حازم صاغيّة

قبل أن يهدأ العصف الذي يخضّ غير بلد عربيّ، وترسو الانتفاضتان المصريّة والسوريّة على حال، سيكون من الصعب وصف المحطّة الراهنة التي ابتدأ السير إليها في أواخر أيّام 2010. لكنّ جردة سريعة للتطوّرات تسمح بالقول إنّ هذا العالم العربيّ سوف يتكشّف عن عالم جديد مختلف كلّ الاختلاف عمّا عشنا وعرفنا. أمّا الذهاب أبعد في وصف ماهيّة الجدّة والاختلاف هذين، تبعاً للأشكال والنُظم السياسيّة، وللعلاقة بين قطاعات السكّان وفئاتهم، فيمنعه التباس وتداخل لا يزالان الملمح المشترك الأبرز بين التجارب المعنيّة، وإن تفاوتت الأسباب التفصيليّة لذلك بين بلد وآخر.

فليس واضحاً، حتّى كتابة هذه الأسطر، ما إذا كان «المجلس العسكريّ الأعلى» في مصر سيقدّم تنازلات فعليّة وجدّيّة، ويسلّم السلطة، أو المواقع الوازنة فيها، للبرلمان الجديد، أو أنّه سيدفع بالبلد نحو صدام وطنيّ وأهليّ مشرع على الأسوأ. كما أنّ غموضاً كبيراً يلفّ العلاقة التي سوف تحكم المجلس بالاخوان المسلمين الذين أحرزوا حصّة الأسد في الانتخابات التشريعيّة، وهذا فضلاً عن غموض علاقته، وعلاقة الإخوان، بشبّان «ميدان التحرير» الذين أطلقوا الثورة في يناير ثمّ شكّكوا بشرعيّة المجلس وشرعيّة انتخاباته، ولا زالوا يتعرّضون للقمع العسكريّ الذي كان آخر تعابيره سقوط تسعة قتلى في 16 كانون الأوّل (ديسمبر) الفائت، ومن ثمّ فضّ اعتصام «ميدان التحرير» بالقوّة، من دون ما يقطع
بعدم تجدّده.

مع هذا تجوز المغامرة ببضعة تقديرات تملك هذه الدرجة أو تلك من الاحتمال. ذاك أنّ انسحاب الاخوان، من خلال حزبهم البرلمانيّ «الحرية والعدالة»، من «المجلس الاستشاريّ» الذي كُلّف إعداد مشروع قانون للجمعيّة التأسيسيّة (البرلمان)، واتّهامهم العسكر بأنّهم ينوون من ورائه تقليص صلاحيّات تلك الجمعيّة، يوحيان بسخونة سوف يصعب اجتنابها. يضاف أنّ أجواء الانتخابات الأخيرة ونتائجها تدفع إلى التساؤل حول مستقبل العلاقة بين العمليّة السياسيّة، في حال إقلاعها، وبين كلّ من الأقباط وشبّان الثورة بليبراليّيهم ويساريّيهم. فهل يتحالف، مثلاً، الاخوان والسلفيّون فيقيمون حكماً إسلاميّاً، وهو ما بات يبدو قليل الحظّ، أم يعمل الاخوان، بموجب نصيحة القياديّ الاسلاميّ التونسيّ راشد الغنّوشي، كما بموجب حسّ التنافس الإيديولوجيّ مع أخوة أعداء، وما تخلّفه الحزازات الانتخابيّة، فيحكمون بالتحالف مع الليبراليّين والأقباط، بما يسكّن المجتمع ويطمئن الغرب؟ وفي هذه الحالة الأخيرة، يتجدّد السؤال عن التعايش الصعب بين الجيش والبرلمان، بما في ذلك تدبير تقسيم العمل المتّصل بالتزامات الدولة والمصالح الوطنيّة العليا، خصوصاً معاهدة كامب ديفيد؟ وفي المقابل، هل يتحوّل السلفيّون، تحت وطأة أزمة اقتصاديّة يُقدّر لها أن تستمرّ طويلاً نسبيّاً، إلى نوع من فاشيّة محلّيّة تعارض من داخل ومن خارج في آن معاً، في السياسة وفي الاجتماع والثقافة، فيما تحظى بتعاطف ضمنيّ من الجيش في منازعاته المتوقّعة مع الإخوان وحاجته إلى بعبع يبرّر إحكام القبضة الأمنيّة؟

لا شكّ أنّ الأسئلة المصريّة كثيرة وصعبة، بيد أنّها تلتقي عند إضاءة الانتقال الكبير في وجهيه الأساسيّين:

• مصائر «شرعيّة ثورة يوليو» التي قضت بأن يبقى حكم مصر، منذ 1952، في يد عسكريّ، وأن تكون للمؤسّسة العسكريّة امتيازات هائلة يصعب إخضاعها للرقابة البرلمانيّة،

• وثقافة الاجتماع المصريّ التي تنتقل اليوم من كبت التناقضات على مدى ستّة عقود، إلى تفجّرها. وفي رأس ما يطرحه السؤال هذا قضايا التسامح والتعدّد وقبول الآخر، ومن ثمّ الأشكال التي ستستقرّ عليها صور الأقباط والنساء والثقافة، كما صورة الإسلام المصريّ، في وضعه الجديد.

وفي المعنى نفسه، ليس واضحاً أيضاً، لا سيّما بعد قرارات الجامعة العربيّة بشأن سوريّا، وما صاحبها من تصعيد تركيّ وغربيّ، وما انجرّ عنها من عقوبات اقتصاديّة متعدّدة المصادر، ما إذا كان النظام الأسديّ سيمضي في دفع البلد نحو حرب أهليّة تتاخم تلك الليبيّة وتشبهها. وقد آلت التطوّرات الأخيرة، بعد انتهاء مهلة «المبادرة العراقيّة»، في موازاة مراوحة التحرّك الروسيّ وارتباكه، إلى توجّه الجامعة العربيّة المرجّح إلى مجلس الأمن. وعلى الطرف المقابل، ستلحّ مساءلة الانتفاضة عن قدرتها على إدامة سلميّتها، أو العكس، فيما يُلحَظ التزايد اليوميّ لأعداد القتلى، واتّساع رقعة المطالبة الشعبيّة بتدخّل خارجيّ ما أكان عنوانه حماية المدنيّين أم إنشاء منطقة آمنة، وهو ما ضمّ بان كي مون، الأمين العامّ للأمم المتّحدة، صوته إليه مؤخّراً. وفي انتظار النتائج التي قد تترتّب على الميل الراجح إلى تدويل ما، يُقدّر للاحتمالات المذكورة أعلاه أن ترسم الملامح التي ستستقرّ عليها سوريّا المستقبل. فإذا كان عدم التدخّل الخارجيّ من أيّ نوع سوف يضاعف القتل والألم ويطيل الأزمة من دون أفق للحلّ، بفعل التوازن الشالّ بين النظام والانتفاضة، فإنّ التدخّل، الذي يدفع إليه عناد النظام، مرشّح لتعزيز الخارجيّ على الداخليّ، والعسكريّ على المدنيّ، والإسلاميّ على العلمانيّ.

إلاّ أنّ أسئلة كهذه قد تطال الوضع اللبنانيّ أيضاً بفعل الصلة الوثيقة بين البلدين، وبين سلاحي النظام السوريّ وحزب الله اللبنانيّ. وهنا، قد تجد المنازعات الطائفيّة فرصة سخيّة لم تعثر على مثل سخائها في تاريخ المواجهات السابقة. ولا يُستبعد، في قائمة المخاوف، أن تفيض النزاعات فتعبر الحدود اللبنانيّة – الإسرائيليّة، وقد بدأ دبيب الارتجاج الأمنيّ يظهر في الجنوب مع الانفجار الذي استهدف فرنسيّي قوّات اليونيفيل، لا سيّما إذا صحّت أخبار صحافيّة تحدّثت عن «مراجعة» في الأمم المتّحدة لدور اليونيفيل تفضي إلى سحبها لصالح نشر القوّات اللبنانيّة. وهذا من غير أن ننسى جبهات أخرى لا تكتم قابليّاتها للتوسّع وللتأثير في محيط جغرافيّ أوسع لا سيّما منه زواياه الرخوة، كالجبهة الإيرانيّة – الخليجيّة، أو ربّما الإيرانيّة – التركيّة التي يزيدها احتقاناً نصب حلف الناتو درعاً صاروخيّة في تركيا لم تكفّ طهران عن التحريض عليه.

فإذا جاز القول إنّ مصر تخوض عبورها إلى ما بعد يوليو 1952، جاز القول إنّ سوريّا، ومعها لبنان، تخوض عبورها إلى ما بعد النظام الإقليميّ الذي أرساه حافظ الأسد في السبعينات، ومفاده الإمساك بمنطقة المشرق العربيّ الآسيويّ وتجميدها ما دام تحرير الجولان مستبعَداً بالقتال كما بالتسوية، محكوماً بالتسمّر عند «اللاحرب واللاسلام».

والأمور لا تبدو أوضح في اليمن، على رغم الضجيج الذي رافق الإعلان عن «حلّ يمنيّ» وُصف بالقدرة على إنهاء النزاع قبل أن تنكشف حدوده مع الحملة العسكريّة الدمويّة على مدينة تعز. صحيح أنّ تشكيل محمّد سالم باسندوه «حكومة وفاق» وإعلان موعد لانتخاب رئيس جديد للجمهوريّة في 21 شباط (فبراير) المقبل، فضلاً عن «إزالة المظاهر المسلّحة» في صنعاء، أوحت بامتصاص بعض التوتّر، إلاّ أنّ هذا لا يشكّل، في النهاية، ضمانة كافية. فالرئيس اليمنيّ علي عبد الله صالح، الذي وصف سياسته ذات مرّة بـ«الرقص على رؤوس الأفاعي»، يمكن أن يمضي في المناورة وفي العمل على تحجيم الانتقال بحيث ينحصر في عائلته وفي مجموعته الحاكمة وحدهما. وحتّى الحكومة الائتلافيّة نفسها قابلة لأن تُستخدم ساحةً للمناورة من خلال توزيع الصلاحيّات والحصص الفعليّة وتضاربها، وهذا علماً بأنّ قوى الانتفاضة لا تزال، بدورها، رافضة لـ«الحلّ» الذي حملته المبادرة الخليجيّة، متمسّكة بمحاكمة صالح ومحاسبته، فضلاً عن اعتبارها أنّ انتخابات شباط الموعودة «وأد للثورة» والتفاف على تضحياتها.

بلغة أخرى، يلوح في اليمن تناقض يصعب تبسيطه، مفاده أنّ الاعتبارات الاستراتيجيّة، من الموقع الجغرافيّ الحسّاس إلى وجود بؤر لـ«القاعدة» والتنافس الإيرانيّ السعوديّ المحتدم، قد أملت تسوية محافظة ذات قوى وأدوات بالغة التقليديّة يُفترض بها أن تتعامل مع وضع ذهب بعيداً في راديكاليّته. لكنْ، وكما الحال في مصر وسوريّا، لا يحول الغموض دون انقشاع جسامة ما يجري ومدى انتقاليّته. ففي الحالات جميعاً، بل في أشدّها سلاسة، لن يكون من المبالغة القول باحتمال إفضاء الأزمة إلى مضاعفة الشروط الملائمة لانفصال الشطر الجنوبيّ، هو الذي تستولي الرغبة الاستقلاليّة على «حِراكه» ومشاعر بنيه، فيما تحوّم الأسئلة فوق المسألة الحوثيّة ومساراتها وما قد تتيحه من تداخل مع الصراع السعوديّ – الإيرانيّ. وإذا كانت ثنائيّة الشمال والجنوب غير مبرّأة من بُعد طائفيّ، فإنّ صراع الحوثيّين والسلفيّين يحمل هذا البُعد بقوّة وتوكيد أكبر، خصوصاً في ظلّ ما يُرمى به الأوّلون من رغبة في إقامة حكم ذاتيّ.

وبدورها، لئن نجحت الثورة الليبيّة في إطاحة «الجماهيريّة» القذّافيّة، فقد دلّ استمرار الفوضى والعجز عن إنشاء نصاب أمنيّ، مع ما يصاحب ذلك ويغذّيه من توتّر العلاقات بين القبائل والمناطق، إلى خصوبة التفتّت الليبيّ المشرع على الاحتمالات كلّها. فقد شهدت طرابلس العاصمة تحرّكاً شعبيّاً واسعاً ضدّ «فوضى السلاح»، واستمرّ الضغط على «قوّات مصراته» للانسحاب منها. وإذ بدت شهيّة المليشيات غير المدنيّة للمكث في المدينة والسطو عليها واسعة ونهمة، اكتسبت «كتائب الزنتان» المتصارعة مع «المجلس العسكريّ» والتي اشتبكت مع الجيش في طرابلس، ومع قبيلة المشاشيّة، رمزيّةً تكثّف الوضع المفتّت برمّته. ويبدو أنّ استخلاص السياسة، ومن ثمّ الوحدة الوطنيّة، من براثن التفتّت المسلّح هذا لن يكون سهلاً، بشهادة أحداث كثيرة في عدادها تعرّض موكب رئيس أركان الجيش، العقيد خليفة حفتر، لهجوم مسلّح، والاستقبال المشكّك بشرعيّة الحكومة التي شكّلها عبد الرحيم الكيب، وبضعف تمثيلها القوى الأهليّة والإسلاميّة الفاعلة. وهذا جاء معطوفاً على التظاهرة التي شهدتها بنغازي في 13 كانون الأوّل معلنةً أنّ سكّان العاصمة الثانية أكثر تشدّداً في طلب الاقتصاص من رموز النظام القذّافيّ، هم الذين اعتبروا أنفسهم، منذ انقلاب 1969، ضحايا «حكم المناطق الغربيّة».

في المقابل، يمكن القول بدرجة أعلى من اليقين إنّ الانتفاضة التونسيّة تبقى الأقرب إلى قصّة النجاح. فتونس تجنّبت الحرب الأهليّة وأجرت انتخاباتها وشكّلت هيئاتها الدستوريّة، فيما يبدو أنّ حركة «النهضة» الإسلاميّة، التي أحرزت 41% من مقاعد برلمانها، مستعدّة للعمل بموجب الاملاءات الديموقراطيّة، كما يبدو قائدها راشد الغنّوشي، وكما أعلن بنفسه، مشغولاً بهمّ تونس، لا بهموم إسلاميّة أبعد. ومع أنّ الانتقادات لتوزيع الصلاحيّات بين رئاستي الجمهوريّة والحكومة لم تهدأ، جاء انتخاب المنصف المرزوقي رئيساً للجمهوريّة وتكليف حمّادي الجبالي، قياديّ النهضة، بتشكيل الحكومة علامتين مطمئنتين. وهذا جميعاً ما سمح للبعض بتجديد الرهان على تونس كمجتمع صغير فقره مضبوط ونسيجه الوطنيّ على درجة ملحوظة من التماسك، مجتمعٍ تعرّض للتحديث البورقيبيّ على نحو لم تعرفه البلدان العربيّة الأخرى، فحوصرت فيه الأميّة واكتسبت المرأة ثقة بالنفس واتّسعت طبقته الوسطى، كما تأثّر بقربه من أوروبا واستفاد من بُعده عن ساحات النزاع العربيّ – الإسرائيليّ.

مع هذا فإنّ الزواج الديموقراطيّ – الإسلاميّ لم يُختبر من قبل في العالم العربيّ، فيما تبقى الأسئلة مشروعة حول إمكان استيراد النموذج التركيّ واستدخاله. وفي الحالات كلّها تضعنا تونس أمام لوحة مثيرة وجديدة تحرّض على المراقبة والتعلّم، لوحةٍ قد تُرسَم خيوطها في نزاعات الصلب المجتمعيّ وفي التعليم وجوانب الاجتماع الأخرى، كحقوق المرأة وحريّات الإبداع، أكثر ممّا في السياسات العليا.

أمّا البحرين فليست هناك ضمانة واحدة تحمل على القول إنّ الانتفاضة فيها قد ذوت واضمحلّت، أو إنّ الملك حمد بن عيسى، المطلق المَلكيّة، سوف ينفّذ فعلاً توصيات لجنة تقصّي الحقائق المستقلّة، وهي التي شكّك رئيسها شريف بسيوني باحتمالات تفعيلها. والصدامات التي تحصل بين فينة وأخرى بين «المحتجّين» ورموز السلطة تشي بذلك.

وغنيّ عن القول إنّ تشابك الصراع في البحرين والصراع الإقليميّ، الخليجيّ – الإيرانيّ، يهدّد بإدامة التوتّر الذي قد يتجاوز المنامة إلى البلدان المجاورة المأهولة بكتل شيعيّة المذهب تعاني الغبن والتهميش والمعاملة الطائفيّة. وربّما كانت الكويت ومنطقة القطيف في الشرق السعوديّ عيّنات مقبلة عن وجهة كهذه. فإذا صحّ أنّ إقالة الحكومة الكويتيّة السابقة وحلّ مجلس الأمّة، يوحيان بتنفيس بعض الاحتقانات السياسيّة التي لا تمتّ مباشرة إلى المسألة المذهبيّة، يبقى أنّ الحكومة الجديدة التي أبقت على جميع الأقطاب الحكوميّين السابقين لا تحمل على افتراض توقّعات كبرى، فضلاً عن أنّ الاستقطاب الطائفيّ في بعض بلدان الخليج يتطلّب ما يفوق كثيراً إجراءات التنفيس الحكوميّ. وهذا ما يتبدّى أنّ حكّام سلطنة عُمان أكثر تنبّهاً إليه، ولو نسبيّاً، من سائر زملائهم الخليجيّين. وفي الحالات جميعاً، سوف يكون من الصعب، في ظلّ الموقع القياديّ الذي تحتلّه السعوديّة في الخليج، وفي ظلّ تشكيلة تتصدّر أزماتِها أزمةُ الوراثة والتوريث المتواصلة، أن يدوم طويلاً ذاك التعايش الصعب بين بنى سياسيّة واقتصاديّة وثقافيّة شديدة التباين.

والحقّ أنّ البلدان التي شهدت أنصاف انتفاضات وأرباعها تتغيّر هي الأخرى، كلّ بطريقته. ففي الأردن كلام رسميّ كثير، يشكّك المعارضون بصدقيّته من دون أن تعوزهم وجاهة الحجج، عن تحوّلات تؤول إلى تقليص السلطات المَلكيّة بجعل البرلمان يختار الحكومة ويحلّها، كما تفضي إلى ضبط الفساد المصحوب بتوسّع الاقتصاد النيو-ليبراليّ، وإلى الحدّ من ورم الأجهزة الأمنيّة وتجاوزاتها. أمّا في المغرب، فحدث اقتراب جدّيّ من بناء ملكيّة دستوريّة ستشكّل، في حال استكمال بنائها، امتحاناً ناجحاً لأعرق الشرعيّات التقليديّة في العالم العربيّ. وقد جاءت الانتخابات الأخيرة حيث فاز «حزب العدالة والتنمية» الإسلاميّ الذي يشكّل أمينه العامّ عبد الإله بن كيران الحكومة المقبلة، ليطرح أسئلة تشبه الأسئلة التونسيّة، ولو بحدّة أقلّ مصدرها أنّ «العدالة والتنمية» سبق له أن عمل في مؤسّسات «المخزن» الدستوريّة، ولم يكن مرّة على قطيعة مع النظام كتلك التي حكمت إسلاميّي تونس بنظام زين العابدين بن علي. وليس بلا دلالة تبعث على شيء من التفاؤل، في سياق كهذا، أنّ «حزب التقدّم والاشتراكيّة»، الشيوعيّ سابقاً، سوف يشارك في الائتلاف الحكوميّ الجديد الذي سيقف إسلاميّ على رأسه.

والراسخ، كائناً ما كان الأمر، أنّ المغرب، بعد الآن، لن يكون كما كان من قبل. فإذا ما تسنّى الإقلاع للتجارب الجديدة فيه وفي تونس وليبيا، أو لبعضها، غدا من المشكوك فيه كثيراً بقاء النظام الجزائريّ على حاله. فهذا الأخير الذي يجمع بين ملامح أنظمة الحزب الواحد والعسكر، المصحوبة بتعدّديّة شكليّة، وبين ثروة في الغاز والنفط تتيح له ممارسة الرشوة الاجتماعيّة، واجه أيّاماً سوداء هدّدته في استمراره، من دون أن يُضطّر إلى كتمان عواطفه حيال الأنظمة المتساقطة التي تشبهه في طرابلس ودمشق ودعمه لها. وثمّة أسباب وجيهة للتشكيك بقدرة النظام الجزائريّ، الذي لم تُعفِه «شرعيّة ثورة المليون شهيد» من خوض حرب أهليّة استغرقت التسعينات، على البقاء كما هو.

بيد أنّ السودان الذي افتُتح العام 2011 بانفصال جنوبه عنه، لن يبقى، هو الآخر، مثلما كان. فقد دلّت مصاعب تشكيل الحكومة الأخيرة إلى حراجة الوضع الذي يعانيه عمر البشير في الخرطوم. وأغلب الظنّ أنّ البشير ناور، ويناور، بتوسيع شكليّ للسلطة لا يمسّ بأساسيّاتها وباحتفاظ الحزب الحاكم بالوزارات الأشدّ تأثيراً. وأهمّ من ذلك ما يجري في جنوب كردفان والنيل الأزرق من اشتباكات، فضلاً عن مشكلة دارفور الماثلة، ما يسمح بالقول إنّ ما ابتدأ انشطاراً جنوبيّاً يُستبعد أن يقف عند هذا الحدّ، علماً بأنّ العلاقات الشديدة التوتّر مع الكيان الوليد في الجنوب مصدر مؤكّد لمزيد من التوتّر المتعدّد المصادر في الشمال. ومن نُذر الاحتمالات السودانيّة أنّ حركات مسلّحة دارفوريّة وقّعت، أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، «ميثاق التغيير السودانيّ-كادوا» مع «الحركة الشعبيّة لتحرير السودان-قطاع الشمال»، والهدف المعلن من «الميثاق» لا يقلّ عن إطاحة النظام في الخرطوم.

وأخيراً هناك العراق الذي يحظى بخصوصيّة ناجمة عن إبكاره في إسقاط استبداده الصدّاميّ في 2003. بيد أنّ الاصطفاف الطائفيّ وتوازنه اللذين تكشّف عنهما العراق وجنّباه انتفاضة كالتي أطاحت أنظمة عربيّة أخرى، هما اللذان يهدّدانه بانفجار طائفيّ واسع. والحال أنّ بلاد الرافدين ستكون، مع اكتمال الانسحاب الأميركيّ وتقدّم الإيرانيّين لملء المزيد من فراغات القوّة، غير ما
كانته قبلاً.

لقد عجز الحكم العراقيّ، المتزايد طائفيّة وفساداً، عن وقف العنف الإرهابيّ المتفشّي، لكنّه الآن، وانطلاقاً من ذاك الرصيد السلبيّ، قد يجد نفسه وقد تحوّل أعرض ساحات المواجهات المحتملة انطلاقاً من النزاع على سوريّا: فهناك قد يتصادم الإيرانيّون والخليجيّون، كما قد يتصادم الإيرانيّون والأتراك مستأنفين تقليداً صفويّاً عثمانيّاً عريقاً في نهش عراق مفتّت وضعيف. وهذا ناهيك عن موقعه المؤكّد في أيّة مواجهة كبرى يتسبّب بها «الملفّ النوويّ الإيرانيّ».

وفي ظلّ غموض «الشراكة الأمنيّة الطويلة الأمد» مع الولايات المتّحدة، سيبدو تعاظم الثقل الإيرانيّ في العراق، والذي ستتمسّك به طهران، لا سيما مع اهتزاز حليفها السوريّ، ذا دلالة داخليّة فوريّة. هكذا لم تتأخّر التحذيرات المتعدّدة المصادر من عنف أهليّ غير مسبوق، ملقيةً الضوء مجدّداً على أنّ «مقاومة الأميركيّين» كانت ذريعة لتقاتل طائفيّ مرشّح للتصاعد بعد رحيل الأميركيّين. وبدورها، لم تتباطأ الكتلة السنّيّة، عبر أبرز ممثّليها، في تأويل هذه التطوّرات الكبرى على نحو يغاير التأويل الشيعيّ لها.

هكذا، ما كاد الجنود الأميركيّون يغادرون حتّى ظهرت «معلومات»، تمّ نفيها لاحقاً، عن صدور مذكّرة بحقّ طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهوريّة، والشخصيّة السنّيّة العربيّة الأولى في الطاقم الحاكم، تتّهمه بالارهاب، بما في ذلك تفجير البرلمان. كذلك شاعت «تسريبات» عن نزع الثقة بشخصيّة سنّيّة بارزة أخرى هو صالح المطلك، الذي يتسلّم نيابة رئاسة الحكومة، فيما علّقت كتلة «العراقيّة» ذات الأكثريّة السنّيّة عضويّة نوّابها في البرلمان. ووسط إدانة السياسيّين الشيعة لفكرة «الأقاليم»، التي سبق أن ابتدأها بعضهم في ما خصّ مناطق الجنوب، كرّت المطالبات السنّيّة بإنشاء «الأقاليم»، مؤيّدةً من رئيس مجلس النوّاب السنّيّ أسامة النجيفي، بعدما كان هذا المطلب يُعدّ تقسيميّاً في الموقف السنّيّ التقليديّ. وبالفعل أقدمت محافظة صلاح الدين، ومركزها تكريت، على كتابة مسوّدة دستور لها استعداداً لتحوّلها إلى «إقليم».

وأوضاع ملتهبة كهذه لا بدّ أن تشجّع الأكراد على الذهاب أبعد في السعي الى الاستقلال، شرط ترتيبه مع تركيا، والنجاة بالنفس من هذا الجحيم المفتوح بين طوائف العراق العربيّ. ويغلب الظنّ بأنّ نزاعاً تركيّاً – إيرانيّاً يعزّز ميل الطرفين إلى تقبّل فكرة الدول والدويلات الوسيطة والحاجزة على حدودهما. وهذا ناهيك عن أنّ احتمال النزاع الأهليّ المفتوح في العراق قابل لأن يلاقي في منتصف الطريق نزاعاً سوريّاً وآخر لبنانيّاً يُستبعد نفيهما بالمطلق، نزاعاً ربّما وجد فيه النظام السوريّ وحلفاؤه اللبنانيّون فرصة النجاة المتبقّية.

ولا تنسينا اللوحة المرسومة أعلاه، في ما خصّ العناصر المستجدّة نوعيّاً، أيَّ تكيّف سوف يخضع له النزاع الفلسطينيّ – الإسرائيليّ، وتالياً العربيّ – الإسرائيليّ، في حال استقرار الوضعين في مصر أو سوريّا على سلام تنضمّ به الثانية إلى الأولى، أو على تصعيد، غير مرجّح، تنضمّ به الأولى إلى الثانية. لكنْ في غضون ذلك، وفي انتظار بلورة بعض الغوامض الكثيرة، يلوح انخفاض ملحوظ في أهميّة الموضوع الفلسطينيّ/العربيّ – الإسرائيليّ وفي أولويّته. وهذا في حال تماديه، مصحوباً باستمرار الانشقاق إلى سلطتين للضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، سيرتّب على المنطقة، التي اعتبرته لعقود «قضيّتها المركزيّة»، تغييراً هائلاً يتعدّى السياسيّ والاستراتيجيّ إلى الاقتصاديّ والثقافيّ، بل إلى النظر إلى الذات والعالم.

وتلك التطوّرات والاحتمالات في عمومها تعكس أو تجاور تيّارات عريضة متحوّلة في الواقع العربيّ.

فقد تبدّى واضحاً أنّ الشعوب العربيّة في أغلبيّاتها الكاسحة ترفض أن تُحكم بالطرق شبه الاستعباديّة التي حُكمت بها، وأن تذعن للنظريّات المتهافتة التي جعلت «العدوّ الغريب» سبباً للقبول بـ«الحاكم القريب» ولتقبّل طغيانه. إلاّ أنّ الطلب الواسع على الحرّيّة إنّما وقع على أرض بالغة التكسّر والانقسام، بما يفسّر، بين ما يفسّره، قوّة بعض الأنظمة وقدرتها على إدامة البطش الذي يؤدّي، بدوره، إلى معاظمة ذينك التكسّر والانقسام.

ويُرجّح أن تمتحن الانتفاضات طاقة البلدان ذات النسيج الوطنيّ الهشّ، أو الضعيف، على احتمال التغيير، ومن ثمّ احتفاظها بوحداتها الترابيّة القائمة وخرائطها. ولربّما تصدّرت ليبيا قائمة هذه الدول التي بقيت الدولة – الأمّة فيها أقلّ وزناً من الولاءات القبليّة والجهويّة. ذاك أنّ الأنظمة المستبدّة إنّما تماهت مع كتل أهليّة صلبة، دينيّة أو مذهبيّة أو مناطقيّة، بحيث غدا تغيير التركيب السلطويّ يتّصل مباشرة بالتركيب المجتمعيّ وتوازناته، فيما الشكل الذي رست عليه أوطان عربيّة كثيرة، إمّا بعد الحرب العالميّة الأولى أو بعد الحرب الثانية، ولد مطعوناً بشرعيّته من قبل هذه الفئة الأهليّة أو تلك، وغالباً ما استُخدم دور الاستعمار الأوروبيّ في رسم الخرائط ذريعة إيديولوجيّة لهذا الطعن بالشرعيّة تلك وبما حضنته من غلبة داخليّة أو ما رافقها من توازنات عصبيّة.

ومن الجديد أيضاً ما يتعلّق بالصلب الاجتماعيّ، أي الصلة بالأقليّات الدينيّة والإثنيّة والمذهبيّة، وبالمرأة وحقوقها، وبالثقافة وحرّيّات الابداع والتعبير. فإذا جاز القول إنّ المجتمعات المنتفضة أبانت قوّة غير متوقّعة للإسلاميّين، بعد كبت مديد عانوه، كان من الجائز أيضاً أن يقال إنّها تكشّفت عن مسائل تراكمت ولم يجر حلّها على مدى عقود متلاحقة. فالثورات التي عرفها العالم المعاصر في تلك الغضون، في المفاهيم كما في السلوك، مرّت مروراً سريعاً وغير مؤثّر على العالم العربيّ، بما في ذلك البلدان التي انفجرت فيها الانتفاضات. يصحّ ذلك في النسويّة والتسامح وصعود الفرديّة وموضوعة حقوق الانسان وصولاً إلى العولمة وما يتفرّع عنها. وقد يزيد في الإلحاح على استلحاق ما فاتنا، كما قد يعطيه طابعاً محتقناً، أنّ الشبيبة التي أطلقت الانتفاضات قد تنتهي، أقلّه في مصر واليمن، في مواقع من التهميش السياسيّ لمصلحة الإسلاميّين وقوى «التيّار العريض» الأخرى.

وليس من غير دلالة، في هذه الحدود، أنّنا تعرّفنا في العام المنقضي، وبسبب الانتفاضات تحديداً، إلى أسماء مثقّفين ونساء وناشطين كان يلزم عشر سنوات أو أكثر لكي نتعرّف إلى مثلها، من توكّل كرمان إلى رزان زيتونة ومن المنصف المرزوقي إلى برهان غليون...

ويُرجح للنزاع السنّيّ – الشيعيّ، في المشرق العربيّ الآسيويّ، وربّما الخليج، أن يحتلّ رقعة هائلة في الحياة العامّة وصناعتها. وقد لا يكون من المبالغة القول إنّ تطوّراً ضخماً كهذا يملك طاقة على التبديد الذاتيّ لا يملك مثله أيّ تطوّر آخر. يترافق هذا مع مستجدّ آخر كفيل بأن يخلّف تأثيرات جبّارة على صورة العالم العربيّ وعلاقاته، هو دور الخليج الصاعد، لا سيّما إمارة قطر، وضمور مصر والعراق وسائر المشرق التي ستنشغل لسنوات بالأسئلة والهموم التي طرحتها الانتفاضات. وقد يكون تحصيلاً حاصلاً أن يعبّر صعود الخليج كمنطقة عن أولويّة المال كقيمة، وعن تقدّم صيغة الدول – المدن الصغرى على الدول – الأمم التي يتعقّد بناؤها، وأن تلتقي هذه الوجهة مع إحدى وجهات العولمة، بما فيها من تراجع يلمّ بالعنصر الإيديولوجيّ. إلاّ أنّ ذلك يتهدّد العرب من نواح أخرى أهمّها تلخيص الوجهات التاريخيّة المعقّدة في بُعد واحد، واعتبار التاريخ، بما هو جهد وعمل وتجارب وإخفاقات، لزوم ما لا يلزم. والحقّ أنّ تلخيصاً كهذا قابل دائماً للتعايش مع وعي دينيّ قادر، هو الآخر، على تلخيص العالم والأفكار وتبسيطها.

لكنْ هنا أيضاً، يعاود موقع الإسلام، لا الإسلام السياسيّ وحده، طرح نفسه همّاً مركزيّاً تطال مركزيّته العلاقة بأوروبا والغرب في زمن معولم تغيّرت وسائطه كما تغيّر الكثير من تحالفاته السياسيّة ومن لغطه الخطابيّ. وتلك الموضوعة الأثيرة من مواضيع «عصر النهضة» يستعيدها البعض راهناً فيرون أنّ الانتفاضات سوف تجدّد «النهضة» بعد المرور في فترة «انحطاط»، كما يرى بعض آخر أنّها ستفصلنا نهائيّاً عنها وتردّنا إلى «الانحطاط». أمّا الذين هم أقلّ حذراً في استخدام السوابق التاريخيّة، فيكتفون بالتوكيد على جديد سوف يشمل كلّ شيء، حتّى ليكاد يكون جيولوجيّاً، من دون أن نعرف إلاّ القليل عن لحظة استقراره الأخير، حتّى ليكاد يكون مجهريّاً.

بيروت في 18/12/2011



*بعد كتابة هذه الأسطر جدّت تطوّرات لا تغيّر في الوجهة العامّة المرسومة اعلاه، إلاّ أنّها تضيف إليها شيئاً من الاحتدام. فالحكومة السوريّة، مثلاً، وافقت على بروتوكول المراقبين، وفي العراق صدرت المذكّرة بحقّ طارق الهاشمي وتطوّعت القيادات الكرديّة لتوفير حوار وطنيّ، وفيما قُتل القائد الدارفوريّ خليل ابراهيم، أكّد علي عبدالله صالح مجدّداً على مدى تمسكه بالسلطة وصلاحيّاتها. الغموض ينقشع بصعوبة والوضوح سيكون صعباً علينا.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬