ماجد كيالي

عدت إلى البيت، بعد غياب طال أربعة أشهر متواصلة في معسكرات الفدائيين في الأردن، وقد مضى شهران على افتتاح الموسم الدراسي (1970ـ1971)، الأمر الذي استلزم مني التوجه إلى مديرية التربية والتعليم في حلب لاستصدار قرار منها يفيد بالسماح لي بالعودة إلى الدراسة. لم يكن الأمر صعباً، في ذلك التاريخ، بالنظر إلى التعاطف الكبير مع العمل الفدائي، على الصعيدين الرسمي والشعبي، بحيث تم قبول تبرير غيابي عن المدرسة بمجرد تقديمي لوثيقة تثبت بأنني كنت في دورة تدريب للفدائيين، وهكذا التحقت بالصف الأول ثانوي (العاشر) في ثانوية المتنبي الكائنة في حي الجميلية الراقي في قلب مدينة حلب.

في المدرسة

ما زلت اذكر أن دخولي إلى المدرسة أحدث وقعا خاصا، إلى حد ما، بين الطلاب الآخرين، إذ كنت الفلسطيني الوحيد في هذه الثانوية. ولم أكن مجرد فلسطيني، فحسب، وإنما كنت ذاك الطالب القادم من معسكرات الفدائيين، الأمر الذي جعل مني حينها موضع اهتمام كثيرين من الطلاب بالنظر الى الصورة المتخيّلة تلك الفترة عن الفدائيين».

لكن حياتي الدراسية، في المرحلة الثانوية، لم تكن منتظمة، ولم تتركّز على التحصيل الدراسي، وإن لم تصرفني عن المطالعة. إذ أن لوثة السياسة كانت قد نالت مني تماما، وجعلتني في عالم آخر. قد يبدو هذا الكلام مستغربا أو مستهجنا في هذه الأيام (حتى من قِبَلي)، لكنه كان مفهوما آنذاك مع الصعود «الصاروخي» للعمل الفدائي.

هكذا تحوّلت الدراسة بالنسبة لي إلى مجرّد «ساحة» للنشاط السياسي (مثل أي «ساحة» أخرى)، حيث كرّست الجزء الأكبر من وقتي اليومي للتعرّف إلى أكبر عدد من الطلبة الفلسطينيين (طلاب وطالبات) في الثانويات المتوزّعة في قلب وأطراف مدينة حلب، وكان هذا الأمر مرهقا جدا لي، بسبب البعد، ومعاناة التنقّل بالباصات بين هذه المنطقة وتلك.

مع ذلك كان ثمة نشاط لي في مدرستي، رغم عدم وجود طلاب فلسطينيين غيري، إذ كنت أخذت موافقة إدارة المدرسة على إقامة «مجلة» حائط أسميتها «الثورة الفلسطينية»، وكانت هذه المجلة تحتوي على مقالات خفيفة وأخبار وقصائد شعرية عن المقاومة، كما على صور للفدائيين في المعسكرات والقواعد. المجلة هذه كنت أعدها مع بعض زملائي من الطلبة السوريين، كما تعاونت معي إدارة المدرسة لتمكيني من إحياء بعض المناسبات كانطلاقة الثورة وذكرى معركة الكرامة و15 أيار، من خلال إلقاء كلمة في اجتماع عام للطلاب في الباحة، بحضور مدير المدرسة والموجهين التربويين وبعض الأساتذة.

الطريف هنا أن هذا النشاط الذي امتد طوال ثلاثة أعوام في المدرسة صدف أن توقّف مع اقتراب موعد امتحانات «البكالوريا»، ليس بسبب الامتحانات وإنما بسبب مجيء مدير آخر شاءت الصدف أيضا أن يكون فلسطينيا، حيث إن أول عمل قام به هذا المدير كان إزالة مجلة الحائط. وكم كنت مذهولا عندما دخلت إلى المدرسة ولم أجد المجلة في مكانها، وعندما سألت عن الأمر علمت أن المدير الجديد (الفلسطيني) هو الذي قام بذلك، بل وجدتني مطلوبا للمثول أمامه.

ذهبت من فوري إلى المدير واستمعت منه إلى محاضرة عن الالتزام بالدراسة والتوقّف عن أي عمل خارج هذا الإطار. وفي الحقيقة لم يكن الوضع يسمح لي بالنقاش إذ أن العام الدراسي (وهو الأخير لي بالثانوية) قارب على الانتهاء. فضلا عن ذلك فإنني، من تجربتي، كنت اعلم أن الفلسطينيين المنتمين إلى حزب البعث الحاكم «يتفانون» في تقديم هكذا خدمات مجانية لإثبات ولائهم أو أهليتهم أمام الجهات المسؤولة. هكذا فمع أن المدير السابق كان ينتمي هو الآخر لحزب البعث إلا انه سمح لي بالنشاط لصالح القضية الفلسطينية، في حين أن المدير الفلسطيني أوقف ذلك تماما، وبلهجة تأنيبية حازمة!

على أية حال كان هذا الفصل نهاية صفحتي في هذه المدرسة. فقد انتهت المرحلة الثانوية، وسجلت في كلية الآداب ـ قسم التاريخ في جامعة دمشق؛ رغم أني بقيت لعامين تاليين في مدينة حلب، لأغادرها نهائيا بعد ذلك مضطرّا (في 1976) إثر مداخلات تتعلق بالتدخّل السوري في لبنان وقتها (سأوضّح ذلك لاحقا).

ناشط سياسي

ثمة حدث آخر غيّر مجرى حياتي أيضا، في تلك الفترة، يتمثّل بانخراطي في تنظيم حركة «فتح» في حلب، وتحديدا عبر تنظيم هذه الحركة في الجامعة، ما أتاح لي التعرّف إلى نمط معين من الفتحاويين.

معلوم أن الفلسطينيين في حلب موزّعون على مخيمين، النيرب وهو الكبير والأقدم وحندرات وهو الأصغر والأحدث، هذا بالإضافة إلى أعداد منهم تتوزّع في بعض أحياء المدينة.

في تلك الفترة كانت قيادة منطقة حلب في حركة فتح تتركّز في مخيم النيرب، (مع وجود مكتب رسمي لها في المدينة في «شارع بارون»، بينما لا يكاد يلحظ أي وجود تنظيمي للحركة في المخيم الآخر، حندرات، أو بين الفلسطينيين في المدينة، ما أتاح للتنظيم الطلابي ملء هذا الفراغ في المكانين.

لم يكن التنظيم في حينها متجانسا، وبالأصل فإن هذه الحركة كانت تحتمل تلاوين وتيارات مختلفة، وهي تم صوغها على أساس إنها حركة لا حزب، وعلى أساس أنها حركة وطنية تحمل مبادئ أو شعارات عامة بدون محمولات أيديولوجية معينة؛ مع انفتاحها على كل التيارات السياسية والفكرية التي كانت سائدة في تلك المرحلة.

لكن هذه الصياغة لـ فتح لم تصمد في حيّز الممارسة التنظيمية (ولا السياسية)، كما أكدت التجربة فيما بعد، بسبب تفاوت وعي نشطائها، وبسبب ضعف اهتمام الحركة بتأهيل أعضائها وتنمية وعيهم السياسي، وبالخصوص لأن قيادة فتح لم تشتغل بالشكل المناسب على تأطير معنى للحركة، من الناحية النظرية، باعتبارها حركة وطنية تعددية، ناهيك عن غياب المبنى الديمقراطي في علاقاتها الداخلية.

وفي الواقع فإن «الديمقراطية» في هذه الحركة كانت تختزل في حرية الكلام، في حين أن التقرير بشؤونها كان حكرا على اللجنة المركزية، لا سيما على مجموعة قيادية معينة فيها، حيث الفتحاويون يلخّصون هذه «الديمقراطية» بمقولة: «قل أنت ماتشاء وأفعل أنا ما أشاء»!

وقد نجم عن ذلك وجود نوع من التباين في تنظيم مدينة حلب (بين تنظيم مخيم النيرب وتنظيم منطقة الجامعة)، ما انعكس في تباين وجهات النظر السياسية والفكرية، كما في شكل بناء التنظيم، وطرق العمل. وبديهي أن ذلك أدى إلى نوع من خلافات (وأحيانا مشادات) بين فترة وأخرى.

في حينه كانت جامعة حلب، التي أقيمت في منطقة خاصّة في غرب المدينة (جمعت الكليات وأماكن سكن الطلاب والكافتيريات)، معروفة بازدهار الأنشطة الطلابية ذات المحتوى السياسي. وكانت كافتيريات الجامعة المنتشرة في كلياتها الجميلة المتقاربة بمثابة منتديات مفتوحة على النقاشات السياسية، بحيث يمكن لأي كان أن يداخل فيها، على رغم وجود الرقباء والمخبرين؛ حيث لم تكن القبضة الأمنية على شدّتها في تلك الفترة من مطلع السبعينات.

وجدير بالذكر أن الجامعة كانت تضم حينها أعدادا كبيرة من الطلبة من مختلف البلدان العربية، لا سيما من الأردن والعراق وفلسطين والبحرين والكويت والسودان وتونس واليمن، وكان لكل من هؤلاء اتحاداتهم. لكن أنشط تلك الاتحادات كان الاتحاد العام لطلبة فلسطين (بسبب مكانة قضيتهم وعددهم) واتحاد طلبة البحرين (رغم قلة عددهم).

أما المناخات السياسية التي كانت سائدة فكانت الغلبة فيها لصالح القوى اليسارية (الشيوعية) وقوى المقاومة الفلسطينية لا سيما «فتح»، التي كان نشطاؤها من أبرز الطلبة الناشطين في الجامعة في ذلك الحين الذي تزامن مع صعود العمل الفدائي (في الساحة اللبنانية). وفي تلك الفترة تعرّفت إلى الفكر الشيوعي من خلال نشطاء الحزب الشيوعي السوري، وعلى تباينات الشيوعيين بعد انقسام هذا الحزب وخروج قسم منه تحت اسم «المكتب السياسي».

تلك هي الظروف التي حكمت انخراطي في صفوف تنظيم حركة «فتح» في حلب (1970)، بعيد عودتي من الأردن، حاملا معي نوعا من تجربة مغايرة، هي تجربتي في معسكرات الفدائيين.

في التنظيم الطلابي

كانت المجموعة المشرفة على تنظيم «فتح» في جامعة حلب تتمتع بميزات متقدمة، بالقياس لتشكيلات فتح الأخرى، من حيث الثقافة والوطنية والسلوك الشخصي، وكان معظمهم من الطلبة الفلسطينيين القادمين من الضفة الغربية وقطاع غزة والأردن، في حين كان أكرم عطوة العضو الوحيد بينهم من الفلسطينيين من سورية، وهو مهندس زراعي وشاعر وكاتب قصة ما زال مقيما في حلب.

أما الخلية التنظيمية الأولى، التي انضممت إليها فكانت تضم خمسة أشخاص من طلبة الثانويات من الفلسطينيين المقيمين في المدينة (ع. خ، وم.ح وم. ط وف.ز) بالإضافة إلي؛ وقد واصلت هذه الخلية عملها كذلك طوال المرحلة الثانوية (باستثناء ع. خ الذي غادر قبل ذلك للعمل في دولة خليجية).

في حينه لم يكن ثمة حياة تنظيمية بمعنى الكلمة، وهذا هو واقع الحياة التنظيمية في «فتح»، ذلك أن هذه الحركة لم تتشكّل على أساس مصفوفة تنظيمية، كغيرها من الأحزاب التقليدية، وإنما كانت أقرب إلى حالة، أو تجمع، ما يعني ذلك غياب الحياة الداخلية التنظيمية.

وقد كان التنظيم في الحركة بمثابة جهاز، أو ذراع، من أذرعها، في حين كانت التشكيلات العسكرية والخدمية هي الغالبة على بنيتها. ولعل هذا كان احد نقاط قوة «فتح» في بداياتها، لأنه مكّنها من صدّ التدخلات الخارجية، كما مكّنها من الصمود، في ما بعد، أمام محاولات تقسيمها. مع ذلك أضحت بمثابة تشكيلة عسكرية، تفتقد لأية حياة أو حراكات داخلية تنظيمية وسياسية، وهو ما اثّر في ما بعد وبصورة سلبية على أهليتها وفاعليتها وحيويتها.

مع ذلك فهذا الوضع كان يتيح لأي جماعة، أو مجموعة، في فتح، بناء التشكيل الذي تراه مناسبا، أو اختيار الثقافة السياسية التي تلائم هواها، وهذا ما فتح الباب أمام وجود تجارب وتشكيلات وتيارات متعددة ومتنوعة، الأمر الذي أسهم في إغناء هذه الحركة وعزّز من صورتها إزاء الفصائل والتيارات الأخرى.

في إطار هذه اللوحة المتلوّنة لفتح يمكن احتساب تجربة التنظيم الطلابي للحركة في حلب، إذ ثمة هنا حياة تنظيمية بمعنى ما (ولو لم تكن متكاملة). فقد كان ثمة انتظام الاجتماع الدوري (الأسبوعي) وكان جدول الأعمال يتألف من عدة بنود، ضمنها مثلا مناقشة الوضع السياسي والوضع التنظيمي والنقد والنقد الذاتي وما يستجد من أمور.

ورغم صغرنا في السن، وعدم وجود خبرات سابقة، وفي ظل تغيب المسؤولين المعنيين، فإننا استطعنا خلق نوع من حالة تنظيمية ثابتة، إلى درجة أننا في تلك الفترة تمثلنا فعلا مبدأ النقد والنقد الذاتي (التي كنا معها نطرح حتى خصوصياتنا الحميمة!)، حيث كان كل منا يحاول ما أمكنه أن يكون مثالا للمناضل الثوري، بمفهوم ذلك الزمن.

أما بالنسبة للتثقيف السياسي فلم يكن لفتح خطة معيّنة، إذا تجاوزنا بعض الكتيبات الصغيرة من مثل «المنطلقات والأهداف والأسلوب»، والمركزية الديمقراطية، وفي التنظيم الثوري، وبعض تجارب حركات التحرر الوطني، وهي تضم أفكارا مبسطة ربما بدت ساذجة (حتى بمنظور تلك الأيام).

هذا الوضع تركنا أمام اجتهاداتنا الخاصة، حيث اعددنا نوعا من برنامج للتثقيف السياسي ضم كتبا تتعلق بتاريخ فلسطين، وتجارب حركات التحرر الوطني وبعض الكتب السياسية الفكرية، ضمت بينها أعمالاً لناجي علوش ومنير شفيق والياس مرقص وصادق جلال العظم ومؤلفات ذات طابع يساري.

الحقيقة أن تلك الخلية التنظيمية لم تتوقّف عند هذا الحد بل باتت في فترة قصيرة بمثابة نوع من خلية قيادية، أو خلية أمّ، لتنظيم طلبة الثانويات في حركة «فتح» في حلب، إذ باتت مهمتنا التعرّف إلى الطلبة الفلسطينيين المتوزّعين على ثانويات هذه المدينة، وجذبهم للتنظيم؛ الأمر الذي بات يعني تحمّل كل واحد منا مسؤولية إدارة خلايا تنظيمية متعددة.

وفي الواقع فإن هذا الأمر كان مرهقا جدا. ذلك أن المدارس الثانوية في حلب متوزّعة في مختلف أرجاء هذه المدينة المترامية الأطراف، وكان ذلك يستوجب منا التحرك من ثانوية إلى ثانوية، في أوقات الدوام، ما شكّل عبئا كبيرا علي تحديدا، كوني كنت الأكثر حماسة في الذهاب في هذا الاتجاه وتحمّل مسؤولياته.

وقد وصل نشاطنا الى حد إنشاء تنظيم للحركة في مخيم حندرات البعيد جدا عن المدينة والذي كنا نحتاج إلى باصين من وسط المدينة للوصول إليه!

في المحصلة نجم عن ذلك انصرافي عن دروسي، وحتى عن المبيت في منزل أهلي، حيث إنني وطوال المرحلة الثانوية، لا أذكر أنني داومت، أو نمت، أسبوعا بكل أيامه في المدرسة، أو في بيت الأهل.

فاندماجي وحماسي الزائدان للعمل التنظيمي والسياسي جعلاني أعطي هذا الأمر كل وقتي وكل جهدي، على حساب أي شيء آخر، وكأن في ذلك تعويضاً عن افتقادي «فلسطينيتي» في الفترة السابقة (كنت شرحت هذا الأمر في الفصل الأول من هذه التجربة في ملحق «نوافذ» صحيفة «المستقبل» 10/5/2009).

اتحاد طلبة للثانويات

لم يتوقّف نشاط خليتنا على العمل التنظيمي إذ أن جهودنا أثمرت، بعد فترة قصيرة، عن تشكيل اتحاد للطلبة الفلسطينيين في المرحلة الثانوية، وهي التجربة الأولى من نوعها (تم نقل التجربة إلى مدينة حمص)، وكانت تابعية هذا الاتحاد الجديد تعود للاتحاد العام لطلبة فلسطين فرع حلب (الخاص بالطلبة الجامعيين).

هكذا بات لنا اتحاد ومقر، هو عبارة عن غرفة في «النادي العربي الفلسطيني» الكائن في حي الجميلية، وربما من قبيل الصدف، أو من حسن حظّي، أن هذا المقر كان يفصله شارع واحد، أو عشرات الأمتار، عن المدرسة الثانوية التي كنت أدرس فيها.

وكما هو معروف في هذه الأحوال فإن تشكيل هذا الاتحاد، الذي كنت عضوا في هيئته الإدارية، كان بمثابة غطاء شرعي لأنشطتنا الحركية ـ السياسية، ولتمكيننا من دخول مختلف الثانويات للاحتكاك بالطلاب لدعوتهم للانتساب للاتحاد والمشاركة بأنشطته، الثقافية والفنية والسياسية، وبالتالي لاستقطابهم لتنظيم فتح.

ولا بد لي من القول هنا بأنني وأنا أتذكّر تلك الأيام تنتابني مشاعر الدهشة إزاء ما كنا نقوم به حينها، على صغر عمرنا. ففي تلك الفترة أخذنا على عاتقنا بناء تنظيم لحركة فتح، وأنشأنا اتحادا للطلبة، وكنا نقوم بأنشطة متنوعة، وهو أمر لا يمكن أن نتصوره بالنسبة لأحوال طلبة المرحلة الثانوية اليوم.

وما يدهش أكثر أننا، وبشكل عفوي، وربما بتأثير من قراءات معينة، أو محاولة منّا لتمثّل أخلاقيات معينة، كنا نمارس حالة نضالية منزّهة عن أية أغراض أو نزوات شخصية.

ولعل هذا الوضع هو الذي جعل هذه المجموعة من الفتيان في المرحلة الثانوية يأخذون على عاتقهم مهمة اكبر منهم، ومن عمرهم، ومن خبرتهم. ففي تلك الفترة، وبنتيجة جهود دؤوبة تمكنّا من بناء خلايا تنظيمية في مختلف ثانويات حلب (للطلبة والطالبات) كما استطعنا استقطاب الطلبة المتفرقين للانتساب للاتحاد والمشاركة بنشاطاته المختلفة. وكانت نشاطات الاتحاد تتضمن تنظيم الندوات والاجتماعات ودورات التقوية الدراسية والرحلات والحفلات، وكلها تجيّر لصالح العمل السياسي والاستقطاب التنظيمي.

لم يكن هذا العمل ليتمّ بدون ثمن، وما الثمن؟ لقد كان ذلك حقا على حساب دراستي، وعلى حساب علاقتي بعائلتي، إذ أنني بتّ في تلك الفترة مسؤولا عن تنظيم طلاب الثانويات، كما بتّ في الصف الثاني ثانوي نائبا لرئيس الاتحاد، وفي الصف الثالث ثانوي (البكالوريا) رئيسا للاتحاد. ولا شك أن هذا الوضع صرفني عن التحصيل الدراسي الجيد، لا سيما وأنني لم أكن أواظب على الدوام بشكل مستمر.

وفي الواقع فإنني طوال هذه الفترة لم أكن مستقرا من الناحية الاجتماعية، إذ أن انشغالي في متابعة العمل التنظيمي والعمل في الاتحاد، بات يأخذني للمبيت، في بعض أيام الأسبوع، في بيوت أصدقائي من الطلبة الجامعيين من الضفة وغزة والأردن، وهذا ما جعلني وفي فترة مبكرة على احتكاك بجيل هو اكبر من جيلي.

ويمكن القول إن هذا الاندفاع الذي تملّكني إزاء العمل السياسي والتنظيمي صرفني عن أية اهتمامات أخرى (باستثناء المطالعة)، لا بل اخذ مني مرحلة المراهقة، بكل معنى الكلمة.

لا يعني ذلك أنني في تلك الفترة لم أتعرّف إلى فتيات في مثل عمري. على العكس، كانت لي صداقات وطيدة مع فتيات كثيرات ضمن عشرات الفتيات اللواتي استقطبناهن في الخلايا التنظيمية وفي الاتحاد، لكن هذه العلاقات ظلّت محاطة بنوع من صداقة «منزّهة» عن أية أعراض لها علاقة بالمراهقة، أو بالعواطف. فذلك كان آخر همّ لي في تلك المرحلة، على عكس بعض أعضاء خليتنا، الذين شبكوا علاقات من هذا النوع، على استحياء (وفي الخفاء)، بالنظر إلى معرفتهم بمعارضتي لاستغلال أوضاعهم لإنشاء هذا النوع من العلاقات.

والحقيقة، لم يكن ثمة مشكلة عندي في إنشاء نوع من علاقة، بل إنني اقتربت من هكذا أمر، أكثر من مرة، لكن المشكلة كانت في مكان آخر، إذ لم أكن أجد وقتا لذلك، بالنظر لاستغراقي الزائد في النشاط السياسي، وحرصي الشديد على تجنّب أية ثغرة يمكن أن تضرّ بمكانتي هذه. وكنت في تلك الفترة أبدي حرصا كبيرا على سمعتي لأنني وقتها كنت ادخل بيوت كثيرات من الفتيات ممن هم معنا في التنظيم أو في الاتحاد، حتى أن أهلهن لم يكونوا يبدون أية ممانعة لأنشطة بناتهن معنا لمعرفتهم بأننا أهل للثقة في ما يخصّ هذا الشأن.

معسكر «مصياف»

حتى العطلة الصيفية خسرتها وبتّ اقضيها، هي وغيرها من العطل، في معسكرات «فتح»، في حين أنني قبل انخراطي في العمل السياسي كنت اقضي هذه العطلة في العمل لكسب بعض المصاريف، وكنت قضيت أطول فترة عمل في بيع الكتب في مكتبة في شارع بارون في حلب.

وقصة ذلك أن علاقتي بحركة فتح لم تكن لتقتصر على التنظيم في مدينة حلب، ففي عطلة صيف 1971 كنت في عداد مجموعة من أعضاء التنظيم التي اختيرت للالتحاق بدورة عسكرية في احد معسكرات فتح (في منطقة مصياف قرب محافظة حماه)، وكان من أهم معسكرات الحركة في الساحة السورية؛ وكان قد تعرّض لقصف إسرائيلي عدة مرات (وأغلق في 1976 بسبب الخلاف بين القيادة السورية وقيادة فتح).

وكما يقال فإن حدس الإنسان يسبقه في بعض الأحيان. فما إن وطأت قدماي ارض المعسكر لأول مرة، صيف 1971، حتى راح شيء يعتمل في ذهني ويخبرني بأنني سألتقي بعض المدربين الذين كنت تعرفت إليهم إبان وجودي في الأردن. وهكذا حصل، إذ عند مروري أمام غرفة المدرّبين شاهدت أبو صلاح وأبو حسام، وكنت تعرفت إليهما في معسكر السخنة التابع لفتح في الأردن ورافقتهما طوال تلك الفترة، وما إن لمحاني بدورهما حتى أقبلا علي بالترحيب والأحضان، وبعشرات الأسئلة، إذ أن علاقتنا كانت جد وطيدة إبان وجودي لمدة أربعة أشهر في الأردن قبل وبعد أحداث أيلول.

بعد هذا اللقاء الحميم دعياني معهما لتعريفي إلى قائد المعسكر وطاقم المدربين حيث قدماني لهما بطريقة ترفع المعنويات، وعرّفا عني باعتبار أني قد أشارك في التدريب لا أن أكون متدربا، بالنظر للدورات التي كنت خضعت لها في الأردن بمعرفتهما. وهكذا كان إذ تحوّلت من قادم للتدريب إلى مدرّب في المعسكر.

وفعلاً شكّل لي اللقاء مع أبو صلاح وأبو حسام فرصة للتعرف إلى جوانب أخرى من حركة فتح، منها جانبها العسكري، بالنظر إلى أن هذا المعسكر كان يجري دورات تدريبية للقطاعات المقاتلة في قوات العاصفة، ومنها، وهذا هو الأهم، ما يتعلق بجانبها السياسي، حيث إنني في هذا المعسكر تعرفت إلى تيار المعارضة أو إلى التيار اليساري، أو التيار النقدي في حركة فتح.

ومنذ تلك اللحظة بتّ مشدودا إلى مصياف، وإلى المعسكر فيها، حيث كنت اقضي هناك أيام العطل وفترات التوقف عن الدراسة في منتصف العام وفي الصيف.

لكن أثر هذا المعسكر علي كان كبيرا من الناحية السياسية، وكذا لناحية الاصطفاف داخل فتح. فقد عرف معسكر مصياف بأنه بمثابة قاعدة للتيار اليساري أو الديمقراطي في فتح، إذ شهد انعقاد عديد الدورات السياسية التي كان يشارك فيها كوادر ونشطاء فتح من الطلبة المقرّبين من هذا التيار، والذين يأتون من مختلف جامعات العالم.

بالنتيجة ففي هذا المعسكر نمت عندي نزعة معارضة قيادة فتح، وفيه تعرّفت إلى بعض رموز هذا التيار، وكان أبرزهم أبو عمر (أو الدكتور حنا ميخائيل)، الذي كان ترك التدريس في الجامعات الأميركية وجاء للالتحاق بالعمل الفدائي في صفوف فتح أواخر الستينات، كما تعرّفت فيه إلى ماجد أبو شرار (الذي اغتيل في روما فيما بعد) وعلى أبو صالح، والأخيران كانا عضوين في اللجنة المركزية ومن رموز التيار اليساري.

وعلى كل فإن قصة المعارضة، أو قصة «التيار اليساري» أو «التيار الديمقراطي» في «فتح» لا تزال بحاجة إلى صفحات كثيرة أخرى.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬