفة متداعية»[5].

ليس المهم التوقّف عند هذه الصياغات، إنّما الأهمّ أنّ نصّ العرويّ هذا يسمح لنا بنقد ثلاثة أنواع من الخلاصيّات «المتجاورة» أو «المتساكنة». الخلاصية التي ترى أنّ الخلاص يكون بتحكيم الفرد[6]، وتلك التي ترى أن الخلاص بتحكيم العقل[7]، وتلك التي ترى أنّ الخلاص يكون بـ«العبور إلى الدولة».

أمّا المفكر المغربيّ الآخر، علي أومليل، فيتكامل جزء أساسيّ من كلامه مع أطروحات العروي هذه، حيث يقول في كتابه «الإصلاحية العربية والدولة الوطنية» (الصادر عام 2005) ان «من يرصد رأي عامة المثقفين العرب في هذه الأيّام يجدهم يطرحون من جديد وبإلحاح قضية الديموقراطية ويجعلونها هذه المرة لا تقبل التفويت أو الإرجاء، بأي مبرّر»[8]. لكن الطريف هنا أنّ أومليل يقارن هذا الإلحاح على الديموقراطية بانتظارات المهدي، ويقول إنّ لا طائل من ذلك، لافتاً إلى مفارقة تفعل فعلها في الثقافة والخطاب العربيين. فمن جهة كثرة «التعلّق بمطلب الديموقراطية» ومن جهة ثانية «حنين إلى عودة ظهور قائد فذ يقود معارك العرب الراهنة»[9].

بيدَ أنّ أومليل أسند نقده لمهدويّة منتظري الديموقراطية على إنشاء منطقيّ ومعرفيّ آخر. إنّه في قراءته لخطاب الإصلاحية العربية يستنتج أن ثمّة مشتركا بين «دستور» الليبراليين و«شورى» الإسلاميين، وهذا المشترك هو ردّ الاستبداد في الحالتين إلى التأخّر السياسيّ، وجعل مسألة إصلاح الحكم هي مدار الفكر الإصلاحيّ السياسي العربيّ، بوجهيه الليبراليّ والإسلاميّ. ينتقد أومليل هذا المشترك الذي يختزل مشكلة الاستبداد إلى «التأخّر السياسيّ» والذي يجترح «قيام الدولة» كعلاج لهذه المشكلة، وهو يعتبر أنّ «الفكر الإصلاحيّ وهو يُرجِع التأخّر إلى الاستبداد إنّما يتفق مع ما حكم به المفكرّون الأوروبيّون» وتحديداً موضوعة «الاستبداد الشرقيّ»، خصوصاً في القرن الثامن عشر[10]. ولنا أن نتساءل هنا من يختزل، ومن يصف الاختزال: لماذا يفترض أومليل أنّ موضوعة «الاستبداد الشرقيّ» تتصل بالمستوى السياسي حصراً؟ ولماذا يفترض أنّ المستوى السياسيّ ينحصر في مسألة الدولة؟ ولماذا يفترض أنّ مسألة الدولة تنحسر بدورها إلى «مسألة إصلاح الحكم»؟ إذا كان هذا هو الغالب على خطاب الإصلاحيّة العربيّة، فهذا لا يعني أنّ الأمر هو لزاماً على هذا النحو في حركة الواقع.

والمثال الثالث على فكر عربيّ يعيب على نفسه انتظارات الخلاص نجده عند المفكّر الفلسطينيّ فهمي جدعان في كتابه الصادر عام 2007 تحت عنوان «في الخلاص النهائي - مقال في وعود الإسلاميين والعلمانيين والليبراليين»[11]. وكتابه هذا يتلخّص إلى حد كبير في عنوانه، حيث إنّ المؤلّف يسأل نفسه «ما الذي يريده الإسلاميّون؟ وما الذي يريده العلمانيون؟ وما الذي يريده الليبراليون؟ ما من أحد منا إلا ولديه جواب. لكن قلة من بيننا هي التي تملك الجواب «العالِم». والغالب الأعم أنّ الإجابة عن مثل هذا السؤال تأتي دوماً مختزلة مبتسرة عامة بعيدة عن الضبط والتحديد والتدقيق»[12]. وهنا نلمح توتّراً يشوب كتاب جدعان هذا. فمن جهة، هو ينتقد ادّعاء امتلاك أيّ من الإسلاميين أو العلمانيين أو الليبراليين، وقفاً لتقسيمه الثلاثيّ هذا، الجواب الخلاصيّ النهائيّ، ويثبت انتفاء هذا الادّعاء عند كل رهط منهم، لكنه في الوقت نفسه يمانع أمام الخلاصة العملية الممكن أن يستقيها القارئ، من أنّه يميل إلى إيجاد منزلة وسطى بين هذه النظم الثلاثة المنقودة. يقول: «اني أعلم حق العلم أن فريقاً من القرّاء سيسارع إلى الاعتقاد بأنني ذاهب إلى التوفيق بين هذه المذاهب، وحقيقة الأمر ليست كذلك، وأن المسألة هي أبعد من ذلك»[13]. لكن هذا الاحتراز لن يجنّبنا مع ذلك هذا الاعتقاد، وإن كان من اللازم تمييز هذا الاعتقاد، بحيث إنّنا نرى أنّ ما نجده في نموذج فهمي جدعان هو محاولة تقعيد الليبراليّة كوسيط بين العلمانيين من جهة، والإسلاميين من جهة أخرى، وهو ما لا يتأمّن إلا بانتقاد خلاصيّة كلّ فرقة، والتمييز بهذا الشكل بين العلمانيين من جهة والليبراليين من جهة أخرى.

وللحقّ، يحتار المرء أمام هذه النماذج العقلانيّة النقدية الثلاثة، العروي وأومليل وجدعان، التي كان لكل منها إسهام في إعادة الاعتبار للتاريخيّة في ميادين مختلفة، وبأشكال متفاوتة. فمن جهة، يعتبر اجتماعهم على نقد التصوّر المهدويّ الاستعجاليّ للديموقراطيّة دليلاً على هامش حيويّة في الفكر العربيّ المعاصر قبل الربيع، أي أنّه يدلّ على ربيعيّة ما. لكن من جهة أخرى، فإنّ قراءة هذا النقد في أعقاب العام الأوّل من الربيع العربيّ، تكشف لنا عن جانب محافظ، جانب لا يرى أن الزلزال قادم، بل يرى أنّه لا ينفع انتظار ما لا طائل من انتظاره. هذه واحدة من مفارقات الربيع العربيّ. بإزاء مرآته، سيبدو الجانب الربيعيّ من الفكر العربيّ المعاصر، أي الجانب العقلانيّ – النقديّ كما في هذه الحالات الثلاث، جانباً محافظاً، ولأجل ذلك تجدر المحاذرة من الوقوع في هكذا مطبّ: مطبّ التنقيص من حجّة هذا النقد للاستعجال والتخصيص والتسييس والخلاصيّة عند العروي وأومليل وجدعان، لأجل الإعلاء من قيمة من لا قيمة فكريّة حقيقيّة لديه، أيّ أصحاب الاستصراخات الاستسقائيّة لـ«الربيع» بأن... أقبِل، تعالى.

في المقابل، فإنّ حركة الواقع ما عادت تسمح للفكر العربيّ بالبقاء عند حيّز نقد الخلاصيّة كما عند العروي وأومليل وجدعان، ذلك أنّه في نهاية المطاف حدث أمر يصحّ فيه تشبيه الزلزال، أو تشبيه انتقال العدوى، وهذا الأمر هو الذي جرى الاصطلاح على تسميته ربيعاً بسرعة قياسيّة... أي، يكاد يكون، من أوّل نشوبه.

وللاستطراد في شأنّ تسمية «الربيع»، فإنّها لا شكّ مستعارة من الموجات المتتالية للتوسّع الديموقراطيّ الليبراليّ عبر العالم، بدءاً من «سقوط الديكتاتوريات» في جنوب أوروبا (اليونان، اسبانيا، البرتغال) في السبعينات، إلى «ربيع شرق أوروبا» نهاية الثمانينات (سقوط المنظومة الإشتراكية)، إلى ربيع أميركا اللاتينية في التسعينات، ولا ننسى كوريا الجنوبية والفيليبين واندونيسيا، وطبعاً زوال نظام الفصل العنصريّ في جنوب أفريقيا.

لكن دلالة التسمية لا تكتمل إلا بالرجوع إلى مصدرها الأساسيّ، أي «ربيع الشعوب» في أوروبا الغربية والوسطى والشرقية لعام 1848. إلا أنّه في مقابل «ربيعات» أواخر الألفية الثانية وبداية الألفية الثالثة، جاء ربيع 1848 في إطار الطلاق بين الليبرالية والديموقراطيّة وليس اجتماعهما في تأليف أيديولوجي ومؤسّسي واحد. فما حدث عام 1848، لا سيّما في فرنسا، كان الطلاق بين الليبرالية والديموقراطيّة، حيث أصرّت الأولى مع فرنسوا غيرو على تعارض البرلمانية التي تدعو إليها مع توطيد حقّ الاقتراع العام، في حين اندفعت الثانية إلى الشعبويّة البونابرتية، فكانت جمهوريّتها توطئة لعودة الإمبراطوريّة مع لويس بونابرت، أو نابليون الثالث.

وغرضنا هنا، ليس العودة إلى ربيع 1848، للتفصيل فيه، إنّما فقط للتأشير إلى سمة تجعل الربيع العربيّ مختلفاً عن الموجات المتتالية من التوسّع الديموقراطيّ الليبراليّ على الصعيد العالميّ، كما شهدناها منذ السبعينات، وقد سبقت الربيع العربيّ، موجة الشروع في ربيع الشعوب السوفياتية السابقة (أوكرانيا، جيورجيا، قرغيزيا)، هذه الموجة التي منيت بالإخفاق بشكل عام.

تلك السمة هي أنّ الربيع العربيّ يشبه في شيء منه ذلك الربيع الأوروبيّ «المصدريّ» لعام 1848، في أنّ الأمور فيه أعقد من تبسيطها إلى مجتمعات تجتهد للالتحاق بالنموذج الديموقراطيّ – الليبراليّ. فالإجماع الربيعيّ العربيّ حاصل اليوم على رفض الاستبداد. لكن كيف رفضه، وانطلاقاً من أي مرجعية، فهذه تبقى المسألة. والمهم هنا، هو أنّ السؤال الذي يطغى في الخطاب العربيّ حاليّاً، هو مجدّداً: كيف نجعل الاستبداد لا يتكرّر؟ إنّه سؤال مفتاحيّ، وجوهريّ، بطبيعة الحال، لكنه لا يؤمّن بحدّ ذاته الأرضية للنموذج الديموقراطيّ – الليبراليّ.

في الوقت نفسه، فإنّ هذا الربيع العربي يوافينا، في لحظة لا يبدو فيها النموذج الديموقراطيّ – الليبراليّ في أحسن حال، خصوصاً مع تضعضع الموجة الأخيرة التي قصدت توسيع دائرته شرقاً في الاتجاه الأوراسيّ (أوكرانيا وجيورجيا، ولا ننسى نكبة الثورة الخضراء في إيران والحصيلة المتواضعة جدّاً لعملية زرع الديموقراطيّة في العراق، نقصد الحصيلة على الصعيد الداخليّ، إذ ما نراه أن الحصيلة الإقليميّة كانت مصدراً من مصادر كنس الديكتاتوريّات المعمّرة).

والربيع العربيّ الحاليّ يبرز بسمتين متناقضتين فيه.

هو من ناحية يبدو ربيعاً خديجا، ربيعاً جاء وضعه قبل اكتمال الحمل، أي دون أن يتأسّس له بالشكل الكافي فكريّاً ومعرفيّاً، ومن هذه الناحية تنقلب معادلة العروي الناقدة لـ«الاستعجال» إلى نقيضها. فلو كان يعلم العروي أنّ الزلزال حاصل في خاتمة المطاف، لكان فرّق بين ضرورة الاستعجال في التهيئة الفكريّة والمعرفيّة له، وبين ضرورة أخذ الحذر النقديّ اللازم من الخطاب الاستعجاليّ الطوبويّ الذي خصّه بالانتقاد.

لكنّه، من ناحية أخرى، وللسبب نفسه، يبدو ربيعاً تعباً، هرماً، ربيعاً أتى، لكن بعد أن فات الميعاد، وعاث المفسدون في الأرض فيها أجيالاً، وتبلّدت عقول، ونشأت قضايا عديدة يكاد يكون من المستعصي حلّها، أو حتى السيطرة عليها، بدلاً من تركها تنفلت من عقالها.

بيدَ أنّ ثمّة بعدا آخر لهذا الربيع، يتجاوز كونه ربيعاً خديجاً من ناحية، وربيعاً حصل بعد أن فات موعده من ناحية أخرى. هذه السمة لا تتضح إلا باستعادة ربيع منسيّ، هو الأحرى بأن نسمّيه الربيع العربيّ الأوّل.

هذا الربيع العربيّ الأوّل، الجزئيّ والمجهض، إنّما الذي يشمل ثلاثة بلدان عربيّة في وقت متقارب، حدث في الثمانينات، مباشرة قبل ربيع شعوب شرق أوروبا.

حدث أوّلاً في تونس، في انتفاضة شعبية واسعة النطاق بين 27 كانون الأول 1983 و6 كانون الثاني 1984، وانطلق من احتجاجات اقتصادية معاشية بعد قرارات حكومية رفعت أسعار المواد الزراعية، وانتهى بالقمع من ناحية، وبتراجع الحبيب بورقيبة يومها عن هذه القرارات. لكن ما حدث ابتداء من تاريخه هو أنّ الجهاز الأمنيّ الذي وأد الانتفاضة بالقمع، لن يلبث أن يعكّز على هذه الانتفاضة الشعبية نفسها، لإقصاء بورقيبة بـ«الإنقلاب الطبيّ» في 7 تشرين الثاني 1987، ويسمح بنسائم الحريّة بأن تهبّ بضعة أشهر، قبل أن يحكم قبضة حديدية من جديد، على خلفية استعادة «العلمانية البورقيبية» هذه المرة ضدّ التيّار الإسلاميّ، وخصوصاً حركة النهضة، لكن أيضاً ضدّ جميع مناخات التعدّدية.

حدث ثانياً في السودان. انتفاضة شعبية واسعة النطاق استمرّت لشهرين، آذار ونيسان 1985، ضدّ ديكتاتورية جعفر النميريّ، وانتهت بانقلاب عسكريّ قام به قائد الجيش وقتذاك المشير عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب بعد أن صار النميريّ مفتقداً لأي شعبية، وتحاشياً لتسلّل ضابط صغير في الجيش للقيام بانقلاب مؤات في هكذا لحظة. وسيدخل سوار الذهب التاريخ كنموذج للعسكريّ الذي يقوم بانقلاب لتسليم السلطة بعدها إلى حكومة شرعية منتخبة عام 1986، برئاسة الصادق المهدي كرئيس لمجلس الوزراء (زعيم طائفة الأنصار)، وأحمد الميرغني كرئيس لمجلس السيادة (زعيم طائفة الختمية). إلا أنّ التعاون بين الإسلاميين والعسكر في وجه هذا التوجه الديموقراطيّ التعدّدي سرعان ما انتهى إلى الانقلاب العسكري المدعوم من الإخوان المسلمين عام 1989، وقيام ثنائية الفريق عمر البشير والشيخ حسن الترابي، قبل أن يُبعد الأخير.

وحدث ثالثاً في الجزائر. احداث تشرين الأول 1988، تظاهرات واسعة النطاق وغير مسبوقة، تجتاح سائر المدن، وتحرق مقار الحزب الحاكم، جبهة التحرير، والمباني الحكوميّة. الجيش يتدخّل للقمع، ويسلّم الشارع عمليّاً للإسلاميين، نظراً لاتباعهم تكتيك التعبئة في، ومن، المساجد. وفي النهاية، انتهاء عهد نظام الحزب الواحد، وإقرار دستور ديموقراطيّ تعدّدي في 23 شباط 1989. وفي حزيران 1990، الدور الأول من الانتخابات التشريعية. فوز واسع للإسلاميين، بحيازتهم 47% من الأصوات. تدخّل الجيش. اجهاض العملية الانتخابية. الحرب الأهلية.

هكذا، أجهِضَ الربيع العربيّ الأوّل، الذي كانت له محطّات انتفاضية ثلاث في الثمانينات، تونس، والسودان، والجزائر، وثلاثة أصناف من عملية وأده: إيقاع الأمنيين بالإسلاميين في حال تونس، وتواطؤ الطغمة العسكرية مع الإسلاميين للإطاحة بالديموقراطيّة في حال السودان، وحرب أهليّة في الجزائر على أساس معادلة لا نجاة من الإسلاميين إلا بالعسكر، ولا نجاة من العسكر إلا بالإسلاميين. وإنّه لمحزن للغاية أن لا يلتفت التفكير العربيّ في زمن الربيع الحاليّ إلى هذا الربيع الذي برعم ثم وُئد في الثمانينات، علماً أنّ المقابلة وحدها بين الربيعين هي التي تؤشّر إلى مشكلة انقسام المثالات غير المصرّح عنها في الخطاب العربيّ إلى نوعين من الانتظارات: المستبد العادل، والمستبد المستنير.

المستبدّ العادل، هو الانتظار الذي لم يقطع معه الإسلاميّون العرب ولو بالحد الأدنى، إخواناً كانوا أم سلفيين أم غير ذلك، إلى اليوم. أما المستبد المستنير، فهو الانتظار الذي لم يقطع معه العلمانيّون والليبراليّون العرب بالحد الكافي.

وفي صياغة أخرى، أو في بعد آخر، فإنّنا ندّعي أنّ الفكر العربيّ، في عمومه، بإزاء مسألة الاستبداد، راوح بين لحظتين:

واحدة «كواكبية»، نسبة إلى عبد الرحمن الكواكبيّ في أواخر القرن التاسع عشر، لا تقول بالخروج على طاعة السلطان الجائر لكنها تقول بالتمهيد لخلعه، وتخلط بين الاستبداد وبين الطغيان من ناحية، وتفهم طبيعة الاستبداد الشرقيّ على أنه يسمح بهذا الإدغام من ناحية ثانية، لكنها لا تقول بالثورة الديموقراطيّة على الاستبداد، بل تقول ما يُعاكِس ذلك، أي مداواة متدرّجة للطغيان بقيم مستوحاة من انتظارات المستبدّ العادل من ناحية (وهذه تستجلب من التراث الإسلاميّ أولاً ثم من الاطلاع على التراث الأوروبيّ، على قاعدة التجديد)، ومن انتظارات المستبد المستنير من ناحية ثانية (وهذه تستجلب من التراث الأوروبيّ أوّلاً ومن التراث الإسلاميّ ثانيّاً، على قاعدة التأصيل).

أما الثانية فـ«قطبية»، نسبة إلى سيّد قطب، وفكره كما تبدّى في مؤلّفات سنوات السجن في معتقلات النظام الناصريّ في الخمسينات والستينات. وهذه اللحظة تتفرّد في تاريخ الخطاب المستند إلى مرجعية نصّية وفقهيّة في أنّها تدعو جهاراً إلى الخروج على طاعة السلطان الجائر، وهي لا تخلط بين الاستبداد وبين الطغيان، إنّما تتوسّع في مفهوم الطاغوت، ليشمل الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله، والشعب الذي يقبَل بأن يُحكَم بغير ما أنزل الله.

فكلّما استُحضِرَت مفردة «الاستبداد» لتؤرّخ بحوضها الدلاليّ المتشعّب وقائع ومشاهد ومشاعر وتناقضات «الربيع العربيّ» المتأتي من انهيار الأنظمة المومياقراطيّة العربية أو الدافع باتجاه هذا الانهيار، حضرت الإحالة، مباشرةً أو بالتواتر، إلى كتاب «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» الذي وضعه «الرحّالة ك» أو الشيخ عبد الرحمن الكواكبي في ظروف تنامي نقمة النخب الثقافية التركيّة والعربيّة على الطبيعة الاستبدادية المتنامية لحكم السلطان العثمانيّ عبد الحميد الثاني، هذا الحكم الذي بدأ تتويجاً للتراكم الإصلاحيّ التجديديّ في الدولة العثمانيّة، أي التراكم الذي بلغ ذروته عام 1876 مع إقرار الدستور وانتخاب «مجلس المبعوثان»، ثم ما لبثَ أن انقلب الجهاز السلطانيّ عليه بعد ذلك بعامين، معلّقاً العمل بأحكام الدستور ومفرّقاً البرلمان، ومعلناً ما يشبه حال الطوارئ في الأمّة.

وإذا كانت الإطاحة بالخليفة السلطان عبد الحميد الثاني حصلت آخر الأمر بزحف النخبة العسكرية للانقلاب عليه، بعد تهيئة مطوّلة من جانب النخبة الثقافية وجمعياتها السرّية، فإنّنا نجد في «طبائع الاستبداد» للكواكبيّ (المتوفى عام 1902) ما يزكي هذا المسار المنقطع عن القومة الشعبية. فهو يرى أنّ «العوام لا يثور غضبهم على المستبد غالباً إلا عقب أحوال مخصوصة مهيّجة فوريّة» (الأعمال الكاملة، دار الشروق، ص 303)، وهذه عنده لا يؤسّس عليها لمصارعة الاستبداد، إذ تنذر بتداوله من مستبد لآخر، بل هو يستند إلى جمهور الحكماء الذين اعتبروا أنّ «الحرية التي تنفع الأمة هي التي تحصل عليها بعد الاستعداد لقبولها. وأما التي تحصل على أثر ثورة حمقاء فقلما تفيد شيئاً، لأنّ الثورة غالباً تكتفي بقطع شجرة الاستبداد ولا تقتلع جذورها، فلا تلبث أن تنبت وتنمو وتعود أقوى مما كانت أولاً (ص 301).

فما لا شكّ فيه أنّه لو قدر للكواكبي العيش بضع سنوات إضافيّة لكان فضّل، إذا ما أبقى على المنظار الذي اعتمده في «طبائع الاستبداد»، نموذج ثورة 1908 – 1909 التركية (تركيا الفتاة، اجتماع النخبتين الثقافية والعسكرية، دون مدّ جماهيريّ سابق أو مواكب أو لاحق لانقلاب القصر) على نموذج الثورة الجماهيريّة كما في الثورتين الروسية والإيرانية للعام 1905، علماً أنّنا هنا أمام نماذج ثلاثة للثورة على الأوتوقراطية في بداية القرن العشرين، وأمام نماذج إلهاميّة وارتكازيّة وتركيبيّة لمختلف الثورات التي شهدها القرن الماضي.

فإذا وضعنا نصب أعيننا مفارقة أنّ «الاستبداد» الذي يُقارَع الآن في العالم العربيّ، في لحظة انهيار النظم المومياقراطيّة، هو استبداد ناشئ لا عن قومة شعبية ثارت ثائرتها بفعل غضب العوام، بل عن اقتباس الحيويّة الانقلابيّة التي افتتحتها «تركيا الفتاة» مطلع القرن العشرين، لصح السؤال عندها عن المأزق الذي تشكّله الإحالة «الربيعيّة العربيّة»، الضمنيّة أو المجاهَر بها، إلى الكواكبيّ وكتاباته حول الاستبداد، خصوصاً أنّ «الربيع العربيّ» يصادق على مقولة الكواكبيّ «العوام لا يثور غضبهم على المستبد غالباً إلا عقب أحوال مخصوصة مهيجة فوريّة» قبولاً لا رفضاً كما فعل هو، ولا يتأمّن فيه شرط التهيئة المسبقة لما يستبدل به الاستبداد على ما أوجب هو. فهل أنّ الإحالة إلى المنظار الكواكبيّ تقتصر على تعريف ماهيته وتفصيل طبائعه، وتعفي نفسها من الشروط الأساسية التي وضعها لإتمام «مبحث السعي في رفع الاستبداد»، وهي شروط أو«قواعد» يوجزها في ثلاثية:

«1 – الأمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية.

2 – الاستبداد لا يقاوم بالشدة إنما يقاوم باللين والتدريج.

3 – يجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئة ماذا يُستبدل به الاستبداد.»

(ص 300)

والسؤال الذي يقفز رأساً هنا، هل نحن أمام قواعد نافية، بل لاغية، لإمكان «الربيع العربيّ» نفسه، بل قواعد تزوّد «الاستبداد الراكد» للمومياقراطيّات العربية بالحجّة عندما تعوزه كلّ حجّة، فإمّا أن يكون البديل مهيئاً وإلا فلا علّة كافية للخلع، وإمّا أن تجابه شدّة الاستبداد باللين والتدريج وإلا نكون نهيّئ لإعداد استبداد من نوع جديد، قد يأتي أشدّ وطأة من الذي سبقه، وإمّا أن يرهن استحقاق الحريّة بشعور الأمّة كلّها أو أكثرها بـ«آلام الاستبداد» وإلا صارت الأمّة على صورة الاستبداد ومثاله، وصارت ثورتها على شكل الاستبداد القائم من طينة هذا الاستبداد وجبلّته، حيث يقول الكواكبي «ان الأمة التي ضربت عليها الذلة والمسكنة، وتوالت على ذلك القرون والبطون، تصير سافلة الطباع» (ص 300)، لا بل يشبّهها بـ«البهائم، ودون البهائم» لأنها «لا تعرف للاستقلال قيمة، أو للنظام مزية، ولا ترى لها في الحياة وظيفة غير التابعية للغالب عليها، أحسن أو أساء على حد سواء» (نفسه). ومثل هذه الأمة «قد تنقم على المستبد نادراً، ولكن طلباً للانتقام من شخصه، لا طلباً للخلاص من الاستبداد، فلا تستفيد شيئاً، إنما تستبدل مرضاً بمرض كمغص بصداع» (نفسه).

وفي المقابل، ألا نجد في القواعد الثلاث التي وضعها الكواكبي ضمن «مبحث السعي في رفع الاستبداد»، ثلاثة مصادر أساسية لمقاربة نقدية للربيع العربيّ من موقع الربيع العربيّ نفسه، بل من موقع تجذير القطيعة التاريخية لهذا الربيع مع الاستبداد، أي من موقع تقديم إشكالية كيف لا نجعل الزمن الدائريّ للاستبداد يتكرّر على ما عداها من إشكاليّات، كي لا تلبث شجرة الاستبداد «أن تنبت وتنمو وتعود أقوى مما كانت أولاً». أليست هذه هي الإشكالية الصميمة التي تبرز مفصلية اللحظة الفكريّة التي شكّلها أثر الكواكبيّ، أوليست هذه هي الإشكالية الصميمة التي يطرحها «الربيع العربيّ»، أي ليس فقط: كيف نطيح الاستبداد بثورة، بل أيضاً كيف لا نجعل الاستبداد يتكرّر، خصوصاً أنّنا في حالة المومياقراطيّات الجمهوريّة، أي أنظمة «الاستبداد الراكد» العربية، أمام أنظمة قامت على تنويعات من الأيديولوجيا الثورية القومية – الشعبوية؟

وبهذا، هل يمكن أن نتأوّل القاعدة الأولى التي أوجبها الكواكبي لرفع الاستبداد (الأمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية) على أنّها المدخل إلى مقاربة نقدية محرجة بل لاذعة للشعوب العربية التي «لم تشعر» كفاية بآلامه بما فيه الكفاية في العقود الماضية، والتي لم تعد ترضى الذلّ ابتداء من 2011 لكنها ارتضته فعلاً قبل ذلك ولعقود مريرة وطويلة.

فهل كانت الشعوب «لا تستحق الحريّة» طيلة العقود الماضية، ثم أخذت تستحقها عندما أخذت تشعر «كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد»؟

أم أنّنا ما زلنا في حالة الأمة التي لا تستحق الحريّة، أي الأمة التي قدّها الاستبداد على صورته ومثاله، والذي يعرّفها الكواكبيّ بأنّها «الأمّة الميتة» (ص 301)، وبالتالي فإن انتفاضة «الأمة سافلة الطباع» على الاستبداد تدخل ضمن الإطار الذي وضعه حين قال «ربما تنال الحرية عفواً فكذلك لا تستفيد منها شيئاً لأنك لا تعرف طعمها فلا تهتم بحفظها، فلا تلبث الحرية أن تنقلب إلى فوضى، وهي إلى استبداد مشوش أشد وطأة، كالمريض إذا انتكس» (ص 300)؟

إنّ المنطق الداخليّ لنصّ الكواكبيّ يستبعد أيّ «وعي فجائيّ» لا تسبقه تهيئة وعدّة، ولا يتقوى بفنون اللين والتدريج في مقارعة الاستبداد قبل أن ينتقل إلى محاصرة وتقويض أركانه وخلعه. كما هو يشترط تشكّل صورة برنامجية واضحة عن البديل. فهل تشكّل هذه «القواعد» حججاً بالقوة بالنسبة إلى أعداء الربيع العربيّ، أم تشكّل مداخل بالقوّة لمقاربة نقدية من موقع هذا الربيع تسهم في تجذيره وتعقيله في آن، أم تشكّل مساحات ثلاثاً للالتباس بين الربيع ونقيضه؟

لنأخذ الحالة السوريّة من الربيع العربيّ مثلاً. في هذه الحالة يمكن أن ينقسم الحكم رأساً حيال انطباق وشكل انطباق «القاعدة الأولى» الكواكبية (ربط استحقاق الحرية بالشعور بآلام الاستبداد). فمن جهة، عرف السوريّون أكثر من أي شعب عربيّ آخر محطّات مواجهة أهليّة أساسية مع النظام البعثيّ «التصحيحيّ»، وشعروا بـ«آلام الاستبداد» أكثر من سواهم لأنّ الاستبداد في الحالتين البعثيتين العراقية والسورية لا يقارن في حدّته ودمويّته مع أي استبداد عربيّ آخر. والنظام نفسه لم يبذل الجهد الكثير للتستّر على طابعه المستبدّ. صحيحٌ أن من الشواهد على الاستبداد أن يقمع المستبد كل من يرميه بهذه التهمة، إلا أنّه من طبائع الاستبداد أيضاً عدم بذل أي جهد جديّ لإخفاء القدرة الاعتباطية على الإيذاء والإيلام. لكن ما يقوله الاستبداد في الحالة السوريّة تحديداً أنّ هناك آلاماً أخرى، من لا يشعر بها لا يستحق الحرية، بل لا يستحق إلا الاستبداد البعثيّ نفسه، ومن يشعر بها يستحقّ أن يأخذ موقعه ضمن آلية الاستبداد البعثيّ نفسه. آلام الصدمات المزمنة الناتجة عن الاستعمار، وقيام اسرائيل، والأخطار المهدّدة للوحدة الوطنية، وتعريف سوريا لنفسها ككيان ناقص، إلخ. فإذا كانت «القاعدة الأولى» عند الكواكبي تقول إنّ «الأمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية»، فإنّ القاعدة الأولى عند النظام البعثيّ التصحيحي تقولّ «إن الأمة التي يشعر كلّها أو أكثرها بآلام الاستبداد ولا يشعرون قبل ذلك وفي أثناء ذلك وبعد ذلك ودائماً وأبداً في كل وقت وحين بآلام ما بعد ميسلون وما بعد ضياع فلسطين وبآلام الكيان الناقص فهو لا يستحق الحريّة». أما من يشعر بذلك فهو يستحقّ... حكم البعث!

وثمّة تشابه في مكان ما، بين ما كتبه سيّد قطب، خصوصاً في تفسيره للقرآن، «في ظلال القرآن»، وبين الكتاب الأساسيّ لكارل فيتفوغيل «الاستبداد الشرقيّ»[14]، الذي لم ينل ما يستحقه من اهتمام خصوصاً في الفكر العربيّ المعاصر. ينطلق فيتفوغيل من مصادر مختلفة (مبحث الاستبداد الشرقيّ في الفكر السياسيّ الليبرالي الأوروبيّ منذ مونتسكيو، الاستشراق، تاريخ الريّ والأنظمة الزراعية، نصوص ماركس حول نمط الانتاج الآسيويّ، مدرسة ماكس فيبر في علم الاجتماع) ليهتمّ بشكل أساسيّ بالإحاطة باقتصاد الريّ في المجتمعات النهريّة بوصفه القاعدة التاريخية لقيام الاستبداد الشرقيّ، ولاختلاف الاستبداد الشرقيّ عن نماذج الاستبداد الغربيّ. ويخصّ فيتفوغيل النموذج المصريّ القديم، الفرعونيّ، بحصّة كبيرة من الاهتمام، كنموذج كامل للاستبداد الشرقيّ في مجتمع نهريّ. ذلك أنّ الزراعة في هذه المجتمعات تتطلّب هندسة اجتماعية واسعة النطاق، وفي الوقت نفسه تختلف «دولة الريّ النهريّة الاستبدادية الشرقيّة» عن الدول الشمولية الحديثة في أنّها تتأسس على الزراعة ولا تدير القطاعات الأخرى من الاقتصاد بهذا الشكل الاستعباديّ المباشر[15]. وعلى الصعيد الدينيّ، يلفت فيتفوغيل إلى أنّ هذا الاستبداد، في نموذجه الهيدروليّ، والفرعونيّ منه بامتياز، يتميّز بتضخّم عدد طبقة الكهنة، لكن من الخطأ اعتباره نظام كهنة، إلا في حالات استثنائية. أما في عمومه فهو نظام يتسم بإلحاق طبقة الكهنة العضويّ – الوظيفيّ بالدولة، ووحدها بيزنطة تشكّل استثناء في هذا الإطار، حيث نجحت كنيستها في الحفاظ على كيانها الخاص، وإنْ من دون أن يكون لهذا الكيان استقلاليته كما في حال الكنيسة الرومانية الغربية. في المقابل، الاستبداد الشرقيّ هو نظام ثيوقراطيّ بامتياز، لأن السيّد فيه، الفرعون أو الامبراطور، هو إمّا إله أو بحكم الإله[16].

«ونادى فرعون في قومه قل يا قوم أليس لي مُلك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون»، الزخرف 51.

فماذا يقول سيّد قطب في شرحه، «في ظلال القرآن» في المقابل؟

إنّه في شرحه للآية 28 من سورة «النازعات» التي يقول فيها فرعون «أنا ربّكم الأعلى»، يشرح بالتالي: «قالها الطاغية مخدوعاً بغفلة جماهيره، وإذعانها وانقيادها، فما يخدع الطغاة شيء ما تخدعهم غفلة الجماهير وذلتها وطاعتها وانقيادها، وما الطاغية إلا فرد لا يملك في الحقيقة قوة ولا سلطاناً انما هي الجماهير الغافلة الذلول تمطي له ظهرها ليركب»، ويتابع: «الجماهير تفعل هذا مخدوعة من جهة وخائفة من جهة أخرى، وهذا الخوف لا ينبعث الا من الوهم. فالطاغية وهو فرد لا يمكن أن يكون أقوى من الألوف والملايين، لو انها شعرت بإنسانيتها وكرامتها وعزتها وحريتها. وكل فرد فيها هو كفء للطاغية من ناحية القوة ولكن الطاغية يخدعها فيوهمها انه يملك لها شيئا». والخلاصة الأولى «ما يمكن ان يطغى فرد في أمّة كريمة أبداً، وما يمكن أن يطغى فرد في أمة رشيدة أبداً، وما يمكن أن يطغى فرد في أمة تعرف ربها وتؤمن به وتأبى ان تتعبد لواحد من خلقه لا يملك لها ضراً ولا رشداً». أما الخلاصة الثانية فأنّ «أنا ربّكم الأعلى»

ما كان ليقولها فرعون «لو وجد أمة واعية كريمة مؤمنة تعرف انه عبد ضعيف لا يقدر على شيء».

ونجد قطب يفسّر على النحو نفسه الآية 38 التي يتحدّث فيها فرعون في سورة القصص «يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري»، وأيضاً الآية 45 من سورة الزخرف «فاستخف قومه فأطاعوه، انهم كانوا قوماً فاسقين»، حيث يقول: «استخفاف الطغاة للجماهير أمر لا غرابة فيه فهم يعزلون الجماهير اولا عن كل سبل المعرفة ويحجبون عنهم الحقائق حتى ينسوها ولا يعودوا يبحثون عنها ويلقون في روعهم ما يشاءون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثرات المصطنعة، ومن ثم يسهل استخفافهم بعد ذلك، ويلين قيادهم، فيذهبون بهم ذات اليمين وذات الشمال مطمئنين». لكن الخلاصة هنا أوضح: «ولا يملك الطاغية ان يفعل بالجماهير هذه الغفلة الا وهم فاسقون لا يستقيمون على طريق، ولا يمسكون بحبل الله، ولا يزنون بميزان الايمان. أما المؤمنون فيصعب خداعهم واستخفافهم واللعب بهم كالريشة في مهب الريح».

ثمّة إذاً مشترك بين اللحظتين القطبية والكواكبيّة على ابتعادهما.

الكواكبي لا يجيز الثورة الشعبية على السلطان الجائر، ويبقى في هذا الإطار وفياً لمحددات السياسة الشرعية الفقهية التقليديّة، والأحكام السلطانية للماورديّ، إنّما لعلّة أخرى، ذات وجه حداثيّ: ليس تحاشياً لـ«الفتنة» فحسب، إنّما تخوّف من أن يجيء استبداد شرّ من هذا. وهنا طبعاً، يتأثر الكواكبيّ بالأفكار الأكثر تشاؤميّة حيال الثورات في الفكر الأوروبيّ لعصره.

في المقابل، يجيز قطب ما لم يجزه أحد قبله في التاريخ الإسلاميّ بهذا القدر، إنّما على قاعدة توسيع قاعدة الاستبداد، من خلال توسيع مفهوم الطاغوت، ليشمل كلاً من الفرعون الذي يحكم بغير ما أنزل الله، والشعب الذي يقبل حكم فرعون، أي حكماً بغير ما أنزل الله.

وبين هاتين اللحظتين في وعي الاستبداد، اللحظة الكواكبية واللحظة القطبية، وبين اللحظات العقلانية النقدية الثلاث التي ابتدأنا بها هذه المساهمة، أي نماذج العرويّ وأومليل وجدعان، والتي تجتمع على نقد مهدويّة انتظار الديموقراطيّة، لنا ان نرى محدّداً مشتركاً: العيب على الجماهير، احتمال خروجها على السلطان الجائر دون تهيئة كافية عند الكواكبيّ، وطاعتها له بشكل يدخلها في نطاق الطاغوت عند قطب، وانقطاع السؤال عنها في خطاب نقد الخلاصيّة عند العروي وأومليل وجدعان. لكن الجماهير، عادت هذا العام، من تونس، إلى مصر، إلى البحرين، إلى ليبيا، إلى اليمن، إلى سوريا، والسؤال يبقى كيف السبيل إلى تفكّرها دون شعبويّة؟ وأوّل الجواب أنّ الخطاب العربيّ نفسه الذي يتسّم بالشعبوية الطافحة (صوت الجماهير، صوت الجماهير) لم يجد من يعرّيه بشكل أفضل من معمّر القذافي نفسه عندما خاطب الشعب الليبي في أول أيام القمع الدمويّ لثورته قائلاً ما معناه، لو أردتم التظاهر من أجل فلسطين فلا مانع لدي.

هل كانت هذه الشعوب «لا تستحق الحريّة» قبل انفجار الربيع العربيّ، وصارت تستحقها عندما أخذت تشعر «كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد» انطلاقاً من «وثبة الياسمين» التونسية؟ لكن، والحال هذه، منطق الكواكبي يستبعد أي «وعي فجائيّ» لا تسبقه التهيئة والعدّة، ولا يتقوى بفنون اللين والتدريج في مقارعة الاستبداد، ولا ينهمّ في تشكيل صورة واضحة لديه عن البديل. فما القول هنا، والربيع العربيّ يعطي صورة مغايرة للقواعد الكواكبية، أي صورة وعي فجائي يتفجّر وينتشر كما العدوى من بلد عربيّ إلى آخر.

[1] ويسمّيه البعض أيضاً «ربيع العرب»، في ما من شأنه أن يذكّرنا بـ«برج العرب»...

[2] عبد الله العروي، مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء – بيروت، الطبعة التاسعة، 2011، ص 226.

[3] المصدر نفسه.

[4] المصدر نفسه.

[5] المصدر نفسه.

[6] وهو ما يجد مصداقه في معارك «استنطاق» أو «توظيف» التراث، من خلال «التنقيب» عن وجود الفرد في التاريخين الإسلاميّ المبكر والوسيطيّ، قبل ظهور وتطوّر المفهوم الحديث للفرد في الفكر الأوروبيّ. فالبعض يجد ضالته في «فرد» يعثر عليه في عقيدة «العدل» المعتزلية التي تقول بخلق الإنسان لأعماله، ومنهم من يعثر عليه في أحوال المتصوفة وشطحاتهم، ومنهم من يجتهد لترميمه عند ابن مسكويه والتوحيديّ، أو حتّى في صبر أحمد بن حنبل على «المحنة».

[7] من المفيد هنا الرجوع إلى مؤلّفات عبد الله العرويّ الأخرى، وخصوصاً «الأيديولوجيا العربية المعاصرة» و»مفهوم العقل». إلا أنّه، بإزاء الخلاصيّتين الأخريين (حاكمية الفرد، وحاكمية الدولة)، يمكن أن نجمل كلّا من «الضدّين»، محمد عابد الجابري في مشروع «نقد العقل العربيّ» وجورج طرابيشي في «نقد نقد العقل العربيّ»، في هذه الدائرة، مع فارق أنّ الخلاص يكون بإحياء تقاليد «العقل البرهانيّ المغاربيّ» الرشديّ – الحزميّ – الشاطبيّ بالضدّ من «العقل المشرقي المستقيل» لغلبة «العرفان» والهرمسية عليه، في حين أنّ القيمة الأساسيّة لمؤلفات طرابيشي الخمسة (أو الستة باعتبار مؤلفه الأخير «من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث» ردّاً من نوع آخر) تكمن في توثيق تهافت الطابع اللاعقلانيّ لهذه «الإبستمولوجيا الجغرافية الحضاريّة» لدى الجابري، وتسطير مرجعيتها الاستشراقية (العقل للمغرب والقلب للمشرق، بدلاً من العقل للغرب والعقل للشرق)، وفي التماشي مع مبحث تاريخ العقلانية في الفكر الأوروبيّ الحديث، من حيث هو مبحث يقيم قطعاً معرفيّاً أساسيّاً بين العقلانية الحديثة نفسها وبين المعقوليّات الوسيطيّة، من دون أن يفتئت على هذه المعقوليّات الوسيطيّة دائرة تفاعلاتها وإسهاماتها في صناعة لحظة الانقطاع المؤسسة للفكر الحديث.

[8] علي أومليل، الإصلاحية العربية والدولة الوطنية، المركز الثقافي العربي، 2005، ص. 192.

[9] المصدر نفسه.

[10] المصدر نفسه، صفحة. 185.

[11] فهمي جدعان، في الخلاص النهائيّ، مقال في وعود الإسلاميين والعلمانيين والليبراليين، دار الشروق، عمّان، 2007.

[12] جدعان، ص. 9.

[13] المصدر نفسه، ص 11.

[14]Karl Wittfogel, Le despotisme oriental, Paris, Editions de Minuit, 1965.

[15]Wittfogel, p.101.

[16] المصدر نفسه، ص. 153.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬