عبد السلام بنعبد العالي

يعترض البعض على ترويج مفهوم «ما بعد الحداثة» في عالمنا العربي، بل انهم يشككون في الحاجة اليه بدعوى أننا لم نتمكن بعد من الحداثة ذاتها، وبالأحرى امكانية تجاوزها.

لا تبدو هذه الحجة كافية لاقناع كثير من مستعمليه. والحقيقة أن المفهوم يظل غامضا حتى عند هؤلاء المستعملين أنفسهم. وهو يستمد غموضه أساسا من غموض مفهوم الحداثة ذاته. لذا ربما يبدو ضروريا العودة من جديد لتحديد مفهوم الحداثة ذاته، ولكن هذه المرة بعقد مقارنات بينه وبين مفهومات اعتدنا أن نقرنه بها. وهكذا سنحاول أن نقف عند بعض الثنائيات التي يشكل المفهوم أحد طرفيها مثل الحداثة/ التحديث، والحداثة /التقليد، قبل أن نصل الى الحداثة /الحداثة البعدية، الحداثة /ما بعد الحداثة.

فعند محاولة التمييز بين الحداثة والتحديث، يجعلهما البعض يتقابلان مقابلة السانكروني للدياكروني، فيرى أن الحداثة بنية فكرية تشمل أوجها مختلفة من اقتصاد واجتماع وتقنية، بينما يشير التحديث الى الدينامية التي تقتحم هذه الأوجه والى طابعها التحوّلي.

البعض الآخر يقابل بين المفهومين مقابلة المثال النموذجي للمتحقّق الفعلي. وهكذا فالتحديث يشير في نظره الى الحداثة وهي في طريق الفعل، أي من حيث هي تحول متدرج في أفق الحداثة، أما الحداثة فهي نموذج فكري مثالي، وحالة نموذجية يفترض فيها الاكتمال واستيفاء كل العناصر.

لا يتعلق الأمر هنا فحسب بمقابلة الديناميكي بالستاتيكي والدياكروني بالسانكروني، وانما بتقابل النموذج بالمتحقق الفعلي مع ما يشوب هذا المتحقق من نقص وعدم اكتمال.

عند آخرين نجد التقابل بين الطرفين يتحول الى مقابلة بين المجرد العام والعيني الخاص. وهكذا تغدو الحداثة مفهوما مجردا تندرج تحته «ماصدقات» ومستويات يشكل هو القاسم المشترك بينها.

هناك تمييز آخر لا يقابل البنية بالتاريخ، ولا المرمى والغاية بسيرورة التحوّل، ولا النموذج بالمتحقق الفعلي، ولا المجرد العام بالعيني الخاص، وانما ذاك الذي تم في اطار سوسيولوجية التنمية التي ازدهرت في العالم الأنغلوساكسوني الذي نحت مفهوم التحديث خلال خمسينات القرن العشرين. في هذا السياق يقول هابرماس ان هذا التمييز «ارتكز على تجريد مقولة الحداثة وعزلها عن خلفياتها الفكرية ومسلماتها الفلسفية، وأضفى عليها طابعا وظيفيا في اطار سيرورة سوسيولوجية تلقائية، وفي منظور تطوري وتنموي، بعيدا عن أية آفاق فلسفية واضحة». التحديث بهذا المعنى هو الحداثة معزولة عن روحها الفلسفية.

هذه الاختلافات بين أشكال التقابل لا ينبغي أن ينظر اليها بطبيعة الحال على أنها استحالة مطلقة لضبط المفهوم بقدر ما تدل على غناه وفيض مدلولاته. الا أنها تؤكد مع ذلك صعوبة تحديد الأطراف المتقابلة.

وهذه الصعوبة ستتعاظم بطبيعة الحال عند طرق الثنائي الحداثة/ مابعد الحداثة. وهنا يعمل بعض المحللين على التمييز بين صورتين للمابعدية. فهناك مابعد الحداثة الذي يحيل الى ما- بعد-الحداثة، ثم هناك ما يمكن أن يفهم على أنه «حداثة بعدية».

لنبدأ اذاً بهذا الزوج الثاني: الحداثة/الحداثة البعدية.

ينظر البعض الى الحداثة البعدية على أنها الحداثة في مرحلتها الثانية أو اللاحقة، أي الحداثة وقد وسعت مكتسباتها ورسختها، «وسّعت مفهومها للعقل ليشمل اللاعقل، ووسّعت مفهومها عن القدرات الانسانية لتشمل المتخيل والوهم...».

الحداثة البعدية اذاً هي حداثة أكثر عمقا ورسوخا، لأنها غدت أكثر مرونة، أكثر قدرة على احتواء نقائضها، وفي هذا تجاوب عميق مع ماهية الحداثة نفسها كتجاوز مستمر وقطيعة متواصلة وتنكّر دؤوب لذاتها.

هنا تغدو المابعدية مكوّنا ومحددا للحداثة، وتغدو الحداثة هجرة متواصلة، فكأنما لا يمكننا الذهاب أبعد من الحداثة ما دامت الحداثة تجعل المابعدية صميم حركتها.

يبدو الأمر مخالفا لهذا عندما نعرض للثنائي الآخر الحداثة/مابعد الحداثة. هنا يغدو المابعد تجاوزا ينظر الى الحداثة ذاتها على أنها تقليد، على أنها تحولت الى «جملة أقانيم وهمية جديدة قوامها العقل والعقلانية، التاريخ والتاريخانية، الانسان والنزعة الانسانية».

ترى ما بعد الحداثة هنا على أن الحداثة «استبدال لسلطات بسلطات، ولأوهام بأوهام، ولأصنام بأصنام»، انها تنظر الى الحداثة على أنها فقدت قدرتها على الانفصال، على أنها غدت تقليدا.

على رغم هذا التمييز الذي يبدو واضحا بين الحداثة البعدية ومابعد الحداثة، فاننا سرعان ما نلمس التباسا عند من يقيمونه، اذ سرعان ما يجعلون من ما-بعد-الحداثة مجرد تعميق لمسار الحداثة، مجرد استمرار لمنطق الحداثة من حيث هي تجاوز مستمر لذاتها.

هاهنا لا يعود التمييز بين ما سميناه حداثة بعدية وما حددناه على أنه ما بعد الحداثة ذا قيمة كبرى. وعلى رغم ذلك فان تحديد الحداثة لن يتخذ المعنى ذاته. فاذا سلمنا بما قلناه عن الثنائي الحداثة/مابعد الحداثة لن يعود الانفصال محددا للحداثة ما دامت هذه سرعان ما تصبح تقليدا بالنظر الى ما بعدها. أما ان اقتصرنا على الثنائي الآخر حداثة/حداثة بعدية فستغدو الحداثة هجرة متواصلة وانفصالا لا يكل، ويغدو ما بعد الحداثة حداثة الحداثة.

لعل احساسنا بصعوبة الأمر يتضح وضوحا أكثر عندما نحاول تحديد مواقع بعض أقطاب الفكر المعاصر الذين يوجدون على العتبة بين ما يمكن أن نطلق عليه حداثة، وما يمكن أن ننعته بالما بعد. ذلك مثلا ما يحدث لهؤلاء عندما يحاولون تحديد مواقع بعض المفكرين الذين وجدوا على العتبة أمثال نيتشه وفرويد وهايدغر، حيث يرون فيهم من جهة تعميقا لفكر الحداثة، و من جهة أخرى نقاط انطلاق لحركة تفكيك الحداثة وارتدادها على ذاتها.

الظاهر اذاً أن وقوفنا عند هذه الثنائيات لم يسعفنا كثيرا في تدليل الصعوبات التي تواجهنا عند محاولة تحديد الحداثة. ربما كان هذا هو ما يبرر كون بعض الثقافات المعاصرة تتجنب شحن مفهوم الحداثة بمفاهيم أخرى، واقحام مفهومات أخرى الى جانبه بهدف تحديده. هذا على سبيل المثال ما نلحظه فيما يتعلق بالثقافة الفرنسية. فقد نبه أحد الدارسين الفرنسيين الى أنه رغم أن الثقافة الفرنسية ينظر اليها من خارج كما لو أنها هي التي كانت فكريا وراء تيار ما بعد الحداثة، فنحن لا نلفي في هذا البلد أدبا يدّعي أنه ما بعد حداثي، كما أننا لا نجد معمارا ولا حتى فلسفة تزعم ذلك. بل ان مصطلح ما بعد الحداثة نفسه لم يلق رواجا كبيرا في اللغة الفرنسية، على عكس اللغة الأنجليزية وما تأثر بها من لغات. هذا على رغم أن الكتيّب الذي ألفه فرانسوا ليوتار سنة 1979 حول الوضع ما بعد الحداثي، كان من بين الكتب القليلة التي ساهمت في انتشار المفهوم.

لماذا لا ننحو نحن كذلك هذا المنحى ونذهب الى أننا لن نكون في حاجة ماسة الى مصطلح ما بعد الحداثة ان نحن أخذنا الحداثة بالمعنى البودليري-النيتشوي، حيث تغدو مابعدية على الدوام.

وما القول والحالة هذه في الثنائي الأول الذي انطلقنا منه؟ الظاهر أن بامكاننا أن نحافظ عليه شريطة ألا نرى فيه مقابلة بين البنية والتاريخ، ولا بين النموذج المثالي والمتحقق الفعلي، ولا بين العام والخاص، وانما بين موقف واصف بارد ينشغل بالتحقيبات والوقوف عند الملامح وحصر السّمات، وموقف مضاد ينظر الى الحداثة على أنها استراتيجية. سيتعلق الأمر حينئذ بمقابلة لم ترد معنا حتى الآن وهي تلك التي تواجه الهدنة بالتوتر. فبينما يتميز الموقف المهادن بهوسه التأريخي وبرودته الوصفية وسمته التقريرية التي تكتفي بالتحقيب ورصد المحددات، يعتبر الموقف الثاني أن الحداثة عصر بالمعنى الذي يعطيه هايدغر للكلمة، أي لا من حيث ان العصر فترة زمنية تمتد بين تاريخين، وانما من حيث هو علاقة متفجرة للماضي بالمستقبل. فعند كل عصر ينفجر بالنسبة للانسان عالم جديد، و تنكشف بالنسبة لانسان ذلك العالم علاقة جديدة للماضي بالمستقبل.

هنا تغدو الحداثة موقفا نضاليا ينبني على وعي بالحركة المتقطعة لا للزمن فحسب، بل للكائن، بحيث لا يعود الكائن مترابط العناصر سواء أكان ذلك على مستوى المعرفة أو المجتمع، وتظهر الانشطارات داخل ما يعتبر مواقع انسجام، ويتبخر كل ما هو صلب.

الحداثة اذاً شكل من العلاقة المتوترة مع الراهن، واختيار واع، ونمط من التفكير والاحساس، وطريقة في التفكير والسلوك ينبغي الاضطلاع بها. انها استراتيجية مناضلة تقوم أمام استرتيجية مضادة تبديها قوة التقليد، من حيث ان التقليد يبدي مقاومات مستمرة، وتكيّفا ماكرا يتلبس ألف قناع لامتصاص الحديث وافراغه من محتواه.

ها نحن نواجه ثنائية أخرى لا مفر لنا من أن نعيد فيها النظر، وهي التي تقابل هذه المرة بين الحداثة والتقليد. فلو أننا اعتبرنا المابعدية كما سبق أن قلنا مكونا للحداثة ومحددا لها، ولو نظرنا الى المابعد على أنه حداثة الحداثة، تغدو الحداثة انفصالا دؤوباعن ذاتها، ويغدو التقليد، ليس طرفا مقابلا يضع نفسه خارج الحداثة وفي مقابلها، وانما يصير هو الحداثة نفسها في طريقها الى الانفصال عن ذاتها، وما ذلك الا لأن جوهر الحداثة بالضبط هو عملية الانفصال هذه.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬