محمد أبي سمرا

هذه السطور شهادة عن أحوال مدينة بانياس السورية ما بين مطلع الثمانينات وبدايات الانتفاضة فيها في 18 آذار 2011. وهي الفصل الأول من رواية عن يوميات الانتفاضة، كما عاشها ورواها شاب من المدينة السورية الساحلية، قبل اعتقاله وإطلاق سراحه وفراره الى بيروت.

تقع مدينة بانياس بين مدينتي اللاذقية شمالاً وطرطوس جنوباً، على الساحل السوري المتوسطي. غير بعيد منها الى الشمال، تقع جبلة، بينها وبين اللاذقية. وعلى مسافة تتراوح بين كيلومتر واحد في بانياس وما يزيد عن عشرة كيلومترات في غيرها من المدن والمناطق الساحلية، يمتد السهل الساحلي السوري الذي يرتفع خلفه جبل النصيرية، أو العلويين، كحاجز طبيعي بين السهل الساحلي ومدنه، وسهل الغاب الداخلي الذي يجري فيه نهر العاصي، عابراً مدينتي حمص وحماة الداخليتين، قبل أن ينحرف قليلاً الى الغرب ليجري في سهل بين جبل العلويين وجبل الزاوية. والى الشمال القريب من جبل الزاوية تقع مدينة إدلب الداخلية، والى الشمال الشرقي منها تقع مدينة حلب الداخلية، ثاني أكبر المدن السورية.

إدارياً، كلٌ من بانياس وجبلة وحدهما من بين هذه المدن الساحلية والداخلية في شمال سوريا الغربي، ليست مركزاً لمحافظة تسمى باسمها. فبانياس تتبع محافظة طرطوس، فيما تتبع جبلة محافظة اللاذقية. أما ديموغرافياً، فإن سوريا الشمالية الغربية هذه، بمدنها وأريافها التابعة لها، الساحلية منها والداخلية، تتميز باختلاط وتنوع سكانيين، دينياً ومذهبياً. فجبل العلويين القريب من الساحل ومدنه، هو موطن الطائفة العلوية الأساسي في سوريا، قبل أن يصير لأبنائها حضورهم السكاني في المدن الساحلية، وفي مدن حمص وإدلب وحماة وريفها. والمسيحيون لهم حضورهم التاريخي، منذ القدم وحتى اليوم، في الساحل السوري وفي حلب المعروفة بجاليتها الأرمنية. والأقلية الإسماعيلية حاضرة ايضاً في بعض من هذه المناطق. أما الأكثرية السنيّة، فيتوزع حضورها على المدن الساحلية والداخلية وأريافها.

يبلغ عدد سكان بانياس اليوم نحو 50 ألف نسمة. وهي كانت قليلة السكان قبل قيام الدولة السورية الحديثة. ومن أقدم معالمها العمرانية، الخان وجامع البحر وميناء صيد الأسماك. وعلى مدى سنيّ القرن العشرين، لا سيما في عقوده الخمسة الأخيرة، توافد اليها معظم سكانها من البلدات والقرى في ريفها الذي تبلغ مساحته مع المدينة نحو 720 كلم2. من تلك البلدات والقرى، البساتين والبيضا وبستان الجار والمرقب، وقلعتها الأثرية الضخمة على تلة لا تبعد من بانياس أكثر من 5 كلم وكان يقيم فيها عدد وافر من السكان. فقد هاجر الى بانياس سكانها السنّة الجدد، وأقاموا فيها، من دون أن ينقطعوا عن بلداتهم وقراهم، شأن العلويين الذين نزلوا الى بانياس من قرى جبلهم القريب. وإذا كان السكان السنّة هم الغالبية فيها، فإن نسبتهم تتدنى الى 40 في المئة من مجموع سكان المدينة وريفها المشدود اليها أو المتصل بها، والبالغ 250 ألف نسمة، 60 في المئة منهم علويون. أما الأقلية المسيحية، فكثيفة الحضور نسبياً في القدموس والخراب وظهر صفرا. ولا تعود وفادة أبناء الطائفة العلوية الى بانياس وإقامتهم فيها، الى ما يزيد على 40 سنة، فشيّدوا مساكنهم قريباً من مصفاة النفط في المدينة، وسمي الحي الذي نزلوا فيه حي القصور.

الأمن والبحر والبندورة

ولدت سنة 1985 في حي ابن خلدون الشعبي، الذي يستقطب الثقل السكاني الكثيف في بانياس، ومعظم المقيمين والعاملين فيه أصحاب متاجر ومهن وحرف، كالحدادة والنجارة وميكانيك السيارات، وهناك قلة من الموظفين. والدي موظف متقاعد من عمله في الشركة السورية لنقل النفط، ويملك في سوق الحي وفي سوق بانياس المركزي متجرين يتقاسم العمل فيهما مع إخوتي الكبار الذين يعملون ايضاً في مهن أخرى. ووفقاً للمعايير السورية، أسرتنا متوسطة الدخل في بانياس التي تشكل في موقعها حلقة من حلقات الاقتصاد السوري.

في غمرة منعطف كبير في حياة سوريا والسوريين، ولدت. فدبيب الرعب والكتمان الذي عاشه السوريون في أيام مقتلة حماة المروعة العام 1982، وبعدها، لابست أخباره طفولتي، وظلت أصداؤه ومفاعيله تتردد في أحاديث سمعتها في فتوتي. وأقدم ما سجلته ذاكرتي من مرويات أهلي عن المقتلة وتبعاتها – وهي وقعت قبل سنتين من ولادتي – تلك الرواية عن اعتقال والدي، لأنه أقفل متجره في السوق، أيام الإضراب الذي نفذه أهالي بانياس احتجاجاً على ما تعرضت له حماة، تضامناً مع أهلها. فالأجهزة الأمنية قامت باعتقال كثيرين من أصحاب المتاجر المقفلة في المدينة، فلم تفرج عن والدي إلا بعدما قدّم رجل بعثي يعمل سائقاً لجراره الزراعي، شهادة كاذبة لرجال الأمن، أفاد فيها أن الجرار الذي كان يقوده صدم سيارة على الطريق، فاضطر والدي، صاحب الجرار، الى قفل متجره في نهار الإضراب، ليذهب الى مكان الحادثة. لاحقاً، بعد سنوات كثيرة، أخبرني ابن عمي الذي يكبرني بـ 18 سنة، بأن رفيقاً له على مقاعد الدراسة اعتقل في طريق عودته الى بيته، لأن زميلاً له وشى به بعدما سمعه يقول إن الجيش السوري ذبح السنّة في حماة، ويتابع ذبحهم في لبنان. وقعت حادثة الاعتقال تلك في 1984، حينما كانت الحرب دائرة في طرابلس بين «حركة التوحيد الاسلامية» والجيش السوري الذي دخل لبنان منذ 1976. دام اعتقال الطالب أو اختفاؤه أكثر من سنة ونصف السنة. وبعد إطلاق سراحه اضطر الى أداء خدمته العسكرية الإجبارية، لكنه بعد تسريحه من الجيش، لم يتابع تحصيله الدراسي، بل ذهب الى طرطوس وعمل بحاراً في باخرة شحن، ثم انقطعت أخباره.

على أمثال هذه الاخبار والروايات، وعلى مشاعر أهالي بانياس السنّة، المكتومة والممضة، حيال استبعادهم من الوظائف الرسمية والعامة في مدينتهم، تفتّحت ووعيت وكبرت. فالى مينائها النفطي ومصفاته اللذين تُشحن منهما مشتقات النفط عبر محطة قطارات توزع المشتقات الى أنحاء سوريا الساحلية والداخلية، تشكل بانياس منعقداً لشبكة طرق حديثة تُنقل عليها السلع من مرفأي اللاذقية وطرطوس الى الداخل السوري. لكن 90 في المئة من موظفي هذه المنشآت الحكومية وغيرها من أبناء الطائفة العلوية. فالمحطة الحرارية لتوليد الطاقة الكهربائية في المدينة، مديرها ومعظم موظفيها من العلويين. ومن بين نحو 400 موظف يعملون في ميناء النفط ومصفاته وشركة نقل مشتقاته، يندر الموظفون السنّة. والعلويون العاملون في هذه المنشآت، في غالبيتهم الساحقة من ريف بانياس ومن طرطوس. والمقيمون منهم في بانياس ينزلون في حي القصور. لذا تغلب على أعمال أهالي بانياس السنّة، المهن الحرة والحرف وأعمال البناء، الى التجارة الصغيرة في السوق، وصيد الاسماك في الميناء. والشبان الذين يحصّلون تعليماً جامعياً يهاجرون للعمل في دول الخليج، وقلة ضئيلة منهم تعمل في التدريس. فقبل مطلع الألفية الثالثة، إبان حكم الرئيس الأسد الأب، كان من الصعب على السوري أن يحظى بوظيفة حكومية إن لم يكن بعثياً، أو على ولاء لحزب البعث، وصلةٍ ما به. ثم إن أبناء العائلات التي تُصنّف بأنها من أصحاب «السوابق»، يحرمون من الوظائف العامة. فمن سبق أن قام قريب له بنشاط سياسي، وخصوصاً في صفوف «الإخوان المسلمين»، فاعتقل أو قتل أو فرّ الى الخارج، يقفل في وجهه باب الوظيفة العامة بجريرة قريبه، أخاً كان هذا القريب أو أباً أو عماً أو خالاً أو إبناً لعمٍ أو لخال أو لعمة أو لأخت. أما متصدرو الوظائف الإدارية، فيحوّلون مواقعهم في الإدارة ملكاً لهم، ويفرضون خوّات وإتاوات على أصحاب المعاملات في إداراتهم. وإذا لم يكن متصدّر هذه الدائرة الإدارية أو تلك علوياً أو صاحب حظوة حزبية أو في جهاز أمني، فغالباً ما يصير موظف علوي أو حزبي أدنى منه مرتبة في دائرته، صاحب النفوذ الأقوى. ورجال الأجهزة الأمنية – وهذه يبلغ عددها 15 جهازاً في سوريا الأسد، منها الأمن السياسي والأمن العسكري وأمن الدولة والأمن المركزي والأمن الجوي... إلخ – يتدخلون في كل شاردة وواردة من حياة الناس وشؤونهم وأعمالهم. فإحياء حفلة عرس، مثلاً، يتطلب الحصول على موافقة أمنية مسبقة من «مفرزة» الحي أو الحارة أو المنطقة. ورجال الأجهزة الأمنية يرتدون أزياء مدنية ولا تفارق المسدسات خصورهم في حلهم وتجوالهم في المدينة. أما الذين يحرسون المقار الأمنية فيقفون أو يجلسون أمام أبوابها حاملين بنادقهم الحربية الرشاشة. والمقار الأمنية بيوت عادية يُختار أن تكون منفردة ومنعزلة على طرف الأحياء والحارات، من دون علامات أو إشارات فارقة تدل اليها أو تميزها. لكن الناس في المدينة يعلمون الى أي جهاز أمني يتبع هذا المقر أو ذاك. وإذا اعتَقَلَ جهاز أمني ما شخصاً من الأهالي، ثم حقق معه وأطلق سراحه بعد أيام أو أسابيع أو شهور من الاحتجاز العرفي وفقاً لقانون الطوارئ، فإن المعتقل الذي أُخلي سبيله، يدخل في متاهة إجراءات وملاحقات أمنية تقوم بها الأجهزة الأخرى. وإذا لم يعتقله مجدداً هذا الجهاز أو ذاك، يصير ملزماً أن يحضر دورياً الى المقار الأمنية، لإثبات وجوده أو للتحقيق معه، كي يشعر بأنه خاضع للمراقبة الدائمة. وفي محافظة طرطوس البالغ عدد سكانها نحو 800 ألف نسمة من ضمنهم سكان بانياس، يقدّر عدد عناصر الأجهزة الأمنية بما بين 3 و4 آلاف رجل من النظاميين الذين يضاف اليهم عدد غير معروف ولا ثابت من المخبرين المتعاقدين.

هذه الحال من التمييز والحصار الأمني وعسر الحصول على وظيفة، لا تُبقي لمعظم شبان بانياس السنّة سوى البحر ملاذاً للأمان والعمل وتحصيل المعاش. فالى عمل بعضهم في ميناء صيد الاسماك، يندر أن تلقى أسرة سنيّة في بانياس لم يستجب شاب منها نداء البحر والسفر للعمل بحاراً في السفن التي ترسو في مرفأي طرطوس واللاذقية، وتبحر منهما الى المرافئ العالمية. وكثيرة هي الأسر التي يغادر شابان أو ثلاثة من أبنائها ديارهم في رحلات بحرية تستغرق سنين من العمل في البواخر. بعضهم تنقطع أخباره، قبل أن يعلم أهله أنه نزل في أحد مرافئ العالم، ولن يعود. أما العائدون الى ديارهم بعد غيبات بحرية طويلة، فيشيّدون بما حصلوه في رحلاتهم بيوتاً فوق منازل أهلهم أو الى جانبها، ثم يتزوجون وينجبون.

لكن بانياس وريفها عرفا، منذ مطلع الألفية الثالثة، ظاهرة اقتصادية جديدة: زراعة البندورة في خيم البلاستيك التي حسَّنت أحوال الأهالي المعيشية، وخصوصاً السنّة، وزادت مداخيلهم. فتوسع هذه الزراعة وانتشارها في ما يزيد على 200 ألف خيمة في منطقتنا، جعلها من أهم مناطق الشرق الاوسط في زراعة البندورة وإنتاجها في أراضي وطى البيضا وسهم البحر والقرّير والخراب. هذه الأراضي سهلية ساحلية، ترتفع بطيئاً بطيئاً على سفوح جبل النصيرية الذي استصلح الأهالي أراضيه واقاموا عليها الخيم لانتاج البندورة، لا سيما في منطقة حريصون العلوية. فالعلويون عملوا ايضاً في هذه الزراعة، وحسنوا مداخيلهم. ذلك أن الخيمة الواحدة تنتج من البندورة كميات تؤمن دخلاً يبلغ نحو مئة ألف ليرة سورية في السنة. والعائلة الموسعة التي تملك عشر خيم، تدخّل منها نحو مليون ليرة سورية سنوياً، أي 20 ألف دولار. وهذا، في معايير المداخيل السورية، مبلغ كبير أتاح رفع المستوى الاقتصادي والمعيشي للأهالي. لذا شرع من لا يملك أرضاً زراعية لإقامة الخيم عليها، يضمن، سنوياً، أرضاً مجهزة بالخيم، ويقوم بزراعة البندورة فيها. أنا مثلاً، عندما كنت طالباً في جامعة «تشرين» في اللاذقية (تبعد نحو 50 كلم عن بانياس) ما بين 2004 و2008، استصلحت أرضاً زراعية وأقمت الخيم عليها وزرعتها بشتول البندورة. لكنني حين عزمت على مغادرة بانياس لمتابعة دراساتي العليا في بيروت، ضمّنت الخيم من أحد المزارعين.

الاختلاط والسفور بعد المقتلة

في بانياس تمثّل المظهر الأبرز للمنعطف الذي نجم عن مقتلة حماة، بفرض الاختلاط بين الجنسين في مدارس المدينة، وبإرغام تلميذاتها على نزع حجابهن على بوابات المدارس، ومنعهن من دخولها إلا سافرات. والإجراء هذا لم يشمل من المدن السورية كلها سوى بانياس ذات الأغلبية السكانية السنيّة، والأقلية العلوية. وفي بانياس مدارس ثلاث للمرحلة الإعدادية والثانوية: مدرسة عماد عرنوق (أحد شهداء حرب تشرين الاول 1973) الواقعة على طرف المدينة، وتلامذتها في أغلبيتهم الساحقة من السنّة. ومدرسة جلال خدام (شهيد طيار في الحرب نفسها) تقع في وسط المدينة، وتلامذتها خليط من السنّة والعلويين والمسيحيين، من أبناء بانياس ومن الوافدين من قراها القريبة. أما المدرسة المعروفة بمدرسة فهيم محمد، فتقع على طرف المدينة الآخر، وتلامذتها جميعهم من العلويين النازلين في حي القصور العلوي.

وأهالي بانياس السنّة متدينون ومحافظون في أغلبيتهم الساحقة، فامتنع البعض منهم عن إرسال بناتهم الى المدارس، وتلقى الجميع الإجراء الإداري، كعقاب جماعي حكومي. وبما أن العلويين على وجه الإجمال غير محافظين في عاداتهم وتقاليدهم المتعلقة بالنساء وملبسهن ومخالطتهن الرجال، ويرتدن الأماكن العامة سافرات، نزل فرض الاختلاط ومنع الحجاب في المدارس نزول النقمة والنكاية على الأهالي السنّة، فرأوا فيه انتقاماً طائفياً منهم، وهتكاً لأعراضهم وشرفهم وتقاليدهم الدينية. وهذا ما صوّر لهم أن استعادة الفصل بين الجنسين، وارتداء البنات، بناتهم، الحجاب في المدارس، مهمة «نضالية»، لرفع الضيم والكيد الحكوميين عنهم، وجَعَلَ هذه المهمة رسالة دينية تتعلق بالشرف والفضيلة. ونتيجة لهذا كله، تزايد التشدد والمحافظة في أوساط الأهالي السنّة وبناتهم في بانياس، على خلاف ما هي عليه الحال في حي العلويين في المدينة، حيث يشيع سفور النساء والبنات واختلاطهن بالرجال والشبان في الاماكن العامة والخاصة. أما في الأحياء والحارات السنيّة، فيندر أن تصادف امرأة سافرة، وفتاة تكلم شاباً أو تلتفت اليه في الطريق. والسفور والاختلاط المفروضان في المدارس، عمّقا الهوة أو سمّكا الجدار النفسي ورفعا مداميكه عالياً بين الإناث والذكور، فصار من الصعب أن تلقى فتاة ترتضي محادثة زميل لها في ملعب المدرسة، كأن السفور والإختلاط المفروضين عليها، جعلا من حجابها المنزوع عنوة عن رأسها، حجاباً إرادياً صلباً في نفسها ومسلكها. والحال هذه أدت الى اعتبار كل فتاة سنيّة تحادث شاباً في أي مكان عام، سيئة السمعة.

رداً على فرض الاختلاط والسفور، بادرت كثرة من الفتيات السنيّات الى ارتداء سترة طويلة حتى القدمين فوق الزي المدرسي الموحد، فأخذ مديرو المدارس في بانياس يُرغمن التلميذات على خلع هذه السترة، كي يظهر زيهن المدرسي. وبعد رفض عدد من الفتيات أمر المديرين، تدخل الأمن السياسي في الامر، فحضر مسؤول منه مع مجموعة من عناصره الى إحدى المدارس، وقام باستدعاء الأهالي وجمعهم. وقد توصل المجتمعون الى اتفاق أو تسوية تتخلى الفتيات بموجبها عن ارتداء السترات الطويلة، على أن يلبسن الزي المدرسي طويلاً الى ما فوق القدمين بقليل. أما مسألة الاختلاط المدرسي بين الجنسين، فظلت مدار تذمر الأهالي السنّة واحتجاجهم لدى الإدارات المدرسية والمحلية في المدينة، من دون أن تلقى آذاناً صاغية من أحد. وفي العام 2000 اتفقت مجموعة تلميذات في مدارس بانياس، على الدخول الى مدارسهن من دون نزع حجابهن على مداخلها. وبعد دخولهن الى الملاعب محجبات في الصباح الموعود، قامت الإدارات المدرسية بطردهن، فحصل لغط بين أهالي المدينة، وحضرت جماعات منهن الى المدارس حيث جرت مواجهات كلامية احتجاجية مع المديرين الذين استدعوا رجال الأمن. وفي ذلك النهار استمر تجمع الأهالي على بوابات بعض المدارس، فأجرى المسؤول الأمني اتصالات بهيئات حكومية نافذة، أسفرت عن السماح للتلميذات بارتداء الحجاب في مدارس بانياس. أما الاختلاط بين الجنسين فظل سريانه يثير حنق الأهالي السنّة وغضبهم.

الأمن سقف التعليم

لم يقتصر شعور أهالي بانياس السنّة بالقهر على فرض الاختلاط بين الجنسين والسفور على بناتهم في المدارس التي مُنع تلامذتها الذكور من أداء فرائض الصلاة فيها، فأخذ بعضهم يفر من مدرسته لأدائها في أي مكان خارجها، رغم تعرضه للقصاص. وتعرض البانياسيون لما تعرّض له المجتمع السوري كله، منذ سيطرة حزب البعث على الدولة والمجتمع السوريين. الحياة المدرسية للتلامذة وادارات المدارس في مدينتنا لم تخلُ من تسلط البعث وأجهزته. فالمدرّس – الموظف الأقوى نفوذاً ادارياً وتربوياً في كل مدرسة، هو «الموجّه» الحزبي البعثي الذي غالبا ما صار علوياً بعد ما سمي «حركة» حافظ الاسد «التصحيحية» في 1970. وازدادت هذه الظاهرة رسوخاً وقوة ما بعد مقتلة حماة. وفي بدايات كل عام دراسي يقوم «الموجه» بتوزيع استمارات او طلبات انتساب الى حزب البعث، على تلامذة الصف الاول من المرحلة الثانوية، فيُلزم كلا منهم تدوين المعلومات المطلوبة في الاستمارة، ليصير تلميذاً من فتيان البعث.

لكن منذ 2000 اخذ بعض التلامذة السنة يتجرأون على التملص من تعبئة الاستمارة، من دون ان يعمد «الموجه» الى استدعاء رجال الامن الى المدرسة لتأديبهم وارغامهم على تعبئتها، ودفع 25 ليرة سورية، هي قيمة الاشتراك الحزبي السنوي. غير ان جميع التلامذة ادركوا ان الاستمارة الحزبية ليست اكثر من اجراء شكلي لا تكلفهم، الى الاشتراك السنوي، سوى حضور اجتماعين حزبيين او ثلاثة يعقدها «الموجه» للتلامذة في قاعة بإحدى المدارس، في بدايات العام الدراسي. بعد هذه الاجتماعات التي يدلي فيها «الموجه» ببعض من مداخلات او مطالعات بعثية، خشبية الكلمات والمعاني، غالباً ما تصير الاجتماعات نسياً منسياً. هذا فيما لا يتوقف الجهاز الاعلامي والتعبوي للحزب والدولة عن التباهي بشعار «المليونَي بعثي»، وفقاً لاستمارات الانتساب المدرسية وغيرها، الى الحزب.

لكن شكلية الانتساب هذه، وتداعي الحياة والاطر الحزبية وتكلسها، وتخشب الدعاية والدعاوى الببغائية البعثية، لا تعني قط تحرّر التلامذة من التسلط والكتمان اللذين يلابسان حياتهم المدرسية، وحياة الطلبة الجامعيين، وكلماتهم وعلاقاتهم. فانحلال الحزب وأطره حصل في سوريا الاسد الاب والابن، لصالح سيطرة الاجهزة الامنية على الحياة العامة، من دون ان تخفى قوة العصبية الاهلية العلوية في مفاصل هذه الاجهزة وقيادتها. وكلما حصلت مشكلة ما بين تلميذ ومدرّس، او وقع شجار بين تلميذين، ليس ناظر المدرسة او مديرها من يتولى التصدي لمثل هذه المشكلات ومعالجتها، بل «الموجّه» المرتبط بجهاز امني ما في المدينة. من الامثلة التي تبيّن كيف تُعالج المشكلات في المدارس السورية، حادثة حصلت في 2001 في مدرستنا. وهي ما كان لها ان تحدث لولا منعطف العام 2000 الذي بدأ يظهر في صفوف مجموعات من التلامذة والطلبة في مدارس بانياس، وتجلى بخروجهم من الانتماء الى الحلقات الصوفية، وبدئهم نشاطا اسلامياً دعوياً يميلُ الى سلفية عامية. فبعد اهانات كثيرة تعرض لها تلميذ سني من موجه مدرستنا العلوي، فقد التلميذ المقهور السيطرة على نفسه، وجرّأه اسلامه الدعوي الجديد على شتم «الموجه» ورئيسه، فسارع موجّهنا الى استدعاء رجال الامن الى المدرسة، حيث قاموا بضربه عازمين على اقتياده الى مقرهم. لكن المدير تدخل قائلا ان من يعنيه التلميذ في شتيمته ليس الرئيس الأسد، بل رئيس الموجّه الاداري في المدرسة، اي المدير، الذي لم يبتكر هذا المخرج بقوله ان الشتيمة موجهة اليه، لأنه اراد التضامن مع التلميذ السني مثله، بل حفاظاً منه على عدم تعريض مدرسته ومنصبه فيها لمشكلة قابلة للاتساع. هذا فضلاً عن ان المدير ما كان قيّض له الوصول الى منصبه لولا صلته الوثيقة بالجهاز الاداري البعثي. لكن رجال الأمن لم يعزفوا عن اقتياد التلميذ الى مقرهم، الا بعد رجاءات المدير الذليلة لهم، لادراكه ان اهل التلميذ وزملاءه الاسلاميين في المدرسة، لن يسكتوا على احتجازه. وفي اللحظة الاخيرة التي سبقت مغادرتهم مكتب المدير، قام احد رجال الأمن بصفع التلميذ صفعة اخيرة مرفقة بأقذع الشتائم لأهله ومدرسته.

في جامعة «تشرين» حيث درست العلوم السياسية، يتضاعف وقوع امثال هذه الحادثة عنه في المدارس. والجامعة هذه جديدة، اذ بُدئ بتشييد بنائها الجامعي الموحد في 1975، وفتحت ابوابها لاستقبال الطلبة والطالبات في 1980. وبسبب الاختلاط بين الجنسين في الجامعات السورية، اضافة الى ان الجامعة الاقرب الى مدينتنا هي جامعة «تشرين» في اللاذقية المعتبرة عاصمة العلويين، تعزف عائلات من بانياس عن السماح لبناتها بمتابعة تحصيلهن الجامعي، لئلا «يفسدهن» الاختلاط.

اكاديمياً لا تختلف جامعة «تشرين» عن غيرها من جامعات المدن السورية، والتي ينصبُّ اهتمام طلبتها جميعاً على نيل الشهادة، كيفما اتفق وبأهون السبل. فالشعار الشائع في سوريا يقول ان «التعليم لمن يريد ويرغب، والشهادة للجميع». لكن الراغب والمريد، اي من يبذل جهداً ويتعب على نفسه في تحصيله الجامعي، لن يتميز عن غيره من الحاصلين على الشهادة كيفما اتفق، وسوف يذهب جهده وتعبه وارادته سدى، في نهاية المطاف، ان لم يكن من اصحاب الولاء والحظوة في هذا الجهاز او ذاك، او على صلة بشبكة من العلاقات والولاءات الاهلية المتصلة بالادارة العامة واجهزتها المرتبطة بجهاز امني ما. وفي كل كلية من كليات الجامعة مقر خاص بمفرزة امنية ثقيلة الوطأة على الحياة الطالبية وعلاقاتها اليومية التي تعاني النعرات الطائفية المتفاقمة في اللاذقية وجامعتها. فالموظفون والمدرسون في جامعة «تشرين»، بعثيون أو علويون في معظمهم. والمناقشات بين الطلبة والمدرسين في ساعات التدريس، معدومة وتبعث على الخوف الذي يساور اي طالب راغب في المناقشة. مرة تجرأت على مناقشة احد الدكاترة في مسألة تتعلق بالتاريخ الاسلامي في حقبة الفتنة والصحابة والخلفاء الراشدين، فدافعت عن موقف معاوية بن ابي سفيان، معتبراً انه لم يكن على خطأ، مما اغضب الدكتور الذي بادرني قائلا: «اذا بتحكي بعد (أكثر) بدي خليهن يسحبوك»، أي انه سوف يستدعي رجال مفرزة الامن في الكلية لاخراجي من قاعة التدريس، واعتقالي. ابتلعت كلماتي وعزفت عن متابعة المناقشة. وحين كتب مرة طلبة بعثيون في الجامعة تقريرا يفيد بأن استاذهم ينتقد حزب البعث في محاضراته، شاع في الجامعة ان الاستاذ لم يُعتقل بل اكتُفي بنقله الى جامعة دمشق، لأنه علوي وصاحب نفوذ قوي في الدولة.

الجيش، الأمن، الادارة

كانت مدة الخدمة الاجبارية في الجيش السوري سنتين ونصف السنة، فجرى تقصيرها الى سنتين، ثم الى سنة وتسعة اشهر. والمعروف في سوريا أن السنّة يشكلون الخزان البشري والأساسي والأكبر للجيش الذي تتكاثر فيه اعدادهم من المراتب العسكرية الدنيا الى مرتبة عقيد، فتبلغ نسبتهم ما يزيد على 70 في المئة من عديد الجيش الذي يتصدر الضباط العلويون مراتبه القيادية العليا التي ترتقي اليها اقلية ضئيلة جداً من الضباط السنة. وحتى هؤلاء غالباً ما تكون ادوارهم القيادية هامشية ويخضعون لرقابة امنية، ما لم يكن ولاؤهم للأجهزة الامنية العليا في الجيش اكيداً وواضحاً ومضمونا. فالنفوذ الاساسي والاكبر في وحدات الجيش السوري وقطعاته المختلفة يكون لضباط المخابرات العسكرية العلويين وتابعيهم في الجهاز.

والفوضى والمحسوبية والولاءات الاهلية والفساد، مستشرية في الجيش على نطاق واسع. وهذه كلها تشكل مصادر دخل وفير لكبار الضباط الذين تتراوح مرتباتهم الشهرية ما بين 16 و18 الف ليرة سورية، تعادل ما بين 300 و400 دولار، وهي لا تساوي شيئاً يذكر من مداخيل الفساد المنظم، إذ يبلغ ما يحصّله الضابط منها ما بين 4 و5 آلاف دولار في الشهر. المصدر الاساسي لهذه المداخيل مرتبات الجنود وصغار الرتباء التي يتخلى عنها هؤلاء لأمرائهم من الضباط، لقاء سماحهم للجنود والرتباء بترك الثكن والمعسكرات والمواقع العسكرية في اوقات الخدمة، للذهاب الى بيوتهم وعائلاتهم، حيث يقومون بشتى انواع الاعمال الخاصة التي تؤمّن لهم مداخيل تقيهم العوز في حال اعتمادهم على مرتباتهم العسكرية وحدها. والعملية هذه التي يتواطأ عليها الجنود والرتباء وضباطهم، لها تسمية شائعة ومشهورة في سوريا، هي «التفييش»، وتعني أن كل ضابط يسمح لمجموعة من جنوده ورتبائه بالتغيب عن مراكز خدمتهم العسكرية، ليقوم الضابط نفسه بتغطية تغيّبهم، اي بـ «تفييشهم» في إضبارات الدوام اليومي. والضباط الذين يملكون مزارع يرسلون جنودهم للعمل فيها، ومنهم من يستخدم جنوده لقاء «التفييش» عمال بناء وبلاطين ومورّقين ودهّانين في بنايات وفيلات يشيدها الضباط. وهؤلاء غالبا ما يستولون على جزء من مؤونة وحداتهم العسكرية وتجهيزاتها، اضافة الى كميات من المحروقات، ويقومون ببيعها. ومن هذه الاعمال السوداء المتفشية في الجيش يحصّل كبار الضباط ثروات ترفع من مستواهم المعيشي والاجتماعي. اما كبار الضباط العلويين، فكل منهم يملك فيلا او قصرا منيفا، الى جانب يسره المادي المنظور. لكن الثروات الكبيرة غالبا ما تكون من نصيب المحظيين من كبار ضباط الجمارك.

لأجهزة الامن وضباطها صولات وجولات في ابتزاز التجار، صغارا وكبارا ومتوسطي حال في السوق، وصولا الى اصحاب الشركات والمصالح والاعمال. فما من تاجر وصاحب شركة ومصلحة، ينجو من تسلط ضباط الامن الذين يفرض كل منهم الخوّة على مجموعة محددة من التجار، ومن اصحاب الاعمال والشركات في المنطقة والمدينة. وهذا ما ادى الى نشوء شبكة من الحمايات والمصالح المتبادلة بين التجار ورجال الاعمال وضباط الامن الذين أخذوا يشغّلون اموالهم لدى التجار واصحاب الشركات الذين يقيمون الولائم ويقدمون الهدايا للضباط، لقاء ما يقدمه هؤلاء لأولئك من حمايات تسهّل اعمالهم.

وفي مكاتب الادارات العامة، يصعب أن تُنجز معاملة او يخرج منها مستند وافادة من دون حصول هذا الموظف او ذاك على رشوة. والأجهزة الامنية لها حضورها في تخليص المعاملات الادارية، ونصيبها من الرشى التي يحصّلها الموظفون الاداريون الذين يحميهم ضباط الامن ويمكّنونهم من فرض الإتاوات على الاهالي.

تصوّف ما بعد المقتلة

«الحركة التصحيحية» الاسدية في 1970، والمنعطف الكبير الذي أذنت به مقتلة حماة في 1982، حوّلا سوريا شبه معتقل تديره الأجهزة الامنية. لكن العام 2000 الذي شهد وفاة الاسد الأب وتوريث ابنه الرئاسة السورية، اذن ببدايات منعطف معاكس، خافت وبطيء، بيّنت الأسطر اعلاه بعضاً من ملامحه السريعة المختلفة. في بانياس، قد تكون الظاهرة الأبرز في سياق هذا المنعطف خروج مجموعات من شبان المدينة وفتيانها السنّة، على الدعوة الصوفية وطرقها وحلقاتها. واذا كان حضور التصوف في مجتمعات اللاذقية وحمص وحماة وحلب قديماً وتقليدياً، فان هذا الحضور، أقله في بانياس، توسع وتجدد نشاطه، ليستقطب فئات من الفتيان والأجيال الشابة، بعد منعطف ثمانينات الرعب والانكفاء والكتمان التي أدت الى ازدهار التصوف وانبعاثه طوال نحو عقدين من السنين.

خلال هذه السنين، وهي معظم عمري، انا ومجايليّ المولودين في عشيات منعطف مطلع الثمانينات المرعب، أو في أثنائه، أو بعده بسنة او اثنتين أو اكثر بقليل، ماذا كان يسعنا ان نفعل حين يبلغ الطفل منا الحِلْم، وتتفتح مداركه ورغباته؟ اشباح المقتلة الكبرى وصورها المتخيلة وأخبارها المكتومة، تملأ طفولتنا وحياتنا العائلية: هذا والده اعتقل وسجن او اختفى. وذاك اخوه الأكبر هارب ومطارد، او انه هاجر وانقطعت اخباره. وذلك من اصحاب «السوابق»، وعليه ان يزور مقر الأمن مرة في كل شهر، او يأتي رجال الامن لزيارته وتفقده في بيته، ولا يُسمح له بالسفر. والهاربون الفارون الى خارج البلاد، يأتي رجال الامن ايضا الى بيوت اهلهم، فيسألون من يجدونهم في البيوت: اين ابنكم او اخوكم، هل عاد الى الديار؟

في هذه الديار، حين كان الفتى مثلي يتوق الى متنفس ما لتواصل وتعارف وصحبة ونشاط تفاعلي مع اقران له وامثال، يبادلهم ويبادلونه المدارك والرغبات الجديدة، في حيّز خارج الفضاء البيتي والعائلي الضيق، لم يكن يعثر على ذلك في مجتمع خنقته منذ عقود «جمهورية الخوف» البعثية، وحطمته، فانكفأ أهله على انفسهم وعلاقاتهم وتقاليدهم القديمة المحافظة، للاحتماء بها كملاذ في ما يشبه معتقلاً جماعياً كبيراً.

وحدها حلقات الدروشة الصوفية، بمشايخها وتكاياها ومساجدها، كانت متاحة لي ولأمثالي من الفتيان والشبان. فهي، من وجه اول، لها تراثها في مجتمع بانياس المديني، وكانت حلقاتها تستقطب مريدين من الكهول للطرق الصوفية حضورها المتوارث في عائلاتهم. وهي، من وجه آخر، غير محظورة ولا تمنع الأجهزة الامنية نشاطاتها، بل تركت لها الحرية في إحياء شعائرها وحلقاتها، كي تجذب المريدين وتستقطبهم، حتى من الفئات العمرية الفتية والشابة، فتصرفهم عن احتمال الانخراط في نشاط اسلامي دعوي إخواني، ليس محظوراً فحسب، بل قد يؤدي بناشطيه ومؤيديه المكتومين والسريين، الى اعدام ميداني في اثناء المطاردة، او الى معتقلات وسجون يُمضي الداخلون اليها معظم اعمارهم فيها. ومن يُكتب له البقاء على قيد حياة منسية، ينزع عنها التعذيب المروع في المعتقلات السورية كل صفة انسانية او بشرية، وغالباً ما يخرج منها حطام كهل او عجوز، ليمضي فضلة من حياة وعمر مبتئساً خاوياً وغريباً عن نفسه واهله ومجتمعه المكتوم والخاوي، فيذوي سريعاً وبطيئاً، قبل ان يشيّعه اهله وقلة من قدامى اصدقائه المحطمين الى مثواه الاخير. اما من تظل تضج نطفة من قوة الحياة في جسمه المحطم وروحه الذاوية ما بعد عتمة المعتقلات وعذاباتها، فستحمله هذه النطفة على استئناف نشاطه «النضالي» المعارض، او على الخروج من سوريا البعث والاسد الى وحشة ووحدة رضيّتين في ديار البرد والصقيع والحرية. والحق ان هذه العناوين السريعة تلخص سِيَر عدد كبير من الاسلاميين السوريين، وربما سير عدد أكبر من الليبراليين واليساريين وقدامى البعثيين والوزراء ورؤساء الجمهورية السابقين، ومن كبار الضباط في شلة حافظ الاسد ورفاقه ورهطه، في سوريا البعث و«الحركة التصحيحة» وما بعد المقتلة الاخوانية الاسلامية في حماة.

في هذه الحال، كيف لا يكون التصوف الاسلامي ملاذاً لجيل فتي وشاب، هو جيلي الذي تفتحت عيناه على الدنيا في مجتمع يتعرض لمثل هذه الاهوال التي قد يكون التصوف، بدفء حلقاته وأوراده وحلقات ذكره المسكرة، محاولة للشفاء السلبي منها، عبر الغيبة عنها بالخدر أو الوجد الالهي، وباعتزال الفعل والمجتمع والناس؟

هكذا وجدتني، منذ الثانية عشرة من عمري، بين نحو 30 فتى وشاباً في بانياس في واحدة من الحلقات الصوفية التي تكاثر انتشارها بين فتيان مدينتنا وشبانها، في الثمانينات والتسعينات. فالنظام الأمني السوري يعمل على ان يعيش الناس والمجتمع على مثال ما يعيش مريدو الطرق الصوفية حياتهم وعلاقاتهم، منكفئين ومنعزلين ومنقطعين عن العالم، كي يستغرقوا في صرف طاقاتهم في حلقات الذكر والحضرة التي يتصدرها شيخ الطريقة. فالصوفية، على خلاف الحركات الاسلامية الدعوية، لا تدعو الى القيام على الظلم والحكام، بل تحض على احترام أولي الامر واصحاب السلطان، وعلى ذوبان المريدين في حضرة شيخهم، وصولا الى الخدر والسكينة والتواصل مع الحضرة الالهية في الملأ الأعلى، خارج هذا العالم الفاني. وفي الحلقة الصوفية التي كنت من مريديها في بانياس، كنا نحن الفتيان والشبان نختلط برجال مكتهلين مسنّين وفي أعمار آبائنا، فنقيم شعائرنا وأذكارنا وأورادنا واحاديثنا الروحانية في حضرة شيخنا مرتين في الاسبوع: مرة في مساء نهار الاربعاء، نحضرها في بيت الشيخ أو بيت شخص غيره من المريدين المتقدمين في معارج الصوفية. والحلقة هذه يحضرها من نسمّيهم الخواص. والمرّة الثانية في مساء نهار الخميس، عشية العطلة الاسبوعية، ليتسنى لكثيرين حضورها حيث تقام في مسجد الرحمن، ويكون مريدوها من العوام والمبتدئين، فننتحي زاوية من صحن الجامع الفسيح، منشئين ما يشبه التكية.

في بانياس كانت الطريقة الشاذلية الدرقاوية هي الاقوى والأنشط في جمعها الاتباع والمريدين في حلقة الخواص، وفي حلقة العوام الموسعة في جامع الرحمن. اما الطريقة النقشبندية فكانت ضعيفة ومعروفة بقلة مريديها. لكن مشايخ التصوف وطرقه في بانياس يتبعون مشايخه الكبار في مدينة حلب المعروفة بانتشار التصوف على نطاق واسع وعميق بين عائلات كثيرة من اهلها، فتستقطب حلقاتها الكثيرة والمتجذرة اعداداً كبرى من الفتيان والشبان والمسنين الحلبيين. وفي بعض المناسبات الصوفية المشهودة في بانياس، كان مشايخ الطرق الكبار يأتون من حلب لحضورها وتصدرها في مدينتنا غير العريقة في نشاطها الصوفي، قياسا الى حلب.

الخروج على الصوفية

ما بين عشيات بداية الألفية الثالثة وغداتها بدأت تظهر علامات ضجر أو سأم من التصوف وحلقاته في أوساط شبان من قدامى المريدين ومشايخهم في بانياس. وكان للمنعطف الألفي بظواهره المعولمة تأثير بارز في تململ أولئك الشبان وسأمهم، من طريق تواصلهم المستجد مع العالم الواسع وحوادثه، عبر الشاشات التلفزيونية وبث محطاتها الفضائية، وفي طليعتها «الجزيرة» و«اللبنانية للارسال L.B.C» و«المستقبل» البيروتية، و«العربية»، والمحطات الاسلامية الدعوية والتربوية كـ«إقرأ» و«الرحمة» و«الحكمة» و«الناس». وساهم البث الالكتروني عبر الانترنت في هذا التواصل وفي تداول المعلومات والاخبار والرأي. أما مادة هذين التواصل والتداول وموضوعاتهما، فكانت سلسلة مترابطة ومتزامنة من الحوادث التي ملأت اصداؤها الحارّة الفضاء العام العربي والاسلامي: «الجهاد» في افغانستان، و«الافغان العرب» العائدون الى ديارهم من هجرات جهادية هناك، وتفجيرات «قاعدة» اسامة بن لادن الكبرى في نيويورك وواشنطن في 11 ايلول 2001، وصورها الحية المهولة، ثم الحرب الاميركية والدولية على افغانستان الحركة الطالبانية و«القاعدة»، وسرعان ما أعقبت هذا كله الحرب الاميركية على العراق في 2003.

هذه السلسلة من الظواهر والحوادث المتزامنة والمترابطة، تدافعت صورها واخبارها وكلماتها واصداؤها الى عزلات حلقات التصوف وسكينة طقوسها وشعائرها واورادها واذكارها، ففتحت مدارك الفتيان والشبان من مريديها، على التفاعل مع هذه الحوادث العالمية والمعولمة، وعلى افكار وممارسات ودعوات اسلامية جديدة، على النقيض من الممارسات الصوفية المنكفئة.

لذا أخذنا نتساءل، نحن مريديها من فتيان بانياس وشبانها، عن معنى الصوفية وجدواها، قياساً على إسلام الحضور والفعل الذي تراءت لنا صوره وعباراته وأفعاله عبر التلفزيون والانترنت والبث الإذاعي ايضاً. فرحنا نتداول في أسباب تراجع المسلمين وبواعثه، وشيئاً فشيئاً جعلت مداولاتنا تستقر على اعتبار الصوفية وحلقاتها قعوداً أو غياباً عن الفعل، واستغراقاً في الغفلة والخرافات التي ساهمت في ذلك التراجع وأدت اليه، لأنها تعزلنا عن حيوية المجتمع ومنابع القوة فيه وفي أنفسنا. وفي خضم ذلك، كانت الفضائيات التلفزيونية الإسلامية، الدعوية والفقهية والتربوية، تبث دعاوى سلفية، فيما توافد من دمشق وحلب دعاة لنشرها حضورياً في بانياس، وخصوصاً في أوساط مريدي التصوف من الفتيان والشبان. لكن السلفية هذه لم تكن جهادية ولا تحضُّ على الجهاد، بل تدعو الى إسلام اجتماعي ينشّط التفكير في شؤون الناس وأحوال المجتمع والأمة، من دون تأطير أو تنظيم محددين.

هكذا راحت السلفية العامية الدعوية تتفاعل وتنتشر في الحلقات واللقاءات البيتية لفتيان التصوف وشبانه الذين أخذوا يستقطبون سواهم من خارج حلقاتهم في سياق خروجهم على الصوفية وانقلابهم عليها.

لم نرَ في الاسلام الجهادي وأعماله مثالاً علينا الإقتداء به والنسج على منواله. فمجتمع الكتمان والخوف والقبضة الأمنية المشددة في سوريا الأسد، كان يحول دون ذلك، وفوق هذا لم نعتبر العنف والقتل الجهاديين صائبين إسلامياً، بل رأيناهما يشوهان صورة الإسلام في العالم، ولا يقدمان حلاً لمشكلته. كنا نقول إن الجهاديين على خطأ في أفعالهم، لكنهم فعلوا شيئاً ما، أما نحن فمستنكفون عن كل فعل، وعلينا أن نعثر على سبيل ما يخرجنا من حال الاستنكاف والقعود. لكن خروجنا وانقلابنا المتدرجين على الصوفية طوال سني العقد الأول من الألفية الثالثة، لم يحدثا من دون مجابهات دعوية ودعائية قام بها ضد السلفية وفتيانها وشبانها قدامى أقطاب التصوف ودعاته ومشايخه الكهول والمسنّون الذين استقدموا من حلب كبار مشايخ الطرق ودعاتها لمساعدتهم ومؤازرتهم في المجابهة. فدارت في بانياس حرب دعوية على السلفية، تعرضت وغيري في سياقها لمحاولات اعتداء متكررة في 2005، بعد بروزنا كدعاة للخروج على الصوفية التي راح حضورها يتداعى ويتضاءل عدد مريديها في مدينتنا. وهذا ما أدى، أخيراً، الى انقطاع صلة متصوفي حلب ببانياس التي انقلب معظم الصوفيين الشبان فيها الى سلفيين غير جهاديين، فيما ظل الانقلاب الى السلفية في حلب محدوداً وطفيفاً في حلقاتها الصوفية القوية، الواسعة والمتجذرة.

إبان هذا الانقلاب في بانياس، نشطت أجهزة الأمن في مطاردة السلفيين وحلقاتهم البيتية. وفي 2007 اعتقل رجال الأمن نحو 20 شاباً في مدينتنا بتهمة نشاطهم السلفي الدعوي غير الحركي، فاقتادوا المعتقلين الى أحد مقار دمشق الأمنية، حيث سجنوا قرابة أربعة أشهر. ذلك أن أجهزة الأمن السورية تصنّف السلفيين فئتين: فئة السلفيين العاديين وغير الحركيين الذين يقتصر نشاطهم على المناقشة والدعوة في ما بينهم، مثل أصدقائي الشبان الذين اعتقلوا وأطلق سراحهم، وفئة السلفيين الحركيين والجهاديين. وهذه الفئة تنقسم بدورها فئتين في عرف أجهزة الأمن: فئة غير مرتبطة بهذه الأجهزة، ومن تعتقلهم من ناشطيها هيهات أن يخرجوا من السجون ومعتقلات التعذيب إلا في حال تحويلهم جهاديين احتياطيين تستعملهم الأجهزة الأمنية في أعمالها الخاصة في لبنان والعراق. أما الفئة الأخرى من السلفية الجهادية المرتبطة، أصلاً، بأجهزة الأمن، فلا يختلف استعمالها عن الفئة الأولى.

ففي أيام حرب العراق سمحت الأجهزة الأمنية السورية لسلفيين عاميين دعويين بالذهاب للجهاد في بلاد الرافدين، بغية الخلاص منهم. ومن سلفيي بانياس أخذت الموجة الجهادية نحو 25 شاباً الى العراق في بدايات الحملة الاميركية عليه، فلم يبقَ منهم هناك سوى سبعة شبان بعد سقوط بغداد، وعاد الباقون الى ديارهم وأهلهم، فاعتقلتهم أجهزة الأمن، واختفى أثر بعضهم، والأرجح أنها استعملتهم في عملياتها الخاصة.

وكان لاغتيال رفيق الحريري في بيروت العام 2005، تأثير في الاوساط السنيّة في بانياس أثناء خروج شبانها على الصوفية. قبل حادثة الاغتيال بسنوات، كان أخي الأكبر قد أدى خدمته العسكرية الإلزامية في عاليه وبيروت، فروى لي أخباراً وحكايات عن الظلم والإضطهاد اللذين تمارسهما القوات الخاصة وأجهزة الأمن السورية على اللبنانيين، فأضفت مع أمثالي من الشبان هذه المظالم كمادة جديدة في مناقشاتنا حول ما ينزله بنا النظام السوري منذ سنين كثيرة. ثم أيقظت فينا انتفاضة اللبنانيين بعد اغتيال الحريري، شعوراً جديداً بالفرح والحسرة حيال ما نحن فيه، وسرعان ما غمرنا الشعور نفسه حيال حرب تموز 2006 بين «حزب الله» وإسرائيل، حينما استضاف الشعب السوري النازحين اللبنانيين، وخصوصاً الشيعة منهم، في أيام تلك الحرب. لكن بعيد هجوم «حزب الله» على بيروت وترويع مسلحيه أهلها في 7 أيار 2008، انقلبت نظرتنا، ونظرة السوريين السنّة عموماً، الى «حزب الله» ومقاومته في لبنان. وفي هذه الأثناء كان يتنامى لدينا ايضاً الشعور نفسه حيال مواقف الشيعة العراقيين وارتباطهم بإيران. فبعدما كان 90 في المئة من السوريين يؤيدون مواقف حسن نصر الله ويهللون لخطبه في إطلالاته التلفزيونية، تدنت هذه النسبة من مؤيديه الى نحو 10 في المئة، غالبيتهم الساحقة من العلويين. فالسنّة السوريون صاروا ينظرون الى الشيعة كفئة تريد السيطرة على الدولة في كل من العراق ولبنان، الى جانب سيطرة العلويين على الدولة في سوريا.

التظاهرة الأولى ومطالبها

هذه العوامل كلها، في تزامنها وتدافعها طوال العقد الاول من الألفية الثالثة، كان لها تأثير أكيد في خروجنا على الصوفية في بانياس التي أخذ أهلها يعتبرون كل شاب يخرج عليها سلفياً، من دون أن يدري هذا الشاب أو ذاك من الخارجين على التصوف، ولا الأهالي أنفسهم، ما هي السلفية. والدعاية التي أخذ يبثها ضد الصوفية رجال وشبان صوفيون ذهبوا الى أداء مناسك الحج في مكة، وعادوا الى بانياس معتبرين التصوف من البدع وخروجاً على العقيدة الإسلامية، ساهمت في إشاعة تسمية الخارجين على الصوفية سلفيين، وفي اعتقاد الأهالي أن التصوف يخالف تعاليم الدين. وكان لأجهزة الأمن إسهامها البارز في حمل الناس على النفور من الصوفية ومريديها المتضائلين. فكلما اعتقل رجال الأمن شاباً أو رجلاً بتهمة نشاطه الإسلامي، أخذوا في أثناء التحقيق معه وضربه وتعذيبه، يقولون له: «لماذا لا تنتمي الى حلقة صوفية؟ الصوفيون جماعة أوادم، كويّسين وطيبين، لماذا أنت لست معهم؟!».

لذا ما إن خرجت التظاهرة الاحتجاجية الاولى من جامع الرحمن الى شوارع بانياس، بعد صلاة ظهر نهار الجمعة الواقع في 18 آذار 2011، بالتزامن مع التظاهرة الاولى في درعا، حتى راح بعض من الشبان المتظاهرين في مدينتنا، يهتفون: فلتسقط الصوفية، فلتسقط الصوفية. كنت بين هؤلاء الشبان آنذاك، فسمعت رجلاً يسير الى جانبي يقول: هي سبب البلاء، هي سبب البلاء. ومن الهتافات الأخرى التي ترددت ايضاً في تلك التظاهرة: فليسقط الأمن، فليسقط الأمن. لكن قبل نحو 15 يوماً أو عشرين من تلك التظاهرة، كانت قد حصلت في بانياس حادثة فجّرت غضب أهاليها المزمن من فرض الإختلاط بين الجنسين في مدارسها. فبعدما قُبض على فتيات ثلاث يختلي بهن شاب في حمام إحدى المدارس، أثارت الحادثة لغطاً واسعاً في المدينة. وعقب استدعاء إدارة المدرسة أهالي التلميذات الثلاث اللواتي ألحقن الإهانة والخزي والعار بشرف أهلهن، أطلق هؤلاء – مع سائر العائلات السنيّة في المدينة – العنانَ لاستيائهم وغضبهم من فرض الاختلاط في المدارس. وإذ احتشد جمع من الأهالي أمام المدرسة احتجاجاً، استدعت إدارتها رجال الأمن، فحصل تدافع ومشاجرات أدت الى قيام رجال الأمن بفض الجمهرة بالقوة والعنف.

قبيل خروج التظاهرة الاولى من مسجد الرحمن، تكلم خطيب المسجد، فأشار الى الحادثة قائلاً: إلامَ تستمر هذه الحال من القهر في مدينتنا؟ لن نسكت بعد اليوم عن فرض الاختلاط على أبنائنا في المدارس، ونطالب بالفصل بينهم. فلماذا يفرض هذا علينا، ما دامت المشكلة غير مطروحة في اللاذقية وفي القرداحة؟! أما بعدما تجمهر ألوف المتظاهرين المحتجين من أهالي بانياس أمام مقر جهاز أمن الدولة في المدينة، وطلب منهم إمام المسجد وخطيبه تقديم لائحة بمطالبهم لقادة الأجهزة الأمنية القادمين من اللاذقية وطرطوس، فتضمنت اللائحة 11 مطلباً، تصدرت المحليةَ منها ثلاثة مطالب:

1- الفصل بين الجنسين في المدارس، وفتح مدرسة شرعية للتعليم الديني.

2- الكف عن التلاعب بقيمة فواتير الطاقة الكهربائية المستحقة على أهالي بانياس، وعن تحميلهم وحدهم مصاريف هذه الطاقة التي يستهلكها أهالي ريف المدينة من العلويين، وأهالي حي القصور العلوي في مدينتهم.

3- إرساء العدالة في توزيع الوظائف العامة والحكومية في المدينة، وعزل مدير الموانئ فيها من منصبه.

بعد أيام علمنا أن أحد قادة الأمن الكبار في دمشق سأل أحد مقدمي جهازه في بانياس مستغرباً، إن كان أهل المدينة المحتجون يريدون الفصل بين السنّة والعلويين؟! فأخبره المقدم الأمني أن مطلبهم هو الفصل بين الجنسين في المدارس. لكن قائد الجهاز الأمني الدمشقي ظل على استغرابه متسائلاً: هل هنالك من مدارس يختلط فيها الجنسان في سوريا؟




      © 2014  كلمن. جميع الحقوق محفوظة.
نشرة كلمن

نسيت كلمة المرور

أدخل عنوان بريدك الالكتروني:
     
سيتم إرسال كلمة سر جديدة الى صندوق بريدك.
ملفات تعريف الارتباط

لاستخدام سلة الشراء ومكتبة كلمن، يجب تشغيل ملفات تعريف الارتباط (cookies) في المتصفّح الذي تستخدمه‫.‬ ان كنت لا تعلم ما هي ملفات تعريف الارتباط (cookies)، الرجاء مراجعة قسم المساعدة في متصفّحك‫.‬