رامي الأمين

كان ذلك في بداية التسعينات، أحدق في البحر من نافذة السيارة، وأبي يقود في طريق عودتنا من بيروت إلى بيتنا في النبطية، حينما طلب إلينا فجأة أن نلتزم مقاعدنا، و«نقعد عاقلين»، أخي وأنا في الخلف، حتى نعبر الحاجز. كنا قد وصلنا إلى حاجز الأولي، حيث يتمركز عناصر الاستخبارات السورية بثيابهم المدنية وبنادقهم التي يحملونها، بلا اكتراث، بيد واحدة، كما لو أنها خشبة أو مكنسة يلوّحون بها.

وحينما توقفنا، رحت أنظر في فوهة بندقية العسكري المدني تعلو وتنخفض وأنا أتبعها في نظري. طلب العسكري أن نركن السيارة إلى اليمين، بعدما سأل أبي الله أن يعطيه العافية، ثم طلب إلينا أن نترجل جميعاً من السيارة، وبدأ بتفتيشها بشغف قرصان شرير يبحث عن كنز. ثم أمر أبي بازاحة المقاعد، وفتح «التابلو» والصندوق الخلفي. فتّشهما بغريزة كلب بوليسي، ثم طلب من أبي، بلهجة آمرة ومتسلطة اغلاقهما. وكنت أقف هناك، مع أمي وأخي الصغير، ظهري للبحر، ووجهي لـ«السوري» الأول الذي أراه في حياتي.

مؤسف أن تنطبع ذاكرتي بهذه الصورة للسوري الأول: ملامحه وفوهة بندقيته ونبرته المخيفة، لكنه كان بلا عينين. عندما نظرت إليهما، أو إلى مكانهما، لم أر شيئاً، كأنهما مقتلعتان من مكانهما، خفت ونظرت سريعاً إلى حذائه. لم يكن جزمة عسكرية. كان حذاءً رسمياً أسود وأجرد اللون، جافتْه اللمعة. فاللمعة غابت عن عينيه وحذائه وحتى عن سلاحه الصدئ.

لم يعثر العسكري المدني على كنزه، وتركنا نغادر، بشيء من خيبة صياد عائد في المساء بلا طرائد. ركعت على المقعد الخلفي، وراقبت الحاجز يبتعد من الزجاج، وصرفت نظري عن البحر.

لم تبتعد الصورة تلك. تكررت بنمطية مفزعة، حتى حينما توقفت خالتي لشراء نعل بلاستيكي من بائع على عربة خشبية، قرب بيت جدي في الضاحية الجنوبية لبيروت، وسقطت في التنميط. عاودتني الصورة نفسها حينما نطق البائع شارحاً جودة بضاعته. ولو أني سمعت في صوته نبرة مختلفة عن نبرة العسكري المدني على حاجز الأولي، لكن اللهجة اوقعتني في الحكم المسبّق. بعد شهر، شاهدت شبان الحي ينهالون بالضرب على الشاب السوري المسكين، ونعال عربته تتطاير في كل مكان، حتى وصل بعضها إلى «برندات» الطبقات الأولى في الأبنية المتلاصقة في الحي الصغير. وصل صراخ المسكين إلى أذنيّ وهو يتأوّہ من الألم، وسمعت في أصوات شبان الحي، الذين راحوا يضحكون بأصوات عالية، نبرة العسكري المدني على حاجز الأولي. كانت هذه صورة للسوري الثاني أو صورة ثانية لـ«السوري». واستمرت الصور في دخول ذاكرتي بالتصنيف هذا، سوريون عسكريون- مدنيون، وعمال سوريون مساكين مقموعون يهانون من لبنانيين مدنيين-عنصريين، وإن كان بعض هؤلاء العمال يدخل في الخانة الأولى، حينما يبدأ الناس بالتهامس عن أنه «مخابرات».

سنوات مرّت، قبل أن تحشر صورة أخرى نفسها في الذاكرة. كان ذلك حين جرى توزير عبدالله الأمين، وكان حينها أميناً عاماً لحزب البعث السوري العربي الإشتراكي في لبنان، في احدى حكومات رفيق الحريري، وتسلّم يومها حقيبة العمل. حينها بدأ كثيرون في العائلة، ومنهم اقرباء لصيقون يتبعثنون وبدأت اصواتهم تذكّرني بنبرة عناصر حاجز الأولي. هنا بدأت أعتقد بوجود لبنانيين- سوريين، وتحول «السوري» إلى نعت، وكان كثيرون يستخدمونه، فيقولون «فلان سوري»، ويعنون بذلك أنه قريب من الاستخبارات السورية أو منها.

هكذا صرت على تماس يومي مع «سوريين» كثر، لبنانيين وسوريين، ولم أعرف في تلك الفترة، حتى حينما بدأنا نشاهد مسلسلات «غوار» أن ثمة شعباً سورياً يعيش في بلد يدعى «سوريا»، مع أن هذا البلد، كان في مرات كثيرة مقصداً لأمي وصديقاتها بهدف زيارة «السيدة زينب». كن يذهبن ويأخذن قرابين يقدمنها هناك ايفاء لنذور كثيرة ألزمنَ انفسهن بها. كنت أظن أن «أبو كلبشا» في «صح النوم» مناوب في مخفر لبناني، وأن «أبو عنتر» وذراعه الموشومة بـالـ»باطل»، واحد من عناصر الإستخبارات السورية.

عندما توفي حافظ الأسد، في العام ألفين، وصار لي من العمر ستة عشر عاماً، انتبهت إلى أنه ليس مجرد إسم أو صورة على الجدران، تجاور غالباً صورة أخرى واسماً آخر من آل الأسد، هو ابنه باسل. حينها عرفت أنه رئيس سوريا، وأنه كان «خالداً» في حكمه لها، وشهدت مع العالم انتقال السلطة إلى ابنه بشار، فبدا يومها أن الأمور تتغير، وأن تغيير الصورة والإسم يبعثان على التفاؤل بالتعرف إلى صورة أخرى للسوري تحذف تلك التي احتلت ذاكرتي وتأخذ مكانها، لكن شيئاً لم يتغير.

حتى نزولي إلى الجامعة، تحكمت بي هذه الصور، وخلت أنها ستتحكم بي إلى ما لا نهاية. ومع أنني عايشت في كافيتيريا الجامعة وحديقتها طلاباً سوريين، فإنهم كانوا، في نظري، أقرب إلى موضوع مستهجن منهم إلى طلبة. فكنت، إذا ما حضروا، أراقب سلوكهم وتصرفاتهم بشيء من الجوع إلى طعام لم أتذوقه ابداً. ويحدث كثيراً أن تشتهي طعاماً، لا تستبعد احتمال أن لا يكون طعمه لذيذاً، لكنك مع ذلك تشتهي تذوقه. كنت أود أن أتذوق طعم العلاقة بسوريين آخرين، غير أولئك الذين كوّنوا انطباعاتي عن السوري في النبطية. لكن المسافة لم تقصر، بل تباعدت بيني وبين هؤلاء الطلبة، حينما بدأت اسمع زملائي في الجامعة يتحدثون عنهم بازدراء ويطلقون عليهم ابشع الصفات، ويخبرون عنهم قصصا لا تخطر في بال. كرهتهم، وكرهت زملائي، وبدأت أُقلّ من حضوري إلى الجامعة، بعدما وجدت ضالتي في الصحافة المكتوبة.

هناك، ومع القراءات الكثيرة، في السياسة والتاريخ والمذكرات والشعر والأدب، بدأت الصورة تتوضح، وبدأت انتبه إلى أنني اودّ حقاً أن أتعرف إلى سوريين من أمثال الماغوط أو زكريا تامر، اللذين قرأت قصائد الأول وقصص الثاني القصيرة، وأحببتها كلها. ثم بدأت أكتشف «غوار»، أو دريد لحام، شريك الماغوط في أعمال رحت أشتريها على أقراص مدمجة وأشاهدها في المنزل، ومنها «كاسك يا وطن» و«على الحدود». هكذا بدأت اعي أن الأعمال السورية تعبر عن شيء مختلف مرتبط تماماً بوطن غير وطني، هو الوطن السوري، الذي يربض هناك، خلف حدودنا، والذي لم أره في حياتي بالعين المجردة، ولم تطأه قدماي.

بحثت كثيراً عن الشعب السوري حتى بدأت أجده كلمات وأفكاراً وقصائد، ولم أتعرف يوماً إلى الشعب بمعناه الإجتماعي اليومي. حتى إنني، في تماسي مع سوريين كثيرين في لبنان، لم أعثر بينهم على «المواطن السوري» الذي كنت أبحث عنه، ذاك الذي اذا ما حدثني عن سوريا لم يأخذه الكلام للحديث الحتمي عن بشار الأسد، ولا إلى القسم برحمة القائد الخالد.

وحينما عملت مع علي الأتاسي، وهو ابن رئيس جمهورية سوري سابق، ومعارض لنظام البعث في بلاده، شعرت بأن الأحكام المسبقة وما زرعه البعث في رأسينا، يبعده عني ويبعدني عنه. فكان يحاسبني على كل مصطلح يشعر أنه «عنصري» تجاه الشعب السوري، وصرت أحاسبه تجاه كل «فوقية» يمارسها بحقي، حينما يبدأ بتلقيني قاموس الحديث عن سوريا، والتمييز الضروري بين النظام والشعب، حتى وجدتني أتحاشى الحديث في هذه الشؤون لكي لا أقع في المحظور واجرح شعور عليّ، أو يقع في المحذور ويجرح شعوري. فهو كان، مثلاً يرفض أن أقول «السوري» في معرض حديثي عن السوريين، ويصر على أن استخدم مصطلح «الشعب السوري» حين الحديث عن الشعب، و«النظام السوري» عندما أريد أن أتحدث عن النظام. وكان ذلك يزيد من ارتفاع الحائط الذي يفصل بيني وبين «السوري» بمفهومه الأوسع، الذي يخرج من تصنيفي وتصنيف علي وتصنيف النظام وتصنيفات الشعبين الشقيقين في «البلد الواحد» بحسب مصطلحات البعث. ذلك أنني لم أجد نفسي يوماً مضطراً إلى اعتماد مصطلحات معينة لدى حديثي عن «المصري» أو «الفرنسي» أو «الأميركي». كان علي ربما يعرف تمام المعرفة أن «السوري» حينها لم يكن ليغطي على النظام السوري إلا لغوياً. كان يريد للغة أن تتغلب على الواقع. فإذا ألزمني بالتمييز بين «النظام السوري» و«الشعب السوري» أمكنه بذلك تفادي مصطلح «السوري» الذي لا يريد للنظام أن ينضوي تحته. مع العلم أن صفة السوري تصاحب «النظام» في لغة علي، وهو بذلك لا ينكر عنه سوريته.

صعوبة التعامل مع علي، على المستوى المهني واليومي، جعلت المسافة تزداد بيني وبينه. ومع ذلك شعرت دائماً بأنني تعرفت إلى «سوري» حقيقي، لا يضع صورة حافظ الأسد في محفظته، ولا يحلف بخلوده، ولا ينسب سوريا كلها إلى صفته، وقد بدأت أتفكّر في شخصية «السوري» انطلاقاً من عليّ، واضمحلت شيئاً فشيئاً صورة العسكري- المدني على حاجز الأولي مع انسحاب الجيش السوري واستخباراته وفوّهات بنادقهم من لبنان، وبدأ «اللبنانيون- السوريون»، بحسب تصنيفي النمطي الطفولي، يتقهقرون، وتخفت أصواتهم، حينما غدت سوريا في سوريا ولبنان في لبنان.

سقطت في الحكم المسبق مرة جديدة: أشاهد على التلفزيون مواطنين سوريين يهتفون ضد محافظ درعا، وحضر وزير الداخلية السوري إلى المكان، وصار يقول للمتظاهرين «عيب، هذه تظاهرة!». وبدأ المتظاهرون يهتفون: «لا ليست تظاهرة»، وكأنهم يبررون لوزير داخليتهم خطأً ما وقعوا فيه. قلت يومها لصديقي إنها لمهزلة، وإن «السوري»، واستخدمتها هكذا من دون أن أميّز بين الشعب والنظام، «ليس منه نوى». ضحكنا، قبل أن يضحك علينا «الشعب السوري»، وتدمع عيوننا لدى متابعة التنكيل الذي يلحق به، حتى وصل الأمر بمتظاهرين سوريين إلى حمل لافتة تعترف بأن «الشعب السوري يأسف لأنه كان يجهل ما يفعله نظامه باللبنانيين».

أيام قليلة وبدأت الأمور تتطور، وما كان ينفي عنه المتظاهرون صفة التظاهرة تحول إلى ثورة، ووقع النظام في مأزقه الأكبر. شعرت بالخزي لأنني استخففت بشعب حيّ كنت أجهله. بدأت الحشود تكبر وتتكاثر وتملأ الساحات والشاشات، وبدأ قلبي يستوعب الآلاف ثم مئات الآلاف ثم الملايين. وشيئاً فشيئاً صار لي اصدقاء كثر في سوريا العظيمة، اصدقاء سوريون أعرفهم ولا يعرفونني، من الطفل الشهيد حمزة الخطيب إلى الشهيد ابراهيم قاشوش وحنجرته التي اقتلعها الشبّيحة، إلى علي فرزات ورسوماته وأنامله التي هشّمها النظام فرسم نفسه وقد خسر أصابعه كلها إلا اصبعه الوسطى شهرها في وجه من أراد له التوقف عن الرسم والنضال، إلى عشرات الرجال والنساء والأطفال، وعشرات المثقفين الذين تلاصقت معهم بعلاقات لطيفة عبر الفايسبوك، أذكر منهم كريم العفنان وسعد حاجو وياسين الحاج صالح ومحمد دياب وبدرخان علي وفايز سارة... وطبعاً علي الأتاسي، الذي لم تنقطع علاقتي به قط، وصار بيننا «ستاتوسات» و«لايكات» و«تاغات» وغيرها من مصطلحات الفايسبوك. وصار الشعب السوري، المهجوس بالحرية، يتقدم شيئاً فشيئاً في ذاكرتي حتى اسقط كل طغاتها وجلاديها، وحررني تماماً من افكاري المسبقة وأحكامي المنمطة، فانتصرت ثورته الحرة على اسقاطات النظام في رأسي. وهذا من قبل أن تنتصر الثورة على النظام نفسه، الذي يتداعى أمام الإصرار الغريب للثوار على الاستمرار في مسيرة الموت المحتم في مواجهة آلة القتل، وكأنهم بذلك يتطهرون من سنوات الذل التي عاشوا فيها خانعين لنظام حكَمَ ابناً عن أب، وحوّلهم، ليس في نظري فحسب، بل في نظر كثيرين، مجرد نعت. اليوم يتغلب الشعب على نعته، ويصيران معاً المنعوت، أما النعت الذي يليق بهما معاً فهو، بلا منازع... «البطل»!




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬