إيلي عبدو

عدسة الكاميرا لا تخشى التسلل إلى تفاصيلي الحميمة، والعبث في مستودعات المخيلة حيث الرغبات تأكل نفسها من شدة النزوع نحو التحقق. ثمة ما يجعلني مصمماً على اختزان لحظة ما، تكثيفها داخل إطار.

تفقّد المدينة عبر الصور والتدقيق في زواياها المهملة وشوارعها المثيرة، هواية جديدة تعلمتها لحظة أتيت إلى بيروت. ثمة إغراء يدفعني لالتقاط الصور، أمام كل مِعلم، وفي جانب أي مكان. بيروت مدينة تدفعك إلى تصوير جسدها، مشاهد تمر من أمامك تشعر بالحاجة إلى تجميد تفاصيلها.

الصور هنا تذهب بمفردها نحو مختبر الرغبات، تتلبس أمكنة من اللاوعي وتخرج منها. كأن العدسة موجهة إلى الداخل، تلتقط ما نتمنى للصورة أن تكون عليه، وليس ما تعيد إنتاجه بآلية مباشرة وبتكرار ممجوج. المصوّر الذي تنقّل مرارا في شوارع المدينة، حاملا كاميراته، لم تعد تعنيه الصورة كثيرا، العلاقة بينهما أكلها الروتين، صار يمارس عمله بدون شغف أو متعة.

الأمكنة في بيروت لا تنتج سياقاتها السياسية والثقافية والفكرية كما في السابق. تبدو رغم كل رونقها مهجورة تتواطأ على الصمت وتخشى من الاستبداد. الوقت فيها يتجرد من نفسه ويترك للآخرين حرية العبور فيه بدون جدوى تذكر. لا نستنتج عكس ذلك حين ندقق في صور قمع احدى التظاهرات المنددة بالنظام السوري في شارع الحمرا. الصور هنا تخرج متعبة، وتتأسف لما جرى لها. تشعر أن مشهدها يسير في الاتجاه المعاكس.

قد تساهم صور السياسيين المنتشرة على جدران المدينة، بهذا الفقر البصري المدقع، الذي ينتج أحيانا ما يدل على ضديته. فالصورة تعني إشهار فعل ما، تحريره من مجهوليته، وإخراجه إلى العلن. صور السياسيين تعمل على إبقاء المجهول على مجهوليته وإنتاجه بطريقة أخرى.

المعنى الذي تفقد عدسة الكاميرا القدرة على إنتاجه في بيروت يصبح عادة يومية في دمشق، يمتهن القناصون صناعته بدون أن يعرفوا. فعدسة القناصة لا تختلف كثيرا عن عدسة الكاميرا، واحدة تجمّد اللحظة وأخرى تقتلها. في بيروت اللحظة مجمّدة، أما في دمشق فاللحظة تُقتل، ومن موتها يخرج المعنى. يُقدّم المتظاهر اقتراحات جديدة لسياقات حياته، للجسد، بموته وتعذيبه وانتهاك أعضائه. إنّه واحد من أكثر الاقتراحات جرأة وبلاغة.

وعدسة القناصة تبدو رغم كل ما تتركه من ألم وفقدان، أداة جيدة لتظهير هذه الاقتراحات ووضعها أمام امتحان الأنا الجماعية.

حتى الصور التي تلتقطها كاميرات الهواتف الخلوية، يتسبب القناصة في صنعها. المشاهد تركض مثل المتظاهرين من زقاق إلى آخر، لتنجو بنفسها.

صورة الهاتف الخلوي ليست صورة حيادية تلتقط على عجل ليترك أمر معالجتها إلى حين. ثمة قصد معرفي تراكم مع الوقت، جعلنا في كل صورة ننتظر ما يليها، ليكتمل لدينا موقف واضح مما يحدث. الصورة الناجية من استهداف القناصة، صارت ترشدنا إلى دوافع المتظاهرين ورغبتهم الدائمة في التصدي لكل ما يلوث انتفاضتهم من طائفية ومذهبية وأعمال شغب وتخريب. ورقة كرتون قديمة كتبت عليها بضع كلمات في زاوية إحدى الصور المغبّشة كانت دليلا ساطعاً، بالنسبة لنا، على تمسك المتظاهرين بالوحدة الوطنية ورفضهم الفتنة. مواقف الناشطين والمعارضين وتأكيداتهم عبر صورهم النقية وأصواتهم الواضحة في اتصالاتهم مع الفضائيات لم تكن لتقنعنا، كنا بحاجة إلى صوت متقطع، يلهث ويتحشرج وإلى صورة مغبّشة نلمح فيها أطياف بشر يصرخون بإصرار دون أن نفهم دائما معاني الشعارات التي يهدرون بها. كنا بحاجة لكل هذا لنتأكد أنها سوريا. لو أتتنا الصور واضحة والأصوات واثقة لشككنا بأن الثورة تحدث في مكان آخر، وأن الفيديوات فعلا مفبركة.

كأن الصور تحتج أيضا على تقنيصها، تتقصد أن تأتي مغبّشة. كيف تخرج صور نقية من نظام وضع شعبه عبر أربعين عاما في النيغاتيف. مذيعو «الجزيرة» كانوا يعتذرون، كلّما بثت القناة صوراً جديدة مرددين «نعتذر عن رداءة الصورة». لم يلحظ احد منهم أن الرداءة جزء تكويني لا ينفصل عن مصداقية الصورة وقدرتها على الإقناع. بعد عقود من الاستبداد، الغباشة مرحلة انتقالية لا بد منها للوصول إلى الوضوح التام.

الغباشة أسلوب إبداعي يحوّل صور الضحايا إلى إيقونات في أذهان الناس ومخيلاتهم. صورة حمزة الخطيب لم تكن مغبّشة فقط، كانت مشوهة ومتنفخة، نتيجة التعذيب الذي تعرض له الطفل،على يد أجهزة الأمن. لكن الصورة سرعان ما تنقّت وتخلت عن غباشتها، وتشوهاتها، لتكتسب صفة الأيقونة. استعيدت صورة حمزة قبل أن يعتقل ويشوه، لتوضع مكان بروفيلات المئات من أنصار الثورة السورية على الفيس بوك.

حمزة هنا، كالمسيح الذي صوره ميل غيبسون في فيلمه الشهير، بعد جلده وتعريضه لأشنع أنواع التعذيب، مشوّہ الوجه، الدم يسيل من جميع أنحاء جسده، لا يقوى على الحراك. لكن صوره ستعلق لاحقا على جدران الكنائس وهو في غاية الجمال ويتنافس الفنانون على رسمه بموديلات مختلفة. الجمال هنا ليس صفة بيولوجية، الناس لا يستطيعون تخيل من ضحى لأجلهم سوى في أجمل صورة. كذلك نشاهد صورة نجمة عالمية مشهورة تمت معالجة ملامحها بواسطة الفوتوشوب، لتبدو جميلة. هكذا حمزة الخطيب تمت معالجة صورته داخل الوعي الجمعي الجديد للسوريين، فصار أيقونة.

يتجوّل المصوّر في شوارع بيروت، يبحث عن جديد تخترعه المدينة، ليلتقط له صورة. القناص ينشغل على أسطح الأبنية الدمشقية، بإنتاج المعاني وتناسلها من أجساد المتظاهرين. كلمات كالحرية والكرامة والعدالة لا تخرج من الكتب هذه المرة، إنّها تمر بين الرصاص وتنغرس بين أحرفها الشظايا الصغيرة.

فيما حمزة وحيداً داخل أيقونته، يبتسم، وينافس المسيح على صنع القيامة.




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬