حازم صاغيّة

قبل أشهر على حلول الذكرى العاشرة لجريمة 11 أيلول، تمكّنت القوّات الأميركيّة من اغتيال أسامة بن لادن. بيد أنّ الاغتيال الجسديّ هذا جاء مسبوقاً باغتيال سياسيّ نفّذته الانتفاضات العربيّة التي دلّلت على أنّ «برامجها» تقطع نوعيّاً مع «برنامج» مؤسّس «القاعدة». وكان الحدث هذا مناسبة لسؤال واسع النطاق والتداول: هل انتهى الأمر بانتهاء بن لادن، أم أنّ جيلاً جديداً من القاعديّين، وتنظيمات بلديّة و«لامركزيّة» منهم، سيجدّدون العنف الذي أطلقه «الشيخ» القتيل؟

لا شكّ أنّ مقبل الأيّام سوف يتولّى الإجابة عن هذا السؤال، لكنْ يبقى أنّ العقد الذي يفصلنا عن تلك الجريمة يزوّدنا بمعانٍ كثيرة لا تُفهم «القاعدة» وجريمتها من دونهما.

فقد تسبّب 11 أيلول بظهور مكتبة في سائر لغات العالم، فيما احتلّ الأصوليّون والإرهابيّون الإسلاميّون رقعتها الأبرز وموضوعها المركزيّ. فإلى الوجه البوليسيّ والملغز للحدث، هناك أبعاده التي يمكن القول، من دون مبالغة، إنّها أبعاد الوجود الإنسانيّ ومستوياته.

فـ 11 أيلول الذي شاهده العالم بأسره وسقط نتيجة له ضحايا من العالم أجمع، ومن الأديان والإثنيّات كلّها، عنى دول المعمورة وثقافات مجتمعاتها من دون استثناء. فهو حدث سياسيّ، سجاليّ وتحليليّ في وقت واحد، يطاول دواخل البلدان كما العلاقات في ما بينها، أصاغتها الديبلوماسيّة أم صاغتها الحرب. ذاك أن 11 أيلول حدثٌ في علم الحرب، وحدث في علوم الديبلوماسيّة. لكنّه أيضاً حدث اقتصاديّ ونفطيّ ذو معان جيو-استراتيجيّة. وهو حدث فلسفيّ وفقهيّ يتّصل بمفاهيم الحداثة والفرديّة اتّصاله بالأديان والإصلاح الدينيّ، تماماً كما هو حدث ديموغرافيّ وسكّانيّ وثيق الصلة بعمليّات الإصلاح الزراعيّ والتمديُن والتصنيع، وبالنسل والإنجاب. وهو حدث ثقافيّ وتعليميّ وإعلاميّ يطاول الكتب التي تُدرّس، والمقالات التي تُكتب، والمثالات التي تعمّ. إلاّ أنه، كذلك، يتعلّق بالتنمية والعلاقة بين الغنى والفقر، وبين مصدّري العمالة المهاجرة ومستقبليها. وهو حدث هندسيّ لجهة اتّصاله بالعمارة وناطحات السحاب، وحدث سينمائيّ في حركته واحتلاله رقعةً في تاريخ السينما، أو لاحتواء السينما عليه قبل وقوعه، كما لو كانت تتكهّنه دراما هيوليّة من هذا الصنف. والمؤكّد أن 11 أيلول حدث تلفزيونيّ في أثره، لجهة حركة الإقبال على الشاشة الصغيرة، وعلى السياسة من خلاله، كما في انعكاسه على طرق التناول ونظام الأوليّات والأولويّات فيها. وهو حدث غطست فيه الفلسفة فوجدته الفرصة الكبيرة الثانية، بعد حرب تحرير الكويت، لإعمال الفارق بين الفعليّ والافتراضيّ في زمننا المعولم البصريّ والرقميّ. وهو حدث للرواية، الخرافيّ منها والواقعيّ على السواء، فيما هو، بالطبع، حدث أمنيّ خالص زادت إدارة بوش الأميركيّة، ذات العقليّة المترعة بالأمن، في
جعله هكذا.

والكتب التي تناولت 11 أيلول الذي «تغيّر بعده كلّ شيء»، لا يسعها أن تصف إلاّ القليل من ملامحه وأبعاده الكثيرة. فالكاتب البريطانيّ ماليس روثفن، وهو ليس قليل الدراية بالنصّ القرآنيّ وبتاريخ الإسلام، على ما يدلّ كتابه «غضب في سبيل الله» وكتب أخرى سابقة أهمها «الإسلام في العالم»، يُرفق غنى الحدث برفضه كلّ تعميم أو تنميط في ما خصّ الإسلام، كما برفضه حصر العنف السياسيّ والدينيّ فيه وفي حركاته.

وهو إذ يتناول «الجهاد» واقعاً ومفهوماً، لا تفوته تجربة السيّد أحمد خان في الهند الذي ساجله جمال الدين الأفغانيّ وهاجمه، أو تجربة الحبيب بورقيبة في تونس، وهما من أوّلا «الجهاد» بطريقة لا تمتّ بمطلق صلة إلى التأويل النضاليّ المعروف.

فالأوّل المتأثّر بتردّي أوضاع المسلمين في مقابل التحسّن الذي طال الهندوس المتعاونين مع بريطانيا، ركّز على التعليم و«المسالمة» بصفتهما هما الجهاد. كذلك اعتبر أن الجهاد لا يجوز ضدّ البريطانيّين إلاّ متى منعوا المسلمين من ممارسة عباداتهم وأداء فرائضهم.

وبدوره ذهب بورقيبة الى أن الخروج من التخلّف هو الجهاد لأن «العيب» الأكبر هو البقاء في التخلّف. وما دام المجاهدون يُعفَون ديناً من فريضة الصوم، جاز إعفاء العمّال منها لأنّهم إنّما يخوضون الجهاد في سبيل تحسين الإنتاج والإنتاجيّة. ولم يفت الكاتب التذكير بأن شريف مكّة، الحسين بن علي، لم يأخذ بإفتاء المرجعيّة العثمانيّة حين رأت أن الحرب ضد البريطانيّين جهاد، فحالف الانكليز في ما عُرف بـ«الثورة العربيّة الكبرى». وأهمّ من هذا ربّما أن الحركات الجهاديّة الكبرى في التاريخ الإسلاميّ الحديث، كالسنوسيّة والوهّابيّة، توجّهت في أغلبيّتها الساحقة ضدّ مسلمين آخرين. وربّما كانت المهديّة السودانيّة أبرز الحركات القليلة التي أطلقت الجهاد ضدّ غريب أجنبيّ.

لكنّ سيّد قطب، ومن ورائه مولانا أبو الأعلى المودودي، هو من يُعدّ مُلهم 11 أيلول تبعاً لتأثيره الضخم على الجماعات الإسلاميّة والراديكاليّة اللاحقة. ودائما، وعلى ما فعل جون كالفرت وجيل كيبيل وغيرهما، يمكن الرجوع الى إقامة سيّد قطب في الولايات المتّحدة وإعادة بناء تلك التجربة بما فيها من عزلة وعقد جنسيّة.

فهي تسلّط الضوء على عناصر الكراهيّة لأميركا لدى الإسلاميّين، بوصفها موادّ ثقافيّة تفيض عن السياسة بقدر ما تغذّيها بالسموم. لكنّ القياديّ المصريّ الذي مقت ثقافة الأميركيّين الشعبيّة، بما فيها موسيقى الجاز حيث يعبّر السود عن «غرائزهم»، هو من اكتملت صناعته عبر التعذيب المديد الذي تلقّاه في السجن الناصريّ، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المشنقة.

وتمييزات كهذه هي المفاتيح في رسم البروفيل الأصوليّ. فالإسلام الذي زعمه الإسلاميّون أقرب إلى تأويل المسيحيّة لمفهوم الألوهيّة ما قبل كانط، أي ميتافيزيقيّاً وحَرفيّاً، مع اشتقاق الممارسة العمليّة على نحو آليّ ومتعجّل. لذا رأى الأصوليّون، منذ قطب، في الآيات تعاليم للتنفيذ الفوريّ مسقطين عنها الظلال الرمزيّة واحتمالات المجاز والكناية، وعازفين عن الغنى الدلاليّ وفرص التفسير الفرديّ والحرّ. وهذه من أولى الأعمال التلخيصيّة التي نزلت، ولا زالت تنزل، بالدين العربيّ.

هكذا أمكن هؤلاء، أو بعضهم، إحراز خلفيّة مدرسيّة علميّة، تقريريّة وآحاديّة الوجهة (فيزياء، رياضيّات الخ)، تريد الأمور مضبوطة وصائبة كما الساعة، وهذا ما يفسّر قوّتهم بين المهندسين أوّلاً ثمّ الأطباء والمشتغلين بالكومبيوتر. لكنْ بقي مستحيلاً عليهم تحصيل خلفيّة مماثلة في الثقافة والفنون المتعدّدة الأبعاد والمتضاربة تضارباً لا يؤول إلى حقيقة محدّدة أو إلى مهمّة للتنفيذ المباشر.

والحال ان جماعات التكفير أقليّة (أقلويّة) بالضرورة. فما دامت تكفّر في سرّها كيما تستمرّ على عيشها في المجتمع، وما دام الشيوخ التقليديّون الذين تصلّي وراءهم هم في عداد من تكفّرهم، فإنها مدعوّة حكماً إلى تطوير تقنيّات التقيّة الحزبيّة، تقنيّات العمل تحت الأرض. أمّا الذين ينقطعون بالكامل عن العالم «الجاهليّ»، رافضين حتّى الصلاة في الجامع، على ما كانت مجموعة شكري مصطفى المصريّة، فانقطاعهم عَلم على هامشيّة مطلقة تجعلها ممارسات جنسيّة وكوميونيّة مجتمعاً مضادّاً ومغلقاً.

وفي مصادرها الثقافيّة، تبدو الأصوليّة السنيّة أكثر بكثير من الشيعيّة اعتداداً بأصالة فكرها. ففيما اعترف الإيرانيّ علي شريعتي بديون ماركس وفانون وسارتر وماسينيون عليه، لا نجد هذه الرحابة لدى نظرائه السنّة، ما خلا استشهادات إيجابيّة أوردها المودودي وقطب بأليكس كاريل، الكاتب الفرنسيّ الثانويّ والقريب من الفاشيّة. و«العناد الثقافيّ» هذا وثيق الصلة بتغليب الوحي على العقل، وهو ما تُردّ أصوله الى هزيمة المعتزلة العباسيّين. فمذّاك ارتبط كل تطوّر علميّ/ عقلانيّ بتصادمه مع الكثرة، ما جعل الفلسفة تنمو تحت الحصار، كما جعل الأخذ من الآخر الغربيّ مرفوضاً إلاّ متى كان المأخوذ من طينة
العلم «الحياديّ».

ولهذا قاد مراجع الفقه الأصوليّون الشيعة الحركات التي قاد مثلها، عند السنّة، ذوو الثقافة الدينيّة الحَرفيّة والبسيطة، فضلاً عن طلاّب التعليم التقنيّ و«العلميّ» الحديث.

وما تسمّيه فاليري هوفمان «الانسلاخ النفسيّ والاجتماعيّ» هو ما يراه روثفن أصحّ من التحليل الاقتصاديّ بانسداد فرص العمل أمّام الشبّان. فأيمن الظواهري جرّاح أطفال، ومحمّد عطا مهندس معماريّ وخبير في تخطيط المدن، وكان يسعهما بسهولة الانضمام إلى نخبة بلدهما، أو الهجرة والعمل في الخارج. ولربّما صحّ هنا ما صحّ في النخب الماركسيّة التي لم يحل انتماؤها الطبقيّ إلى الطبقات الوسطى دون «تمثيلها» للطبقة العاملة، أو جهرها بلسان مجتمع يعاني الانشقاق الطبقيّ الحادّ ومراراته.

لكنّ الحاسم، في آخر المطاف، ذاك التمزّق بين ماضٍ تقليديّ وتعليم عالٍ وعلمانيّ مضمونه غربيّ ومدينيّ. وهنا تلعب الهويّة دوراً محوريّاً فيما تتركّز صدمة الغرب و«علمه» في المدن والجامعات، لا سيّما في الكليّات التطبيقيّة. فإذا بدا في وسع طلاّب الإنسانيّات أن يتعرّضوا لنقد الثقافة الغربيّة، وأن يقعوا على مواطن ضعفها، فطلاّب العلوم والتكنولوجيا يرونها واحدة متماسكة تنحو إلى الهيمنة. لذا وصفوها بالخلو من القيم قياساً بثقافة إسلاميّة لم تعد توفّر، في زحمة المدن والتباسها، إلاّ القيم الأخلاقيّة.

ويحتل الجنس موقعاً ملحوظاً في موضوعة الهويّة. فالغرب يتبدّى «غاوياً»، والشيطان غاوٍ من طراز رفيع، وهو ما ينطبق خصوصاً على مسلسلات التلفزيون الأميركيّة. فهي، بصفتها تسلية تؤكّد القيم الأخلاقيّة عبر مسْرَحة الإخفاقات الأخلاقيّة، لا تُرى في عين منظومة ثقافيّة حَرْفيّة بالغة الأدلجة والتعبويّة إلاّ كتمثيلات دقيقة للحياة الأميركيّة أو «الغربيّة» عموماً. وهي نظرة يعزّزها ضعف التقليد الدراميّ في الثقافات غير الأوروبيّة. لكنْ في ظل هجاس النقاء الجنسيّ، تتحوّل المرأة رمزاً للهجوم الغربيّ بقدر ما تتحوّل المرأة المسلمة هدفاً له، ما يجعل موضوع النساء أحد أهمّ شواغل الأصوليّات. وهي عمليّة يفاقمها الاقتلاع السكانيّ والتمديُن وضمور العائلة التقليديّة: فهنا، خصوصاً، يكمن عداء الأصوليّة للحداثة. ولمّا كان العمل «الحديث» يدعو النساء إلى الإنضمام إليه، نيط بالفصل الجنسيّ وبالزيّ الإسلاميّ أن يردعاه حمايةً للمرأة.

ثم إذا قامت الحداثة على «مأسسة الشكّ»، حسب البريطانيّ أنتوني غيدنز، فهذا ما يطرح على الأصوليّ إشكالاً معقّداً، خصوصاً أنّ الشكّ الممأسس أنجب للغرب نتائج ماديّة صلبة يستحيل إنكارها. ولتلافي المأزق لا يلجأ الأصوليّون، على ما فعل القوميّون العرب الطامحون إلى حداثة ما، الى التغنّي بنجاحات العرب والمسلمين العلميّة في حقب سابقة، إذ تغنٍّ كهذا لا يعني إلاّ التسليم بقياسات تؤكّد تفوّق الغرب الآن. بل هم يلجأون، في المقابل، إلى اتّهام الغرب نفسه بالانحطاط جملةً وتفصيلاً، مع تأكيد أنّ الحقائق العلميّة محتواة أصلاً في النصّ المنزل.

غير أن ذلك لا ينفي تأثّرات عَرضيّة موعاة أو غير موعاة. فبعض جماعاتهم الأولى، كمجموعة صالح سريّة في مصر، تأثّرت بتنظيمات فوضوية ويساريّة إرهابيّة كشلّة بادر - ماينهوف الألمانيّة. ذاك أنّ الطرفين على خلافاتهما الكثيرة، تربطهما نظرة أمميّة، ولو بمعنى سلبيّ، مفادها العداء لأميركا واسرائيل. وهما رومنطيقيّان في التعامل مع السياسة التي يخضعانها الى طوبى هي، عند الأصوليّين، بعث ماضٍ ذهبيٍّ للإسلام، وعند بادر - ماينهوف إدراك مستقبل اشتراكيّ لا يقلّ ذهبيّة. بل ثمة شبَه بين أولريك ماينهوف التي لم تنضج عاطفيّاً، بعدما آمنت في صغرها وتأجّج حسّها العداليّ ورغبتها في الانتقام من اللاعداليّ، وبين محمّد عطا في صلته بوالديه، خصوصاً أمّه، وعلاقته بالجنس والعواطف، ومن ثم ارتباط تديّنه البالغ بطهرانيّة جنسيّة سعى إليها سيّد قطب قبله. ولم يكن مستغرباً أن يتعاظم انشداد عطا إلى طهرانيّة كهذه في هامبورغ، حيث عدد المواخير أعلى منه في أيّة مدينة ألمانيّة.

و11 أيلول لم يكن، بالنسبة إلى هؤلاء، تعبيراً عن بطولة إسلاميّة بقدر ما كان تعبيراً عن يأس نيتشويّ. فهم غاضبون في سبيل الله، كما يقول عنوان الكتاب، يذهبون في غضبهم بعيداً حتى لكأنّهم يستجيبون الشعار الشهير لبادر - ماينهوف: «لا تجادل، دمّر».

أمّا أفغانستان فلم توفّر لمن صاروا «الأفغان العرب» غير تكريس هذا الإدقاع. فتثقيفهم السياسيّ هناك لم يشبه مثيله لدى شيوعيّي حروب العصابات، خصوصاً الفيتناميّين منهم المهتمّين بـ«كسب القلوب والعقول». فقد اقتصرت تعبئتهم على العداء لـ«الشيوعيّة الملحدة» من دون التعرّف إلى إيجابيّات حليفهم الأميركيّ يومذاك، كالديموقراطيّة وحكم القانون وسائر القيم المنتمية الى المستوى التاريخيّ نفسه. وفيما لُقّن الفيتناميّون، ولو بفجاجة وابتذال، تثمين كتابات ماركس وإنغلز ولينين وماو، فأيّ من المجاهدين لم يسمع ببنجامين فرانكلين أو توماس جيفرسون.

وكان من نتائج الاكتفاء الذاتيّ بالخام، معطوفاً على التفاعل مع بلد مجزّأ إثنيّاً وتنظيميّاً على نحو فاقمه الحلفاء الباكستانيّون، عدم التأسيس لأيّ وعي عابر للحدود الصغرى. ثم إن أفغانستان اختلفت عن فيتنام التي عرف مجتمعها، ومن ثمّ كوادر حزبها ممن صاروا حكّامها، تحوّلاً عميقاً وضخماً على مدى حربهم.

فالمجاهدون لم يكونوا غير أدوات لصواريخ «ستينغر» الأميركيّة العاملة بموجب نُظم توجيه إلكترونيّ، حتّى قال أحمد شاه مسعود مرّة: «على الأفغانيّ أن يمتلك شيئين فقط: القرآن وصواريخ ستينغر». هكذا فالانضباط الثوريّ، الضروريّ لتطوير المهارات الحربيّة، وهو ما عمل ماو وجياب ومفوّضوهما السياسيّون على بثّه في كوادرهم، وبالتالي في الفلاّحين المقاتلين، اقتصر عند الأفغان وحلفائهم على استخدام السلاح، فلم يكن تأهيلهم ليتعدّى يومين من التدريب!

ولئن صدر الأفغان العرب عن بيئات متخلّفة، فمخيّمات اللاجئين في باكستان، حيث تطويع الأنصار و«تسييسهم»، لم تعرف شيئاً عن الديموقراطيّة وحقوق المرأة والقانون. لا بل بدت هذه القيم معادية ترتبط بـ«العدوّ» الشيوعيّ الذي يقاتلونه، أو بحضارة «غربيّة» لا يراد منها إلاّ صواريخها. هكذا سجّلت هذه البيئة حالات رهيبة كموت نساء رفض أزواجهن أن يطبّبهن أطباء رجال، ووفاة مقاتلين أبوا بتر بعض أعضائهم المسمومة أو التالفة خشية الظهور، يوم الحساب، في مظهر غير لائق.

لكنّ الأصوليّ الفلسطينيّ الذي أسّس «الأفغان العرب»، عبد الله عزّام، ربّما كان أوّل من طبّق مفهوم «الطليعة» أو بالأدقّ «النخبة» القطبيّة. فالانتقال الى أفغانستان ولبس زيّها هما بذاتهما عمل تحويليّ لخدمة إنشاء جيش طليعته من العرب، يبعث «الأمّة» ويحرّر أراضيها «السليب» في فلسطين وبخارى واسبانيا. فأفكار قطب في هذا الشأن تكييف غير منظور لأفكار مبعثرة في
البلشفيّة والفاشيّة.

ذاك أنّ البحث عن العدل الاجتماعيّ وإحقاق الحقّ يدين بالكثير الى الماركسيّة والمثالات الاشتراكيّة، مع أن علي شريعتي هو وحده من بين الأصوليّين الكبار، مَن اعترف بهذا الدَين. إلاّ أنّ التشابه مع الفاشيّة يبقى أكبر، ومصدره أنّ الطرفين يشربان من ماء العداء لقيم التنوير التي تنتمي الماركسيّة إليها. فالطريقة التي يستحضر الأصوليّون بموجبها الدين، كثيراً ما تذكّر بطريقة استحضار النازيّة لأنماط التفكير الميثولوجيّ ورموزه تعبئةً للجماهير وسعياً، بالتالي، وراء السلطة.

«فاشيّة إسلاميّة»؟

وإذا انطوى اختزال الأصوليّة الراديكاليّة إلى «فاشيّة إسلاميّة» على تسطيح لبعض المعاني، جاز أنّ عناصر الاشتراك لا يخطئها البصر. صحيحٌ ان ظروف الحركتين متباينة، إذ فاشيّة العشرينات والثلاثينات الأوروبيّة تعرّضت لدرجات من الفكر الحديث وللتصنيع الذي يكتنف بيئتها أو يجاورها، كما ان أيّاً من البلدان التي اعتنقتها لم يعرف الاحتلال أو السيطرة الكولونياليّة. لكنّ الصحيح أنّ الأساسين الايديولوجيّين لهما ليسا متباعدين البتّة. فالفاشيّة ردّت على الغموض والقلق اللذين أثارتهما الليبراليّة، وعلى التحديث القسريّ الذي هدّدت به البلشفيّة في 1917، باللجوء الى النوستالجيا ورفض الإقرار بطابع العالم المعاصر. وبرفضها، مثلاً، مفهوم الصراع الطبقيّ، زوّرت الفاشيّة وجهها فتقدّمت كممثّل لكلّ الطبقات وقد صيغت الطبقات في «الأمّة» الوهميّة والصوفيّة. وإذا طبّقنا هذه المعادلة على أفغانستان واضعين الإثنيّة والقبيلة محلّ الطبقة، والإسلام محل الأمّة، انتهينا الى نتائج مماثلة. أمّا «الثورة»، في الحالتين، فتبقى أقرب الى حرب لاستعادة ماضٍ ما والاستحواذ عليه، فيما تتحلّل السياسة من التاريخ عند الحركتين لتمتلئ، لدى الفاشيّين، بـ«الطبيعة»، ولدى الأصوليّين بـ«الدين».

والراهن ان هذه النوستالجيا تربط الأصوليّين بعموم الحركات القوميّة والإثنيّة، على رغم الخلاف السياسيّ العميق مع القوميّين والإثنيّين، كما يربطهم بهم الميل الى تقسيم العالم مانويّاً إلى «نحن» الأخيار، و«هم» الأشرار.

وهذا، بدوره، موضوع يتخلّل كتاب فريد هاليداي «ساعتان هزّتا العالم» (تُرجم الى العربيّة) الذي استوحي عنوانه من عنوان الصحافيّ الشيوعيّ الأميركيّ جون ريد «عشرة أيّام هزّت العالم» عن ثورة أكتوبر الروسيّة.

فالباحث البريطانيّ ذو الإسم المألوف لدى القارئ العربيّ منذ كتابه «جزيرة العرب من دون سلاطين» (والذي رحل قبل أشهر قليلة)، يرى أن الحركات الأصوليّة كلّها، لا الإسلاميّ منها فحسب، معادية للحداثة وللديموقراطيّة تعريفاً، بل إنّها عين الافتقار إليهما. فـ«الآخر» عندها مرفوض مبدئيّاً، وحيث تتشابك الهوّيتان الدينيّة والإثنيّة في إحداها، يتكامل العداء للآخر حتّى يصير أقرب الى العنصريّ. يصحّ هذا في نظرة الهندوس واليهود المتعصّبين الى الإسلام بقدر صحّته في نظرة المسلمين والعرب المتعصّبين إلى اليهود.

أمّا المجتمع الذي يسعى الأصوليّون إليه فلا يتمتّع الآخر فيه بأيّة مساواة فعليّة. فبعدم التسامح حيال المختلف ومعتقداته تنضح أدبيّاتهم، علماً أنّ المختلف قد لا يكون دائماً خارجيّاً: فالعلمانيّ البروتستانتيّ والاندماجيّ اليهوديّ و«المتغرّب» المسلم هم الآخر الكريه في نظر الأصوليّين من أبناء دياناتهم. بيد ان الهجوميّة العدوانيّة هذه غالباً ما تقلبها الأصوليّات ضجيجاً مبالِغاً حول مؤامرات الآخرين عليهم، وحول كونهم ضحايا.

والحقّ أنّ الحركات الأصوليّة كائناً ما كان تأويلها، ذات بعد سياسيّ يحكمها هو الاستيلاء غير الديموقراطيّ على السلطة. وهذا هو الهدف الذي تتشارك فيه مع حركات حرب عصابات غير دينيّة، قوميّة ويساريّة. من هنا فعداء بن لادن يستهدف، في الشرق الأوسط، نظام الدولة - الأمّة القائم قبل استهدافه الولايات المتّحدة. ثم إنّ صعود الأصوليّات هو بذاته وثيق الصلة بطابع الدول وتركيبها. ففي بلدان كإيران ومصر والجزائر وتركيا، اتّخذ الصعود شكل التمرّد على الدولة وسلطتها. ولأن الأخيرة محدثة نسبيّاً، تمثّل خصمها الأصوليّ في معارضات اجتماعيّة وسياسيّة. لكن الأمر اختلف في دول أضعف عوداً. وهنا، تحديداً، تكمن إحدى الصفات النوعيّة لتنظيم «القاعدة» الذي نما حيث حضور الدولة
وتقليدها واهيان.

فلأنّ هذه البلدان لم تعرف الاستعمار فعلاً فهي لم تعرف الحداثة بالتالي. وأفغانستان والشطر الشماليّ من اليمن مثالان صالحان: ففيهما لم يكن الأمر تمرّداً على دولة تحديثيّة، بل كان تمرّداً على وضع افتقر تاريخيّاً إلى الدولة، أيّة دولة. وما دام أن الأصوليّين سُلّحوا ومُوّلوا من دول أخرى، فهذا ما أتاح لهم التحوّل قوى فعليّة في بلدان كاليمن وأفغانستان، لا بل نجحوا في عقد تحالفات مهمّة مع سلطات هذه الدول ذات المركز الضعيف. فالأخيرة التي لم يسعها السيطرة على أريافها، ولا على الأصوليّين بالطبع، ائتلفت معهم كما استخدمتهم ضدّ منافسيها. ففي أفغانستان، كان لـ«طالبان» أن استعملت «القاعدة» ضدّ «تحالف الشمال»، بعدما استُخدم الأصوليّون الأبكر ضدّ الشيوعيّين. وفي اليمن وظّف نظام علي عبد الله صالح الميليشيا الإسلاميّة للشيخ الزنداني ضدّ «الحزب الاشتراكيّ» خلال 1990-1994. وهؤلاء الذين استُخدموا هم أنفسهم من ربطتهم بالنخبة الحاكمة صلات الولاء والمصاهرة، بل هم الذين هاجموا في وقت لاحق (1999) السيّاح الأجانب وفجّروا (2000) مدمّرة «كول» الأميركيّة في ميناء عدن.

لكن هاليداي لا يفوته التذكير بأحد ملامح الأصوليّات، وهو ما سها عنه الباحثون اليمينيّون، أو المأخوذون بالعداء الأميركيّ - الإسلاميّ الراهن، أو المدهوشون بصمت اليسار عن بعض الأصوليّين وتحالفهم مع بعضهم الآخر. والملمح هذا ليس إلاّ العداء الإسلاميّ لليسار الذي انقلب، في بعض الحالات، إلى وراثة له. فالحرب الباردة أسهمت، بالتأكيد، في تأسيس الأزمة التي كانت الأصوليّة ترجمة لها، وهو ما اتّضح خصوصاً مع عمليّة تدمير أفغانستان ابتداء بـ1978. ذاك ان الحرب الباردة خلّفت «مزبلتين للتاريخ» لا واحدة: فإذا ترك الانهيار السوفياتيّ وراءه ركاماً لا سيطرة عليه من السلاح النوويّ والبيولوجيّ والكيماويّ مصحوباً بمشكلات إثنيّة معلّقة ومتفاقمة، ترك الانتصار الغربيّ عدداً مـن العصابات البطّاشة والفاسدة من «الاتّحاد الوطنيّ لاستقلال أنغولا التامّ» (يـونيـتا) والمنفيّين الـكوبيّين فـي ميامي والكاريبي إلى المجاهدين الأفغان.

والعلاقة لا تخطئ بين صعود الإسلاميّين المسلّحين وبين هزيمة اليسار الساحقة في الحرب الباردة. وقد تجسّدت الصلة بأوضح أشكالها في اليمن وأفغانستان اللذين حكمهما يسار تجاورت تحديثيّته وقسريّته وتلابستا. ولا ننسى أن كابول حين استولى عليها «طالبان»، وعلى رغم السنوات الكالحة للمجاهدين، كان لا يزال فيها 150 ألف امرأة يعملن في الدولة والإدارة والتعليم. فالميليشيات الإسلاميّة العابرة للحدود اشتركت مع بن لادن ضدّ قوى اليسار المحليّة في البلدين، بصفتها «غربيّة» بمعنى ما، قبل سنوات على صدامها بالغرب: ففي كابول استهدفت «حزب الشعب الديموقراطيّ»، أي الشيوعيّ، وفي عدن «الحزب الاشتراكيّ اليمنيّ»، الشيوعيّ أيضاً. وفي مطالع التسعينات أطيح الحزبان هذان: أوّلهما، وهو الذي استولى على السلطة في 1978، سقط في 1992، والثاني الحاكم من 1967 الى 1990، هُزم في الحرب الأهليّة مع الشمال عام 1994.

لكنّ هذا لا يُفهم منه ما روّج له بعض الغربيّين وبعض الإسلاميّين من أن الإسلام غدا، بعد سقوط الشيوعيّة، خصم الغرب. فالأخير خاض مواجهات كبرى في البلقان من موقع التحالف مع المسلمين. ثم ان تهديد الشيوعيّة للغرب، بغضّ النظر عن المبالغة فيه وإساءة استخدامه اليمينيّة في الحرب الباردة، يبقى أكثر جدّيّة بكثير من أيّ تهديد إسلاميّ. فعلى رغم الحجم الصارخ والمدوّي لـ11 أيلول، يبقى أن الشيوعيّة طرحت على نفسها الوصول الى أبعد زوايا المعمورة، وكانت هناك ترسانة نووية من 45 ألف صاروخ فضلاً عن عدد من الجيوش الجبّارة يتقدّمها الجيش السوفياتيّ. والأصوليّون، وعلى رغم ما نُسب إليهم، لا يُبدون اهتماماً بالعولمة ولا بالتنمية في «العالم الثالث» أو أيّ من القضايا النظريّة الشائكة. إنّهم، ببساطة، يكرهون حكّامهم لكنّهم أيضا يمقتون الفساد والمرأة والشيعة وغير المسلمين «الصليبيّين» واليهود، وبالطبع الغرب وثقافته. والصراع، كما قال بن لادن، يعود الى ثمانين سنة خلت حيث المقصود، على الأرجح، تفتّت السلطنة العثمانيّة، وما ترتّب عليه من أحداث: كفرض الانتدابات على العالم العربيّ، والغاء تركيا الخلافة الإسلاميّة، والهجرة اليهوديّة إلى «ديار المسلمين». وثمّة إشارات أخرى الى أن ذاك الصراع بدأ مع احتلال العراق للكويت وما رتّبه من حضور عسكريّ أميركيّ مباشر في السعوديّة.

لكنْ كائناً ما كان، يبقى أن أزمة الأصوليّين فكريّة تنبع من نقص التعليم العصريّ والافتقار الى الثقافة الديموقراطيّة، وهو ما تغذّى، ويتغذّى، على ضعف حساسيّة البلدان الغنيّة حيال التخلّف والقهر في البلدان الأفقر. وهذه جميعاً من مسائل الحداثة واقتراب بعض العالم من بعضه الآخر، ولو تلصّصاً تلفزيونيّاً، على نحو قد يثير التباعد الفعليّ ويتسبّب في توتّرات وانفجارات.

فالعداء للحداثة، أتجسّدت لخصومها في الدولة أو الديموقراطيّة «الغربيّتين» أو في اليسار «الملحد»، لا يلغي اضطرار الأصوليّين الى استعارة أوجه كثيرة منها. فهم، أساساً، لا يمكن الا أن يردّدوا الحجج النقديّة ضدّ نظام ما يقاتلونه، فيستشهدون بفساده وسوء أدائه الاقتصاديّ والتعليميّ أو إسكانه. وهذا ما أوردته أدبيّات الأصوليّين الإيرانيّين ضدّ الشاه «المستكبر»، والأصوليّين الجزائريّين ضدّ «جبهة التحرير»، فضلاً عن حزب «بهاراتيا جاناتا» الهندوسيّ ضدّ «المؤتمر». فالحركات هذه لا يسعها ألاّ تستجيب إلى العناصر التي ساهمت، مهما تباينت الدرجـة، في نشأتها: التمديُن، البطالة، نُظم التعليم، الخضوع للأجنبيّ. ولهذا فهي لا يمكنها أن تصدّ التأثّر بأدبيّات قوميّة أو عالمثالثيّة مناهضة للامبرياليّة حتى لو أنكرته.

وإذا ابتذل راديكاليّو الإيمان كل ما مسّوه من أفكار بأن أحالوه إلى إجابات فقيرة وضئيلة العدد، بقي أنهم ينبثقون هم أنفسهم من سياق تصنعه الحداثة ممثّلةً بالدولة - الأمّة وجهازها المحدث وسلطتها على مواطنيها. وحتّى حين يحكمون بلداً، كما في إيران، تحتلّ «المصلحة» الوطنيّة حجماً لا يوحي به العداء الايديولوجيّ المعلن للوطنيّة. لذا غالباً ما تحتفظ الحداثة بحضورها لا في لغة الأصوليّين فحسب، بل أيضاً في ايديولوجيتهم المعادية لها أصلاً. فعلى رغم الاستحضار الدائم للماضي والرموز التقليديّة، فالاستحضار هذا كثيراً ما يستخدم الموضوعات القديمة أو الكلاسيكيّة لأغراض راهنة، مثلما يستعير انتقائيّاً من الايديولوجيّات العلمانيّة.

والجسم الفكريّ الذي تتمخّض عنه الاتّجاهات هذه لا يصفه مصطلح كما تصفه «الشعبويّة». وهي، بدورها، ايديولوجيا عريضة عابرة للطبقات، تؤكّد على «فضائل» الشعب توكيدها على فساد الحكّام «الطغاة». ومما هو مركزيّ فيها، وهو أيضاً اختصاص أصوليّ شبه احتكاريّ، شكلٌ من الكره للغريب وولع بنظريّة المؤامرة التي تحمّله مسؤوليّة ما يجري وما لا يجري. ولمّا كان التحليل الليبراليّ يستبعد المؤامرة من جهة، وغربيّ المصدر من جهة أخرى، استحقّ لدى الأصوليّين كلّ الاحتقار الشعبويّ الممكن.

على أن هاليداي يتوقّف عند التجربة الإيرانيّة بوصفها العلامة الفارقة بمعنى مزدوج: فهي تؤشّر الى الانتصار بقدر ما تؤشّر الى حدوده ومحدوديّته. ففي البداية بدا أنّ الخمينيّة نجحت في تصدير ثورتها لا الى بعض الشيعة اللبنانيّين والأفغان والعراقيّين فحسب، بل الى نُخب ومجتمعات سنيّة أيضاً. لكن، وعلى رغم حرب دامت ثماني سنوات مع العراق، تبدّى أن المهمّة فشلت هناك. وما إن اشتدّ عود الأصوليّة السنيّة في بلدان أخرى حتّى استقلّت تماماً بنفسها، لا بل حجّمت أنصار إيران الشيعة في بلد كأفغانستان. وفقط في لبنان، حيث تطابقت الأصوليّة الشيعيّة مع مقاتلة الاحتلال الإسرائيليّ، لاح أن «حزب الله» قد يتمتّع بوضعيّة معقولة، الى أن أدّى انسحاب إسرائيل في تمّوز (يوليو) 2000 الى خلط الأوراق[1].

لا بل يعود هاليداي الى بداية الثورة في 1979. صحيح أنّها ضجّت بالشعارات والعناوين الدينيّة، لكنّ ما حدث فعلاً كان سيناريو واهي الصلة بالدين: ثمانية ملايين شخص نزلوا إلى الشوارع مطلقين أكبر التظاهرات المعارضة في التاريخ ومتسبّبين في انهيار جيش قوامه 400 ألف جنديّ. أمّا الشعارات التي رفعها رجال الدين فاثنان منها كانا علمانيّين، أو زمنيّين: «الاستقلال» و«الحريّة»، فيما الثالث، «الجمهوريّة الإسلاميّة»، خليط من الزمنيّ والدينيّ مع رجحان للثاني. وهذا ما يعني أن الأولويّة في فهم الظاهرة تعود الى الحياة نفسها، هي التي يستحيل ألاّ تعكس ذاتها على الأصوليّين، لا الى النصّ الذي يزعم الأصوليّون ونقّادهم الجوهرانيّون أنّه المقرّر والحاسم.

فالأصوليّات تتماهى، في بعض الحالات، مع فئات اجتماعيّة تتعرّض للانحسار وتعاني التهميش. كما تتماهى، في حالات أخرى، مع جماهير مدينيّة حديثة التشكّل أو، كما في وضع أفغانستان بعد 1978، مع جموع ريفيّة يهدّدها توسّع رقعة السلطة المركزيّة.

وما تنمّ عنه بدايات التجربة الإيرانيّة تعيده سنواتها الأخيرة: فقد كان لعقدين من سوء الإدارة الاقتصادية والقمع والتذمّر من الفساد، أن أحدثا تحوّلاً بارزاً في الرأي العامّ داخل البلد. وحركة الاحتجاج الراهنة لا تكتم تعلّقها بتطلّعات اقتصاديّة وتأثّرها بعالم غربيّ بات يُرى عبر الفيديو والمجلاّت، فيما جعلته الدياسبورا الضخمة لما بعد الثورة أليفاً. فالشعارات القديمة للخمينيّة كفّت عن الاشتغال، والاقتصاد معاق، والبطالة متضخّمة، بينما الكثيرون ممّن أثارت الثورة حماستهم وحاربوا العراق، تنتابهم اليوم خيبة أمل عارمة.

في المقابل، مثّل صعود الإسلاميّين وهبوطهم حدّي الكتاب المرجعيّ «جهاد»، للباحث الفرنسيّ جيل كيبيل، الذي عرفه القارئ العربيّ في أعمال عدّة سابقة. والخلفيّة، في روايته، ترجع الى ثورة ثقافيّة ستينيّة رعاها قطب والمودودي والخميني ضدّ القوميّة العلمانيّة وضدّ حصر الدين في العبادة. وقد ترافق دور هؤلاء مع تحوّل في الثقافة وفي وظائف الحرف المطبوع: إذ بعدما استخدمه القوميّون لتوطيد الاستقلال ودولته، غدا مطالَباً بأداء وظيفة الرقابة والهيمنة. هكذا خاطب قطب الشبيبة بلغة بسيطة غير لغة الفقهاء حيث يمارس الحرف المطبوع إمبرياليّته. فما إن حلّت هزيمة 1967 حتّى رجحت التأويلات الأكثر تزمّتاً، كمفهوميه لـ«الجاهليّة» و«التكفير». وفي 1971 أصدر الخميني من النجف، محاضراته في كتاب «الحكومة الإسلاميّة»، وبدمجه أفكار علي شريعتي في فكره التقليديّ تسنّى له تأسيس حلف بين فئات مختلفة. وفي هذا المعنى رأيناه يطلق مفردات غير معهودة كـ«المستضعفين» و«المستكبرين»، ضامّاً تجّار البازار الى الأوّلين وحاظياً بدعم تقليديّي المدينة والريف، إلى جانب عناصر أحدث، طلابيّة وعماليّة. وبحلف كهذا نجح وحده، من دون سائر الإسلاميّين، في بلوغ السلطة.

قبلذاك، وفّرت الأخويّات الصوفيّة وشائج أهليّة، فتوسّطت ربط النصّ بتقاليد شعبيّة لدى جمهرة معظمها أميّ. ودائماً تفاوتت علاقتها بالكولونياليّة وتالياً بالاستقلال: ففي الجزائر استمالها الفرنسيّون، ثمّ ضربتها دولة الاستقلال، ما أوجد فراغاً ملأه الراديكاليّون بين 1985 و1990. وفي تركيا قُمعت، لتنبعث في الأرياف بعد الحرب العالميّة الثانية. لكنْ عموماً، توصّلت الأنظمة الاستقلاليّة الى تسويات مع الإسلام الشعبيّ، فيما اختلف الإسلام العالم والعارف فراقب مشايخُه المدينيّون الأنظمة، قبل أن تطوّعه الأخيرة بطرق شتّى. ففي 1961، ألحقت مصر الناصريّة جامعة الأزهر بالدولة وأخضعته لسلطان الإيديولوجيا الرسميّة، فأفقدته دوره التقليديّ كوسيط تاركة الفراغ الباحث عمّن يملأه. وقد ألغى بورقيبة سلك الزيتونة لتملأ الفراغ بعد ذاك «حركة الاتّجاه الإسلاميّ» التي صارت لاحقاً «النهضة». واعتبر أحمد بن بلّه العلماء والأخويّات رجعيّين، ومع استمرار المصادرة الدولتيّة ولدت «جبهة الانقاذ». وبدورها، اصطدمت قوميّة سوكارنو بـ«نهضة العلماء» الإندونيسيّين.

وقد عُدّت باكستان استثناء من هذا. فهناك لعب علماء الدين ومدارسهم دوراً لم ينشأ إلاّ هناك. وكانت أهمّها الديوبانديّة التي انطلقت عام 1867 من ديوباند في شمال الهند، فطالبت بحقّ العمل لخرّيجيها، ثم بالأسلمة الشاملة. وعرفت باكستان، قبل قيامها، مدافعين عن الأسلمة، كـ«الجماعة الإسلاميّة» التي أسّسها المودودي في 1941، والديوبانديّين وغيرهم. وإذ حاول العسكر كبح نفوذهم، لم يُكتب له في سعيه هذا إلاّ الفشل. ذاك ان قوميّة باكستان الإسلام، بمعنى يشابه صلة إسرائيل باليهوديّة أو صلة بولندا بالكاثوليكيّة، إذ لولا الإسلام لما وُجد البلد ولما وُحّد سكّانه أصلاً.

نسيان الحقبة الاستقلاليّة

وكان انتصار الثورة الإيرانيّة في 1979 فرصة للإسلام الثوريّ. فمع غزو أفغانستان في العام نفسه، بدا الجوّ ملائماً لجهاد محافظ يتوسّطه ضياء الحقّ، الجنرال والحاكم الباكستانيّ المعجب بالمودودي. وكان الرئيس المصريّ أنور السادات السبّاق في مواكبة هذه التحوّلات وفي تشجيعها، فأطلق سراح الإخوان ممّن نشطوا في الجامعات. وفي السبعينات ظهر أوّل جيل بلا ذاكرة عن حروب الاستقلال، فيما هو يعاني الانسداد اللاحق عليه والناجم، إلى حدّ بعيد، عنه. وبتعاظم السكّان تحوّلت المنطقة عن ريفيّتها لتتمديَن، فعجّت المدن بشبّان لا صلة تجمعهم بمن سبق. وأعطى التعليم البسيط والصحف جيل الضواحي هذا أملاً بالحِراك صعوداً، فاحتدم إحباطه.

ومحلَّ تعدّد الممارسات الدينيّة قبل 1973، طغت نضاليّة واحدة وطقوس متشابهة. وهذا ما عزّزته الهجرة الى السعوديّة والخليج ونظام المصارف الإسلاميّة، بحيث ظهرت إشارات الإسلاميّة الجامعة للثمانينات أقوى من تململات التمايز. فأحداث 1977 المطلبيّة في مصر مهّدت لمجموعات العنف التي لم يكبحها مصرع السادات. وعبر التحالف بين الرئيس مهاتير محمّد ورجل المصارف الإسلاميّة أنور ابراهيم، اندرج نظام ماليزيا السلطويّ في الاقتصاد الكونيّ ضابطاً الانقسامات الإثنيّة. وغدت أسلمة باكستان منذ فرض ضياء الحقّ الشريعة في 1979، أقوى من أن يجهضها انتخاب بنازير بوتو، بعد اغتيال ضياء، في 1988.

وفي محاولتها تثوير الجوار، عملت إيران على أسلمة النزاعين الفلسطينيّ واللبنانيّ، فلم يبق غير إقدام اسرائيل، ثمّ سوريّا، على إبعاد المسلّحين الفلسطينيّين الى تونس ليكتمل إحلال أفغانستان محل فلسطين. أما في فلسطين نفسها فشرع الإخوان، الذين تسامح معهم الاسرائيليّون في البداية، بقضم مواقع منظّمة التحرير «العلمانيّة» التي تحاصرها إسرائيل.

لكنّ التحوّل الإيرانيّ تصاحب أيضاً مع تغيّرات اجتماعيّة أصابت شيعة لبنان. فما إن اجتاحت إسرائيل حتى توطّد دور إيران المتحالفة مع سوريّا وشاعت دعاوتها الايديولوجيّة. آنذاك استدعى محتشمي، سفيرها في دمشق، بعض شبّان رجال الدين ليؤسّسوا «حزب الله»، وعبر العمليّات الانتحاريّة، أواخر 1983، ضدّ القوّات الفرنسيّة والأميركيّة، ثم قصف المقرّ الإسرائيليّ في مدينة صور، اكتسب الحزب قامة عسكريّة فسياسيّة، عزّزها انسحاب المتعدّدي الجنسيّة من لبنان. ومنذ 1982، واستجابةً لمصالح إيرانيّة وسوريّة، كان ابتدأ خطف الرعايا الغربيّين، ما انعكس على الرأي العام والسياسة الغربيّين.

وقصّة النجاح الوحيدة هذه لتصدير الثورة، لا تلخّص نفوذ طهران المتضارب والممتدّ الى السنغال وجنوب شرق آسيا وبعض البلدان الشيوعيّة. وفي المهاجر الأوروبيّة ظهر اختراق صحبته محاولات طهران استغلال مناسبات الحجّ للتحريض السياسيّ.

لقد أقلقت الثورة الغرب والعالم الإسلاميّ، فانضاف سبب آخر لوجاهة الجهاد في أفغانستان. لكنّ تطويع المجاهدين في تربة الملايين الثلاثة من اللاجئين إلى باكستان، بسبب الاحتلال الروسيّ ومقاومته، عزّز الخطّ المتطرّف لغلب الدين حكمتيار كما غذّاه. فالمطوَّعون هؤلاء نُزعوا عن قبائلهم ومناطقهم ليغدوا أشبه بآلات قتاليّة بلا ضوابط اجتماعيّة.

وبدوره، تأثّر الإسلاميّ الفلسطينيّ عبد الله عزّام بقضيّة المجاهدين، فأصدر أواخر 1984 مجلة «الجهاد» فيما كان يغدو همزة الوصل بينهم وبين المتطوّعين والمساعدات السعوديّة والعربيّة، مؤكّداً في كرّاس له ان الجهاد هناك فرض عين. مع هذا بقيت أفغانستان، عنده، محطّة أولى على طريق فلسطين وبخارى ولبنان وتشاد وأريتريا والصومال والفيليبين وبورما واليمن الجنوبيّ وطشقند والأندلس. وأهميّة هذه الدعوة غير المسبوقة أنّها أمست مصحوبة بسيل المعونات وآلاف المتطوّعين الهادفين الى اكتساب مهارات يستخدمونها في محطّات الجهاد التالية.

على أنّه بعد الانسحاب السوفياتيّ في 1989 وتقلّص المعونات الأميركيّة، بدا أن المجاهدين لن يستطيعوا إسقاط نظام نجيب الله الشيوعيّ، فيما تراجع الإلحاح العربيّ على محاصرة طهران التي أنهكتها الحرب مع بغداد. وبالتدريج حلّ الخوف الأميركيّ من المخدّرات، والخوف العربيّ من راديكاليّة المجاهدين، محلّ التحالف العريض والفضفاض. وإذ شرعت أفغانستان تتفسّخ، غزا صدّام حسين الكويت فأيّده بعض المجاهدين الأفغان والعرب، وعلى رأسهم حكمتيار.

في هذه الغضون هُمّش الموضوع الفلسطينيّ. لكنّ انتفاضة 1987 أعادت تزخيمه مكيَّفاً في اتّجاه إسلاميّ، سيّما وقد عبر الإخوان إلى موقف سياسيّ مغاير وممارِس حيث أسّسوا «حماس». وما عزّز التغيّر غربة صغار 1987 عن مرحلة تأسيس منظّمة التحرير وصراعات الخارج: صحيح ان المنظّمة مضت تمدّهم بالمال لكنّ الديموغرافيا أضعفت الروابط، كما ضرب انهيار سعر النفط في 1986 عمالتهم المهاجرة بينما اندفعت هجرة اليهود الروس وراحت إسرائيل تعقّد شروط الاستثمار والتنمية في الداخل.

لقد كانت انتفاضةً لـ«الشباب» الفقراء أكثر من أيّة هويّة أخرى، وعليها تنافست المنظّمة وحماس. لكنّ الأخيرة لم تصبح ما أصبحته إلاّ بعد إضراب التجّار الصغار، والإخوانُ أقوياء هنا تقليديّاً، فدخلت من بوّابة أوسع إلى «الشباب». وبعد محطّات وتعرّجات قطعها التنافس، خرج الحماسيّون منتصرين. فقد ظهر ميثاقهم نصّاً تأسيسيّاً موازياً لدستور المنظّمة. وبالضربة التي كيلت لها مع اجتياح الكويت، تراجعت سيطرة المنظّمة على الانتفاضة، فبدا آخر قضايا القوميّة العربيّة وقد استولى عليه التأسلم. وفقط بصفتها هذه انتزعت فلسطين الأولويّة من مسألة أفغانيّة تذوي.

آنذاك هدّد الإسلاميّون باجتثاث موقع آخر للنضاليّة العالمثالثيّة: الجزائر. فعفويّة التحرّك المطلبيّ، أواخر 1988، وعنفه، وفّرا لهم ضالّتهم. وكانت حملة بومدين للتعريب والأسلمة استقدمت مصريّين ذوي هوى إخوانيّ لتعليم العربيّة، في عدادهم الشيخان الشهيران محمّد الغزالي ويوسف القرضاوي. لكن منذ 1982، وفي مناخ الجهاد الأفغانيّ، كانت ظهرت مقاومة سرّيّة قادها مصطفى بويعلي، وكان علي بلحاج من أتباعه، إذ أن قتال نظام موالٍ لموسكو يكمّل مقاتلة موسكو، من غير أن يلغي توجّه كثيرين إلى أفغانستان نفسها. وإذ ظهر عبّاسي مدني حاملاً مطالب التعريبيّين والإسلاميّين في الجامعة، استجابت السلطة بأن أصدرت، في 1984، قانوناً للعائلة يقضم حقوق المرأة، وابتدأت تبني المساجد.

هكذا حين انفجر الشغب، كانت هناك إنتلجنسيا إسلاميّة تبشّر في المناطق الفقيرة ولا تملك الدولة شيوخاً بارزين يدحضونها. وفعلاً غدا الإسلاميّون الناطقين بلسان الشبيبة المفقرة مؤسّسين، مطالع 1989، «جبهة الإنقاذ». أما خارجها فوُجدت كذلك مجموعات صغرى كالتي قادها الإخوانيّ محفوظ نحناح.

وبيّنت الانتصارات الانتخابيّة في 1990-91 ان الجبهة وحدها من يملك شبكة وعّاظ، لكنها بيّنت أيضاً وجود ثنائيّة مدني وبلحاج. وبالتدريج تحوّلت الثنائيّة ضعفاً، فخشي التجّار قسوة «الحيطيّين» الأكثر تشدّداً. ولأنّه لم يظهر قائد كالخميني، انفجر التبايُن حرباً بين «الجماعة الإسلاميّة المسلّحة» (فقراء المدن) و»جيش الإنقاذ الإسلاميّ» (طبقة وسطى).

في هذه الغضون قدّم الإسلاميّون عبر البلديّات والخدمات بديلاً متفوّقا على إدارة جبهة التحرير الفاسدة، لكنّهم خاضوا أيضاً معارك السلوك والرموز ومكافحة النخبة «المتفرنسة». ولئن ارتاح «الحيطيّون» لهذا، اغتاظت الطبقة الوسطى المؤمنة، فحصلت الجبهة في انتخابات 1991 النيابيّة على مليون صوت أقلّ ممّا في انتخابات 1990 البلديّة، وبهذا بدا اختلافها عن الخميني الذي لم يُخِفْ أيّ قطاع اجتماعيّ إلاّ بعد حسمه الصراع مع الشاه. وحيال حرب الخليج تعاظم الخلاف، فوقف بلحاج مع العراق ومدني مع الكويت. وفي مرحلة تالية ضرب الجيش الجبهة التي تآكلتها صراعات أطرافها محتفظاً، على عكس إيران الشاهنشاهيّة، بتماسكه.

وقطع الكاريزميّ حسن الترابي مع الإخوان السودانيّين منشئاً «جبهة الميثاق الإسلاميّ» في 1965. وتحالف مع «حزب الأمّة» فدفعه الى مواقف أكثر تمسّكاً بالشريعة، ومنه تسلّل الى متن الحياة السياسيّة العريض. لكنْ بسبب تبنّي الشريعة حكوميّاً اندلعت حرب الجنوب، ما سهّل لنميري الانقضاض على البرلمان، وحلّ «جبهة الميثاق» كما سجن الترابي طوال سبع سنوات.

قبلذاك ركّز الإسلاميّون الذين اصطدموا دائماً بالانقسام التقليديّ المهديّ - الختميّ على القوّة الجديدة للمثقّفين والطلبة، كما كتب الترابي عن المرأة فدعاها الى الانخراط في الحياة العامّة إلى جانب الاحتفاظ بالحجاب، ما اجتذب النساء إليه وسط سخط المحافظين من آرائه. فلمّا وقع النزاع بين نميري والشيوعيّين، وجد الترابيّون ساحة الجامعات متروكة لهم.

وتطويقاً لفشليه في الاقتصاد والجنوب، أطلق نميري سراح الترابي في 1977 واستعان بكوادره الحزبيّة لملء فراغات الحكومة والتعليم. ومع المصارف الإسلاميّة، اتّسعت شريحة دنيا مؤمنة من الطبقة الوسطى تولّت تسيير المشاريع والانفتاح على مثقّفين وضبّاط شبّان. كذلك تصلّبت في الطبقة نفسها مَن عزّزتهم قروض المصارف المنخفضة الفائدة وتجّار صغار مودعون حُرموا الوصول الى المؤسّسات التقليديّة المنشدّة الى التجارة الخارجيّة.

هكذا نطق الترابيّون بلسان طبقة وسطى حديثة التعليم تخلّصت من نفوذ الأحزاب القديمة، وبلغ اختراقهم السلطة أن أصدر نميري، في 1983، مرسوماً بفرض الشريعة، ثم أعدم المصلح الدينيّ محمود محمّد طه فيما كان الترابيّون يبرّرون حرب الجنوب بصفتها «جهاداً». وحين انتبه نميري الى حجم الاختراق أودع الترابي السجن، لكنّ النظام برمّته كان ينهار.

وخلال الفاصل الديموقراطيّ 1985 - 1989 صلّبت الحركة الإسلاميّة مواقعها وأنشأت «الجبهة الإسلاميّة القوميّة» التي نالت 51 مقعداً من أصل 264 في انتخابات 1986 لكنّها حظيت بـ21 مقعداً من 28 للخرّيجين. وجاء الانقلاب معطّلاً السياسة برعونة غير معهودة في السودان، فأتيح للترابي أن يعزّز حكمه لعشر سنوات، وسط إعجاب الإسلاميّين والقوميّين المناهضين للامبرياليّة والغاضّين النظر عن ارتكابات الخرطوم. بيد أنّ النظام كان في أمسّ الحاجة إلى الاستعراض تغطيةً منه على ضعف شعبيّته وتوهّماً للحلول حيث حلّت الثورة الإيرانيّة الشيعيّة قبلاً. فالانقلاب الذي وضع أصوليّين سنّة في السلطة للمرّة الأولى، تمّ في نفس الشهر الذي توفّي الخميني فيه.

غير أنّ الأخير حاول إذّاك الاستحواذ على المرجعيّة الإسلاميّة الأولى عبر قضيّة سلمان رشدي، ما جعل الغرب ساحة حرب جديدة للجهاد. فالفتوى صدرت فيما السوفيات ينسحبون من أفغانستان ويسجّل الجهاد الآخر، الموالي لأميركا، انتصاره. وفعلاً نجحت «قضيّة رشدي» في أن تحرم الانسحاب وهجه: فأعمال العنف تفرّقت ما بين باكستان والغرب، ونشأت مصلحة مشتركة تجمع الديوباندييّن المهاجرين بطهران. كذلك انشقّ الصف الملتحم حول أفغانستان وتحوّل بعض راديكاليّيه، كالشيخ المصريّ عمر عبد الرحمن، الى الخانة الإيرانيّة.

والإيمان، قبل السبعينات، لم يكن موضوعاً ملحّاً بين المهاجرين. مع هذا فالمسلمون الهنود والباكستانيّون في بريطانيا اختلفوا عن سواهم. فهم أقليّون في شبه قارّتهم، على عكس الأفارقة الشماليّين أو الأتراك. ومن انتسبوا منهم الى الديوبانديّة أو مثيلاتها استأنفوا حياتهم البريطانيّة مطبّقين الشريعة دون أن تعترضهم الدولة التي عاملوها كأنّها معادل البيئة الهندوسيّة في بلدان الأصل: بالانكفاء وتطوير خصوصيّات طقسيّة وتضامنيّة.

وحتّى الثورة الإيرانيّة لم تكن الحكومات الغربيّة مهتمّة بالاتّجاهات الإسلاميّة، وإن اهتمّت فمن زاوية عدائها لليسار. أمّا مع الثورة، فهرعت الحكومات الأوروبيّة الى التنسيق مع الحكومات الإسلاميّة كيما تسيطر على المشايخ والمؤسّسات الجديدة فلا يسيطر المتطرّفون. لكنْ، وفي 1989، كان قد نما جيل جديد في أوروبا أشدّ تأثّراً من سابقه بصعوبات سوق العمل من غير أن يتمتّع بمواصفات تعليميّة باهرة. وهؤلاء بدوا متعلّقين بـ«جذورهم الثقافيّة» علماً أنهم لا يجيدون، بالضرورة، لغاتهم الأصليّة. وإذ ضمرت حركات الثمانينات المعادية للعنصريّة، التي تجمع الأبيض الأوروبيّ إلى الأسمر المهاجر، نشأ فراغ شرع يملأه الأصوليّون.

ومع التوسّع في استقطاب الشبّان الفقراء، وتزايد المشايخ الجدد، تعاظمت ترجمات قطب والمودودي وحلّت اللغات الأوروبيّة وسيط تواصل. كذلك تغيّر معنى أوروبا. فالجيل الجديد العارف بلغاتها وقوانينها لن يستخدمها كمجرّد مَعبر مؤقّت، مثلما فعل سابقه، بل سينخرط بطريقته في سياساتها. وبعد أن كانت القارّة «دار عهد» تتوسّط داري الحرب والإسلام، غدت دار إسلام يصحّ عليها تطبيق الشريعة.

وجاءت الفتوى الإيرانيّة بحقّ رشدي فشكّلت قاطرة للأكثر تطرّفاً بينهم، بحيث أنشأ الخمينيّ البريطانيّ كليم صدّيقي برلماناً للمسلمين موازياً لبرلمان وستمنستر، حتى بدت أوروبا أحد أبرز مسارح الصعود الذي يحرزه الإسلام النضاليّ أينما كان. وبينما كانت فرنسا والعالم التقدميّ يحتفلان بمئتي عام على الثورة الفرنسيّة والكونيّة التي أطلقتها، بدا الإسلام النضاليّ يفتح معركة تجمّعيّة تعنيه وحده، جعلها الانحلال السوفياتيّ واعدة بالانفتاح على البوسنة والشيشان وآسيا الوسطى.

لكنّ غزو الكويت استهلّ الانحسار. وبإعطائه بُعداً شعبويّاً لدعوته الجهاديّة، حطّم صدّام حسين التوازن الداخليّ للحركة الإسلاميّة فشرعت انقسامات مكوّناتها الاجتماعيّة بالظهور، فيما لم يظهر ايديولوجيّ واحد من عيار المودودي أو قطب أو الخميني.

لقد تحوّل العراق ممثّلاً لإسلام الفقراء، وانشقّت مؤسّسات العمل السنّيّ المشترك، فيما بدت القضيّة الفلسطينيّة، موضوع الإجماع، في صفّ بغداد. ولئن امتدّت الانشقاقات الى الوحدات الأصغر، نجمت ظاهرة بن لادن نفسها عن أحد تلك الانشقاقات. ولمّا صار الفيلق الأمميّ للجهاد متحلّلا من كلّ تأثير، تعامل بعضه مع أجهزة مخابرات وانفصلت غالبيّته الساحقة عن الواقع لترى العالم على ضوءي التزمّت والعنف.

وصارت الولايات المتّحدة الهدف الأوّل لجهاد السلفيّين الجهاديّين. لكنّ راديكاليّتهم لم تتعفّف عن توجيه شفرتها حتّى الى الإخوان وأفكار قطب، لِما رأوه من تساهل في النصّ عندهم. أمّا الإخوانيّون الذين دعموا سلطات قائمة، فساهموا في إسباغ الشرعيّة على نُظم لا تستحقّ غير الاستئصال. وكان التبلور في أفغانستان القاسم الأبرز بين هؤلاء و«طالبان»، ملقّحاً جهاد العرب بالديوبانديّين ممن تمكّنوا بعشرات آلاف الطلبة والخرّيجين من إعلاء النبرة، فكان أوّل ضحاياهم الأحمديّين ممن اعتُبروا كفرة. وباصطدام ضياء الحقّ بشيعة باكستان، صار عداء الديبوبانديّين لهم من ثوابتهم التي فاقمتها أجواء إيران وحربها والعراق. ففي سياقها، ومع جهاد أفغانستان، صارت باكستان جبهة ثانية للنزاع السنّيّ - الشيعيّ. ولأن الديوبانديّين، على عكس المودوديّين النخبويّين، فقراء وعاميّون، حوّلوا تذمّرات طلاّبهم الباكستانيّين والأفغان المعزولين في مدارسهم جهاداً يضرب على غير هدى. وقد أفادهم في هذا جميعاً أنّهم الطرف الإسلاميّ القويّ في شبه القارّة الذي لم يؤيّد بغداد في حربها، ثم استفادوا من وصول بنازير الى الحكم إذ اهتمّت بالإسلاميّين المناوئين للمودوديّين ممن أيّدوا خصمها نوّاز شريف. وهذه في مجموعها عناصر ساهمت في انتصار «طالبان» النهائيّ. لكن حكمهم كان عليه أن يواجه، أواخر 1999، انقلاب برويز مشرّف «الأتاتوركيّ»، ما دلّ إلى أنّ المراتب العليا في إسلام آباد تعيد النظر في الجهاد وخططه.

من ناحية أخرى، فتح الانهيار السوفياتيّ الباب لصعود راديكاليّ إسلاميّ استقبلته «طالبان» بسياسات أكثر تطرّفاً، كهدم تماثيل بوذا والتشدّد مع المنظمات غير الحكوميّة. وفيما فعل فعله تعاظم نفوذ بن لادن في كابول، حفر الجهاد موقعاً له في البوسنة. هكذا عُلّقت آمال على إقامة دولة إسلاميّة في أوروبا، حتى غدت البوسنة إبّان فترة 1992 - 1995- وكان الجهاد الأفغانيّ انتهى فيما الانتفاضة الفلسطينيّة تؤول الى أوسلو - موضوع الجهاد الأوّل. فالجهاد الجزائريّ يبقى بين مسلم ومسلم، أمّا في البلقان فالتجييش بلا حدود، وبمقياسه حوكمت حرب الخليج الثانية إذ ما هذا الكيل بميكالين: حصار للعراق وتجاهل لجرائم الصرب؟

مع ذلك افتقرت قضيّة البوسنة إلى دعم فعّال: فإيران، بعد الخميني، فقدت حرارتها، كما أوقعتها حرب الخليج في ضائقة اقتصاديّة. وقد بدا البوسنيّون، على عكس الأفغان، غير مستعدّين لاستيراد الجهاد. فمع ان عزت بيكوفيتش، أقوى شخصيّاتهم اللاحقة، بدأ منذ الأربعينات تأسيس حركات إسلاميّة نضاليّة وسرّيّة، اختلف موقع البوسنة وتاريخها. فالظرف الاستثنائيّ الذي وفّره اللقاح بين الشبّان الإسلاميّين للسبعينات وانبعاث القوميّات في الثمانينات، بدّده صدّ مدينة سراييفو الكوزموبوليتيّة للإسلاميّين، وتحوّل بيغوفيتش نفسه معتدلاً يمزج تديّنه بالديموقراطيّة ولا يلحّ على دولة إسلاميّة. هكذا مدّ جسراً مع الفئات المعلمنة التي شدّدت الحربُ على أهميّتها، لا لمهاراتها العلميّة والعسكريّة فقط، بل بوصفها همزة وصل بالغرب الذي يحتاجه.

لقد وصل عدد المتطوّعين إلى أربعة آلاف، لكنّ علاقتهم بالمحليّين شابها جفاء ممزوج بعداء، إلى أن حلّت فيلقَهم اتّفاقات دايتون في 1995، وحلّ محله جنود أميركيّون!

حقول القتل

وفي معمعة الحرب الجزائريّة (1992-97)، اتّجه المعتدلون إلى «جيش الإنقاذ» ثم إلى محفوظ نحناح، كما خاطبهم النظام في 1995 ببرنامجه للخصخصة والانتقال إلى اقتصاد السوق. أمّا الراديكاليّون فتماهوا مع «الجماعة الإسلاميّة المسلّحة»، وبقيادة أمرائهم مارسوا عنفاً همجيّاً بلا سياسة مصدّرين الإرهاب إلى فرنسا. وبدوره وسّع التفتّت والتنافس داخل «الجماعة» فرص النظام لتصفيتها. وفيما انهارت «جبهة الإنقاذ» تحت وطأة قمع 1993، مضى المتطرّفون في اغتيالاتهم الصحافيّين والمثقّفين، وفقد النظام سيطرته على مناطق عاثت فيها عصابات الإرهاب منفّرةً مؤمني الطبقة الوسطى. وبامتداد القتل الى الأجانب، وحتّى إلى مؤمنين معتدلين، تراءى ان الراديكاليّين استولوا عنوة على المشهد الأصوليّ. فما أن أسّس المعتدلون، في 1994، «الجيش الإسلاميّ للإنقاذ» ليكون تعبيرهم المسلّح، حتى اندلعت حربهم مع الراديكاليّين ممن كان يُقتل أمراؤهم الواحد بعد الآخر. وعاشت ضواحي فرنسا امتداد الحرب التي أفادت الحكومة الجزائريّة، بينما كانت قطاعات متعاظمة من مؤمني الطبقة الوسطى تلجأ الى حزب نحناح.

وتتالت التصفيات داخل الراديكاليّين، فحين تولّى قيادتهم عنتر الزوابري حوّلهم أداة لعقاب الشعب كلّه. أمّا مؤمنو الطبقة الوسطى فشاركوا بالإجماع في رئاسيّات 1995، على رغم دعوة «جبهة الإنقاذ» إلى المقاطعة. وكان المفاجئ أكثر ان نحناح حصل على ثاني نسبة أصوات بعد أمين زروال.

وجاء عام 1997 عاماً للمذابح بعدما شكّلت السلطة مجموعات أهليّة مسلّحة أقحمت الثارات في المواجهة. لكنّ 1997 سجّل أيضاً نهاية العنف المنظّم. فالزوابري كفّر الشعب لعدم انضمامه الى الجهاد، فخالفه أبو حمزة ونشرة «الأنصار» وكانا صوتيه من لندن. وبينما انهارت كليّاً معنويّات الفقراء المدنيّين، أوقف جيش الإنقاذ عمليّاته العسكريّة كاشفاً ضعفه، ولكنْ أيضاً مُزيحاً إحدى عقبات المصالحة بين النظام ومؤمني الطبقة الوسطى. وبتفسّخ العنف، من غير أن يتوقّف، أتيح اجراء انتخابات 1999.

وفي مصر اغتالت «الجماعة الإسلاميّة» الكاتب فرج فودة ونشطت في أعالي النيل مختارة ضحاياها من أقباط وسيّاح وشرطة. وقد تزامن العنفان الجزائريّ والمصريّ (1992) مع استيلاء المجاهدين على كابول وعودة بعض «الأفغان العرب» منها. أمّا الإسلام المعتدل فتجسّد في الإخوان الذين كانوا يقضمون التمثيل المهنيّ ويقدّمون خدمات للسكّان على النحو الذي فعله إنقاذيّو الجزائر. ومع ان العنف المصريّ ضرب أيضاً في 1997، بعد مجزرة الأقصر، لم يخف التشابه اختلافاً ملحوظاً: ذاك ان الدولة الوطنيّة جديدة على الأخيرة، التي لا أزهر فيها، قياساً بمصر. ثم ان تقليد الصراع مع الإسلاميّين عريق مصريّاً يضرب في ما قبل الناصريّة. هكذا حيل دون صيرورة العنف حرباً، فبلغ القتلى ألفاً في مصر ومئة ألف، حتّى ذاك الحين، في الجزائر.

وبدوره ترافق التوسّع الإخوانيّ، في عهد حسني مبارك، مع اشتداد عود الطبقة الوسطى المؤمنة بفضل المصارف وصناديق الاستثمار الإسلاميّة. وقد شجّعت السلطة هذه الأخيرة مساهمة منها في دمج تلك الطبقة في النظام. لكنّها حين تراجعت خوفاً من حصول المتطرّفين على تمويل لنشاطهم، انهارت المصارف. وما استمرّ كان التشجيع لبنية تحتيّة جسّدتها البرامج التلفزيونيّة، فاعتُمد المشايخ المقرّبون من الإخوان لمنافسة المتطرّفين. لكنّ المشايخ استهدفوا المثقّفين والكتب وبعض السلوكات وخاضوا، هم والإخوان، مواجهات ساخنة مع الدولة لتوسيع نفوذهم. وفي 1987 هدّدت نشاطات الراديكاليّين كامل النسيج الوطنيّ المسلم - القبطيّ، فيما كان الإخوان يحرزون انتصارات انتخابيّة بالتحالف مع «حزب العمل». وإذ تعاظمت الخلافات بين المتطرّفين وبينهم، أعادت أزمة أواسط الثمانينات النفطيّة كثيرين من الخرّيجين الجدد، المهاجرين إلى الخليج، ليعيشوا عالة على ذويهم الفقراء، ما أجّج الصراع الدامي مع الأقباط في مصر العليا المعروفة بعادات الثأر.

غير أن الدولة لم تكن المتضرّر الأوحد، فتأثّرت قطاعات عريضة بانهيار السياحة، وسار هذا موازياً لتحويل أحياء فقيرة في العاصمة المصريّة نسخة عن مناطق السيطرة الأصوليّة في الريف، فنشأت «جمهوريّة إسلاميّة» في أمبابة بالقاهرة. ولم يقتصر التذمّر على الأقباط ممن عانوا الأمرّين، بل امتدّ الى المسلمين، حتّى أطيحت «الجمهوريّة» الفاسدة والمتزمّتة والفالتة في آن معاً. وحاول الإخوان، وقد استولوا في 1992 على نقابة المحامين، التوسّط بين السلطة والمتطرّفين، لكن النظام رفض وتصلّب في رفضه. وفعلاً سُحق الراديكاليّون بين 1993 و1997 عاجزين عن تعبئة الجماهير المدينيّة، فيما أُودع عمر عبد الرحمن، «مفتي العنف»، السجن النيويوركيّ بحكم مؤبّد، وانقطعت الصلة بالعالم الخارجيّ تبعاً لاختفاء طلعت قاسم في كرواتيا. وبتسليم دول أخرى لمطلوبين منهم، وجفاف التحويلات الماليّة، تحول معظمهم قطّاع طرق مكروهين.

وحوصر الإخوان، بدورهم، بين إصرار السلطة على عدم محاورتهم وإصرار شبّانهم الطامحين على التحوّل حزباً أسموه «الوسط»، يخاطب ناخبي الطبقة الوسطى. وحتى هذا المشروع، الذي تحدّث عن حضارة وثقافة إسلاميّتين لا حكم إسلاميّ، وأوحى أنّه يقلّد تجربة المسيحيّة الديموقراطيّة في أوروبا، لم تحتمله السلطة، تاركة للقمع واقتصاد السوق أن يفعلا فعلهما، وقد فعلا.

والحال ان الجهاد تكثّف في مصر والجزائر والبوسنة مع ابتداء عودة المجاهدين من بيشاور في 1992، لكنّ صورة الإسلام السياسيّ تشوّهت. وقد عكس الرأي العامّ نفسه على صانعي القرار الأميركيّين، بشهادة اختلاف التعامل مع عمر عبد الرحمن، وقبله تفجير مركز التجارة في نيويورك.

وتجمّع «عرب أفغان» في لندن التي اتّبعت سياسة هجرة مرنة مغايرة لسياسة باريس، مستفيدين من حريّاتها وإعلامها وقوانينها. هكذا ظهرت نشرة «الأنصار» لمواكبة الجهاد الجزائريّ. وفي باريس، وللمرّة الأولى منذ 1994، انخرط شبّان في أعمال مسلّحة ذات امتدادات دوليّة. وهؤلاء فقراء، قليلو التأهيل والتعلّم، من أبناء الضواحي، بينهم من حاذى التهريب أو السرقة الصغرى. هكذا كان للإرهاب ان فصل شبيبة الضواحي عن الراديكاليّين بينما اعتمدت الطبقة الوسطى ومثقّفوها مواقف أكثر ديموقراطيّة ومؤسسيّة.

وفي أفغانستان ركّز بن لادن عمله على مقربة من المتطوّعين والفارّين. واسم «القاعدة» نفسه إنّما نجم، حسب كيبيل، عن تعريب data base حيث أودع في كومبيوتره المعلومات المتعلّقة بالمنضمّين إليه. لكنّ بن لادن بعدما فقد حلفاء الأمس، لم يبق له من حليف سوى نظامي كابول والخرطوم المفقَرين. فحين أنشأ، مطالع 1988، جبهته الأمميّة «ضدّ اليهود والصليبيّين»، لم يشاركه التوقيعَ إلاّ أيمن الظواهري وحفنة خلايا صغرى هنديّة وباكستانيّة. وجاء تفجير السفارتين في كينيا وتنزانيا عملاً معزولاً يشبه مجازر الأقصر والجزائر في العام نفسه. إلاّ أنّ الشهرة التلفزيونيّة ضاعفت مخاوف مؤمني الطبقة الوسطى من دون أن تردع عن تفجير مدمّرة كول في مياه اليمن.

لكنّ تحرير الكويت وانهيار المعسكر الاشتراكيّ كانا يغيّران الخريطة السياسيّة للمنطقة إذّاك. وفيما ذوت منظّمة التحرير الفلسطينيّة ماليّاً فسياسيّاً، استثمرت حركة «حماس» ذواءها، استثمارها إخفاقات السلام ثم فساد السلطة الوليدة. لكنّ كتلة «حماس» ليست موحّدة: فالشبان المدينيّون الفقراء ميّالون إلى العنف، والطبقة الوسطى المؤمنة هي التي عكست الحركةُ مطامحها الاقتصاديّة. ففي 1992 تمكّنت من تحقيق انتصار كاسح في انتخابات غرفة التجارة في رام الله، ثم نافست «فتح» بنجاح كبير على غرفة نابلس. لكنّها، في المقابل، أمسكت بالشارع ونفّذت عمليّات أحرجت السلطة بقدر ما أحرجتها الردود الإسرائيليّة. فلمّا أُبعد قياديّوهم إلى مرج الزهور في لبنان، ظفر الحمساويّون بصورة البطولة عند فقراء الشبيبة، كما حوّلهم التلفزيون ضحايا عالميّين.

وعندما اتُّفق على «غزّة وأريحا أولاً»، أحسّت المنظّمة بأنها كسبت ما يمكن توظيفه في المنافسة. واحتدم الصراع فيما اعتملت تناقضات «حماس». هكذا تصلّبت الشبيبة المفقرة (ومنها جماعة «القسّام») وقادة الخارج، واعتدلت الطبقة الوسطى مراهنة على تشكيل حزب معارض. لكن عنفي إسرائيل و«حماس» ضيّقا هوامش القمع على «الآتين من تونس»، أو «التوانسة»، خصوصاً مع تردّي أوضاع السكّان الفلسطينيّين. ودون ان تختفي الرغبة في استقرار ما، طغى عليها العنف الذي أوصل بنيامين نتانياهو الى رئاسة الحكومة. عندها، ومع تعثّر السلام، تبيّن للبعض ان السياسة وحدها أداة الحلّ، لكن فشل طابا واندلاع الانتفاضة الثانية أوضحا ان الرأي الغالب مقيم في واد آخر. ومع انتخاب أرييل شارون بلغ العنف ذرى غير مسبوقة، فكسب الراديكاليّون والاستشهاديّون اليد العليا على حساب المجتمع ومصالحه ومستقبله.

وفي 1989 أحرز إسلاميّو الأردن 34 مقعداً برلمانيّاً من أصل 80، بعدما حاولوا التهدئة في أحداث معان المطلبيّة. والإخوان كانوا، عبر علاقة سلسة وقديمة بالعرش، قد سيطروا على مساجد وروابط مارسوا من خلالها تأثيراً ملحوظاً. وهم وفّروا كلّ الدعم للحكم فلم ينخرطوا في مواجهات مع إسرائيل، وانحازوا إليه ضمناً في حرب 1970 الأردنيّة-الفلسطينيّة.

ومع اجتياح الكويت بدت التمايزات واضحة، لكن وصول قوّات التحالف وحّد الجميع وراء بغداد. وهنا اعتمد الملك حسين التوزير الكثيف للإخوان لتجنيب بلده الفوضى، فنالوا وزارات الخدمات التي منحتهم سيطرة كمّلوا بها اختراق المجتمع. لكنْ بعد هبوب عاصفة العراق شُكّلت حكومة بلا تمثيل إخوانيّ، وإثر توقيع وادي عربة عارضوا، ثم قاطعوا انتخابات 1997 طاردين من صفوفهم كلّ المعاكسين.

وعموماً نجح الإخوان، دون أن ينتجوا خمينيّهم، في صون وحدتهم ومنع تجاوزهم راديكاليّاً. وحافظت الإسلاميّة الأردنيّة، بدورها، على خصوصيّة أخرى هي ظاهرة الأعيان المستقلّين ممن رسملوا على توسّع الحركة دون التضحية باستقلاليّتهم. والحال ان المثقّفين ممّن كان يسعهم أن يلعبوا دور القائد استوعبهم النظام وحيّدهم. وفي الموازاة تأسّست «جبهة العمل الإسلاميّ» في 1992 تعبيراً عن مجموع التناقضات، لا سيّما بين ممثّلي الطبقة الوسطى المؤمنة وأغلبهم شرق أردنيّين، والمفقرين الراديكاليّين وأغلبهم من المخيّمات الفلسطينيّة وممن لم يستوعبهم الموقع الفلسطينيّ الحاكم في القطاع الخاصّ. فهي «جبهة»، لكنّها تؤكّد على الديموقراطيّة وتتّسع للنساء على عكس ما كانه الإخوان. ومع الملك عبد الله الثاني حافظوا على تحفّظاتهم حيال السلام، لكنّهم تعاونوا، كما أعيد معظم مرشّحيهم الى المجالس البلديّة. إلا أن اعتقال قادة «حماس» وطردهم عكّر الأجواء، خصوصاً لدى شبّانهم الفلسطينيّين، راهناً الصورة الأردنيّة بوجهة المنطقة العامّة.

وفي أواسط السبعينات التركيّة غدا نجم الدين أربكان نائبا لرئيس الحكومة، ليستفيد من تعاظم النفوذ الإسلاميّ في الثمانينات. وأريد لـ«الرفاه»، حزب أربكان، أن يمهّد لانخراط رأسماليّة ريفيّة جديدة في اقتصاد متوسّع، كما خاطب مثقّفين إسلاميّين لم ينقطع حبلهم بالأفكار الغربيّة. وبامتداده إلى الدياسبورا وتوظيفه تناقضات الأحزاب «الرسميّة» واللعب عليها، نجح في توحيد مؤمني الطبقة الوسطى والمثقّفين الإسلاميّين وشبيبة ضواحي الصفيح.

وأربكان رئيس للفرع الصناعيّ في اتّحاد غرف التجارة. بدأ في «حزب العدالة» المحافظ، وريث عدنان مندريس وتقليده، ثم صار نائباً عن قونيه، أمتن قلاع الأخويّات التي حلّها أتاتورك في 1925. أما برنامجه فكان، على الدوام، إسلاميّاً وتكنوقراطيّاً، مشجّعاً للصناعة وكارهاً للغرب، يدافع عن المراتب القديمة ضدّ البورجوازيّة الكوزموبوليتيّة لأزمير وإسطنبول. ولئن شابهت دعوته دعوة الإخوان المصريّين، فإنّه كان مضطرّاً دائما للإقرار بعلمانيّة الدولة، وهو قيد الأتاتوركيّة الذي استُخدم مراراً لحلّ أحزاب يؤسّسها أربكان. لكنّه من موقعه الحكوميّ والرسميّ في السبعينات، نطق بلسان الحِرَفيّين وصغار الباعة رابطاً وزاراته الخدميّة بتوفير الخدمات لهم وتوفير فرص العمل. وإلى مكافحة «التغريب» و«الإباحيّة»، أدخل خرّيجي المدارس المشيخيّة الجامعات، ما لعب الدور الأكبر في خلق نخبة
ثقافيّة إسلاميّة.

إلاّ أن انقلاب كنعان إفرين في 1980 ترافق مع تجذّر الحزب، وكان مناخ الخمينيّة عامّاً في الشرق الأوسط. لكنّ الإسلاميّين الأتراك لم ينجرفوا إلى العنف لأنّ قياداتهم، على عكس سائر الأصوليّات، وجوه بارزة في المجتمع المدنيّ. وهؤلاء ومثقّفوهم بدوا مهجوسين بإحراز موقع في مجتمع تعدّديّ متزايد اللبرلة، بدل الانفتاح على فقراء المدن ومكافحة حكومة «الطاغوت»، على الطريقة الإيرانيّة. وكان ما ضاعف اعتدالهم تحالفهم مع تورغوت أوزال الإسلاميّ - الليبراليّ، ثم قرار كنعان إفرين تعليم الدين لفصل الشبيبة عن «التعاليم المتطرّفة»، فتولى المهمّة مَن كان عيّنهم أربكان في وزاراته. وقدّم التحوّل الرأسماليّ لأوزال، لا سيّما طفرة الإعلام والتلفزيون، فرص عمل واسعة للنخبة الإسلاميّة، كما علّمها المنافسة في السوق والاستجابة للذوق العامّ.

بيد أنّ وفاة أوزال في 1993 وتراجع حزبه «الوطن الأمّ» فتحا الباب لـ«الرفاه»، كما خلطا أوراقه، فتحوّل في 1995 الحزبَ الأوّل فيما كان اليمين التقليديّ ينشقّ حزبين (تانسو تشيلر ومسعود يلماز). ومن فوهة التعليم والحجاب خرج الصدام مع العسكر. فالسلطة التركيّة، على عكس مثيلاتها في الشرق الأوسط، آثرت الاحتفاظ لنفسها بالهيمنة الايديولوجيّة. غير أنّ الرأسماليّة الجديدة، الأناضوليّة الأصول، بات عليها أن تختار، هي المستفيدة من البنوك والمشاريع الإسلاميّة، ومن الالتزامات والفرص التي وفّرتها الأوزاليّة. والخيار اتّضحت مقدّماته في تنظم المعارك الانتخابيّة الناجحة أواسط التسعينات، بالتركيز على الاقتصاد لا على الدين، وبحملة إعلاميّة عصريّة أكسبت «الرفاه» أصواتاً تتعدّى ما تدرّہ مكوّناته الأصليّة.

صحيح ان أربكان راعى، في رئاسة الحكومة، التوازنات القائمة، وأن الجيش ضغط لإطاحة ائتلافه، لكنّ الصحيح أيضاً أنّ حكومته بيّنت مصاعب التوفيق بين المشروع الإسلاميّ وحقائق الحياة. لهذا لم يضطرّ الجيش، ذو التاريخ الانقلابيّ، أن يشنّ انقلاباً، مستفيداً من تذمّر جمهور علمانيّ واسع ساءه ردّ متحف صوفيا إلى جامع، أو إقامة مسجد في قلب ساحة «تقسيم» المركزيّة بإسطنبول.

وقد فشل أربكان في التصدّي للعلاقة العسكريّة بإسرائيل، فشله في إنشاء «سوق إسلاميّة مشتركة». وفي محاولته التحكّم بتناقضاته، امتدح أتاتورك فأثار نقمة راديكاليّي حزبه. وبالفعل وجد أربكان نفسه بين نار الضبّاط الذين يحرّضون تشيلر عليه ونار المزايدين إسلاميّاً، فسقطت الحكومة. أمّا «الفضيلة» الذي حلّ محلّ «الرفاه»، فعاش صراعا حادّاً بين القدامى والجدد الذين قدّموا تنازلات كبرى في ما خصّ العلمانيّة والحجاب والمرأة، مؤيّدين الاتّحاد الأوروبيّ والديموقراطيّة والانفتاح على بيئة غدت أوسع وأكثر علماً وارتباطاً بالكومبيوتر وبالسوق، بيئةٍ تقع في المدار العريض للطبقة الوسطى. إلاّ ان الحزب الجديد حُلّ بدوره.

وآلت الخطوط الى لوحة داكنة. ففي أواخر 1999 أبعد عمر البشير حسن الترابي وبدأ يشيع الحديث في أوساط الإسلاميّين السودانيّين عن انسداد مشروعهم. فكما في أفغانستان تبيّن ان العنف والإبعاد وسيلتهم لحلّ خلافاتهم، فيما كان الرئيس الماليزي مهاتير محمّد يوجّه لسجينه أنور ابراهيم أبشع النعوت، والرئيس الإيرانيّ محمّد خاتمي يتخبّط بعجز البرنامج السياسيّ لإيران الخمينيّة.

لقد تغيّرت شبيبة إيران وهمومها. وبينما انتقل الإرهاب الى الخارج شرع بعض المثقّفين الإسلاميّين يدخلون الديموقراطيّة والمجتمع المدنيّ إلى منظومة أفكار احتكرها قبلاً الخميني والمودودي وقطب. وإذا جاءت التحوّلات الاقتصاديّة لتجذب مؤمني الطبقة الوسطى، اتّجهت أحزاب إسلاميّة (حزب الله اللبنانيّ، حزب الوسط المصريّ) الى درجة أعلى من مخاطبة هموم بلدانها، أو هذا، على الأقلّ، ما تراءى لكثيرين من المراقبين[2]. ووراء هذا مجتمِعاً كمن إخفاق مشروع قام على حلف ما لبث أن تهاوى، وفي سياق تهاويه حصل 11 أيلول.

هكذا ينعى جيل كيبيل الجهاد ويرى في إفضائه إلى الفعلة النيويوركيّة دليلاً على موته. غير أنّه نعي لا يستقيم إلاّ في حدود امتناع الوصول إلى السلطة وتفرّد الأصوليّة الإيرانيّة في ذلك. أمّا إذا كان المقصود نعي الوجود الأصوليّ نفسه وتوقّع انحساره السريع، فهذا، في أغلب الظنّ، تسرّع ومغالاة لا يؤيّدهما الواقع.

أمّا «جهاد» الصحافيّ الباكستانيّ أحمد رشيد فيختلف عن «جهاد» كيبيل، إذ يحصر نفسه في منطقة بعينها يشير إليها عنوان الكتاب الفرعيّ: «صعود الإسلام النضاليّ في آسيا الوسطى». فالمنطقة المذكورة التي عرفت فائضاً من التاريخ، كان الكثير من فائضها جغرافيّ المصدر. ذاك ان وقوعها في قلب العالم القديم وكونها «طريق الحرير» الذي ربط الصين بأوروبا، جعلا داريوس يضمّها الى فارس في 500 ق.م. وستالين يقسّمها، في عشرينات القرن العشرين، خمس جمهوريّات اشتراكيّة.

لكنّ جغرافيّتها لم تتحوّل تاريخاً حيّاً بقدر ما فعلت في أواخر القرن التاسع عشر، حين ضُمّت الى الإمبراطوريّة القيصريّة التي ما لبثت أن صارت الإمبراطوريّة السوفياتيّة والشيوعيّة. والحال أن أهل آسيا الوسطى لم يرغبوا في أن يصيروا سوفياتاً، كما قاوموا السفيَتَة بأكثر مما فعلت المناطق الأخرى، فتولّت المقاومةَ «العصاباتُ» المسلمة، بحسب التسمية البلشفيّة. وهذه ظلّت تقاتل مدعومة من بريطانيا ومجزّأة إثنيّاً وقَبَليّاً، عاجزة عن تطوير أيّ وعي بديل، الى أن سُحقت نهائيّاً عام 1929.

والسكّان مسلمون سنّة في غالبهم وعلى المذهب الحنفيّ، أمّا الشيعة فأقليّة صغرى في بعض المدن التجاريّة كبخارى وسمرقند، كما في طاجيكستان حيث يوجد أيضاً إسماعيليّون. غير أنّ الصوفيّة تبقى أهم الحركات الإسلاميّة هناك، كما يبقى نزاع التقليدين الفارسيّ والتركيّ أهم المواريث الإثنيّة التي غدت ثقافيّة وسياسيّة.

وكان القياصرة الروس يجمعون بين دعم علماء الدين التقليديّين وبين تسهيل هجرة روسيّة الى آسيا الوسطى تنقل معها بعض المعارف الغربيّة والحديثة. وهذا ما مهّد لبزوغ إعادة تأويل للإسلام رعاها «الجديدون»، وهم فرقة إصلاحيّة من التتر كان ملهمها إسماعيل بك غاسبرينسكي الذي أسّس، في 1883، صحيفة «تركمان» النافذة باللغة التتريّة. و«الجديدون» هؤلاء أتوا من فرق إصلاحيّة كثيرة عرفها العالم الإسلاميّ مع احتكاكه بالغرب، فقام أساتذتهم بتأسيس مدارس جديدة بمناهج جديدة تأخذ في حسبانها الرياضيّات والعلوم والمسرح والأدبين الروسيّ والتركيّ، فضلاً عن الموضوعات الإسلاميّة التقليديّة بالطبع.

بيد أن احتضانهم الانتقائيّ للحداثة لم يواجه «الجديدين» بالروس وحدهم، بل كذلك بالعلماء. غير أن السوفيات هم من اعتبروهم، لاحقاً، «صلاحيّين بورجوازيّين» ومنعوا أدبهم، حتى إذا وصل ستالين الى السلطة شرع بتطهيرهم إلى أن أكمل استئصالهم في مذابح 1937. وهذا لا يلغي ظهور مسلمين شيوعيّين كان أبرزهم الصحافي والكاتب التتريّ سلطان غالييف (أو علييف) الذي طوّع، إبّان الحرب الأهليّة، 250 ألف مسلم في الجيش الأحمر لمحاربة البيض. لكن غالييف رأى أن المسألة القوميّة تعلو الصراع الطبقيّ في آسيا الوسطى، وأنّه لا بدّ من وجود حزب وجيش شيوعيّين مسلمين إذ الإسلام والماركسيّة يصبحان قابلين للمصالحة متى نال المسلمون نوعاً من حكم ذاتيّ. ولئن ساير البلاشفة هذا الطرح إبّان الحرب الأهليّة فإنّهم مالوا، بعد انتصارهم، الى اعتقال غالييف وفرض الحزب المركزيّ الواحد.

وقد عزل الشيوعيّون آسيا الوسطى عن العالم كليّاً. فحين وفدت التسعينات واستقلّ أهلها، مع انكسار الإمبراطوريّة الشيوعيّة، أحسّوا أنهم لا يزالون في العشرينات حين انقطع بهم التاريخ وانقطعوا عنه. وقد سبق لستالين، على طريقته، أن رسم حدوداً عشوائيّة بين الجمهوريّات التي استولدها: فالطاجيك، مثلاً، أُعطوا جمهوريّة لا تضم حاضرتيهم الثقافيّة والاقتصاديّة، بخارى وسمرقند، اللتين ضُمّتا الى أوزبكستان. وهذا ما أضاف سبباً آخر للنزاعات، فجاءت برامج التجميع الزراعيّ تتسبّب في نزف بشريّ وهجرة واسعة إلى الصين، حتى أن كازاخستان وحدها خسرت مليوناً ونصف مليون، أي ثلث سكّانها، ما بين هجرة وقتل ومجاعة. وكان من الطبيعيّ أن تتركّز الكارثة في الكتل البشريّة المتنقّلة وذات ملكيّات الأرض الجماعيّة والضخمة ممن أرادت الشيوعيّة جرّهم من أعناقهم إلى التوطّن والتقدّم.

فالسوفيات عملوا أيضاً على تحديث المنطقة، ناشرين التعليم ومعمّمينه، ومهتمّين بالعناية الصحيّة ونمو الصناعة ومكننة الزراعة وتطوير مواصلات تلحم آسيا الوسطى بروسيا. وهذا ما ساعد على تدفّق إنتاج المناطق المسلمة وثرواتها على موسكو، كما صيّر الأولى، بالمعنى الاستعماريّ الكلاسيكيّ، مستعمرة لصناعات الثانية وسوق تصريف لملايين الروس ممن أعيد إسكانهم بالقوّة هناك، كيما يزرعوا الأرض ويديروا المعامل.

وفي الموازاة شنّ السوفيات حملتهم الضارية على الإسلام وممارسته. فهو ما اعتبره البلاشفة أكثر تخلّفاً من الأديان المتخلّفة كلّها، كما اعتُبر عنصرَ تهديد لسيطرتهم. وعموماً أُغلقت المساجد ومُنعت الاحتفالات ونُزع الحجاب. وبعد أن عرفت الامبراطوريّة الروسيّة، عام 1917، حوالى 20 ألف جامع لم يبق منها، في 1935، سوى 84 جامعاً مسجّلة رسميّاً. وفقط مع الغزو الألمانيّ في 1941 تحسّنت العلاقة قليلاً تبعاً لحاجة ستالين إلى دعم سائر الشعوب والجنسيّات. لكنْ في 1944 نفى ستالين نصف مليون شيشانيّ الى آسيا الوسطى وسيبيريا مات ثلثهم، وتسبّب الثلثان في تعقيد المشاكل الإثنيّة والقوميّة حيث حلّوا.

وعاد القمع الى سيرته الأولى وإن استرخى قليلاً مع خروتشوف، كما في مناسبات عابرة ودعائيّة عن «المسلمين السوفيات» كان هدفها التقرّب من العالم الإسلاميّ. واعتمدت موسكو «إسلاماً رسميّاً» مضبوطاً لم يؤثّر في السكّان الذين اتّجهوا الى ممارسة إسلامهم وتقاليدهم القديمة بمواظبة وسريّة مدهشتين. ففي 1945، مثلاً، وُجد في أوزبكستان 600 جامع سريّ، وفي 1960 كان في طاجيكستان 6000 شيخ سريّ، فيما حافظت الطرق الصوفيّة الممنوعة على دورها الكبير في بعث الماضي وطقوسه.

ومع غورباتشوف وإصلاحاته التي رافقها انبعاث مناخ معاد للإسلام، ظهرت صحوة بُنيت معها آلاف المساجد، خصوصاً وقد صعد التطرّف الدينيّ بتأثير عوامل داخليّة وخارجيّة معاً. ففي الثمانينات قاتل جنود سوفيات مسلمون في أفغانستان فانجذبوا هناك إلى الإسلام الأفغانيّ، وفي 1986 بات المجاهدون الأفغان يعبرون حدود طاجيكستان وأوزبكستان لشنّ عمليات ضدّ الجيش الأحمر، كما غدا مئات الأوزبك والطاجيك يهاجرون سرّاً إلى باكستان وبلدان إسلاميّة أخرى فيدرسون في مدارسها أو يتدرّبون في مخيّماتها. وفي أواخر العقد باتت مدارس ديوبانديّة في باكستان تحجز مقاعد مخصّصة لطلاب آسيا الوسطى. لكنْ فيما انصبّ التأثير الديوبانديّ والطالبانيّ على مَن شكّلوا لاحقاً «الحركة الإسلاميّة لأوزبكستان»، فإن الطاجيكيّ الأفغانيّ شاه مسعود هو من طغى تأثيره على الطاجيك.

بيد أن أواخر 1991 تبقى محطة مفصليّة. فقد اجتمع رؤساء الجمهوريّات الآسيويّة الخمس (كازاخستان وطاجيكستان وقيرغيزستان وأوزبكستان وتركمانستان) ليراجعوا قرار حلّ الاتّحاد السوفياتيّ. وهذا القرار كان قد صنعه رئيس روسيا بوريس يلتسن ورؤساء الجمهوريّات السوفياتيّة الأوروبيّة وحدهم ممن أسّسوا «كومنولث الدول المستقلّة». وكان طبيعيّاً أن يشعر الزعماء المسلمون بالإهانة، لا سيّما وأنّهم كانوا الأكثر تشدّداً وإصراراً على الوحدة السوفياتيّة، والأشدّ حماسة في تأييد الانقلاب الشيوعيّ السيِّئ الحظّ على غورباتشوف.

والحال أن الذين تولّوا رئاسة الجمهوريّات الجديدة كانوا شيوعيّين بالغي التزمّت، راعهم الاستقلال الذي رحّبت به شعوبهم. إلاّ أنّ أشدّ ما أخافهم اضطرارهم إلى التعامل مع حياة سياسيّة ورأي عام أكثر حريّة مما لم يعهدوه من قبل، خصوصاً أنهم جميعاً وصلوا إلى الأمانة العامّة لأحزابهم الشيوعيّة بعد وصول غورباتشوف في 1985، تبعا للموت الطبيعيّ المتسارع الذي ألمّ بسابقيهم. وهكذا لم يتسنّ لهم الوقت الكافي لبناء سلطاتهم وتحصينها.

ما بعد الشيوعيّة

وفجأة وجدت هذه المنطقة المطواعة نفسها نهباً لأزمة اقتصاديّة مصدرها الانقطاع الفجائيّ عن الاقتصاد الروسيّ، مصحوبة بتوتّرات إثنيّة ومشاعر مناهضة للروس، فضلاً عن أزمة حكم وشرعيّة. وبخليط مطلبيّ - إثنيّ انفجرت نزاعات دمويّة عدّة في آسيا الوسطى بينما كان الشيوعيّون الأفغان يتهاوون في كابول.

مع هذا كلّه رفض القادة القدامى - الجدد حتّى التفكير بإصلاحات اقتصاديّة تمهّد لهم طريق العون الغربيّ، على ما حصل في الجمهوريّات السلافيّة. وبدورها، وفي موازاة الاندفاع غرباً، تراكمت أجواء روسيّة معادية لآسيا الوسطى ولكونها «عبئاً علينا»، بلغت أوجها مع صعود يلتسن، وعبّرت عنها المطالبة بدفع جميع الديون المستحقّة بالدولار. بيد أن القادة القدامى - الجدد الذين لم يحرّروا اقتصادهم، عجزوا أيضاً عن إنشاء أيّ سوق مشتركة بينهم. وكان «الحلّ» بالتشدّد في القمع وتوطيد الطابع البوليسيّ لسلطات دولهم، ما دفع المعارضين والإصلاحيّين، فضلاً عن الإسلاميّين، الى السرّيّة والتجذّر معاً.

ولئن نظر قلّة من ديموقراطيّي آسيا الوسطى الى روسيا وجمهوريات البلطيق كمصادر استلهام، نظر كثيرون من الشبّان إلى العالم الإسلاميّ والإسلام. وبالفعل فوجئت النخبة، بسائر اختلافاتها، بسرعة الانبعاث الإسلاميّ الذي لم يقتصر على بناء المساجد إذ صحبه وصول الدعاة والمصاحف والأموال من السعوديّة والخليج. ولأنّ الحكّام عزفوا عن التعامل مع التقاليد الدينيّة والطرق الصوفيّة القديمة، فقد راهنوا مجدّداً على «الإسلام الرسميّ» المكروه والعاجز عن مواجهة إسلام شعبيّ وشبابيّ صاعد ومعزّز بالدعم والمؤسّسات الأهليّة. وكان كلّما كبر القمع زاد التحدّي ممثّلاً في تضخّم الصفّ الجهاديّ.

وجاءت الحرب الأهليّة في طاجيكستان عام 1992 أشبه بإعلان ضخم عن الذات تمارسه حركة أصوليّة من أبناء وأحفاد رجال «العصابات» التي قاتلت البلاشفة. فالحرب تلك كلّفت، قياساً بعدد السكّان، نسبة من الضحايا أعلى مما كلّفته أيّة حرب أهليّة أخرى طوال الأعوام الخمسين التي سبقتها. وكان الأب الروحيّ للحركة الملاّ محمد رستاموف هندوستاني الذي درس على الديوبانديّين وتوفّي في 1989، ليخلفه تلميذه سعيد عبد الله نوري، سليل إحدى العائلات التي أعاد السوفيات إسكانها، عام 1953، في حقول القطن بالجنوب. ففي 1987 قاد نوري أوّل تظاهرة في المناطق الحدوديّة تأييداً للمجاهدين الأفغان. وبعد اعتقاله ثمّ إطلاق سراحه في العام التالي، شارك في تأسيس «حزب المقاومة الإسلاميّة».

لكن فيما نجح الحزب في طاجيكستان بسبب التقاطع العريض بين القوميّة والدين هناك، عاقداً تحالفات مع العشائر والمجموعات الإثنيّة، لم تحرز فروعه في باقي الجمهوريّات النجاح نفسه. ففي كازاخستان سيطر عليه غير الكازاخ، ما نفّر باقي السكّان وبعّدهم، وفي قيرغيزستان لم يتجذّر إلاّ في الجنوب بين الأوزبك وحدهم، عاجزاً عن بناء أيّ موطئ قدم في تركمانستان. ومع انه انتشر بسرعة في أوزبكستان، غير ان اختفاء قائده عبد الله يوتايف وجّه له ضربة موجعة. وكالعادة راحت تظهر، في مناخ الحرب الأهليّة، مجموعات أشدّ راديكاليّة كـ«التوبة» و«المقاتلين في سبيل الإسلام». الاّ أن الحرب التي تناسلت هي التي أضعفت «حزب المقاومة» لعجزه عن التوفيق بين إثنيّات زجّ القتال المتطاول بواحدتها ضد الأخرى. ومع اتّفاق السلام في 1997 انشقّ الحزب الى معتدلين ومتطرّفين يرفضون التسوية التي قضت بانضمامهم الى الجيش الحكوميّ.

غير أنه بضمور هذا الحزب الذي طمح إلى تحويل آسيا الوسطى كلّها ساحةً واحدة للجهاد، ظهرت المحاولة الثانية العابرة للحدود. فرافضو التسوية التحقوا بالقائد الأوزبكيّ جمعة نامنغاني الذي كان من المسؤولين العسكريّين في «حزب المقاومة» بعدما قاتل في أفغانستان. وبما أنه رفض إنهاء الحرب الطاجيكيّة، بات عليه أن ينتقل بمشروعه الى بلده الأصليّ حيث أسّس «الحركة الإسلاميّة لأوزبكستان» وبدا أشبه بغيفارا الإسلاميّ.

لكنْ ربّما كان أكثر ما يثير الحيرة نموّ «حزب التحرير الإسلاميّ» الذي وفد الى آسيا الوسطى قبل أواسط التسعينات. فهذا الحزب الذي أسّسه الشيخ الفلسطينيّ الراحل تقي الدين النبهاني، تولّى قيادته في أوزبكستان وقيرغيزستان وطاجيكستان شيخ فلسطينيّ آخر هو عبد القديم زلوم. والحزب سريّ جدّاً ولا يمتّ بمطلق صلة الى تقاليد تلك المنطقة، لكنْ ربّما أمكن ردّ نجاحه الشعبيّ الفائق إلى جملة أسباب متضاربة: فهو بادي الاكتراث بالتكنولوجيا المتقدّمة وأدواتها، يعوّل على تغيير المجتمع بعيداً من العنف، كما يعادي الشيعة بضراوة ويخاطب احترام سكّان آسيا الوسطى للسلطنة العثمانية مغازلاً كلّ دعوة إلى بعثها.

أمّا «الحركة الإسلاميّة لأوزبكستان» بزعامة نامنغاني فهي التي حظيت بدور أوسع وضوء أكبر. ذاك انها شاركت في خوض حروب «طالبان» ضد مسعود، ثم قدّمت لـ«طالبان» مئات المقاتلين، فيما سيطرت على جزء من تجارة الهيروين التي تربط أفغانستان بأوروبا عبر آسيا الوسطى. ومن دون أن يتأكّد ذلك ذُكر أنّها غيّرت اسمها في 2001 ليصير «حزب تركستان الإسلاميّ» الهادف الى تعميم الثورة الإسلاميّة في تركستان التاريخيّة، أي سائر آسيا الوسطى وإقليم كسينجيانغ الصينيّ. وهو مشروع غير قابل للفصل عن المشروع الذي كانت ترعاه «طالبان» في كابول.

وكان أحمد رشيد قد أصدر كتابه «طالبان» قبل 11 أيلول، مع أنه عاد فاستدركه بطبعات تأخذ الحدث الكبير في الحسبان. لهذا فحين أطيح البرجان النيويوركيّان هرع القرّاء الغربيّون إلى كتابه حتّى صار «الكتاب الذي يقرأه الجميع»، حسب صحيفة «الغارديان» البريطانيّة.

ومستفيداً من خبرته الصحافيّة في تغطية أفغانستان طوال 21 عاماً، اقترب رشيد من صعوبات ذاك البلد التي يفاقهما ضعف البُنى السياسيّة لـ«طالبان»، وغموض قيادتها. فهي، على عكس ما يفترضه «زمن الاتّصالات»، لا تُصدر بيانات ولا تعقد مؤتمرات صحافيّة. ولقد منعت الصور والتلفزيون وأحاط الجهل بمظهر زعيمها. فهي، بعد «الخمير الحمر» الكمبوديّين، أكثر حركات عالمنا سرّيّة وبدائيّة.

لكنّ «طالبان» آخر حلقات سلسلة طويلة من غزوات التاريخ الأفغانيّ ومداخلات القوى الخارجيّة فيه. فحين ابتدأت المقاومة لموسكو وحلفائها، والغزو والمقاومة كلّفا مليوناً ونصف مليون قتيل، انطلقت حول قندهار الجنوبيّة وتركّزت في الدورانيّين البشتون جنوب المدينة. فالصراع هناك كان جهاداً قبَليّاً أكثر منه جهاداً إيديولوجيّاً بقيادة إسلاميّين. أما في بيشاور، على الحدود الباكستانيّة - الأفغانيّة، فتولّت الأمر سبعة أحزاب اعترفت بها باكستان وإليها اتّجهت المساعدت.

ولئن لم يكن أيّ من قادة هذه الأحزاب من دورانيّي الباشتون، توزّع الشبّان الذين غدوا لاحقاً قيادة «طالبان»، عليها. وإذا بدا توفير السلاح حاسماً في الاستقطاب، راحت التناقضات بين قيادات المجاهدين البشتون تضعفهم جميعاً. ومع الانسحاب السوفياتيّ في 1989 لم تسقط العاصمة كابول في أيدي بشتونيّين، بل استولى عليها المجاهدون الطاجيك والأوزبك والهزارا، ففقد البشتون سيطرتهم على عاصمتهم للمرّة الأولى منذ 300 عام.

وكان جميع المنضمّين إلى الملاّ عمر أبناء الجهاد الذين أحبطهم حكم المجاهدين وحروبهم، وهناك اليوم مصنع قصص وخرافات عن تأسيس «طالبان»، أرجحُها اغتصاب فتاتين في 1994 ممن انتقم لهما عمر، ما أعطى المسألة الأخلاقيّة موقعاً تأسيسيّاً في الحركة. لا بل جاء اختياره للقيادة، هو العديم الكفاءات، ناجماً عن تقواه. بيد أن البعدين البشتونيّ والأخلاقيّ انضافا إلى الروابط الوثيقة مع باكستان حيث عاش كثيرون منهم ودرسوا في مدارسها الدينيّة، لا سيما الديوبانديّة. وباكستان نفسها كانت محيّرة حيال أفغانستان المحرّرة: فحكوماتها المتتابعة بدت مهتمّة بفتح الطرق البريّة للتجارة مع آسيا الوسطى، وكان العائق الأكبر استئناف الحرب الأهليّة في أفغانستان حيث لا يمكن لأيّ من الطرق المقترَحة إلا المرور عبرها. ولما خيّب حكمتيار أمل المدافعين عنه داخل السلطة الباكستانية، و20 في المئة من جيش باكستان بشتون، اتّجهت الأنظار إلى «طالبان». وفعلا تنامى عددهم مع تعاظم العنف فحين أحكموا، في 1995، قبضتهم على 12 من أصل 31 إقليماً، طبّقوا الأمن وفرضوا أيضاً أشدّ تأويلات الشريعة تزمّتاً.

وقيل يومها إنّ 20 ألف أفغانيّ ومئات الباكستانيّين من المدارس تدفّقوا عبر الحدود لينضمّوا. وكان معظم هؤلاء بين الـ14 والـ24 سنة، عاشوا في مخيّمات اللجوء ودرسوا في المدارس التي زوّدتهم ثقافة دينيّة أوليّة وحِرَفيّة، دون أيّة فكرة عن العلوم والرياضيّات والأدب والتاريخ والجغرافيا. بل من دون أيّة معرفة بتاريخ بلدهم وإثنيّاته وجماعاته. ولأنّهم لم يعرفوا بلدهم في حالة سلم واستقرار، اندفعوا إلى التعلّق بطوبى خلاصيّة يحثّهم على طلبها فقرهم الشديد. وإذ منحتهم الحياة ملَكة وحيدة هي القتال، فإنّها فصلتهم كليّاً عن المرأة فلا عاشوا قريباً من أمّ أو أخت، فيما لقّنهم ملاّتهم أن النساء غوى شيطانيّ فحسب.

وبسهولة نسبيّة حاربوا وغلبوا البشتونيّ حكمتيار، لكن مواجهاتهم بدت أصعب مع الهزارا الشيعة ومع رستم الأوزبكيّ، وخصوصاً مع مسعود الطاجيكيّ. وكان دور المخابرات العسكريّة الباكستانيّة مهمّاً إذ دعمتهم سياسيّاً وعسكريّاًً في معاركهم كلّها. هكذا أسقطوا مدينة هرات الناطقة بالفارسيّة والتي ظلّت مهد الحضارة الأفغانيّة، رغم تعرّضها لنكبتي المغول والسوفيات. وعوملت هرات كأنّها بلد محتلّ وفُرضت عليها إدارة بشتونيّة يعييها التفاهم مع أهلها بلغتهم.

أما حصار كابول عشرة أشهر فلم يصدّع دفاعاتها، بحيث دعا الملاّ عمر مئات رجال الدين والملالي من أطراف البلاد إلى قندهار للحصول على بيعتهم له كـ«أمير المؤمنين». لكنّ هذا لم يحصل من دون مَسرَحة أداها الرجل الكاره للمسرح، فقلّد الرسول وعمر بن الخطاب تاركاً عليهم إيحاءات تأثيريّة بيّنة استثمرها لانتزاع دعوتهم الجماعيّة للجهاد ضدّ حكومة ربّاني.

ولئن اتّضح العجز الباكستانيّ عن بناء جبهة ضدّ كابول، نشأت على الأرض جبهة ضدّ «طالبان» مع تسلّم حكمتيار رئاسة الحكومة. ومجدّداً كان الدعم الكثيف والاستثنائيّ، ردّاً على التطوّر الأخير، ما سمح للطالبانيّين بأن يتقدّموا عسكريّاً فيحتلّوا جلال آباد، ويزحفوا بسرعة صاروخيّة على كابول التي أسقطوها في 26 أيلول 1996. ودُشّن النظام الجديد بقتل الرئيس الشيوعيّ الأسبق نجيب الله بأكثر الطرق وحشيّة. وخلال 24 ساعة فرضوا أشدّ المعايير تخلّفاً ضدّ المرأة، ثم ضدّ الموسيقى والرجال غير الملتحين.

واتّجه مسعود، الذي انكفأ الى منطقته في البانشير، إلى تحالف مع أمراء الحرب المتضرّرين. وفعلاً حصلت معارك ضخمة جرى فيها الكثير من الكرّ والفرّ، لكنّها لم تفعل غير مفاقمة الألم وتعظيم ظاهرة اللجوء الأفغانيّ، حتى أمست أعوام 1997 – 2000 معرضاً لدم غير مسبوق. فعناصر «طالبان» الذين مضوا يستقدمون أفواجاً بعد أفواج من المدارس الباكستانيّة، استأنفوا حروبهم للاستيلاء على الشمال. هكذا حلّت مذابح همجيّة نزلت بالشيعة خصوصاً، ولكنْ أيضاً بالطاجيك والأوزبك والبشتون، كما رُسمت خطوط تقسيم واضحة وارتسمت سياسة تطهير عرقيّ. ولئن استمرّ التأييد الباكستانيّ الذي لم يقطعه انقلاب برويز مشرف، عاش النظام عزلة زادتها الأزمة الاقتصاديّة تحت وطأة الجفاف المصحوب بتدمير الشمال، مصدر الثروة الزراعيّة للبلاد. فروسيا وجمهوريات آسيا الوسطى أرعبها دعم كابول للجماعات الإسلاميّة المتطرّفة فيها واعترافها بـ«جمهورية الشيشان». وإيران كادت تندفع إلى حرب مع أفغانستان بعد المذبحة التي أنزلها «طالبان» بالشيعة وتوّجوها بقتل الديبلوماسيّين الإيرانيّين في باميان. والهند أزعجتها مخيّمات تدريب الكشميريّين في أفغانستان. وتحت ضغط اللوبي النسائيّ والنسويّ، انتقلت الولايات المتّحدة إلى موقف بالغ السلبيّة حيال «طالبان»، فيما انكفأت المنظّمات غير الحكوميّة عن البلد ثمّ غادرته. وجاء تفجير تماثيل بوذا معطوفاً على رعاية تجارة الأفيون ليرسم ما تبقّى من ملامح الحكم الطالبانيّ.

والحال أن المجتمع الأفغانيّ مجتمع مؤمن إلاّ أنه متسامح بالمعنى القديم، تسامحُه استند إلى الدور المركزيّ الذي لعبه الأعيان التقليديّون والمدارس الصوفيّة في الإسلام الأفغانيّ. لكنّ الشيوعيّة وجّهت الضربة الدمويّة لعائلات ذاك الإسلام، وخلال الحرب ضدّها وجّهت المخابرات الباكستانيّة والأميركيّة الضربة الثانية، بأن همّشته وفضّلت الأحزاب الإسلاميّة «الحديثة» ذات البناء العقائديّ والمركزيّ (حكمتيار ومسعود). وقد كالت له هذه الأخيرة الضربة الثالثة، حتى إذا باشرت «طالبان» حروبها صار كلّ كلام عن التسامح بلا معنى، سيّما وقد غرقت كلّ إثنيّة في دماء الإثنيّة الأخرى.

وإذا بدت معضلة الأحزاب «الحديثة» أنّها لم تعترف بالإثنيّات مركّزةً على إسلام إيديولوجيّ جامع تعود بعده إلى اكتشاف الواقع المرير، فالمعضلة نفسها عرفتها «طالبان» بحدّة أكبر. هكذا سعت إلى الدمج والتذويب بحدّ السيف من دون أن تصدر عن أيّ من تقاليد الإسلام الأفغانيّ.

فالتأثير الأكبر عليهم جاء من المدارس الديوبانديّة. لكنّ «الإصلاح» الذي أراده الديوبانديّون، وكان من مرتكزاته العداء للهندوس والشيعة والتزمّت حيال المرأة، هو ما دفعه «طالبان» بعيداً جدّاً. إلاّ أن قوّة الديوبانديّين، مثلهم مثل سائر المدارس، تعاظمت كثيراًَ مع ضياء الحقّ، قبل ان تعتمدهم وتقرّبهم بنازير بوتو. وهذه المدارس المجّانيّة التي تقوم على التبرّعات، انتعش دورها الأفغانيّ مع «طالبان» ممّن تخرج قادتهم منها. ولئن أعفت باكستان طلاّبها الأفغان من حمل جواز السفر، وفّرت البشتونيّة الدورانيّة لحمة أخرى بين «طالبان» وأساتذتهم على الجانب الآخر. هكذا أمكن تعبئة الطلاّب كجيش احتياطيّ في حروبها، حتّى انتقل إسلامها إلى الضفّة الباكستانيّة مهدّداً طرقها التقليديّة والمألوفة.

وفي بداياتها أقامت «طالبان» قيادة جماعيّة عبّر عنها مجلس شورى قندهار، جامعاً بين النموذج الإسلاميّ وتقليد «جيرغا» القبَليّ البشتونيّ. لكنّ صناعة القرار ما لبثت أن انعزلت وصارت ديكتاتوريّة فرديّة لا تكتم رغبتها في الردّ الفعّال على فوضى المجاهدين وتعدّدهم الفوضويّ. وتحوّل مجلس الشورى إقطاعة للملاّ عمر والمحيطين به من البشتون الدورانيّين، أو القندهاريّين، ممّن احتلّوا غالبيّة المواقع المؤثّرة، يصحّ ذلك حتّى في حكّام الولايات غير البشتونيّة ضدّاً على تقليد أفغانيّ قديم. وبسبب هذا الاستئثار المصحوب بالحروب وتطويع المقاتلين وندرة المال وانعدام مشاريع التنمية، تمرّد البشتون الغيلزيّون في الشرق كما انفجر تمرّد آخر في جلال آباد وظهرت تذمّرات بين الجنود أوحت كلّها بانفجار وشيك في «طالبان». واستحال، في هذه الغضون، إنشاء هرميّة إداريّة لأنّ الملاّ عمر كان دائم التبديل للمحافظين والحكّام، فيما اقتصر العمل في الإدارات على أربع ساعات فقط. وبدوره، حال التدفّق المتواصل من متطوّعي المدارس دون بلورة صورة مستقرّة للجيش، والملاّ عمر قائده، فيما كان بعض الوزراء يُكلَّفون مهامّ عسكريّة تدوم أشهراً يتعطّل خلالها كليّاً عمل الوزارات. وهذا فضلاً عمّا فعله إحلال بشتون في المناصب الأساسيّة من استغناء عن كفاءات قدامى موظّفيها. وفي ظلّ الافتقار إلى موقف من التنمية أو الدستور أو سائر أوجه الحياة العامّة، ساد الارتجال والتخبّط، فمال الملاّ عمر إلى تغليب آراء العلماء القندهاريّين على رأي حكومة كابول وظهرت ثنائيّة عادمة لصنع القرار.

وبقي أهمّ «إنجازات» تلك الحركة ما تعلّق بالمرأة التي أُخرجت كليّاً من الحيّز العامّ، فطُردت من العمل والتعليم وروقبت حتّى داخل البيت وعوملت أسوأ مما عومل الرقيق. وقد تولّى البوليس الدينيّ تفعيل آراء الملاّ عمر عبر قرارات ما أنزل الله بها من سلطان. وتجاوز البوليس الدينيّ سابقه الشيوعيّ «خاد» بأن استخدام آلاف المخبرين الموكلين، أساساً، بإخفاء المرأة وضمان حجبها عن المشهد العامّ. وكان بؤس المرأة يتضاعف حين تكون النساء غير بشتونيّات، لا سيّما متى كنّ من مدينة هرات المتقدّمة نسبيّاً والتي سبق لنسائها أن تمتّعن ببعض الحريّات. لكنْ لمّا كانت النسوة من يتولّين التعليم في أفغانستان، أدّت سياسة «طالبان» إلى اغلاق المدارس وهرب العائلات التي تصرّ على تعليم أبنائها إلى باكستان.

بيد أن السياسة الجندريّة لـ«طالبان» جاءت تتوّج البؤس الذي أنزلته الحروب السابقة بمؤسّسة الأمومة، مدمّرةً العائلة، ومبعثرة مناطق السكن التقليديّ وأشكال تضامنه ومحيلةً الأطفال جيشاً احتياطيّاً للقوى المتصارعة. وكانت النقلة النوعيّة التي أحدثتها «طالبان»، هنا، أنها وضعت سياستها الجندريّة ضمن استراتيجيّة مُحكمة في مناهضة الثقافة، فمنعت وسائل اللهو والتعبير وحرمت كلّ احتفاء بالشخصيّات الأدبيّة والميثولوجيّة، وكذلك الأعياد والمناسبات التقليديّة. وإلى تعطيل كلّ ما يشي بأدنى اختلاف، طاردت الرجال غير الملتحين والمثليّين، فيما سدّت جميع أشكال الاتّصال بالعالم الذي صمت طويلاً عن مآسي أفغانسان إلى أن جعل التلفزيون الصمت مستحيلاً. ومنذ 1992 تتالت موجات الهجرة ضاربة المتعلّمين والمهنيّين وصولا إلى عمّال التليفون والكهرباء.

وسار هذا التزمّت في موازاة تأويل غريب لإجازة الهيرويين إذ الكفّار الأجانب هم من يتعاطونه، على عكس الحشيشة التي ضُربت تماماً. والحقّ أن المخدّرات التي تزايدت زراعتها مع «طالبان»، هي التي موّلت اقتصادهم الحربيّ من غير أن تفسد قادتهم ممن احتفظوا بنقائهم. وكان الملاّ عمر يبقي ماليّة الدولة، نقداً ووثائق، تحت سريره.

وكثيرة هي القوى التي «أسّست» هذا الوضع: فالمجاهدون استخدموا أيضاً هذه التجارة لتمويل حروبهم وكنز ثروات لأمرائهم. والمافيا الروسيّة التي بنت مواقع لها إبّان الحرب السوفياتيّة - الأفغانيّة، تولّت مهامّ التسويق العابر للحدود. والاستخبارات الباكستانيّة، ومعها زميلتها الأميركيّة الكبرى، شجّعت الحصول على هذا العائد لتمويل حرب المجاهدين.

لكنْ إذا ما تحوّلت المخدّرات مشكلة مضبوطة في أوروبا، فإنّها في جوار أفغانستان غدت مشكلة مجتمعيّة عامّة وعريضة. ففي جمهوريّات آسيا الوسطى، مثلاً، بات يستحيل وضع موازنات عامّة أو بناء إدارات على قدر من الاستقرار. أمّا أفغانستان نفسها، التي تبيّن حجم اعتمادها على المخدّرات، بعد إغلاق الحدود الإيرانيّة معها، ومن ثمّ انسداد باب التهريب إليها وعبرها، فهي البلد الذي غدا متوسّط الأجر فيه، عام 1998، ما بين دولار واحد وثلاثة شهريّاً.

على هذه الخلفيّة نشأ دور أسامة بن لادن مصحوباً بنظريّة وثلاثة قرارات. أمّا النظريّة فللجنرال حميد غول، رئيس الاستخبارات العسكريّة الباكستانيّة والايديولوجيّ الإسلاميّ البارز، ومفادها أن على المسلمين أن يملكوا فيلقهم الأمميّ، إذ الشيوعيّون لديهم فيالقهم والغرب لديه الناتو. وأمّا القرارات التي اعتمدتها الـ«سي. آي. أي» في 1986 فتقول:

1- إقحام ستينغر في المعركة،

2- شنّ عمليّات عصابات في طاجيكستان وأوزبكستان السوفياتيّتين يومها ومصدري تموين الجيش الأحمر في أفغانستان،

3- تشجيع انخراط المسلمين غير الأفغان في الجهاد الأفغانيّ.

وبتوسيع أبعاد المواجهة، غدا ما لا يقلّ عن 100 ألف مسلم راديكاليّ غير أفغانيّ على تماسّ مع الجهاد، إمّا كمقاتلين أو كطلبة في مدارس باكستان، وقد ازدادوا قناعة بأنّ الجهاد هو الذي هزم موسكو، فلماذا إذاً لا يهزم واشنطن كجزء من مواجهة أمميّة بلا حدود؟

مصادر القوّة والضعف

لكنّ القصة كانت تتمّتها في جمهوريّات آسيا الوسطى التي انتظرت طويلاً إيصال ثرواتها من النفط والغاز إلى أسواق العالم. بيد أن استمرار الحروب الأفغانيّة أعاق المهمّة، إذ شكّل المادّة والذريعة لـ«لعبة كبرى جديدة» تيمّناً بـ«اللعبة الكبرى» للقرن التاسع عشر. ففضلاً عن الولايات المتّحدة وروسيا، وجدت إيران وتركيا وحتّى إسرائيل نفسها متورّطة في هذه اللعبة التالية على انهيار الاتحاد السوفياتيّ، وهذا فضلاً عن الحكّام المستبدّين في آسيا الوسطى في بحثهم عما يموّل استبدادهم ويعزّزه.

ولئن سعت كلّ دولة إلى أن لا تتجاوزها خطوط الأنابيب المنويّ بناؤها، بقي الصراع الأفغانيّ العائق الأكبر، خصوصاً مع تشابك الأعراق والإثنيّات، ومن ثمّ الايديولوجيّات الراديكاليّة، بما يخترق حدود الدول. فإذا عملت الشيوعيّة الروسيّة على ترسيم صارم للحدود مع أفغانستان، فإن انهيارها فتح الأفغان على آسيا الوسطى، وشرّع آسيا الوسطى على روسيا نفسها.

وكانت شركات النفط الكبرى أبرز اللاعبين، فتنافست شركتا «بريداس» الأرجنتينيّة و»يونوكال» الأميركيّة، وامتدّ التنافس إلى طلب ودّ «طالبان» بصفتها الطرف القادر على إقامة سلطة مركزيّة. ونظراً إلى الصلة التي تجمع «يونوكال» الى الإدارة الأميركيّة المهجوسة بإبعاد الأنابيب عن إيران (وروسيا)، تورّطت أميركا في مسايرة «طالبان» غاضّة النظر عن دعم حلفائها الإقليميّين لها. وزاد هذا العنصر في دفع الاستقطاب الإقليميّ والدوليّ بعيداً في ظلّ افتقار واشنطن إلى أيّة استراتيجيّة تتعدّى محاصرة طهران. وفعلاً استمرّ الاستقطاب إلى أن تدخّلت الحركة النسويّة الأميركيّة بنشاط، ثمّ كان الصدام الرأسيّ، في 1988 – 1997، بين أميركا وبن لادن. والأهمّ ما كان يتبيّن إذّاك من أن «طالبان» ليست قادرة على إنهاء الحرب وإقامة سلطة مركزيّة.

واستفاد حكم الملالي من عامل آخر. فهم، على عكس المجاهدين قبلهم، لم تقتصر علاقتهم مع باكستان على مخابراتها العسكريّة، إذ لعبوا على تناقضات الأخيرة مع الحكومة والجيش، كما وطّدوا صلاتهم بلوبيي البشتون الباكستانيّين ومافيات التهريب. هكذا عجزت إسلام آباد عن تحويل حلفائها «عملاء» لها. والحال أن العكس كان أقرب إلى الحقيقة، خصوصاً مع تصدّع الاقتصاد الباكستانيّ منذ 1998، سنة بناء القنبلة الذريّة وما استهلكته من موارد. فـ«طالبان» أعطت إسلام أباد ما أرادت، وهو تدريب الكشميريّين، لكنّها امتنعت عن تقديم أيّ تنازل تاريخيّ كترسيم الحدود أو الإقلاع عن تحريك الرابط البشتونيّ، ولو أنّها قدّمته في قالب إسلاميّ عابر للوطنيّات. وبتحوّلها نموذجا لإسلاميّي باكستان، وبتسليحهم وتدريبهم، تمكّنت «طالبان» من طلبنة باكستان، لا العكس، فانتهى الأمر بالأخيرة أسيرة حركة الملاّ عمر، على رغم ما ألحقه ذلك بسمعتها وبتماسك مجتمعها وسلطتها واقتصادها. فما عُرف بـ«خطّ الترانزيت الأفغانيّ»، مثلاً، وقد صار أهمّ ممرّ للتهريب في العالم، شكّل أحد أهمّ دعائم الاقتصادّ الطالبانيّ، فيما دمّرت الصناعة المحليّة الباكستانيّة على يد سلع الاستهلاك الأجنبيّة المهرّبة.

لكنّ الرياح منذ 1997-1998 لم تعد تهبّ في وجهة ملائمة. فقد حصل تقارب إيرانيّ - خليجيّ بعد انتخاب محمّد خاتمي رئيساً لإيران، ودفع تطرّف بن لادن جميع القوى الإقليميّة إلى التنصّل منه، فتأسّست رقعة تقاطع إقليميّ - دوليّ حول الموقف من أفغانستان الطالبانيّة، فيما بدت باكستان الخاسر الأكبر.

مع هذا يبقى أن التخلّي الأميركيّ عن أفغانستان بعد 1989 كارثة لا تُعَوّض. فكيف حين يضاف التخلّي هذا إلى الدور السوفياتيّ وأدوار القوى الإقليميّة، وخصوصاً إلى التركيبة الأفغانيّة. فإذا لم تحصل إعادة نظر جذريّة بمجمل هذه المواقف انتهت أفغانستان بؤرة تدمير لمنطقتها، بل للعالم، بعدما استُكمل تدميرها هي نفسها على كلّ صعيد.

ولدى مراجعة الدراسة المسهبة التي وضعتها الباحثة الهولنديّة مارتن فان بروينسّن عن الإسلام الأصوليّ الأندونيسيّ، يتبيّن خصوصاً ذاك البُعد العابر الحدود في الخلفيّات الثقافيّة المعنيّة. فإذ تتقدّم المعرفة بمصادر الارهابيّين الذين نفّذوا عملية بالي في 2005، بعدما كانوا نفّذوا عمليّة أسبق وأكبر في الجزيرة السياحيّة نفسها أواخر 2002، يتّضح أن التاريخ الحديث لذاك الأرخبيل، منظوراً اليه من الزاوية هذه، شديد التقاطع مع مثيله المصريّ. فكثيراً ما ينتاب من يراجع تجربة سوكارنو وسوهارتو أنه يدرس تجربة عبد الناصر والسادات. كذلك تستدعي الحركات الإسلاميّة الإندونيسيّة فصولاً في مسار حركة الإخوان المصريّة. والعنصر الثقافيّ هو ما لا يقبل التقليل من أهميّته، إذ يفسّر الأصول العربيّة لمعظم قادة الحركات الأصوليّة، تبعاً لصلة الانبعاث الدينيّ بتعلّم العربيّة، لغة القرآن، كما يتجلّى في الدور المركزيّ لـ«المدارس». وهنا تمكث ماثلةً بضع حقائق سياسيّة، باهرة وصافعة:

فقد شربت الحركة الوطنيّة المناهضة للاستعمار الهولنديّ، مع سوكارنو، من مياه الاحتلال العسكريّ والرجعيّ اليابانيّ خلال 1941-45. هكذا تعاون مؤسّس الجمهوريّة، ثم سوهارتو الذي انقلب عليه، مع اليابانيّين الذين تولّوا، هم أنفسهم، تسييس الأصوليّين،ا لدعويّين حتى ذاك الحين، وتسليحهم. ولنا، هنا، أن نراجع التجربة المصريّة في الأربعينات، التي جمعت عزيز علي المصري وعلي ماهر والشيخ المراغي والإخوان ومصر الفتاة والقصر الملكيّ ضدّ الوفد المتحالف مع البريطانيّين.

في ما بعد، انطلق التنافس الضاري بين الأنظمة العسكريّة والحركات الدينيّة من موقع الطرفين في المسألة الوطنيّة، والمزاودة في الصراع ضدّ الاستعمار. فكان التمرّد الاسلاميّ في مناطق ثلاث، وكان القمع الذي اعتمده سوكارنو ما بين 1949 و1962. لكنّ العلاقة تراوحت دوماً بين القسوة (سوكارنو/عبد الناصر) والتقارب الانتهازيّ (بدايات حكم السادات، وبدايات حكم سوهارتو ونهاياته)، لا سيّما حين كان يوحّد الطرفين مصلحة مشتركة ضدّ الحداثة في أحد تعبيراتها (الأقليّات، الغرب، الشيوعيّة، السياحة).

والراهن أن العام 1965 سجّل التحالف بين سوهارتو، قائد حامية جاكرتا آنذاك، والرعاع الدينيّ المسلّح الذي قضى على أكثر من 300 ألف شيوعيّ قتلاً، بذريعة قيامهم بانقلاب منسّق مع الرئيس سوكارنو، انقلابٍ لم يتأكّد حصوله، للتخلّص من «الرجعيّة العسكريّة – الدينيّة».

لكنّ سياسة سوهارتو الدولتيّة، وهو صاحب «النظام الجديد» المتأثّر بالفاشيّة، لم تترك كبير مجال لغيرها، مجبرةً الأحزاب جميعاً على الانضواء تحت خيمته. وبدورهم، لجأ الاسلاميّون غير المذعنين لسلطته الى التعليم، وقلّةٌ منهم الى الارهاب، فولدت حركة «التربية» التي أنشأت «حلقات» تدريس في المساجد توازيها جماعات نقاش سرّيّة تُعرف واحدتها بـ «الأسرة» تيمّناً بالاخوان المصريّين، تنعقد في البيوت. وكانت الثورة الإيرانيّة قد ألهمت جوّاً طلابيّاً إسلاميّاً وأغرته بفعاليّة النشاط المباشر. وفي 1981 كان الروائيّ المعروف في إس نايبول قد شاهد إحدى دورات التدريب لطلاّب إسلاميّين اندونيسيّين وأدرج ملاحظاته في الكتاب الشهير الذي أصدره بعنوان «بين المؤمنين»، راصداً فيه حال العالم الإسلاميّ بعد ثورة إيران.

وبحرب افغانستان تدفّقت المعونات الماليّة والدعويّة على وسطٍ بدا أبو بكر باعشير جهازه المحرّك. وباعشير ربّما كان أحد أمهر الناشطين والمنظّمين الذين عرفهم القرن العشرون. فهو ابتدأ مع شبكة مدارس «دار الإسلام» في جاوا، المعروفة بـ«بيزترن»، أي المدرسة، وكان يشرف عليها، إلى جانبه، أستاذ آخر يشاركه التفرّع عن أصول عربيّة، هو عبد الله سنقار. وقد سبق لحكومة سوهارتو أن ربطت بين نشاطاته، هو الرافض للذوبان في «النظام الجديد»، وبين «كوماندو الجهاد» الذي نُسبت اليه أعمال إرهاب متفرّقة. وتأدّى عن الاتّهام هذا اعتقال باعشير وآخرين، في 1978، ثم لجوؤهم الى ماليزيا التي حوّلها خلافها مع سوهارتو فردوساً للمنفيّين والهاربين من بلاده. ومن ماليزيا انتقل كثيرون من هؤلاء الى «الجهاد» في أفغانستان، ما تسبّب بتكاثر التهم غير المؤكّدة عن علاقة باعشير ببن لادن، علماً بأن الأوّل امتدح الثاني بوصفه «مجاهداً إسلاميّاً حقيقيّاً». غير أن باعشير أسّس في ماليزيا «الجماعة الاسلاميّة» التي ضمّت شبّاناً تتلمذوا عليه من ماليزيا نفسها ومن جنوب الفيليبين وسنغافورة وتايلنده، فضلاً عن أندونيسيا. وقد ربط القائد المنظّم بين هؤلاء جميعاً بشبكات عدّة أنتجت إحداها صاحب الاسم الحركيّ الذي دخل الإرهاب من أوسع أبوابه: حمبلي (وربّما كان المقصود أصلاً: حنبلي).

لكنّ سوهارتو تغيّر في التسعينات، إبّان تعاظم الانتقاد الغربيّ لحقوق الانسان في بلده. لكنّ عوامل أخرى دفعت في الاتّجاه ذاته، كخوفه من تحرّك ضدّہ يقوده الجيش، وتأثير الاسلاميّين الذين انضمّوا الى حزبه «غولكار» ثم برزوا فيه، ما يذكّر بتجارب إخوان مصريّين ككمال أبو المجد مثلاً ممّن ارتبطوا بالسادات. وقد جاءت الأزمة الماليّة الآسيويّة – الروسيّة في 1997، والتي قوّضت بعض دعائم الاقتصاد الأندونيسيّ، تفاقم الميل هذا، مُطلقة ما لم يكن توقّعه ممكناً: فقد سُمح بإنشاء «رابطة المثقّفين المسلمين» ممن رعاهم أحد اسلاميّي «غولكار»، ب ج حبيبي، الذي حلّ لاحقاً محلّ سيّده سوهارتو. كذلك أتيح لهم إصدار صحيفة تنافس الصحافة التي كانت ملكيّات معظمها تعود الى مسيحيّين، وتعاظم العمل بالشريعة في المحاكم، كما أُخرج من الحكومة الوزراء المسيحيّون ممن تولّوا الحقائب الاقتصاديّة وحلّ محلّهم وزراء مسلمون. وقد باتت جماعة «الدعوة»، من ناحيتها، تدافع عن سوهارتو الذي احتكر نقدَّہ الليبراليّون وميغاواتي سوكارنو واليساريّون ومعهم عبد الرحمن وحيد الذي راح يؤكّد على التزاوج بين الإسلام والديموقراطيّة وعلى حماية الأقليات. والأخير، كما هو معروف، يتفرّع عن أقدم تقاليد الاسلام السياسيّ ممثّلاً في «نهضة العلماء»، تلك الحركة الدعويّة -التربويّة التي أسّسها جدّہ في 1926، قبل عامين على تأسيس حسن البنّا إخوانه في الإسماعيليّة.

لكنْ في 1999، ومع انفجار النزاع المسيحيّ - المسلم في جزيرة مولوكاس، تزايد التسييس الدينيّ عموماً واجتذب بعضاً ممن سبق أن انكفأوا الى التربية والدعوة وحدهما. وراح يتعزّز التعاون بين الجيش والبوليس السوهارتيّين والناشطين الاسلاميّين ممن سجّلت التسعينات اضطراداً لحضورهم في الشارع. وفيما عمّ الكلام عن «مؤامرة يهوديّة – مسيحيّة»، تلاحقت تظاهرات التأييد لمسلمين جعلوا يُكتشفون بلداً بلداً ويوماً بيوم، من فلسطين الى افغانستان، ومن كشمير والشيشان الى البوسنة والجزائر. وانتشرت، كذلك، أعمال العنف مستهدفةً رموز الحداثة والكوزموبوليتيّة والعولمة، كما انبعث الربط القديم بين الشيوعيّة والرأسماليّة «اليهوديّتين». ولم يغب عن اللوحة هذه عداء متنامٍ للأقليّة الصينيّة المتمكّنة في دوائر البيزنس، فضُمّ الصينيّون الى اليهود والمسيحيّين في نشاطهم «لنشر الجنس الحرّ والمثليّة والأرواحيّة والسوق الحرّة».

وكان قد انقلب سوهارتو نفسه على حلفائه الصينيّين، يشجّعه بعض منافسيهم من حاشيته وقد رأوا ان أزمة 1997 تضيّق عليهم سوقاً كانت، في عهد الفورة، تتّسع للجميع. وجدير بالذكر ان الأزمة المذكورة ترافقت مع اغتصاب عديد النساء الصينيّات ومقتل مئات الصينيّين الذين قضى الكثيرون منهم حرقاً. وقد هاجر، بالمناسبة، معظم أهل البيزنس منهم، ومعهم رساميلهم، فرحّبت البيئة الاسلاميّة بذلك ولو عنى الأمر إفلاس الاقتصاد الوطنيّ.

ولئن وجد الجيش في أدبيّات الكراهية الرائجة ما يغري بتعبئة الجماهير وتحويل أنظارها، بقي ان ذلك لم يحل دون سقوط سوهارتو الذي حافظت البيئة الاسلاميّة، حتى النهاية، على ولائها له. فعندما سُمّي حبيبي خلفاً عُدّ ذلك انتصاراً فتدفّقت الميليشيات المتزمّتة، وقد سلّحها الجيش، الى الشوارع ترهب
الليبراليّين واليسار.

وبحلول عبد الرحمن وحيد في الرئاسة، وهو من هو في الإسلام، بدا تسامح الرئيس الجديد سبباً لضعف يحول دون سيطرته على الجيش والشارع. وبالفعل استولت الميليشيات المسعورة على المشهد العامّ خلال عهده الممتدّ عشرين
شهراً فحسب.

وفي النشاط الشارعيّ بدأت تظهر الفرق الأكثر راديكاليّة وعلنيّة، كـ «مجلس المجاهدين» الذي ضمّ فروعاً من «دار الاسلام» عملت تحت الأرض، و«عسكر الجهاد»، أكثر أجنحة الحركة الطلاّبيّة الاسلاميّة بيوريتانيّة، والذي برز خصوصاً عام 2000 من خلال حرب مولوكاس، حيث شُهّر بالحكومة لـ«عدم دفاعها عن المسلمين». والطرفان المذكوران موصولان، من خلال مشاركتهما في أفغانستان، بشبكات إسلاميّة عابرة للحدود، فيما المرجع الأبرز لـ «عسكر الجهاد» واعظ عربيّ الأصل هو جعفر عمر طالب الذي حملته أشدّ تأويلات الإسلام حَرفيّة الى الساحة الأفغانيّة قبل إنشائه مخيّمات تدريب في مولوكاس.

والحال ان التنظيم هذا لا يبدي اهتماماً بالدين كمصدر لنظام اقتصاديّ – اجتماعيّ بديل، إذ ينصبّ تركيزه على أولويّة العمل بالشريعة ورفض الديموقراطيّة ومعاداة ميغاواتي سوكارنو، الرئيسة التي حلّت محل وحيد، لمجرّد كونها... إمرأة.

ولئن تعامل «ديوان الدعوة» مع «عسكر الجهاد» بوصفه الطرف الموثوق لوضع العمل بالشريعة موضع التنفيذ في الشارع، بدا «مجلس المجاهدين» أقرب الى واجهة لمجموعات موصولة بـ «الدار»، مرجعها باعشير. وبالفعل، اختاره المؤتمر الأوّل المعقود في 2000، والذي دعا الى خلافة جديدة، «أميراً للمجاهدين»، كما بشّر، هو نفسه، بخلافة جديدة.

وثمّة مجموعة ثالثة ولدت في مناخ أزمة 1997، هي الثمرة المباشرة للعمل مع الشرطة السوهارتيّة. بيد أنّها، وقائدها حبيب رزق شهاب ذو الأصل اليمنيّ الحضرميّ، ليست معنيّة بالمعرفة والمساجلات الإسلاميّة. فهي هدّدت الأميركيّين في أندونيسيا ثأراً لأفغانستان وقامت بأعمال أملتها الروحيّة تلك. لكنّها، بعيد مجزرة بالي الثانية، أوقفت نشاطاتها، فذُكر ان السبب عائد الى إذعانها لقرار صانعتها، السلطة، التي دفعتها المجزرة إلى اعتماد الحزم.

وتكشّفت ميغاواتي عن ضعف بزّت فيه ضعف وحيد. فحزبها يتّهمه الاسلاميّون بأنّه «محكوم» بغير المسلمين. وهذا معطوف على كونها من الجنس «الملعون»، وعلى بنوّتها لأحمد سوكارنو. لهذا حاولت، هي الأخرى، التعويض بتحالفات مع إسلاميّين أقلّ اعتدالاً من وحيد جيء بهم من «نهضة العلماء»، أبرزهم حمزة هاز.

وهي، عموماً، عيّنة على تجارب عريضة تراوح بين أشكال من التبديد والافتقار ولا تصيّر تعاقب الزمن تاريخاً، لكنّها تجرف في طريقها كلّ ما تنبض به الحياة أو ينبض بها.

[1] آنذاك لم يكن قد اتّضح بعد مدى الإفادة التي حقّقتها إيران من الحرب الأميركيّة في أفغانستان وخصوصاً في العراق.

[2] في هذا الإطار تندرج خرافة «لبننة حزب الله» بحجّة المشاركة في الانتخابات النيابيّة اللبنانيّة.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬