سامي زبيدة

[1]
في الخطابات المتعدّدة التي تناولت «الربيع العربيّ»، غالباً ما ترد تركيا كنموذج إيجابيّ للديموقراطيّة، يتناسق، في الوقت نفسه، مع الإسلام. في هذا النموذج، يحضر الإسلام كصديق للديموقراطيّة، بعيد عن الجهاديّة النضاليّة، بحيث يتشكّل معه نظام ملائم للمشروع الخاصّ، منفتح على الأسواق العالميّة، ومنتج لنموّ اقتصاديّ يثير الحسد ولدرجة من الرفاه المعمّم. ثمّ إنّه مطمئن للغرب: نظام من الديموقراطيّة الإسلاميّة الوديعة والرأسماليّة التي تتعايش بسلام مع جيرانها فيما تكون قوّة للاستقرار وتسوية النزاعات في الشرق الأوسط.

وتتّصل المطالب والشعارات الرئيسة للحركات المعارضة والثوريّة في البلدان العربيّة بالحريّة والديموقراطيّة والوظائف والمعيشة وإنهاء الفساد، فيما الإسلام لا يشكّل أياًّ من قضاياها. لكنْ بالطبع، هناك عناصر إسلاميّة متنوّعة في الميدان، لا سيّما الإخوان المسلمين في مصر وسوريّا، والنهضة في تونس، ممّن يندفعون مع الاندفاعة الكبرى لحركة تؤكّد على الحرّيّة والديموقراطيّة. فهم معارضون للمحافظين السلفيّين الذين تحظى العبادات والفروض الإسلاميّة بأولويّتهم، مع دعوتهم الحكومات العادلة إلى تطبيقها، ورفضهم نماذج الاجتماع الغريبة والكافرة.

هذه المواجهة تحتدم الآن في مصر. وفي تلك الحقول الإيديولوجيّة يُستشهَد بتركيا، على نحو منظّم، بوصفها نموذج التعايش بين الإسلام والديموقراطيّة والتعدّديّة، فضلاً عن الاقتصاد الرأسماليّ الصحّيّ.

بدوري، أودّ، هنا، أن اناقش موضوعين: أنّ الشرط الراهن لتركيا هو حصيلة تيّارات تاريخيّة في السياسة والاجتماع بالغة الاختلاف عن تلك التي تعرفها الدول العربيّة، وما إذا كانت الصورة الورديّة عن الإسلام والديموقراطيّة التركيّين دقيقة. والموضوعان هذان مترابطان.

شروط الحاضر وتأثيرات الماضي

لقد تطوّرت تركيا منذ حقبة ما بعد الحرب العالميّة الثانية كدولة سلطويّة ذات ديموقراطيّة اقتراعيّة. فقد أمكن للانتخابات والأحزاب السياسيّة أن تعمل فعلاً، وكان هناك تداول في الحكومات خاضع للنتائج الانتخابيّة. لكنّ العمليّة بقيت أسيرة رقابة وسيطرة شديدتين يفرضهما جيش قويّ يحفظ مبادئ المؤسّسة الكماليّة، مؤكّداً على مبادئ العلمانيّة والوحدة الوطنيّة، وبالتالي على كبح أيّ مطلب جهويّ أو إثنيّ، لا سيّما المطالب الكرديّة. والحال أنّ العلمانيّة لم تُبعد الدين عن وظائف الدولة، إلاّ أنّها أخضعته لسيطرتها. فالإشراف على الشؤون الدينيّة والإمساك بالمساجد والمدارس والوظائف الطقسيّة وضمان الإذعان السياسيّ أصبحت من أطول أذرع الحكومة وأكثرها حظوة بالتمويل. ومن ضمن هذا الترتيب اعتُبر الإسلام السنّيّ هو الإسلام فيما هُمّشت الكتلة المعتبرة من السكّان العلويّين، وهو موضوع اكتسب أهميّة متجدّدة في الوضع الحاضر.

لقد فُرضت على الديموقراطيّة الاقتراعيّة التركيّة تقطّعات موسميّة كان يمليها الجيش كلّما خافت القيادة العليا من تحدّيات تواجه النموذج الكماليّ للسيطرة الدولتيّة ولـ«العلمانيّة»، أو من احتدام الصراع الاجتماعيّ والعنف. فقد حدثت انقلابات عسكريّة في 1960 و1971 و1980، أمّا مؤخّراً في 1997 فكان الإنذار الذي أطلقه الأعضاء العسكريّون في مجلس الأمن القوميّ (وهو جهاز يضمّ وزراء في الحكومة وقادة عسكريّين، وأداة للسيطرة العسكريّة) للائتلاف الحكوميّ الذي شمل حزب الرفاه الإسلاميّ، ما أدّى الى استقالته.

ومهمٌّ أن نلاحظ أنّ هذه الحراسة العسكريّة إنّما حظيت بدعم شعبيّ واسع.

والقوميّة التركيّة، وهي دائماً حادّة وغالباً كارهة للغريب وهذائيّة، وقفت على نحو ثابت إلى جانب الجيش، الأمر الذي كانت تكشفه استطلاعات الرأي بانتظام. وخلال السبعينات والثمانينات، بدت المجموعات السياسيّة الإسلاميّة قريبة من القوميّين المتطرّفين، أو متطابقة معهم، في مواجهة الحركات اليساريّة والأكراد والعلويّين، ما قاد إلى نزاعات متصاعدة وعنيفة وإلى شغب شكّل جزءاً من ذرائع انقلاب 1980 العسكريّ.

التدشين الأوزاليّ

لقد أتت استعادة الديموقراطيّة الاقتراعيّة في 1983، إثر انقلاب 1980، بتورغوت أوزال إلى السلطة، وهو محافظ حديث وتحديثيّ وموظّف سابق في البنك الدوليّ ذو جذور وعواطف شخصيّة إسلاميّة. وكان أن تساوقت سياساته مع النيو ليبراليّة الكونيّة ومع الضغوط على تركيا كي تفتح اقتصادها وتمأسس إصلاحات بنيويّة بما فيها خصخصة اقتصاد بلغت سيطرة الدولة والجيش عليه مبلغاً بعيداً. وعلى عكس معظم البلدان العربيّة، لا سيّما مصر، امتلكت تركيا دائماً بورجوازيّة مستقلّة من رجال الأعمال، مع أنّها ظلّت مقيّدة بالمشروع والتنظيم الدولتيّين. هكذا كان لإصلاحات أوزال أن قوّت ووسّعت هذه البورجوازيّة، خصوصاً في المراكز الريفيّة في الأناضول. وهي بورجوازيّة محافظة يغلب عليها التديّن، بعيدة عن بورجوازيّة اسطنبول وأنقرة الكوزموبوليتيّة والعلمانيّة وناقمة عليها.

لقد كان نظام أوزال أشدّ تسامحاً بكثير حيال التعابير الدينيّة: فهو نفسه كان منضوياً في مجموعات صوفيّة نقشبنديّة، سبق لأتاتورك أن منعها منعاً صارماً، إلاّ أنّه كان أيضاً عاملاً في شبكات خاصّة وحاضناً لعديد الحركات الإسلاميّة الاجتماعيّة والدينيّة التي بدأت تبرز منذ السبعينات. كذلك كسر أوزال الكثير من المحرّمات الثقافيّة الكماليّة، لا سيّما في رعايته ما يُسمّى موسيقى الزخرفة العربيّة وإنشائه صلات مع مُغنّيها الأبرز. فهذا النوع كان قد استُثني من الفنون الرسميّة المقبولة واستُبعد من إذاعة الدولة، وصُنّف بوصفه موسيقى شرقيّة كان يمنعها الموظّفون الكماليّون.

في تلك الفترة قلقت بورجوازيّة اسطنبول من «الغزو» الأناضوليّ لمدينتها، ولفّقت تنميط الأناضوليّ الحديث النعمة الذي يُكثر التردّد على مطاعم «اللحم بعجين» ويشرب الويسكي فيما يطرب لأغاني الزخرفة العربيّة.

لكنّ إصلاحات أوزال دشّنت انفتاح الاقتصاد التركيّ على الأسواق العالميّة، وهو تطوّر ما لبث أن تبيّن أنّه بالغ النفع للرأسماليّة التركيّة، يوفّر للشركات وأصحاب المشاريع فرصاً للتجارة والعقود في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأجزاء من أوروبا. وكانت دوائر البيزنس الصغير في المراكز الريفيّة بين أبرز المستفيدين من التطوّرات هذه، بحيث حظي كثير منها بأهميّة ملحوظة وبات يُسبغ عليه وصف «النمور الأناضوليّة». وهذا كان أيضاً الوسط الذي صير فيه إلى تشذيب الإسلام المحافظ المتمتّع ببعض الصلات الصوفيّة. فهؤلاء غدوا الجمهور الأهمّ للأحزاب السياسيّة الإسلاميّة، مفضّلين الاستقرار وأشكال الضبط الاجتماعيّ، ومتميّزين على نحو واضح، عن الإسلام الجهاديّ الذي يخافه الغرب، بل منافين له: من هنا نشأ التقدير السليم للديموقراطيّة الإسلاميّة التركيّة، وهو ما صحّ خصوصاً بعد هزيمة السياسات الفجّة لنجم الدين أربكان، القياديّ الكاريزميّ الأوّل للأحزاب الإسلاميّة ما بين السبعينات والتسعينات، والذي تعدّدت مشاركاته في الحكومات الائتلافيّة لتلك المرحلة. فقد ظهر رجب طيّب أردوغان وعبد الله غل وحزبهما «العدالة والتنمية» بوصفهم الوجه الحديث، الإصلاحيّ والرأسماليّ، للسياسات الإسلاميّة، مؤثرين في الغالب تصوير أنفسهم كحزب محافظ عليهم كحزب إسلاميّ. أمّا حكمهم، الذي حصد انتصارات انتخابيّة متكرّرة منذ 2002، فحظي برصيد من الدمقرطة الراديكاليّة للدولة والمجتمع التركيّين من خلال إصلاحات تشريعيّة ودستوريّة، وكذلك مؤسّسيّة. وهي إصلاحات وجدت ما يساعدها في عمليّة التفاوض للانضمام إلى الاتّحاد الأوروبيّ.

الاتّحاد الأوروبيّ

لقد نشأ تحالف غريب بين حزب العدالة والتنمية وبين الاتّحاد الأوروبيّ. فالمؤسّسة الكماليّة وأذرعها، خصوصاً قيادة الجيش وتمثيلها في مجلس الأمن القوميّ، ولكنْ أيضاً الجهاز القضائيّ والإعلام، كانوا الخصوم الرئيسيّين للإسلاميّين ولحزب العدالة والتنمية. وبدورها أفضت الضوابط السلطويّة والقمعيّة التي فرضتها هذه المؤسّسة إلى تقييد نطاق التعبير والاجتماع الشرعيّين. كذلك استُخدمت صياغات قانونيّة غامضة في وصف إساءات من نوع إضعاف الرابطة التركيّة أو إهانتها، أو تهديد الوحدة الوطنيّة، أو إجهاض علمانيّة الدولة، لاضطهاد الناشطين الأكراد والمشاركين في حملات حقوق الانسان ممّن يتعقّبون النقاشات المتّصلة بالمجازر الأرمينيّة في مطالع القرن العشرين، كما لاضطهاد التعابير والأحزاب الدينيّة غير المرضيّ عنها، بما في ذلك النسوة المحجّبات في المؤسّسات العامّة.

فطموحات الانضمام إلى الاتّحاد الأوروبيّ قاسم مشترك عريض بين المؤسّسات العلمانيّة والحزب الاسلاميّ. أمّا الشروط التي يفرضها الاتّحاد الأوروبيّ في ما يتعلّق بالدمقرطة، أو ما يُعرف بـ«معيار كوبنهاغن»، فقد قُيّض لها أن تمارس ضغوطاً في اتّجاه اللبرلة القانونيّة والمؤسساتيّة بما أفاد حزب العدالة والتنمية. ذاك أنّ التدخّل العسكريّ والتهديد بالانقلابات تراجعا، كما قُيّد، بحدّة، نطاق الخيارات التي تتمتّع بها القيادات العسكريّة. وهذا ما فتح الطريق للاصلاحات.

تعدّد مراكز السلطة: الحدّ من السلطات

نصل هنا إلى السمة الحاسمة للحقل السياسيّ التركيّ في ما بعد 1983، والتي تجعل المقارنات مع الدول العربيّة (وإن لم يكن بالضرورة مع إيران) غير مناسبة. فمؤسّسة الجيش الكماليّة والقضاء والكثير من الصحافة والبورجوازيّة العلمانيّة حافظوا على قوّتهم وصخبهم. إلاّ أنّ سيطرتهم تآكلت مع التصدّر المتزايد للأحزاب والمؤسّسات والإعلام والتعليم والفضاءات العامّة الإسلاميّة، مدعومة بنجاحات انتخابيّة وبلبرلة يشجّعها الاتّحاد الأوروبيّ. لقد تحقّق النجاح الانتخابيّ عبر عمل تنظيميّ قاعديّ دؤوب تعينه شبكات للرفاه الاجتماعيّ على مستوى الأحياء كما على مستوى تنظيم الجماعات. وهذا من ملامح عمل القوى المسلمة في المنطقة كافّة مقارنة بالجهود المبعثرة والقنوعة للأحزاب العلمانيّة التقليديّة. وبفتح اللبرلة المحدودة فضاءات للنشاطيّة الكرديّة، كانت النتيجة أن نشأ وضع يتّصف بالتعدّديّة في مراكز السلطة والنفوذ، بحيث إنّ كلاًّ من هذه المراكز يواجه الآخر ويوازنه. ولم يكن أيّ من هذه المراكز ليبراليّاً ولا «ديموقراطيّاً» على نحو لا تمويه فيه، كما استمرّ العمل بالقوانين القمعيّة والمصاغة على نحو غامض. مع هذا، فحقيقة أنّ أيّاً من هذه المراكز لم يحظ بسيطرة كاملة عملت على إدخال إجراءات لمصلحة الحريّة والاسترخاء. وهذا ما أتاح لقوى متباينة، بمن فيها جماعات حقوق الانسان والدفاع عن الأكراد، أن تعمل وأن تتحدّى الاملاءات القوميّة الاعتباطيّة. فاضطهاد المحاكم للمثقّفين الليبراليّين ونشطاء حقوق الانسان، كما للتعبيرات الدينيّة، باتت تواجه تحدّيات متنامية وأحياناً ناجحة، تعزّزها المؤسّسات الأوروبيّة والرأي العامّ. كذلك لجأ القوميّون المتطرّفون إلى العنف، خصوصاً باغتيال الصحافيّ الأرمنيّ هرانت دينك في 2007 في قلب اسطنبول، كما استمرّ العنف القوميّ المتعلّق بالقضايا والمناطق الكرديّة.

وكان من العناصر الحاسمة في هذا الحقل صعود نخبة البيزنس الأناضوليّة وتزايد قوّتها، وهي المحافظة اجتماعيّاً والليبراليّة اقتصاديّاً، يساعدها انفتاح الاقتصاد التركيّ على الأسواق العالميّة والفرص التجاريّة المتوفّرة في البلدان المجاورة. و«النمور الأناضوليّة» جزء من القاعدة التي تنهض عليها قوّة حزب العدالة والتنمية والروابط الإسلاميّة التجمّعيّة والمحافظة.

أمّا البلدان العربيّة فلم يُظهر أيّ منها، ما عدا لبنان ضمن نسق بالغ الاختلاف، أيّاً من العناصر التي تقارب، ولو من بعيد، هذه التعدّديّة في مراكز السلطة. وأمّا إيران، خصوصاً بعد حرب العراق وموت الخميني في 1989، فاستعرضت عناصر من هذه التعدّديّة وذاك التنافس بين مراكز السلطة، لا سيّما إبّأن رئاسة خاتمي (1997-2005)، ولكنْ في ظلّ نظام سياسيّ مختلف جدّاً. وهي تعدّديّة تمّ الحدّ منها في صورة معتبرة مع إحراز ائتلاف أمن الدولة في ظلّ أحمدي نجاد صعوده اللاحق إلى مواقع السيطرة.

هكذا فإنّ النموذج التركيّ غير ملائم البتّة للبلدان العربيّة حيث تمسك الأنظمة الحاكمة بمقاليد السيطرة على كافّة المراكز، كما تتجاوز على المؤسّسات الرسميّة والاقتصاديّة من خلال الشبكات ذات الطابع الشخصيّ للعائلة والعشيرة والرعاية والزبونيّة. فحتّى الآن يمكن القول إنّ إزاحة رؤوس هذه الأنظمة في مصر وتونس تركت الشيء الكثير منها ومن مؤسّساتها المهلهلة دون تغيير.

وأيّ من الحكومات التي ستصل عبر انتخابات، حرّة كانت أم لا، سوف ترث فرص هذا الوضع وقيوده. فالإصلاح، إذاً، سيبقى كالصعود الصعب إلى القمّة، لا سيّما في ظلّ شروط اقتصاديّة وديموغرافيّة واجتماعيّة معاكسة.

دبيب السلطويّة؟

يلوح الآن اندماج حزب العدالة والتنمية في السلطة، بعد نجاحات انتخابيّة متكرّرة وربّما مستمرّة، تطاولاً جدّيّاً على تعدّديّة مراكز السلطة وعلى حدّ واحدها من الثاني. ففي وضع السياسات وفي التشريع، حيث يبدو أنّ ثمّة خطى تُخطى نحو ديموقراطيّة أكبر، ينتزع الحزب صلاحيّات أكبر للسلطة التنفيذية (أي لنفسه) على حساب باقي المراكز. فالسلطات الموسّعة لقيادة الجيش تمّ الحدّ منها بقدر ملحوظ. أمّا التعديلات الدستوريّة والاصلاحات التشريعيّة فأعطت الحكومة ورئيس الجمهوريّة صلاحيّات تعيين القضاة وتسيير القضاء. وقد بات في وسع الحكومة أن تدسّ مُعيّنيها في المؤسّسات المهمّة والبيروقراطيّة الحكوميّة، خصوصاً في مجالي التعليم والتعليم العالي.

فكلّ الحكومات السابقة في تركيا، ومكوّنات ائتلافاتها، انهمّت بتسريب مُعيّنيها إلى البيروقراطيّة والبوليس وقطاع التعليم. أمّا العدالة والتنمية الذي يحكم وحده من دون ائتلاف، كما يحكم من دون انقطاع منذ 2002، فكان قادراً على ملء المناصب المهمّة وبصورة متواصلة وتراكميّة. فهو يحظى بدعم حركة غولِن، وهي تنظيم دينيّ محافظ يتمتّع بثراء وقوّة واسعين، ويمدّ نشاطه التربويّ والخيريّ بعيداً في تركيا وخارجها. أمّا مؤسّساتها التعليميّة العليا، وعلى سائر المستويات، فعملت على إنتاج خرّيجين من أصحاب مؤهّلات تتيح لهم العمل في تشكيل عريض من الوظائف الحكوميّة كما في البيزنس والمهن. وعلى نطاق واسع يُعتَقَد أنّ هؤلاء يشكّلون شبكات نفوذ تحبّذ حزب العدالة والتنمية والمحافَظة الاجتماعيّة. وقد أقدمت الشرطة مؤخّراً على مصادرة كتاب للصحافيّ أحمد سيك يوثّق فيه شبكة غولِن في أجهزة الأمن واعتقلته. وهو كان واحداً من صحافيّين كثيرين اعتُقلوا بتهمة الضلوع في مؤامرة عسكريّة، عُرفت بمؤامرة إرغِنِكُن، تعود إلى 2007 لإطاحة الحكومة. وهذه إنّما استُخدمت ذريعةً لإلقاء القبض على كثيرين من الشخصيّات العامّة وسجنهم من دون محاكمة.

وفي السياق هذا فإنّ العدالة والتنمية يُظهر نفسه، في الحكومة، كوريث جدير بوراثة المؤسّسة الكماليّة. فنقّاد الحكومة وطاقمها الإعلاميّ تعرّضوا للمضايقات والابتزاز، إذ كانوا أحياناً يرسلون إليهم مفتّشي الضرائب للتحقيق في مبالغ تافهة يُفترَض أنّها مُستَحقّات غير مدفوعة. وفي هذه المجالات لاحظ مراقبون توازياً مع روسيا بوتين.

هذه التطوّرات السلطويّة لا يربطها، بذاتها، رابط بالجذور الإسلاميّة للعدالة والتنمية: فعلى ما تشير المقارنات بروسيا، تبدو تلك من سمات أنظمة السلطويّة الاقتراعيّة، حيث تُستعمَل الشرعيّة الانتخابيّة كتفويض للسيطرة على السلطة التنفيذيّة. بيد أنّ الديموقراطيّة أكثر من انتخابات وأغلبيّات: إنّها تتطلّب فصلاً أصيلاً بين السلطات، ووجود مؤسّسات وروابط مستقلّة، ينظّمها كلّها حكم القانون.

على أنّ هناك، في أيّة حال، ملامح أخرى للسلطويّة تتّصل بالدين. فالمجموعات الدينيّة المحافظة، أكانت مسلمة أو مسيحيّة أو أيّاً كان، حاولت على الدوام أن تفرض قيوداً أخلاقيّة على العائلة والجنس والسلوك الشخصيّ. وهي أيضاً تسعى إلى التحكّم بالنتاج الثقافيّ، وإلى مراقبته، بحيث يتلاءم مع المعتقد الدينيّ ومع «احترام الدين». ومع أنّ التشريع في الاتّجاه هذا صعب في تركيا، كونها تحت بصر المؤسّسات الأوروبيّة، فقد قدّمت الأغلبيّة البرلمانيّة لحزب العدالة والتنمية، في 2004، مدعومة من أردوغان، تشريعاً يجرّم الزنى. وبالفعل تراجع أردوغان أمام الاعتراضات الأوروبيّة والاحتجاجات الواسعة.

لكنْ في 2005، حيث اتّضح أنّ الانضمام إلى الاتّحاد الأوروبيّ مستبعد في المستقبل المنظور، انخفض الضغط على العدالة والتنمية كي يتساوق مع الحساسيّة الأوروبيّة. فهل سيتأدّى عن هذا مزيد من التشريعات الأخلاقيّة في المستقبل؟

بعيداً من القانون، هناك ضغوط محلّيّة وبلديّة وتجمّعيّة لاعتماد المطابقة الأخلاقيّة. فاستهلاك الخمر كان دوماً وفي كلّ مكان هدفاً معلناً للإسلاميّين. وبعد نجاح حزب الرفاه، في 1994، في انتخابات بلديّة اسطنبول، حاول محافظ بيوغلو، وهي الحيّ الأكثر كوزموبوليتيّة وترفيهاً في المدينة، أن يحدّ من عرض الخمور للأبصار. هكذا طالب مراكز بيعها بإخفاء الشاربين وراء ستائر، فاستُقبل طلبه بالغضب والتظاهرات وبتهديدات من الجيش، ما فرض تراجعاً سريعاً.

لكنّ ذلك كان زمناً آخر. فالآن ثمّة تقارير كثيرة عن أعمال منع وتقييد تخضع لها البارات وأماكن بيع الخمور في عديد المحافظات، لكنْ بالطبع ليس في المراكز المدينيّة الأساس. وفي مطلق الحالات، شهدت السنوات الماضية ارتفاعاً في الضريبة المفروضة على الكحول.

ولنا، ممّا تقدّم، أن نخرج باستنتاجين: أنّ الارتباط بين الإسلام والديموقراطيّة في تركيا حصريّ بتاريخ محدّد هو تاريخ ذاك البلد وبتعدّديّة مؤسّسيّة يتّسم بها، وليس قابلاً للتطبيق على أيّ من جيرانها العرب. وأنّ التعدّديّة تبدو مهدّدةً الآن بسبب الانتصارات الانتخابيّة المتكرّرة للعدالة والتنمية، ومن ثمّ إرساء مرتكزات لسلطويّة أكثريّة في الواقع، وعلى المستويين المؤسّسيّ والتجمّعيّ.

لقد راد الإخوان المسلمون في مصر، من خلال ما صدر عنهم في السنوات الماضية وحتّى الوقت الحاضر، الدعوة إلى الديموقراطيّة والتعدّديّة. لكنْ ما الذي يفهمونه بـ«الديموقراطيّة»؟ إنّهم غامضون ومتناقضون في ما خصّ موضوعي النساء والأقباط، وحول مسائل الانتاج الثقافيّ وحرّيّة التعبير و«احترام الدين»، وهذه كلّها نُذر الأخلاقيّة السلطويّة. على هذا النحو تغدو «الديموقراطيّة» مجرّد سلطويّة أكثريّة.

[1] تُرجم هذا النصّ عن الانكليزيّة حيث نشره موقع Open democracy في 30 أيّار (مايو) 2011. www.openDemocracy.net




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬