دلال البزري

الثورة حلَبة واسعة تتّسع للجميع. انها الحضن الدافئ، المضياف، السخي. انها زمن الغبطة والأمل والحلم. انها العيد، أو «الكرنفال»، كما وصفها بعضهم. كم من المشتركين فيها عبّروا عن سعادتهم بها، عن ولادتهم الجديدة، عن انبعاثهم، بفضلها، من بين الأموات؛ كم منهم بكى فرحا بها وابتهاجا.

فالثورة لحظة ملحمية طوباوية. كل مشترك فيها، كل متعاطف معها، يتصور ان حياته سوف تكون أفضل بعد انتصارها، بعد سقوط الطاغية، وسيكون في وسعه أن ينجز أو يبني أو يحقق. والثورة مثل فترة سماح، أو شهر حرام، حالة تآلف فذة، يتناغم في داخلها غرباء الأمس، من طوائف أو أنواع أو أجناس، تتبخّر حساسياتهم، وكذلك الغيرة التي تفرّقهم أو الامتعاض.الثورة كحالة غير مسبوقة هي ايضا ولادة أفعال غير مسبوقة، مثل الاستشهاد والتضحيات، وبروز أدوار لأفراد او أجناس كانوا غريبين عن السياسة، واذا بهم في خضم ثورة. وعلى رأس هؤلاء النساء.

قبل الثورات العربية الراهنة، لم يكن للنساء شأن كبير بالسياسة: الى السلطة الرسمية كانت تصل النساء المندرجات في منطقها الخاص، بفساده وتسلّطه، أو الراضيات بصوَرية مناصبهن. اما في «المجتمع المدني»، فالنساء أوفر حظاً، بقليل؛ فيما المجتمع الأهلي، التقليدي، لم يكن يتيح للنساء دورا في السياسة، أو وظيفة، أو شأنا. الأدوار كانت مفروزة بدقة بين الرجال والنساء. وما ساعد على هذا الغياب، هو النوم العميق الذي غطّ فيه المجتمع قبل الثورة، بعدما بدتْ كل الآفاق مسدودة.

عندما حدثت الثورات، صعدت النساء الى خشبة صناعة الحدث، وبكثافة غير معهودة. مشهد النساء في السياسة خلال التظاهرات، وهو النشاط الثوري بامتياز، تقاسمنه مع الرجال، بنسب ومعدلات متفاوتة، ولكنها أصيلة وحقيقية، لا ريب فيها. ولئن كانت هذه الثورات ديموقراطية، لا قومية ولا طبقية، ترفع من بين ما ترفع من شعارات زمنها حول حقوق الانسان، كان من البديهي ان تنطوي هذه الحقوق على تلك التي تتعلق بالنساء. فالمرأة انسان وحقوقها من بين حقوق الانسان.

هذا الوجه الايجابي من الثورة لم يكن متبلورا، بل كان ضمنيا، أكيدا، مفهوما من دون أن يصاغ. ما كان ضمنيا بالقدر نفسه هو ان للثورة أولوية: إسقاط الطاغية؛ وأي تشعب عن هذه الاولوية، مثل طرح حقوق النساء، هو تهديد لأهدافها. الوجه السلبي لهذه الضمنيات لم يمنع النساء من الاشتراك بالثورات، وبحماسة الموعودات بدور أكبر في تلك المسألة التي تبيَن انها تخصهن، بقدر ما تخصَ الرجال: مسألة انكبابهن واهتمامهن بالحياة السياسية الخاصة ببلدانهن، وإدراج حياتهن ضمن سياق التزامهنَ بقضاياها.

الثورة اذن بطبيعتها، بكونها مسألة سياسية، أي مسألة تخصَ الجميع، هي محبذة لاشتراك النساء بها، مرحّبة بهن.

اما ما بعد الثورة، فالامر لا يظلّ مسألة سياسية بل مسألة سلطة. بعد الثورة مباشرة، بعد تحقيق شرطها الأول للولوج الى عهدها الجديد، تضيق ساحة السياسة، ويبدأ الصراع على السلطة الجديدة. تتقلص الأدوار لتصبح في حدودها الدنيا. انها مرحلة فقدان الجاذبية، حيث لم يتكوّن بعد إطار مناسب للشرعية الجديدة. فترة ما بين عالمين، يسيطر فيها من كان اكثر تنظيما، وليس بالضرورة من كان اكثر اخلاصا او فاعلية. الأكثر تنظيما والأكثر قدرة على ممارسة السلطة، طالما اننا بصدد الصراع حولها.

ولئن كانت فترة ما بعد الثورة تطرد غالبية الرجال، فالأحرى بها ان تطرد كل النساء، اللواتي لا يملكن لا خبرة سياسية تنظيمية، ولا خبرة سلطوية، اللهم سلطة الفتنة البعيدة، في حالتنا هذه، عن السياسة. في مرحلة ما بعد الثورة، المسماة «انتقالية»، يتغير المناخ العام. يصف الأديب المصري عزالدين شكري فشير ميدان التحرير بعد اسبوع واحد من تنحي مبارك: «غريب(...) الميدان ممتلئ بمخلفات طعام وأكياس. اختفى الشباب الذين كانوا يمرون حاملين أكياس جمع القمامة. اختفى المتظاهرون بلطفهم ونظامهم وموسيقاهم وفنونهم ولافتات الاحتجاج الذكية الدعابة، وحلّ محلهم هؤلاء المتجمهرون المتزاحمون الفظَو القلب والسلوك...» (مجلة الكرمل الجديد. صيف 2011. ص 155). المناخ سوف يشتد عدوانية مع الايام اللاحقة. لن تلفظ النساء من السياسة فحسب، بل سيتعرضن لعنف سجلته الجمعيات النسائية والحقوقية خلال الأشهر الستة الاخيرة، وكانت درجته عالية.

انه «السندروم» الجزائري: خلال الحرب الثورية التي خاضها الشعب الجزائري في نهاية الخمسينات وبداية الستينات من القرن الماضي، اشتركت المرأة الجزائرية الى جانب الرجل، وكابدت كل الصعاب وقدمت التضحيات. ولكن ما ان انتصرت الثورة حتى أعيدت النساء الجزائريات الى البيوت، وأخضعن تدريجيا وهُمِشن، وكن ضحايا كل أشكال العنف والتمييز. وهذا «سندروم» يلاحق الأدبيات النسائية الثورية. فالتجربة كانت سلبية. ومع ذلك... فهن مقبلات.

ولكن ثمة أمر آخر: ان الثورات العربية الراهنة، بطبيعتها، ليست في قيادة حزب محدّد ذي هيكلية وعقيدة. لذلك فان الصراع الذي تخوضه الأطراف من اجل السلطة في مرحلة ما بعد الثورة يرتدي أشكالا غير مسبوقة، غير مفهومة، غير مصاغة صياغة واضحة، أو غير قابلة للإلتقاط. ومسألة الانتقاص من فكرة مشاركة المرأة بالسياسة في هذه الحقبة، او التمييز ضدها، لا يعبر عن نفسه بالطرق التقليدية المعروفة؛ وإن كانت هذه الطرق معطوفة على الجديدة منها.

فخلال هذه المرحلة ما بعد الثورية، يكون التمييز ذا أشكال معروفة، يمكن ملاحظتها وتسجيلها، وأخرى ذات أشكال جديدة لا تجد لها تسميات ولا تفهم منها آليات، الا بعد حين: مثل الهجوم الذي تعرضت له تظاهرات نسائية في كل من تونس ومصر من قبل افراد او مجموعات صغيرة عدوانية تصرخ في وجوههن بالعودة الى البيت أو المطبخ، حيث مكانهن «الطبيعي». او كل الانشطة التي يعبر فيها السلفيون عن آرائهم ومواقفهم تجاه النساء.

الآن، وقبل التعرّض لتفاصيل كل بلد من البلدان التي عرفت الثورات وثقل النساء فيها، نتوقف أمام ثلاث نقاط تلحّ بالتساؤلات على موضوعنا: الديموقراطية، الاسلام السياسي، والاعلام.

في الديموقراطية اولا: من البديهيات المطروحة في الادبيات التي تخصَ موضوعنا، ان الديموقراطية هي بالضرورة تحرير لطاقات النساء السياسية. حجة هذه البديهة تقوم على تعريف الديموقراطية نفسها، من انها تعني مشاركة الشعب في اتخاذ القرار حول شكل الحكم وشكل المجتمع الذي يرضي تطلعاته او مصالحه. وبما ان النساء نصف الشعب، أو «نصف المجتمع»، كما درج القول، فان الديموقراطية لن تبقي هذا النصف في الهامش، بل سوف تعزّز مشاركته، تعزيزا للديموقراطية نفسها. وتسترشد هذه البديهة بواقع النساء في ظل الاستبداد، بالفكرة الراسخة عن استبعادهن.

ولكن الأمر على ارض الواقع أكثر تعقيدا، في ما يخص الاثنين: أي الديموقراطية، ومشاركة النساء في السياسة. فالثورة التي نحن بصددها، الرافعة الديموقراطية هدفا، لا تتحقق الا بسقوط الطاغية. ولكن هذا الشرط الضروري غير كاف. فسقوط الطاغية هو الخطوة الاولى فحسب، وقد تتعرض الديموقراطية من بعده للانتكاسة، ويعود الحكم أكثر تسلطية مما سبق. خصوصا ان الديموقراطية تعاني في موطنها الغربي من تعقيدات وعثرات لا تساعد ديموقراطيتنا الناشئة على تجاوز مراحلها الأولى بسهولة وسرعة.

لذلك فان فترة ما بعد الثورة، بالنسبة للراغبين في تحقيق أهدافها، تشهد حركة دوؤبة وبناء مستمرا ونفسا طويلا، قد يمتد لعقود. خلاصة القول ان الديموقراطية تتحقّق بالثقافة او بالبناء الثقافي الحضاري، وهي ليست معطى جاهزا، شبه غريزي، كما هو الصراع الصرف على السلطة.

الصعوبة نفسها تواجهها النساء وهن في طريقهن الى ربط الثورة بمشاركتهن في السياسة. هي الصعوبة نفسها، ولكن مضاعفة. اذ تحتاج النساء في مرحلة ما بعد الثورة الى رفع ضرر الصراع العنيف على السلطة عن كاهلهن، وانعكاس هذا الصراع على عملية تهميشهن وتعنيفهن وأحيانا مطاردتهن. معطوف على كل ذلك، عملية بناء مفاهيم المشاركة النسائية وقيمها. وهي مثل عملية البناء الديموقراطي، طويلة المدى، هشّة، معرضة للتراجع أو الانتكاسة.

في الاسلام السياسي ثانيا: والمعني بهذا العنوان المروحة الواسعة من الظواهر والقيم والمسالك التي طبعت العقود الثلاثة الماضية، والتي تقوم الهيمنة فيها على إسلام حرفي عابر للتاريخ، ومتناقض مع مفاهيم مشاركة النساء في السياسة.

تنظيم «الاخوان المسلمين» الذي تعود نشأته الى عشرينات القرن الماضي أقوى هذه الظواهر وأكثرها تنظيما. الأقوال والأفعال الاخوانية الكلاسيكية حول موضوعنا معروفة بعدائها لهذه المشاركة. ولكن بعد الثورة تصاعدت حملة «الاخوان المسلمين» لتقديم صورة «معتدلة» أو»وسطية» حولها. في تونس ومصر، حيث انتصرت أولى خطوات الثورة، يدلون بتصريحات، هنا وهناك، مؤيدة لهذا «الاتجاه الوسطي».

الظاهرة الأكثر صراحة في رفض مشاركة النساء هي التي تضم تحت جناحها كل المجموعات والتنظيمات المعروفة بصفتها السلفية أو «الجهادية» (قسم من السلفيين أسس في مصر حزب «النور»). وعلى رأس برنامجها تطبيق الشريعة الاسلامية وإقامة الحدود الخ.

الدعاة أو الشيوخ هم ثالث هذه الظواهر: وقد تكاثر هؤلاء في العقود المنصرمة واكتسبوا احتراما وسطوة اعلامية وسعيا من الناس لطلب فتاواهم... الخ، ما جعلهم اصحاب هيمنة فكرية بالمعنى الغرامشي للكلمة، اي بمعنى السطوة المرغوبة والمطلوبة. ولا حاجة للتكرار بأن تأويل هؤلاء للدين لا يختلف الا تبعا للمزايا الشخصية، أو لبعض الفتاوى المتحبّبة للنساء، والتي لا تخرق القاعدة الفكرية المعمول بها لديهم.

الظاهرة الاخيرة هي أسلمة المجتمع نفسه. أسباب هذه الأسلمة متشعبة و أبطالها كثُر؛ لن نخوض فيها هنا. لكن في ما يخصنا، واخذا بظواهر الأمور، فان أسطع برهان على الاسلمة هو الانتشار الكثيف للحجاب، ومن بعده للنقاب، وسط النساء، بعد حقبة، بدايتها في اوائل القرن الماضي، كانت النساء فيها سافرات أو نازعات نحو السفور، ما يعطي الانطباع بأن الاسلام السياسي قوي تنظيميا في المجتمع وها هن اتباعه من النساء... والحال ان هذا الهندام الاسلامي لم يمنع النساء لا من الخروج الى العمل ولا من المشاركة في الثورات والمشاركة في فعالياتها (خصوصا منقبات اليمن)، وبنسب تتفوق على ما كن عليه قبل الثورة، ومن دون ان تندرج بالضرورة مشاركتهن في اطار حزب او مجموعة اسلامية.

التمييز بين الظواهر الاربع، وإن كان شديد العمومية، يسمح بجلاء بعض الالتباسات. إنّه يفهمنا، ولو جزئيا، لماذا يلجأ «الاخوان المسلمون» الى «تجميل» خطابهم تجاه النساء. خصوصا بعد اندلاع الثورات. فهم يسوّقون لأنفسهم وسط قاعدة جماهيرية يتصورون، ربما عن حق، انها مستعدة لقبول نزوعهم الديني. فالنساء المحجبات او المنقبات اللواتي أصابتهن بعض مفاهيم الحداثة، ومن بينها مشاركة بنات جنسهن بالسياسة، قد تقنعهن أقوال من نوع ان الاخوان لا يمانعون في تولي المرأة الرئاسة، او النيابة... ثم ان الغرب الذي سوف تتعامل معه القوى الجديدة هو صاحب هذه المقولات. وقبوله بالاسلاميين، «المعتدلين»، على الاقل في المراحل الاولى ما بعد الثورية، مرهون بمدى المواءمة بين نظرته لمشاركة النساء في السياسية وبين نظرة الطرف الأكثر ترشحا لتولي السلطة.

في الاعلام، وخصوصا المرئي منه: اذا جاز اعتبار ان هناك سياسة، او توجهاً خاصاً للاعلام، بازاء مسألة النساء والسياسة، فان هذه السياسة ليست أحادية. طبعا نتكلم هنا عن الاعلام الإخباري، وهو في صميم الشأن السياسي.

اذن لهذه «السياسة» وجهان، سلبي وايجابي.

في الوجه السلبي يؤخذ على هذا الاعلام اقتصار معظم اختياراته على الشابات الجميلات من المذيعات والمراسلات ومقدمات البرامج، وذلك بصرف النظر عن كفاءاتهن وقدراتهن في التحليل او المواكبة او التغطية او المشاركة. والاقتصار على هذه الخيارات يقدم تصورا تشييئيا عن المرأة بالأصل، ويحيلها بغفلة من الجميع الى مصاف الكائن الموضوع غير المفكر ولا المتدبّر، ويثبط اية بوادر عزيمة سياسية من قبل النساء. وهو يضر بالشابة الجميلة نفسها، اذ يحصرها في مؤهلات سوف تتآكل مع الزمن، بحيث لن يكون لمفعول تراكم خبراتها أي أثر، أو قيمة.

في الوجه السلبي ايضا: ان الغالبية العظمى من المدعوين الى شاشة الاعلام لكلام عن الحدث السياسي هم من الرجال: خبراء ومحللين ومعارضين واحيانا «مفكرين». ولم تألف الشاشة تكليف نساء من هذا العيار المفترض انه ثقيل، ولا يألف المشاهدون بالتالي رؤية امرأة تفكر بالسياسة أو تناقشها او تنتقدها الخ. صحيح ان هذا الصنف من النساء نادر على ارض الواقع. ولكن الأصح ايضا ان الرجال الذين يُستضافون على الشاشة لا يعبّرون، الا في ما ندر، عن استحقاقهم للأبّهة التي تحيط بكفاءاتهم او قدراتهم بصفتهم «خبراء» أو... «مفكرين».

ولكن ما يتناقض، ظاهريا، مع النقطة السالفة، هي تلك المسايرة، ذاك اللطف المبالغ فيه الذي يبديه الاعلام تجاه النجوم من النساء، وتصدّر اولئك النجوم للشاشة السياسية، من دون ان يكون هناك مبرر منطقي، سياسي او ثقافي لذاك التصدّر، سوى النجومية نفسها: اي كون هذه المرأة ظهرت على الشاشة بمعدلات تفوق المتوسط من الظهور. وكأن الشاشة الصغيرة تتعامل مع السياسة كما تتعامل مع الاعلان او الدراما: اي بنوع من الكسل المتأصل، الذي يجعلها لا ترتاح الا للوجوه التي اعتادتها. أما الضرر الواقع على المرأة من هكذا مسلك فواضح: انه يقدم صورة المرأة-النجمة المكرّسة سياسيا، القادرة على بثّ لحظات إثارة تجلب المشاهدين، ولكن غير الملمّة حقيقةً بالسياسة، ولا تملك الجهوزية اللوجستية أو التنظيمية لخوض غمارها.

على المنوال نفسه تجد التغطيات التي يقوم بها الاعلام في فقرات خاصة لمسألة «مشاركة النساء في الثورة»، أي في التظاهرات او الاعتصامات. الغرض المعلن من ذلك، دائما، هو تبيان «مدى هذه المشاركة»... فنرى الكاميرا «زوم إن» دائما، قريبة من المرأة او من النساء المطلوب تصويرهن، بحيث تبدو هذه المشاركة للعين المجربة مضخّمة عن واقعها. وما يكشف هذه السياسة شرائط اليو تيوب غير المهنية التي لا تظهر فيها مشاركة النساء الا نادرا.

في الوجه الايجابي للإعلام: ان كل هذا لا يمنع بروز مقدمات برامج سياسية على قدر عال من الكفاءة والدمائة والحيلة الحوارية. وقد اشتهر عدد من هذه البرامج وأصبح مرتبطا بأسماء مقدماته.

الكلام نفسه ينطبق على مقدمات الأخبار اللواتي يتجاوزن حدود مجرد التقديم الى التحاور والتعليق والتدقيق مع ضيوفهنّ الرجال؛ بحيث يبدون أحيانا متفوقات عليهم في استيعابهن للحدث السياسي، وأكثر قدرة منهم على تناوله.

أكثر من ذلك: الاعلام سمح للمشاهد العربي ان يتعرف إلى ابرز الوجوه النسائية المشاركة في الثورات، وإن أغفل بعضهن، أو بالغ في إبراز بعضهن الآخر. وبتنا نعرف اسراء عبد الفتاح وأسماء محفوظ ونوارة نجم (مصر) ولينا المنهي وبشرى بالحاج حميدة وسناء بن عاشور (تونس) وتواكل كرمان وتهامة معروف (اليمن) وسمر يزبك ورزان زيتونة وسهير الاتاسي (سوريا). وجميعهن كانت لهن أدوار أو كلمات أو نداءات أو صرخات أو تغطيات أو آراء أو وجهات نظر. جميعهن خلقن في البيوت العربية الساكنة إحساسا بأن المرأة يمكنها المشاركة، ويمكن لها ان تعطي افضل ما عندها.

كذلك في الجينيريك الفاصل بين الفقرات الاخبارية. للنساء وجود ودور وحيز، يساوي ذاك الذي يطال الرجال، الا في مشاهد المعارك العسكرية أو القمع الدموي. أمهات ثكالى ومتظاهرات ومعتصمات وحتى مغتصبات (الليبية ايمان العبيدي)، النساء في معظم حالاتهن اثناء الثورة. ولا حاجة الى تكرار أثر كلهذه الصور.

يرتكز هذا القسم من النص بصورة رئيسية على استبيان أرسلته الى ناشطين وناشطات في الثورات او مراقبين لها او محللين لمجرياتها، غالبيتهم أصدقاء قدماء و آخرون جدد على «الفايس بوك»، وذلك الى البلدان العربية التي شهدت ثورات. والاسئلة المطروحة في الاستبيان تدور حول مشاركة النساء في الثورات، اشكال هذه المشاركة ومجالاتها ووتيرتها. وقد خصصت اسئلة تتعلق بهذه المشاركة للبلدان التي تحققت فيها أهداف ثوراتها، أي تونس ومصر. بانتظار دراسات اكثر ميدانية، فان النتائج التي بلغتها من الاجابات يمكن وصفها بالتقريبية، وإن تقاطعت هذه الاجابات في الغالبية العظمى من الاحيان.

البلدان المعنية بالاستبيان هي تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا. بالنسبة للبحرين كان لديّ ثلاث مشاكل: كل البحرينيين والبحرينيات الذين ارسلت لهم الاستبيان لم يجيبوا، ومن بين هؤلاء اصدقاء وزملاء قدامى. الاجابة الوحيدة التي بلغتني قال لي صاحبها، بشيء من الغضب :«لم تحدث ثورة، بل فتنة مذهبية!». اخيرا، في القصاصات التي جمعتها من الصحافتين العربية والغربية، لم تشكل تلك المتعلقة بالبحرين الا نزرا يسيرا، معظمه تعبوي أكثر مما هو اعلامي. لهذه الاسباب كلها قررت استبعاد موضوع البحرين، خصوصا ان المسافة الواقعة بين «الثورة» و«الفتنة» لا يردمها تحليل ضعيف.

وقد قسمت البلدان الى اثنتين: تلك التي انتهى مطافها الى اسقاط الطاغية، أي تونس ومصر، وتلك التي لم تحقّق بعد هدفها.

المجموعة الاولى: الثورتان التونسية والمصرية تتشابهان تماما من حيث الطرق، القائمة على تظاهرات سلمية متوالية تواجه الرصاص الحيّ بالصدور العارية للمشاركين فيها؛ ومن حيث المدة القياسية في سرعتها، اذ لم تختمان الشهر الواحد لتحقيق مطلبها الاساسي، أي تنحّي طاغتيها.


تونس: 17 كانون الاول 2010 الى 14 كانون الثاني 2011.

الشخص الذي أشعل هذه الثورة بإشعال نفسه بالنار، والذي احتل مرتبة العلامة الفارقة في التمثلات العربية اللاحقة للثورة وهو محمد بوعزيزي. فعل الانتحار بالنار احتجاجا كان له مقلّدوه، في تونس كما في مصر، الذين أخفقوا في بلوغ مرتبة الرمز الوطني أو القومي.

لكن الملاحظ ان أية امرأة لم تقم بما قام به البوعزيزي ومقلّدوه. فيما شاركت النساء التونسيات بكل الأنشطة الأخرى السابقة على الثورة مرورا بالثورة نفسها وما تلاها. الشابات المدونات والناشطات على الفايس بوك والتويتر كنّ في المقدمة، وكن مع الشباب مبادرات ومنتظمات. وفيما بعد، شاركن في التنظيم والخطب والاعتصامات، وكان عددهن في التظاهرات بقدر عدد المتظاهرين، يسرن معهم جنبا الى جنب.

مشاركة التونسيات جماهيريا ونخبويا في ثورة بلادهن هي الأعلى، مقارنة ببقية المشاركات النسائية. وما يفسر هذه الطليعية هو الارث البورقيبي التحرري في ما يتعلق بقانون الاحوال الشخصية (1956)، وعراقة الجماعات النسوية التونسية («النساء الديموقراطيات»، والتونسيات من اجل البحث والتنمية») وقدم جمعيات حقوق الانسان (اللجنة التونسية لحقوق الانسان عام 1977، أول جمعية حقوق انسان عربية).

لكن الحكومة الانتقالية لما بعد الثورة لم تضم الا امرأتين، ولجان الاحياء التي تشكلت اثناءها لم تضم اليها اية امرأة، فيما التهديد القوي لهذه المشاركة يأتي من مصدرين متمكنين: الاول هو المجموعات التابعة للنظام السابق، وتهديدها جسدي مباشر، ويستهدف النساء بصورة خاصة ويرمي الى طردهن من الشارع ومن الحي ومن السياسة. اما الثاني، فهو حزب «النهضة» الاسلامي والمجموعات السلفية الجديدة.

حزب «النهضة» يميّع بالقدر المتوفر خطابه حول المرأة ومكتسباتها، موحيا تارة بأنه عازم على تعديلها اسلاميا، بحيث يلغي البنود المتقدمة في قانون الاحوال الشخصية، ونافيا تارة اخرى، خصوصا امام الصحافة الاجنبية، عزمه على هكذا خطوة وتمسكه بالديموقراطية وحقوق الانسان.

الجماعات السلفية اكثر صراحة، فهي تهاجم النساء وانشطتهن، خصوصا التظاهر من اجل حقوقهن، وقد تكون هي المسؤولة عن اطلاق الصرخات على المتظاهرات التي تدعوهن للعودة الى المنزل او المطبخ.

المعركة التي تقودها التونسيات الآن، في هذه المرحلة الانتقالية، تدور حول ثلاث نقاط: الاولى هي الحفاظ على الارث البورقيبي في ما يتعلق بالاحوال الشخصية، بل اضافة حقوق جديدة مثل المساواة في الارث؛ الثانية هي ضمان انتخاب العدد الأكبر من النساء في المجلس الوطني التأسيسي المقبل؛ والثالثة هي تضمين الدستور مادة تنص على المساواة بين الجنسين.


مصر: 25 كانون الاول 2010 الى 11 شباط 2011.

صحيح ان الثورة التونسية كان لها الدور الحاسم في تقرير اتجاه الثورة المصرية، خصوصا بعد تنحي بن علي، وصحيح ايضا ان محمد بو عزيزي الرمز كان له اتباع مصريون؛ ولكن المصريين كان لهم ايضا رمزهم الوطني الخاص: وهو الشاب الاسكندراني، خالد سعيد، الذي عذّبته الشرطة حتى الموت وهو خارج من مقهى انترنت في احد احياء الاسكندرية. وكانت الصفحة التي خصصها له مجايلوه على الفايس بوك «كلنا خالد سعيد» هي الفتيل الذي اشعل الثورة المصرية.

وكما الانتحار حرقا، لم تتعرض امرأة مصرية الى الضرب حتى الموت. ولكن للثورة المصرية شهيدتها الخاصة، سالي زهران، الشابة التي تلقت اولى الرصاصات الموجهة للمتظاهرين. والنساء على الشبكة الالكترونية وعلى اليوتيوب كان لهن ايضا القدر الموازي لنشاط الرجال. وأشهر هذه الشرائط على الاطلاق هو ذاك الذي بثته اسماء محفوظ، والذي حثت فيه الرجال قبل النساء على خوض غمار ثورة يطلق شرارتها مجايلوها من الشباب والشابات؛ وكان لهذا الصدى الأثر الحاسم في ضخ الثورة بأجيال اخرى من النساء والرجال.

النساء كن في شجاعة الرجال، في التظاهرات كما في الاعتصامات والمواجهات العنيفة، خصوصا في ما عرف بـ«موقعة الجمل». نسبة مشاركة النساء بلغت احيانا ثلث نسبة الرجال، كفاءاتهن التنظيمية والطبية تجلت بقوة اثناء الثورة.

أمران غير مسبوقين طبعا هذه الثورة: الاول هو اختلاط، بل تجاور المتظاهرين للمتظاهرات من دون ان تحصل ولا حادثة تحرش واحدة، وذلك في القاهرة، العاصمة صاحبة الشوارع الأكثر تحرشا بالنساء؛ اما الثاني، فهو ايضا التجاور، ولكن من نوع آخر: بين السافرات والمحجبات والمنقبات. ما منح التظاهرات الثورية وفعالياتها زخما نسائيا خاصا، تجاوز الثقافة والطبقة والدين.

في الارث المتعلق بالنساء، هناك البعيد وهناك القريب. الجمعيات النسائية المصرية، خصوصا «مركز حقوق المرأة المصرية» و«المرأة الجديدة»، كان لها دور معين في ظل النظام السابق، ولكن حدود هذه الجمعيات كانت واضحة في عدم تخطي الايديولوجيا المهيمنة، الدينية، وعدم تخطي المجلس القومي للمرأة ورئيسته هي زوجة الرئيس. في مصر مبارك، كنت تجد وزيرتين او ثلاثا في الحكومة، أربع نائبات من اصل 444 نائبا في البرلمان المصري، كوتا نسائية خاضعة لشبه تعيين او الانتساب الى الحزب الحاكم، قانون الخلع الذي يجيز للمرأة طلب الطلاق وقانون حضانة الاولاد المعروف بقانون سوزان.

وعلى الرغم من ان التراث المصري النهضوي ينقسم بالتساوي بين السلفي، الذي يفسر الدين حرفيا وشكليا، وبين التحرري الذي يعتمد على مؤلفات قاسم امين والطهطاوي التحررية.... الا ان الغلبة متأرجحة بين الاثنين، حتى انتهاء المعركة.

ونساء مصر لمسن البوادر باكرا: بمجرد ان تسلّم الجيش السلطة، اول الغيث كان لجنة تعديل الدستور المصري، التي رئسها طارق البشري، وهو قاض معروف بفكره الاسلامي وبالحملة التي خاضها عام 2005 ضد تعيين أول قاضية في مصر، تهاني الجبالي. ولجنة التعديل هذه لم تضم اية امرأة محامية او قاضية. بدل ذلك كان صبحي الصالح، عضو قيادي في «الاخوان المسلمين»، أحد اعضائها، فيما المادة 75 من الدستور المعدل تنصّ ضمنيا على ان تقتصر رئاسة الجمهورية على الرجال. في الحكومة الانتقالية ايضا لم يكن هناك سوى امرأة واحدة، فايزة ابو النجا، التي سبق لها ان كانت وزيرة في حكومة احمد نظيف في ظل الحكم السابق.

فيما هطلت الدعاوي القضائية من كل حدب وصوب تطالب بالغاء المجلس القومي للمرأة (في الوقت الذي ابقي على مجالس قومية اخرى دون اي اشكال، مثل المجلس الأعلى للثقافة)، وتطالب بإلغاء الكوتا السياسية وقانون الخلع وقانون سوزان.

لم يكن نصيب النساء من الاحزاب القديمة اكبر من ذلك؛ ولا حزب من تلك الاحزاب الجديدة التي انتعشت بالعشرات كانت تضم الى برنامجها خطة أو أجندة نسائية، أو مجرّد خارطة طريق. الجمعيات النسائية وحدها رفعت مطالب نسائية، وخاضت بعض التحركات في الشارع، وعلى رأسها تظاهرة عيد المرأة في 8 آذار الماضي، التي رفعت شعارات تطالب بالمساواة. وقد تعرضت هذه التظاهرة لاطلاق النار وللشتائم والدعوات الملحة، كما في تونس، للعودة الى البيت او المطبخ، فيما تعرضت 19 امرأة اثناء اخلاء ميدان التحرير من المحتجين، في احدى أوائل المرات، الى الضرب والشتم والاتهام بالبغاء، واخضعن لفحوصات قسرية للعذرية.

المعركة الدائرة الآن في مصر هي بين تياري الاسلام السياسي والليبرالي-المدني.. ولكنها ليست المعركة الوحيدة، فهناك اللاعب الثالث، الأكبر، أي الجيش. والخلفيات الفكرية الثقافية لهذه المعركة تنعكس على المرأة سلباً أكثر مما تنعكس ايجابا: في الجيش والاسلام السياسي، لا يحبذون تقليديا تبوؤ النساء المجال السياسي، اما اصحاب التيار الليبرالي-المدني، فهم على الأرجح مشغولون بالصراع على السلطة، وبمن سوف يكسب الانتخابات التشريعية المقبلة، وإلى ماذا ستؤول التعديلات الدستورية؛ ومسألة مشاركة المرأة في السياسة ليست ايضا من أولوياتهم.

المجموعة الثانية: تلك التي لم تتحقق حتى الآن. أي الثورات اليمينة والليبية والسورية.


الثورة اليمنية: 18 كانون الاول.

من أبرز الوجوه في الثورة اليمينة الصحافية تواكل كرمان، صاحبة فكرة انشاء المجلس الانتقالي اليمني والعضوة البارزة فيه. منذ العام 2005 وتواكل كرمان تشارك اسبوعيا في تظاهرات ساحة الحرية في العاصمة صنعاء للدفاع عن حرية التعبير. التجمع كانت هي التي تنظمه بصفتها رئيسة منظمة «صحفيات بلا قيود» وعضوة مجلس الشورى في «التجمع اليمني للإصلاح»، حيث يحتل والدها موقعا قياديا.

اليمنيات شاركن في تظاهرات واعتصامات الثورة. نسبتهن لم تتجاوز الـ10% من نسبة الرجال؛ وكن، بحسب المدن، يختلطن بهم او ينفصلن عنهم. في تعز مثلا تجدهن يمشين جنبا الى جنب مع الرجال. اما في صنعاء فكن يشكلن كتلا مستقلة عنهم، كذلك في عدن، حيث كانت مشاركتهن ضعيفة عدديا قياسا الى المدن الباقية.

والانفصال الصارم بين الرجال الثائرين والنساء المنقبات بغالبيتهن لم يقف حائلا دون اسهام النساء في انواع من الانشطة الاخرى ذات التأثير على مجريات الثورة، مثل إلقاء الكلمات وتنظيم الفعاليات والاعتصامات والنشاط الاعلامي الكثيف عبر الاذاعة والتلفزيون الثوريين.

لم تعرف اليمن شهيدات، اللهم إلّا امرأة واحدة، قتلت خطأ. فمن حسنات الفكر والتقليد القبليَين ان النساء لا يصوّب الرصاص نحوهن، حتى في حالات تعرّض الامن للرجال. البنية القبلية تحمي حياة النساء اليمنيات، ولكنها تحجر عليهن في آن. ومضمون هذه الهيمنة معطوف على هيمنة التفسير الديني الذي تجده في كل البلدان العربية حول المرأة.

وهذا ما سمح للرئيس علي عبد الله صالح بخوض معركة «الاختلاط حرام» ضد النساء المشتركات في الثورة، بصفتهن مشتركات مع الرجال في التظاهرات. على الاثر، قام عدد من شباب المشترك في التظاهرة بالاعتداء، لفظيا وجسديا، على ناشطات غير محجبات أصررن على التظاهر الى جانب الرجال. لكن الأبلغ جاء من نساء منقبات تظاهرن ضد «الفتوى» التي اطلقها صالح.

اليمن حكمته نساء في تاريخه القديم. على رأسهن الملكة بلقيس والملكة أروى. ولكنه الآن واقع تحت اسر البنية القبلية والاحزاب الدينية التي من مقوماتها إعادة النساء الى «المنزل» او «المطبخ».


الثورة الليبية: 17 شباط 2011.

النساء هن اللواتي اشعلن الثورة الليبية. قبل اندلاعها بيومين، قام عدد من امهات السجناء السياسين بتظاهرة امام سجن بنغازي للاحتجاج على اعتقال محاميهن فتحي تحيل. الرد العنيف عليهن انزل الليبيين الى الشارع للمطالبة باسقاط القذافي. فكانت التظاهرات الاولى لليبيين، تشارك بها النساء بنسبة تتفاوت بين 10 و20%، ويسرن غالبا منفصلات عن الرجال.

لكن الثورة سرعان ما تحولت الى عمل مسلح، اعادت النساء على اثرها الى الخطوط الخلفية، حيث انكببن، خصوصا في بنغازي، على القيام بالاعمال اللوجستية، من إعداد الطعام خصوصا، وقليل من التدريب على السلاح. بل رأينا امرأة عضوا في المجلس الوطني الانتقالي، وثلاث نساء في المجلس البلدي لبنغازي وناطقة رسمية باسم الثوار، فضلا عن ادارة شابات ليبيات للاذاعة المحليةفي بنغازي.

الا ان الرمز الأكثر ذيوعا للثورة الليبية هو الشابة ايمان العبيدي، التي كانت لديها من الشجاعة الفائقة ما سمح لها بفضح تعرضها للاغتصاب على يد مجموعة من كتائب القذافي، وذلك في احد فنادق طرابلس الذي يضج بأمن القذافي من رجال ونساء. ايمان العبيدي تحولت الى ايقونة وفُتح لها حساب على الفايس بوك «كلنا ايمان العبيدي». وصورتها وهي باكية شاكية ما زالت تظهر على جينيريك الأقنية الإخبارية العربية. اعتبرها بعض الليبيين «حفيدة عمر المختار» و«رائدة النساء في الثورة الليبية تضحية وصبرا وشجاعة واقداما». اما سبب هذا التكريس فيعود الى كون العبيدي «خرجت من بين الحشود في طرابلس لتقول للعالم ان القذافي مجرم وان نظامه مفلس وهو يبني مجده على هتك اعراض الحرائر من بنات ليبيا».

سبب هذا التكريس وجيه، وهو يحيل الى دور الجنس في سياسة القذافي بالحكم: الحارسات الشخصيات له. يتداول الليبيون روايات شبه خرافية عن طريقة القذافي في اختيار حارساته الشخصيات، وفي معاملته لهن، وفي المصير المغلق الذي يقرره لهن، بما يشبه ممارسات تعود الى القرون الوسطى من حيث ادوات السيطرة عن طريق النساء (شاهدنا على اليوتيوب واحدة من حارسات القذافي تعلن انضمامها للثورة). ولم يتوقف القذافي عند هذا الحدّ، فقد اتهمه لويس مورينو أوكامبو، رئيس محكمة الجنايات الدولية، بأنه امر بتوزيع حبوب الفياغرا على مقاتليه، بحيث يضمن ان يكون اغتصاب امرأة هو الفعل الاول الذي يقوم به المقاتل الموالي له. العنف الجنسي يطغى على عقول الليبيين والليبيات؛ والارجح انه سوف يكون في المرحلة المقبلة عنوان الاضطهاد الذي تعرضت له نساء ليبيا في العهد البائد وأثر هذا الاضطهاد على مشاركتهن في السياسة.


الثورة السورية: 15 آذار 2011.

النساء السوريات لسن حاضرات ككتل جماهيرية في التظاهرات اليومية التي تخوضها الثورة السورية. ذلك يعود إلى العنف البالغ الذي تمارسه قوات الاجهزة الامنية و«الشبيحة» ضد المتظاهرين من دون تمييز بين نساء ورجال (بلغ عدد الشهيدات السوريات 51 شهيدة).

وعندما يتظاهرن، يكن منفصلات عن الرجال، الا في العاصمة دمشق، حيث تجدهن جنبا الى جنب مع الرجال. على العموم فهن لا يشكلن اكثر من 10% من نسبة المتظاهرين الرجال.

ولكن النساء يقمن يوميا بأنشطة في دعم الثورة وتنظيمها تتجاوز في أهميتها التظاهرات، وتدعمها دعما مطلقا. فالنساء ينشطن اعلاميا، يصورن ويرسلن ويغطين. ولولا الشرائط التي يرسلنها، لكانت الثورة السورية في خبر المجهول. وهن بالاضافة الى ذلك، ينظمن يوميات الثورة، يوزعن المياه والطعام، ويبتكرن المأكولات، ويقفن على ابواب المنازل لمنع الأمن من دخولها، وينقلن الطعام والدواء ويكسرن حيطان المنازل ويفتحن فوهات بين البيوت.

أكثر من ذلك: كما في ليبيا، اندلعت الثورة السورية مع تظاهرة نسائية أمام وزارة الداخلية للمطالبة باطلاق سراح السجناء السياسيين. وفي ما لحق بعد ذلك من أعمال للثورة، برزت وجوه نسائية ترمز الى الثورة وتقود لجانها وتتكلم مع الاعلام وتخطب وتلاحق وتسجل، وتسجن. كل النساء البارزات في الثورة السورية عرفن السجن. أطلق بعضهن وهؤلاء يعشن في السرية، وبعضهنّ الآخر ما زلن خلف القضبان. طلّ الملوحي المدونة الشابة التي كتبت ما لا يعجب النظام صارت واحدة من ايقونات الثورة وهي في السجن. اما سهير الاتاسي ورزان زيتونة وسمر يزبك، فهن ايضا دخلن السجن، وهنّ الآن «طليقات»: الاولى حقوقية تسجل بدقة كل انتهاكات النظام. والثانية ناشطة تقود لجانا تنسيقية على مستوى البلاد كلها. والاخيرة روائية، تكتب وتروي وتجيب حول اعتقالها واعتقال آخرين واخريات، وحول مجريات الثورة في بلادها ميدانيا.

لسوريا إرثان: اهلي تقليدي، ومدني حديث. الآن يلتقي الإرثان على معاداة النظام والعمل على اسقاطه. لكنهما ايضا يعبران بصورة مستقلة او منفصلة: في الشق الاهلي التقليدي، تجد نساء مشاركات، ولكن منفصلات وضمن الوظائف القديمة. اما في الشق المدني الحديث، فتجد مثقفات مدينيات قياديات، سافرات يقمن بأدوار جديدة.

من الواضح ان الثورات العربية خلقت حوافز لدى النساء للخروج الى السياسة، سواء في الشارع او خلفه. غالبية الاجابات التي تلقيتها، حتى من البلدان التي لم تعرف مشاركة كبيرة، ان اية مقارنة مع الماضي هي في صالح المرحلة الثورية. ومن الواضح ايضا، ان المرحلة الانتقالية شهدت، وسوف تشهد، تراجعا عن هذا الحافز ومثبطا له. وان النساء سوف يقاومنه.

والصراع حول هذه المسألة سوف يكون بين اتجاهين اثنين كبيرين: الاول اهلي، تقليدي، ديني؛ والثاني مدني، حداثي غير ديني. لكن التشابك الحاصل بين الاتجاهين، في ما يخص المرأة، وخصوصا بروز محجبات ومنقبات في الساحة السياسية، لن يبقي الاوراق منفصلة تماما. بل سوف يتوسل ابتداعا لأشكال من المشاركة السياسية تتميز عن تلك التي تنسخ التجارب الحداثية الغربية نسخا تاما.

أمر آخر يحثّ على هذا الاختراع هو ان الدول الغربية، صاحبة التجربة الأكثر تقدما في اشراك النساء بالسياسة، لا تبحث، في ما يتعلق بمسألتنا، عن تطبيق المقولات الحداثية بأمانة او من دون ابطاء. فما يتحكم بها هو مصالحها، أكثر من مبادئها المعلنة وقبلها. والمثل الافغاني ماثل حاضر امامنا: فالاجتياح العسكري لأفغانستان كان من بين شعاراته تحرير المرأة الافغانية من الاضطهاد الطالباني. وقد دلّت مجريات هذا الاحتلال ان مسألة النساء هذه كانت تتراجع في الأجندة الغربية كلما تقارب الغرب مع العدو الطالباني، لتعود وتتأجج كلما احتدم الخلاف بين طالبان والقوات الغربية.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬